19/04/2006

فوضي فكرية وسياسية في عالمنا العربي

 بقلم : د. محمد صالح المسفر
 

اين ما وضعت عينك علي خارطة عالمنا العربي تصاب بحيرة وألم يعتصرك من الداخل. العراق قطر عربي صنع تاريخ منذ عصور ما قبل الميلاد وتكاثرت عليه نوائب الدهر ولكن اشدها واكثرها إيلاما ما حل به في زماننا هذا باياد واموال عربية وشعوبية وخونة من الداخل. هذا العراق يغرق في بحر من الدماء. علماؤه ومفكروه وكتابه وصناع نهضته الحديثة قتلوا غدرا او يلاحقون في كل مكان لقتلهم والعرب من حول العراق يتفرجون ليس ذلك فحسب ولكن ما برح البعض منا في كل محفل يردد عبارات مستوردة ومؤداها ان العراق قد تحرر من الدكتاتورية وأي دكتاتورية اعظم وأشنع وأشد إيلاما واكثر قسوة من دكتاتورية الاحتلال والعبث بقيم الإنسان واخلاقه امام كمرات التصوير العالمية.

كل جوار العراق يتحركون لصنع مستقبل هذا القطر العربي بما يخدم مصالحهم ويحقق اطماعهم التوسعية نفوذا او مساحة والعرب المجاورون للعراق يتفرجون بل يقدمون مبررات لتلك القوي عن قصد او عن غير وعي بمخاطر المستقبل علي هذه المنطقة.

السودان الشقيق يستنجد بالعرب لمساعدته في البقاء علي وحدة اراضيه وسيادته واستقلاله ولكن لا مغيث ولا مستجيب وكأن السودان الشقيق لا يمت للعرب والمسلمين بصلة، امريكا تهدده بكل مكونات القوة وتشن عليه حربا إعلامية واقتصادية والتهديد باستخدام القوة العسكرية تحت مظلة الامم المتحدة.
فلسطين، وماذا اقول عن فلسطين؟ طالب الغرب ولحق بهم العرب المنظمات الفلسطينية بالانخراط في العملية السياسية واعتماد الديمقراطية ـ انتخابات بلدية وبرلمانية ـ اسلوب حياة والقضاء علي الفساد الاداري والمالي فكانت الانتخابات البرلمانية وشهد بنزاهتها كل الاعداء إلي جانب الاهل والاصدقاء فماذا كانت النتيجة؟ خرج من قمقم فتح الفساد والإقطاع، ابو جعلان وابو زعلان وابو قرعان وابوصعبان ينذرون ويهددون الحزب الفائز ـ حركة حماس ـ إذا لم تتبع خطاهم وسياساتهم فلا امل في نجاحها في إدارة الضفة والقطاع وان الحصارات السياسية والاقتصادية ستتوالي علي الحكومة المنتخبة وان الشعب الفلسطيني سيتضرر.

لم نكن نسمع الحديث عن منظمة التحرير الفلسطينية بعد اوسلو المشؤومة وكل الذي كنا نسمعه قبل فوز حركة حماس هو السلطة الفلسطينية وان المفاوض الفلسطيني صائب عريقات هو مفاوض عن السلطة ، لكن بعد الانتخابات وفوز حماس اخذنا نسمع كثيرا عن منظمة التحرير وان عريقات هو المفاوض عن هذه المنظمة ، لقد علمنا ان حماس كانت من المطالبين بإصلاح منظمة التحرير وإعادة تنظيمها بما يتفق والمتغيرات في ميدان العمل الفلسطيني وكانت دعواتها تلك تصطدم باذن لا تسمع إلا ما يوحي إليها.

كل المعسكر المعادي للشعب الفلسطيني وفوز حماس، التقط الرسائل التي تحدث بها كهنة فتح وقاطع الحكومة الفلسطينية المنتخبة وقد سمعنا وشاهدنا احد الكهنة الذي كان يتولي منصبا عاليا وهو في حالة غضب عندما علم بنتائج الانتخابات قال: خليهم يحكموا وحنشوف.

التقيت في الدوحة بأحد اركان فتح المهزومة والذي تحوم حوله الكثير من الشبهات، سألته، لماذا تحردون عن المشاركة في الحكومة التي ستشكلها حماس؟ قال مشروعهم الكفاح المسلح ومشروعنا العمل السياسي عبر المفاوضات ولن نحصل علي شيء عن طريق الكفاح المسلح إنما يمكن ان نحصل علي اشياء كثيرة عن طريق التفاوض وخارطة الطرق. قلت له: محمود عباس يقول: الامريكان لم يساعدونا علي تحقيق اي إنجاز نقدمه لشعبنا وكذلك الاسرائيليين. قال لم اسمع بهذا القول، لقد افرجت اسرائيل عن اكثر من الف معتقل وسمحت بدخول العمالة الفلسطينية إلي إسرائيل.

ولكن بعد الانتفاضة الثانية توقف كل شيء فماذا استفدنا من المقاومة المسلحة؟

قلت للفتحاوي: حماس اعلنت انها علي استعداد لإجراء هدنة طويلة الاجل دون الاعتراف العلني بإسرائيل كما فعلت الكثير من الدول العربية بعد حرب 1948 وتدعو لاعادة تنظيم منظمة التحرير الفلسطينية لكي تلعب دورا رائدا في حركة العمل الوطني الفلسطيني وتقبل فكرة لقيام دولة فلسطينية في الضفة والقطاع وتؤمن بالعملية الديمقراطية وتداول السلطة سلميا فماذا تريدون بعد ذلك؟ لم نسمع بهذا من أي مسؤول صراحة من قادة حماس إنهم جماعة لا يعرفون العمل السياسي وعلي ذلك سيتعبون، وما هو العمل السياسي الذي تريدون؟ نريد الالتزام بكل الاتفاقيات التي وقعنا عليها والاعتراف بخارطة الطريق والاستمرار في المفاوضات. قلت لماذا لا تعطون فرصة للحكومة المنتخبة شعبيا وتشاركون معهم في إدارة الصراع ضد عدوكم المشترك، انت تعلم ان حزب العمل الإسرائيلي هو المؤسس لدولة إسرائيل وعندما فشل في الانتخابات لصالح حزب الليكود المتطرف دينيا وسياسيا ضد الشعب الفلسطيني لم يحارب بعضهم البعض كما تفعلون الان مع حركة حماس. لقد استعديتم عليها كل القوي الدولية بما في ذلك إسرائيل ولو انكم شكلتم معهم حكومة اتحاد وطني لوفرتم مشقة علي الشعب الفلسطيني واحترمكم الناس في داخل فلسطين وخارجها ان العدو ينظر إليكم صقورا كنتم ام حمائم علي انكم العدو الذي يجب القضاء عليه.

سألت رجل فتح المستقوي بعدوه اين اموال منظمة التحرير الفلسطينية التي جمعت علي مدي اكثر من اربعين عاما؟ لماذا السلطة مديونة بـ1,8مليار دولار ولماذا لا يوجد في مالية الدولة الفلسطينية ولا دولار واحد وانتم تنعمون بكل الرفاه؟ وماذا عن الذين قبض عليهم علي الحدود مع الاردن وبحوزتهم ملايين الدولارات. إنكم تخشون من حكومة حماس ان تكشف ملفات الفساد والمفسدين من كهنة فتح وينفضح امركم وتخشون ان تكشف حكومة الشعب الفلسطيني المنتخبة علاقاتكم السرية مع قيادات الكيان الصهيوني فلهذا تعملون علي إفشالها.

تمتم محدثنا بكلمات وضحكات ساخرا او مستهزئا او منبهرا بما سمع من مراقب ليس فلسطينيا ظهر انه اكثر حرصا علي مستقبل فلسطين والفلسطينيين اكثر من معظم كهنة فتح.

 القدس العربي

إلى صفحة مقالات وأراء4