27/03/2006

  تحليل دقيق وعقلاني للخطة العراقية في قتال المحتل .


 بقلم : صالح بن شعيب


أن الإعلام اليهودي صور الأمر عكس ما يحصل على أرض الواقع ولمصلحتهم ولنعود لأيام الحرب وما حصل وحتى قبل الحرب, ونطرح سؤال: هل بإمكان أي قوة عسكرية أن تصمد عسكريا أمام القوة الأمريكية الغاشمة حتى لو كانت القوة المدافعة في العراق هي روسيا بكل قوتها؟ الجواب : لا ، فلن تستطيع أن تصمد ، لأن أمريكا غير مستعدة للهزيمة وعندها من الوسائل ما يقلب الهزيمة نصراً في الحروب العسكرية المباشرة وبأي وسيلة كانت !

لماذا الإعلام العراقي قبل المعركة وأثناءها ركز على بغداد ؟

هل من المنطق أن تقوم القيادة العراقية بحصر قوتها في منطقة مثل بغداد والتي لا تحوي أي من المقومات الاقتصادية ؟ وكيف كان ذلك ؟

هذه العملية أي حصر القوة العراقية في بغداد لها محاذير عدة منها :

إذا تم تجميع الجيش والقوة العراقية في بغداد فأول شيء سيقوم به الأمريكان هو تدمير كل ما هو حي في بغداد وبهذا يكون انتحار جماعي وإبادة للشعب والجيش والقوة العراقية وعدم إمكانية قيام مقاومة عراقية مستقبلية.

إذا لم ترد أمريكا تدمير بغداد بأهلها فقد تقوم بحصارها حصارا شديدا من كل جهاتها إضافة إلى السيطرة الجوية وحتى قطع الماء بتحويل مجرى نهر دجلة إلى نهر الفرات فماذا يحل بأهل بغداد في غضون عدة أشهر .

قد تعمد أمريكا إلى عدم دخول بغداد وترك سيطرتها للقيادة العراقية وتسيطر هي على الشمال والجنوب العراقي المليء بالثروات والذي هو الثمن الذي ستقبضه أجورا لما تقوم به من تدمير للعراق تلبية لدوافع يهودية .

من النقاط السابقة نجد أن هذا الترتيب غير صحيح بكل المقاييس ولا يمكن أن تكون الأمور هكذا. ...!؟

نبدأ هنا مناقشة ما حصل :

1- القيادة العراقية تعجلت تقدم القوات الأمريكية لبغداد ودليل ذلك هو قول وزير الدفاع العراقي سلطان هاشم أحمد " إننا توقع وصولهم إلى بغداد في غضون ( 6 – 10 ) أيام فهل هذا الكلام يصدر من شخص بهذا المستوى وهو يدافع عن بلده وهو المسؤول عن رفع المعنويات وليس تثبيطها بهذا الوقت.

2- أصرت القيادة العراقية على أن انتحار القوات المعتدية سيكون على أسوار بغداد ومع ذلك لم يجد الغزاة جيش عراقي على مشارف بغداد فمن الناحية العسكرية فإن الخطوط الدفاعية لبغداد يجب أن تكون على مسافة لا تقل عن 80 كم عن بغداد من كل الاتجاهات وأن يكون هناك أكثر من خط دفاعي فلم يجد الأمريكان ذلك بل كانت القوات المدافعة على مشارف المدن بشكل كمائن أوقعت بالقوات المعتدية خسائر فادحة فما معنى ذلك ومثال ذلك معركة المطار ومعركة الكوت ومعركة تكريت .

3- بعد إنتهاء معركة المطار صدر أمر بحظر التجول من السادسة مساء إلى السادسة صباحا من كل يوم وفسر بعدها على أنه تم في هذا الوقت إنسحاب القوات العراقية من بغداد فهل يستطيع أي جيش سحب كل قواته من بغداد في مثل هذا الوقت إذا كان يعمل على الدفاع عن بغداد كما صوروا الأمر وكيف إنسحب بدون أن يرى من قبل الأقمار الصناعية ولم يتم قصفه من قبل القوات الأمريكية علما أن القوات الأمريكية كانت على مشارف بغداد فكيف تم الإنسحاب ؟

4- أثناء المعارك كانت القيادة العراقية تمنع الصحفيين من التجول في بغداد وموضوعين في مركز مخصص لهم في وسط بغداد ولا يتم تحريكهم إلا من قبل القيادة العراقية وقد أخذهم الصحاف ولكن ليلا فلماذا ذلك ؟

5- ثم أن الدخان الذي كان يتصاعد من الحرائق المفتعلة ما كان سببه هل كما صوره الصحاف أم ماذا ؟

6- في ليلة السقوط المزعوم صدر بيان يطلب من جميع الجنود والعسكريين العراقيين الالتحاق بأقرب وحدة عسكرية فهل من الممكن لأي دولة تواجه أمريكا وبريطانيا وما تملكان من قوة أن يترك جنود وعسكريين غير ملتحقين في وحداتهم العسكرية إلى ذلك الوقت من المعركة بالرغم من أن الهجوم كان شاملا لكل أرض العراق إضافة إلى الإنزالات الواسعة والتي يحتاج في مواجهتها لكل مواطن عراقي وليس عسكري فحسب ! فما معنى هذا البيان ؟

7- والذي ينظر للدفاعات العراقية الجوية ( المضادات الأرضية ) ففي عام 1991 كانت السماء تشتعل ناراً عند قدوم أي هدف جوي من كثرة طلقات الدفاعات الأرضية أما في هذه المعركة فلم نلحظ هذه الكثافة من النيران>

8- والسؤال الذي يجب طرحه هو : أين السلاح العراقي الثقيل من طائرات ومدرعات وصواريخ وإلى ما هناك من سلاح تقليدي وغير تقليدي؟

للإجابة على هذه الأسئلة أقول :

إن القيادة العراقية لم تكن تريد الدفاع عن بغداد دون باقي المناطق فهذا يعني حصارها وتدميرها كما أسلفنا سابقا وهذا له محاذيره ؟

أما لماذا إستعجلت القيادة العراقية قدوم الأمريكان لبغداد ولماذا منع الصحفيون من التجول في بغداد أقول :

إن بغداد كانت خالية من الجيش إلا قلائل كانوا يسيرون بالشوارع بأسلحتهم الخفيفة وخاصة أمام الصحفيين حيث تم وضع بعض المتاريس أمامهم للإيحاء لهم بأن العراق عازم على جعلها حرب مدن فاستعجلوا قدوم الأمريكان قبل أن تتكشف خططهم وهذا مايفسر كلام وزير الدفاع العراقي.

أما منع التجول فهو إيحاء للأمريكان بأنه قد تم انسحابهم في ذلك الوقت وهذا الذي حير الخبراء العسكريين عن كيفية إنسحاب القوات العراقية من بغداد ونسوا أنه لم يكن هناك لا جيش ولا قوات ليتم سحبها من بغداد.
أما البيان الذي صدر والذي يأمر العسكريين بالإلتحاق بوحداتهم العسكرية أو بأقرب وحدة عسكرية لمنطقتهم فهو الشيفرة التي أتفق عليها لإنسحاب الأفراد العسكريين من وسط بغداد وباقي المدن كافة وتبديل ملابسهم العسكرية بملابس مدنية وترك السلاح وهذا الكلام يؤكده ما قاله بعض القادمين من العراق وهو كيف أن عناصر الجيش العراقي نزعوا ملابسهم العسكرية وأرتدوا ملابسهم المدنية وصور على أنه خيانة
أما فيما يتعلق بالدفاعات الجوية وقلتها يفسر كلامنا والذي هو عدم الدفاع عن بغداد بالطرق العسكرية التقليدية لأنه سيتركها في أرضها ، وأراد الإحتفاظ بهذه الدفاعات للأيام المقبلة، وكذلك موضوع الدخان أو النيران التي أشعلتها القيادة العراقية في خزانات نفط موزعة في بغدادوذلك ليس من أجل الصواريخ كما صوره الصحاف بأنه يصعد للأعلى وينتحر بل للتغطية على سماء المدن وبغداد خاصة حتى لا تكشف الأقمار الصناعية أن المدن خالية من المعدات العسكرية والجيش .

أما عن السلاح العراقي التقليدي فقد عمدت القيادة العراقية على إخفائه في أما كن سرية مجهزة مسبقا تحضيرا للمرحلة المقبلة وهي حرب العصابات التي خطط لها قبل المعركة وقد تم جر الأمريكان إلى المستنقع العراقي .

والآن أمريكا لا تستطيع أن تعترف بهذا الكلام لأنه يعتبر نهاية سريعة لها لذلك تم إختراع مسألة الخيانة المزعومة في قادة الجيش العراقي للتغطية على سقوطهم المروع فالعملية إذاً ليست سقوط بغداد بل العملية هي سقوط أمريكا وبريطانيا في العراق وما يحصل الآن من مقاومة منظمة ومقاومين ومجاهدين مدربين على أعلى المستويات بإعترافهم إلا دليل على ذلك إضافة إلى أن المقاومة السريعة التي تشكلت فلو أن الأمر سقوط وانهزام فالمقاومة تحتاج لسنوات حتى تتشكل وتصبح بهذه الصورة التي وصلت إليها فالعملية مدبرة ثم ننظر إلى عمليات تدمير المنشآت النفطية لنعرف كيف أن هذه المقاومة منظمة وتدار من قبل قيادة مركزية فنرى:

إن تفجير خط غاز هيت تم بعد عملية تعطيل الصمام المسؤول عن الإغلاق الآلي في حال حدوث تسرب غاز وهذا يعني أن من قام بهذه العملية يعرف ماذا يفعل وهناك من يوجهه ، ثم إن خط نفط بروانة وبرواية أهل المنطقة يقولون أن التفجير حصل الساعة الواحدة والنصف ليلا ولم نكتشفه حتى الرابعة والنصف فجرا فكيف لم يكتشفوا الإنفجار مع العلم أنه يسمع به ويرى من عشرات الأميال ؟ أقول من قام بالعملية يعرف أن هذا الخط فيه نفط وأن تفجيره سيؤدي للإحتراق مع إمتداد النيران مما سيضر بالمنطقة والأهالي لذلك فإن هذا الأنبوب لم يتم تفجيره تفجيرا بل تم تخريبه بجرافة أو ما شابه وهذا يؤكد عدم إكتشاف أهل المنطقة للإنفجار حتى وصل النفط إلى بساتينهم ومن ثم إلى النهر لأنه لم يكن هناك تفجير أصلا فكل هذا التنظيم ألا يؤكد أن المقاومة منظمة ومركزية القيادة.


تعالوا لنفكر بروية

صدام ونظرية الاحتمالات

كثرت التحليلات والتخرصات في الآونة الأخيرة حول ما حدث في العراق ولكن قلة منها تطرقت لاحتمال استراتيجية الحرب المتوازية ........ عوضا عن الحرب المتوازنة
فهل حفظ صدام درس القاعدة والطالبان جيدا
لقد أوردت في مقال سابق لي 12 وجه تشابه بين ما حدث في أفغانستان وما حدث في العراق ولو حاولت لوجدت المزيد .
فما هو خيار استراتيجية الحرب المتوازية ؟؟؟
قبل ذلك دعنا نجمع بعض الشواهد لاستثناء الاحتمالات الأخرى :

انهيار الجيش
هل تعرف معنى انهيار جيش تعداده على أقل التقديرات نصف مليون جندي هذا غير المليشيات المختلفة ما بين حزبية وفدائيي صدام وجيش الأقصى والمجاهدين العرب ، ويملك الجيش على أقل تقدير 3000 دبابة و250 طائرة و لديه مصانع عسكرية تصنع الصواريخ التي يقل مداها عن 1500 متر مما يعني أن لديه أعداد مهولة من هذه الصواريخ.

دعنا نفترض ذلك فكيف ستكون النتائج :
- تصرفات الجنود والقادة عشوائية وغير منظمة وتتباين من أقصى اليمين لأقصى اليسار حسب طبيعة الاختلاف الفطري في ردات فعل البشر حيال المفاجئات.

بمعنى لابد من وجود أعداد كبيرة (الأعداد تتناسب مع حجم الجيش 500000 جندي) من كل من الأصناف التالية :
أ- مستسلمون
ب - منضمون للتحالف طمعا في العفو أوالمشاركة في الغنائم أو كليهما
جـ - أسرى وقتلى بأعداد ضخمة
د- مصدومون لا يعرفون ما يفعلون وكيف يتصرفون بدرجات متفاوتة قد تصل بعضها لحد الجنون
هـ - مقاتلون أشداء يصرون على القتال بضراوة وبدون خطط عسكرية فاعلة (يعني بتهور)
و- هاربون منهزمون خلعوا اللباس العسكري وانحازوا للبيوت

وبفعل المستسلمين والمنضمين للتحالف الذين لا بد من وجود قيادات عسكرية من كافة المستويات بينهم فلابد من حدوث ما يلي في حال انهيار الجيش:

1-العثور على كميات هائلة من السلاح ومن كافة الأنواع المعلوم وجودها لدى الجيش العراقي بشكل مطرد.
2- العثور على مصانع السلاح .
3- العثور على بعض قيادات الجيش والقيادات الحزبية والسياسية.
4- قيام القيادات المستسلمة أو المنضمة بتوجيه نداءات للمقاتلين بإلقاء السلاح والإعلان عن الاستسلام رسميا
ولكن بالله عليكم هل رأيتم شيئا يذكر من كل ذلك؟
وكم يشكل ما رأيتم بالنسبة لما هو مفترض الحدوث أعلاه ؟

إذا هل نستطيع التأكيد بأن الجيش لم ينهار ؟؟

وإن كان الأمر كذلك ، فكيف نفسر اختفاء جيش بهذه الأعداد فجأة؟؟؟
ثم كيف حدث ذلك في مدن متباعدة كان آخرها تكريت اليوم وبنفس السيناريو تقريبا ؟؟؟؟

وأعني بذلك مقاومة شديدة وتأكيد من التحالف بأنه يواجه مقاومة شرسة من الحرس الجمهوري ، ثم فجأة تدخل القوات المدينة فلا تجد شيئا لا قوات ولا آليات !!!!!

قد يقول قائل ربما أبادهم الأمريكان
ولكن أين بقايا الآليات ؟؟؟
أين الجثث ؟؟؟
لم لا يعلن الأمريكان أنهم انتصروا وأبادوا عدوهم وهم جياع لنصر كاذب فما بالك لو كان حقيقيا على الأرض ؟؟؟ ورغم عدم قناعتي باحتمال تغطية الأمريكيين إعلاميا على نصر كهذا أفلا يوجد في كافة المدن إعلامي واحد يسرب خبرا عن ذلك ؟؟؟ أولا يوجد مواطن عراقي واحد شهد المجزرة المفترضة ليخرج فيدلي بشهادته ؟؟؟
هل سمعتم شيئا كهذا ؟؟؟

هل نستطيع التأكيد بعد هذا بأن الجيش لم يقضى عليه ؟؟؟

إذا ماذا بقي لتفسير التساؤلات عن اختفاء الجيش ؟؟؟
خلعوا ملابسهم العسكرية وانسابوا بين أهاليهم ؟؟؟

إن كان هذا ما حدث تبقى الأسئلة الحائرة عن اختفاء السلاح والآليات بلا جواب ، فهل أخفوها ؟؟؟ ولكن أين؟؟؟ وكيف ؟؟؟ بشكل فردي أم جماعي ؟؟؟

فإن كان الجواب بشكل فردي فهل يعقل أن يكونوا جميعا حاذقين في إخفائها لدرجة الفشل في كشفها ؟؟؟
واذا كان إخفاؤها مجمعة (كليا أو جزئيا) فكيف تم التجميع ومتى ؟؟؟ وكيف استطاعوا ذلك وسط القتال في العديد من المدن التي استمرت المقاومة فيها لوقت قصير قبل التجميع المفترض ؟؟؟
ثم أليس العثور على الجنود المفترض انسيابهم بين الناس طريقا للوصول إليها؟؟؟
وهل اصطياد المنسابين بين الناس يسير أم عسير ؟
هل تظنون أن كلا منهم يحارب قرب بيته ؟؟؟ فإن كان الجواب لا ، فإلى أي بيت ذهب كل هؤلاء؟؟؟
من يقول ان بيوت كل العراقيين تتسع لجنود الوطن ؟ نقول: نعم صحيح فالشعب العراقي شعب مضياف شهم ، ولكن لكل بيت مزبلته ، وفي كل حارة حاوية قمامة ....... ونحن نرى المثال الحي من شعبنا الفلسطيني البطل ، كم خسر من أبطاله وصناديده بسبب هذه القمامة وتلك الحاوية ، رغم فداء المضيف للمجاهد الضيف بروحه وماله وولده ...... ولكن ما كان ذلك ليغني عن المداهمات والاعتقالات والاغتيالات عند تعرف العميل على المجاهد .
فهل سمعتم عن حدوث مثل ذلك في مدن العراق ؟...... مع العلم بأن العميل في العراق قد يلبس ثوب الناقم على النظام و الراغب في الانتقام منه ومن رموزه وجنوده ؟

بعد كل هذا ألا ترون بأن نظرية الانسياب قد فشلت ؟

ماذا يبقى؟

لا يبقى إلا وصف واحد يصف ما حدث بدقة متناهية وهو:

انسحاب تكتيكي منظم تم تنفيذه باحتراف يدعو للإعجاب ، ولكن قد يقول قائل إلى أين ؟؟؟

هل يدعي هذا القائل معرفة كل شبر فوق أرض العراق وتحتها ، أم أنه يريد أن يكون هذا الأين واضحا لمراقب إنترنيتي مثلنا ليكون ذلك أدعى لكشفه من قبل الأمريكان.
لنتساءل الآن ما هي أبرز سمات الانسحاب المنظم ؟؟؟ وكيف نعلم أنه منظم؟؟؟

الانسحاب أو سمه كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الكر أو الانحياز هو أمر مشروع في كل الأعراف العسكرية بل قد يصبح واجبا حتميا في حالات منها ، وأشهر حادثة انسحاب منظم عرفت في التاريخ الإسلامي كانت في معركة مؤته ، وقد لقيت استهجانا من المسلمين فرشق صبيان المدينة الجيش المنسحب بالحجارة شاتما لهم بأنهم الفرار من الجهاد فكان جواب الرسول صلى الله عليه وسلم الحكيم بل هم الكرار إن شاء الله ليشرع لنا هذا التكتيك العسكري ، فماذا حدث في معركة مؤتة ؟؟؟

1- تفوق عددي هائل للروم : فمقابل3000 مجاهد حشد الروم 200000 مقاتل يعني النسبة 3 مقابل كل 200
2- قرب الروم من مركز إمدادهم (المسافة بين مؤتة ودمشق حوالي 250كيلومتر) وبعد المسلمين عن مركز إمدادهم (المسافة بين المدينة ومؤتة حوالي 1300 كيلو متر)
3- المعركة جرت في سهل واسع مكشوف مما يسهل على العدو الإحاطة بالمسلمين من كل الجوانب دون الاستفادة من تضاريس طبيعية للاستناد إليها وحماية الظهر.
تشاور المسلمون حيال ذلك وكانوا بين الانسحاب قبل بدء المعركة أو بين خوضها ، فاستقر رأيهم على خوضها ذلك أن الرأي الآخر كان يعني الهزيمة وكان يدع احتمال مطاردة الروم لهم واردا ، فقرروا خوضها.
خاض المسلمون المعركة ببسالة وأبلوا فيها بلاء حسنا فقتلوا 3000 من الروم.
واستشهد منهم عدد كان في طليعتهم قادة الجيش الثلاثة ، ثم آلت القيادة لخالد بن الوليد الذي حارب بشدة وتكسر في يديه في يوم واحد تسعة أسياف، ثم ماذا ؟؟؟
قرر خالد رضي الله عنه الانسحاب ، فكان الانسحاب المنظم السريع المفاجئ الذي أوقف العدو مندهشا ، فكيف تم ؟؟؟
1- ايهام العدو بتوافد المدد من خلال إرسال مئة فارس خارج منطقة المعركة بالليل وترتيب عودتهم عشرة عشرة من جهات متفرقة على أن يحدثوا الجلبة والضجة والغبار وأن يكبر الجيش كله ويهلل فرحا بمقدم المدد واستغل في ذلك عتمة الليل حتى لا ينكشف عدد المدد.
2- تبديل أجنحة الجيش ليرى المقاتلون بأنهم يواجهون وجوها غير التي رأوها بالأمس.
3- استمرار المعركة يوما آخر مع التركيز على فتح ثغرة في قوات العدو التي تحاصرهم.
4- الانسحاب ليلا من الثغرة مع الاستمرار في إيهام العدو بالعزم على المضي في الحرب ، وبذلك فقد نجح رضي الله عنه في حفظ جيشه والعودة به إلى المدينة بعد أن :
- أعطى الروم درسا قاسيا في كيفية قتال المسلمين وبذلك جعلهم يشعرون بالراحة لانتهاء المعركة.
- نجح في الحرب النفسية التي شنها على الروم.
- أمن من خطر ملاحقة الروم له مما يربك الانسحاب أو يعيده للقتال دون تخطيط.
- عاد الجيش بطمأنينة وسلام دون خسران شيئ من معداته أو مقتنياته، لهذا كان انسحابهم المنظم هذا في مصلحة الإسلام والدعوة فكان انحيازا وكرا ولم يكن هزيمة ، فالحد الأدنى من هدف القتال قد تحقق والروم جبنوا عن ملاحقة الجيش المنسحب.

===========================
لقد سردت أحداثا تاريخية لم يكن القصد هو سردها بل الاستفادة منها فيما نبغي الوصول إليه كونها أول وأشهر عملية انسحاب منظم تمت في الإسلام فهل نستطيع تحديد أركان الانسحاب المنظم من خلالها ؟؟؟

1- السبب الرئيسي للانسحاب المنظم التكتيكي (الانحياز ، أو الكر ) هو تفوق العدو بشكل يجعل الاستمرار في المعركة لا يحتمل شيئا سوى الدمار التام والاستئصال للجيش ومعداته .
2- الهدف الأساسي له هو حفظ أكبر نسبة ممكنة من القوى البشرية المقاتلة والمعدات التي يملكها الجيش توفيرا لها لمعركة أخرى تتبدل فيها موازين القوى أو الظروف الموضوعية للحرب أو بهدف الانحياز لفئة أكبر أو انتظارا لمدد قادم.
3- سمات الانسحاب المنظم :
أ - قتال عنيف يسبق الانسحاب ، للاسهام في حرب جنود العدو نفسيا ، ولاظهار ما يمكن للفرد المجاهد فعله لو استمرت المعركة ، ولتثبيط عزيمة جنوده عن المطاردة (على الأقل المطاردة الفورية)
ب - إيهام العدو بالعزم على الاستمرار بالحرب حتى النصر وإشعاره بالثقة التامة بذلك.
جـ - استخدام عنصر المفاجئة للتعمية على العدو عن موعد وكيفية ووجهة وهدف الانسحاب ، وإبقاء العدو في حالة من ترقب كرة سريعة ، وذلك لتأمين انسحاب هادئ آمن يحقق الهدف الأساسي من الانسحاب .
د - التعمية على الخطوة التي تلي الانسحاب إمعانا في إرباك العدو.
فهل حقق العراق ذلك ؟؟؟وهل كان انسحابه مبررا بتبرير خير الخلق (بل هو الكرار إن شاء الله)؟؟؟

=================

والآن ما هي الخطوة التالية .......
بعد الانسحاب المنظم الذي ترك العدو يتخبط بين نصر إعلامي هو أعلم الناس بزيفه ، وبين عدم القدرة على الإجابة عن أي من الأسئلة الكبرى التي تطل برأسها بقوة رغم هول حجم زخم إعلام الانتصار عند الغرب وإعلام الهزيمة عند العرب ، وبذلك فلقد دخل العراق في المرحلة الأولى من مراحل الحرب المتوازية وهي :
الاختفاء وضربات الأشباح (حرب العصابات)

3- استراتيجية صدام في القتال
من المعروف عن صدام عناده وصلابته ورفضه للإنصياع لما أنصاع إليه غيره من جحوش وأذناب جحوش العلوج ، ومن أهم أولوياته تحقيق المجد الشخصي له ولبلده مهما كلفه ذلك من ثمن ، ولعل هذا يقودنا للإجابة على السؤال التالي : ما هو أسلوب الحرب الذي اتبعته القيادة العراقية خلال الأسابيع الثلاثة الأولى ؟؟؟

هل هو أسلوب اليائس العنيد ( المنتحر / الأرض المحروقة) ؟؟؟
والمحارب اليائس يعلم مسبقا بأنه سيهزم ولكنه يصر على الحرب وعلى تدمير ما يمكن تدميره من أعدائه ، كما يصر على تدمير كل ما يمكن أن يؤول لأعدائه.
وبافتراض هذا الأسلوب فإن على القيادة العراقية أن تكون عنيدة لدرجة التهور دون حساب لدماء العراقيين أو ممتلكاتهم أو ثروات العراق، فهل كان هذا هو الحال ؟؟؟
لنفترض ذلك لنجد أن من يفكر بهذه الطريقة في الظروف الموضوعية لحرب الأسابيع الثلاثة فإنه سيعمد إلى ما يلي :
- إبعاد الحرب البرية عن العاصمة قدر الإمكان.
- تفجير كافة الجسور والممرات المائية التي توصل لبغداد.
- تدمير كل منابع البترول وآباره نظرا لكونه من أهم أهداف الحملة الأمريكية.
- تدعيم المقاومة في الجنوب ووضع العديد من خطوط الدفاع المتتالية حول بغداد وعلى الطرق المؤدية لها.
- تحصين القيادة في مواقع لا يصل إليها القصف وعدم الاهتمام بأية خسائر مدنية.
- القتال بشراسة دون اعتبار لتعريض الجيش لخسائر جسيمة بسبب التفوق الجوي الأمريكي.
- استخدام كل سلاح متوفر مهما كانت النتائج ويقع ضمن ذلك سلاح الطيران والدروع والصواريخ والأسلحة غير التقليدية (إن توفرت).
- الانتحار عند اقتراب الهزيمة ليكون موتي بيدي لا بيد الأعداء.

ويتراوح حجم ما سينفذه المحارب اليائس من هذه السلوكيات حسب درجة يأسه ومقدار حقده على من سيرث الأمر من بعده وأترك لكم تخيل ما كان سيفعله صدام من ذلك لو كان محاربا يائسا في ضوء معرفتكم لشخصيته التي قدمت ببعض من ملامحها ، فهل لديكم الشواهد على أنه نحى هذا المنحى ؟؟؟

ويبدو لي من خلال متابعة الإعلام الأمريكي وما وضعه من سيناريوهات مفترضة قبل الحرب بأنه كان يرجح هذا الاحتمال بل وكان يتمناه لأنه سيكون مؤشرا على الهزيمة الداخلية لدى القيادة العراقية قبل بدء الحرب
ولكن بدا لي أن الأمريكان الذين لم يخفوا رغبتهم في الوصول لمنابع النفط ولبغداد بأسرع ما يمكن قد تفاجأوا كما تفاجأ وتساءل الكثيرون لماذا لم يفعل صدام كل ذلك ؟؟؟
ولأننا نستشعر الهزيمة ونعلن عنها وعن قبولنا بها قبل أن تقع كان من الصعب أن نتصور أن العراق سينتصر ، وأنه قد بنى استراتيجيته على ذلك ، فرحنا نتخيل ما قد يفعله اليائس في تحليلاتنا التي سبقت ورافقت الحرب.

والآن هل نستطيع التأكيد بأن صدام لم يحارب بيأس فهو لم يستخدم سياسة الأرض المحروقة كاستراتيجية واضحة لخططه العسكرية.
فهل كان ذلك غباء أم حفاظا على بلده وشعبه وثروات بلده لفترة ما بعد الحرب على أمل انجلائها بالنصر للعراق ؟؟؟

قد يقول البعض بأن صدام انتهج استراتيجة المجاهد الشريف الحريص على بلده وشعبه (القتال بعنف حتى الشهادة) ؟؟؟
وهذا يعني أن يكون لدى صدام علم مؤكد بحتمية خسارته ولكنه يفضل القتال على الاستسلام مع بذل الجهد لحماية شعبه وثروات بلده من الدمار كائنة ما كانت النتائج ، وحتى لو آلت ثروات بلده للمحتل الغاصب فيقاتل بشرف وإخلاص حتى اللحظة الأخيرة من حياته.

تختلف هذه الحالة عن سابقتها بالحرص والتخطيط المتزن لتقليل الخسائر في صفوف الجيش والشعب وكذلك الحرص على تقليل الخسائر المادية للبلد.
وينتج عن هذا النهج مقاومة عنيفة مستميتة تكبد العدو خسائر هائلة قبل أن تبدأ هذه المقاومة بالضعف ، وعندما تضعف فإنها تضعف بشكل تدريجي يتناسب مع حجم خسائرها
ولا يتوقع البتة لمن هذه استراتيجيته أن يكون منحنى ضعف هذه مقاومته فيه قفزات انحدار مفاجئة ، بمعنى أن تتوقف فجأة بعد شدة وعنف.

ثم تتطلب هذه الاستراتيجية أيضا دفاعا محسوبا بدقة عن مركز القيادة وأعني بذلك العاصمة ، مما يجعل من خططها وضع العديد من خطوط الدفاع الصلبة حول العاصمة ، ومحاولة إبعاد المعركة عنها قدر الإمكان
فإن كانت هذه هي استراتيجية صدام فلماذا شارك في التركيز على معركة بغداد ولماذا تحدى الأمريكان على أسوار بغداد؟؟؟
ولماذا لم تقطع الطريق إلى بغداد ؟؟؟
وقد يكون كثير من مؤيدي العراق توقعوا استخدام صدام لهذه الاستراتيجية ، ولو حارب العراقيون حتى فني جيشهم تدريجيا لأرضوا أصحاب هذه الرؤية حتى لو كانت النتيجة هي الهزيمة .

إذا كانت صدمة هؤلاء بسبب هذا الانحدار الكبير المفاجئ في منحنى المقاومة ……….

وسبب سخط هؤلاء الذي أوصل البعض لحد توجيه تهم العمالة هو مخالفة هذا المنحنى لتوقعاتهم دون تمحيص وتفكير موضوعي .
وهنا لابد أيضا من الاستعانة بتحليل شخصية صدام فهل هو من هذا النوع من المقاتلين

وقد يقول قائل بأنه مقاتل فاشل لم يحسب النتائج جيدا فخدع نفسه وجنده وحارب ببسالة حتى تم تدميره وتدمير جيشه (يعني هزم بشرف ودون تنازل أو تخاذل)

وللهزيمة العسكرية مؤشرات وشواهد أهمها في حالة الانتكاسة المفاجئة للمقاومة انهيار الجيش وهذا الاحتمال فندناه في الجزء الأول من مبحثنا

وأخيرا يبقى احتمال الخيانة ؟
ورغم قناعتي بسخافة احتمال الخيانة من قبل صدام لعدم وجود شواهد مادية عليه ،فلا بأس من بعض التحليل لهذا الاحتمال مساهمة في إظهار الحقيقة.
هل يعقل أن يكون صدام عميلا مأجورا نفذ فصلا من مسرحية نسج حوارها في البيت الأسود ؟؟؟
لماذا كل هذه التكاليف وكل هذه المعاناة ؟؟؟
فلو افترضنا قدم عمالته واستمرارها لكان بإمكانه أن يخدم أمريكا ويهود دون أن تسيل قطرة دم واحدة ودون أن يتعرض لكل ما تعرض له !!؟
فما الحكمة من هذا الخيار ؟؟؟
ولم هذا الطريق الطويل ؟؟؟
خوفا من الجماهير العربية والإسلامية ؟؟؟
سيقتلني الضحك حزنا على حالهم فماذا فعلوا للعملاء الذين تعج المنطقة بهم ؟؟؟

بعضهم دمر مدنا على أهلها ، فمن حاسبه ؟؟؟
وكلهم تعاونوا مع أعداء الأمة ونفذوا مخططاتها وأباحوا كل تراب بلاد الإسلام الطاهر لكل خنازير الدنيا فمن حاسبهم ؟؟؟

ولو سألت أيا ممن يروجون لهذا الاحتمال عن شواهده لكان الجواب محدودا في افتراض انهيار الجيش الشامل كتفسير لما أثبتنا بأنه انسحاب منظم .

إذ لا بد من وجود شواهد مادية لا تختلف كثيرا عن تلك المذكورة في تشخيص احتمال انهيار الجيش بل إنها أشد في نسبة المأسورين والمنضمين للأمريكان من جيش العراق وكذلك في حجم الغنائم التي تقع بأيدي الأمريكان من سلاح العراق.

قد يقول البعض بأنه لم يكن بالأصل عميلا ولكنه عندما أحس بقرب النهاية ضعف وساوم وباع لينجو برأسه.

ولو افترضنا ذلك أفلا يحق لنا أن نتساءل :

كيف تقبل أمريكا أن تبيع انتصارها المفترض أو أن تهزه مرة ثانية بقصة قيادات تعجز عن الإمساك بها (المرة الأولى في أفغانستان) ؟؟؟
ثم هل تفلته أمريكا ، وإن فعلت فهل تفلت كل القيادات السياسية والعسكرية بل وجيشه كاملا ؟؟؟
ثم إن قبلت وعاهدته على ذلك فهل هي ممن يوفون العهد وخاصة إذا كان سريا كهذا المفترض ؟؟؟
إذا فهل تمت خيانة صدام من قبل بعض القيادات العسكرية ؟؟؟
فأين تلك القيادات التي خانته ؟؟؟
ولم لم يظهرها الإعلام الأمريكي بلسانه الأمريكي أو حتى بلسانه العربي (فضائيات العرب) لتنادي بالاستسلام ولتؤلف القصص والحكايا على فشل النظام ولتفضح ممارساته ……
ولا يخفى على أحد اهتمام الأمريكيين بالحرب الإعلامية ، بل قد تقفز لتحتل نسبة هائلة من فعاليات الحرب
فلماذا قصر الأمريكان في استغلال خونة كان بإمكانهم الإمعان في تصوير فشل النظام وهزيمته ؟؟؟
ولكم أن تطلقوا العنان لخيالكم ليروي لكم كيف يمكن لخائن مفترض ذو منصب عسكري رفيع أن يشوه الحقائق وكيف يمكنه أن يسهم في تضليل الناس والدعاية لأمريكا وانتصارها في الحرب ؟
فهل شاهدتم شيئا من ذلك ؟؟؟
وهل تتوقعون من أمريكا أن توفر شيئا كهذا ؟؟؟

ثم لقد تحدث الأمريكان عن ماهر السفياني وعن بعض من قيادات الحرس الجمهوري ، فهل رآهم أحد غير الأمريكان ؟؟؟
لم لا يكون هذا المتهم قد استشهد وعلمت أمريكا بذلك فقررت اتهام من لا يمكنه الدفاع عن نفسه .

ألا ترون معي أن هذا كله يدعم فرضية الانسحاب المنظم بل ويجعلها هي الاستراتيجية الحقيقية للمعركة ؟

إذا فلماذا كانت المقاومة الشرسة في بداية الحرب ؟؟؟
ولماذا في أول التماس (أم قصر) ؟؟؟
ولماذا كانت حرب الأسابيع الثلاثة ؟؟؟

إن كل ذلك هو أحد أهم مقومات الانسحاب المنظم الذي يمكننا تصنيفه على أنه كر أو انحياز ، وذلك كما أوضحنا في مثال معركة مؤتة وكما حدث في حرب أفغانستان .

ويدعم ذلك في حالة العراق أقوى الشواهد التي أسقطنا بها عددا من الاحتمالات الأخرى ومن ذلك :
1- عدم وجود دفاعات فعالة على شكل أطواق متعددة تعمل على حماية بغداد أو على تأخير وصول الأمريكان لها على الأقل.
2- تحدي الأمريكان بأسوار بغداد والاستمرار بذلك .
3- عدم إشراك الكثير من قطعات الحرس الجمهوري في القتال.
4- عدم استخدام الكثير من أسلحة العراق الثقيلة.

ولو تمعنا في دوافع ذلك لوجدناها تصب في العمل على :
- جنب المواجهات المكشوفة الخاسرة (بفعل الطيران).
- تجنيب المدن والمدنيين القصف الصاروخي المجرم من آلة الحرب الأمريكية.
- استدراج الأمريكان لانتشار أوسع في كل العراق ، وخاصة في بغداد.
- محاولة إيهام الأمريكان نجاح خطتهم ليسترخوا.

والعجيب بعد كل هذا أمرين هما :
1- توقيت الانسحاب كان بعد ضربة الإعلاميين والمراسلين ، ولنا وقفة مع هذا في الجزء الرابع.
2- صدور أوامر مشددة للأمريكيين من قيادتهم بعدم التوسع في الانتشار في المدن والاكتفاء بالمرابطة خارجها
صدام يدعو للثبات ..بث آخر خطاب إذاعي سجله صدام يوم دخول الأمريكان بغداد.

الجمعة 16صفر 1424هـ-18أبريل 2003 م آخر تحديث 5:32م بتوقيت مكة

مفكرة الإسلام : بثت قناة أبو ظبي الفضائية ما وصفته بأنه آخر خطاب إذاعي سجله الرئيس العراقي صدام حسين ، وتقول القناة إن هذا الخطاب تم تسجيله يوم الأربعاء 9 / 4 / 2003 ، وهو يوم دخول القوات الأمريكية بغداد .
وقالت القناة إن هذا الخطاب لم يبث من قبل ، ويأتي هذا الخطاب بعد أن بثت قناة أبو ظبي الفضائية مشاهد لصدام حسين وهو يتجول في حي الأعظمية في نفس يوم دخول القوات الأمريكية بغداد .
هذا وقد احتوى الخطاب على أمور هامة منها :
1- الدعوة إلى الثبات وحفز الهمم .
2- ذكر الاحتلال الأمريكي والغزو وهو الأمر الذي يشير إلى معرفته بدخول القوات الأمريكية إلى بغداد .
3- العفوية في الخطاب .
4- وجود نبرة حزن في حديثه الأمر الذي أوحى إلى بعض المراقبين بأنه خطاب توديع للشعب العراقي .
5- تحذير الشعب العراقي من الغفلة والسماع لمزاعم القوات الأمريكية ,,
علاقة خطابات صدام بمسلسل سقوط المدن العراقية

تزامن سقوط المدن العراقية بعد خطابين لصدام حسين بثها التلفزيون العراقي في يوم واحد و كل رسالة أغرب من الأخرى مما يوحي بشكل كبير جدا بأن هذه الرسال تحمل بين اسطرها شفرات أذنت بالانسحابات التي ادت لسقوط البصرة في يوم 7 /4 ثم بغداد في يوم 9/4 من دون أي مقاومة من الجانب العراقي بينما كانت القوات البريطانية قبلها لا تجروء على التقدم امتار قليلة تجاه ضواحي البصرة من قوة نيران المدفعية العراقية.
فالرسالة الاولى فيها توصيات لا يحتاج إليها قائد عسكري تدرب في اعرق الاكاديميات العسكرية الروسية مثل الجنرالات العراقيين وواضح انها كانت امر بتنفيذ تعليمات فورية وليست توصيات حيث قال صدام في خطابه :

"إن العدو ركز قدراته على بغداد؛ مما أضعف قدراته على المحاور الأخرى، وجعلها أقل من ذي قبل.. واجبكم الآن أن ترهقوه وتزيدوا جراحه غورا، وتحرموه مما حصل عليه من مكاسب على الأرض عندكم حتى لو كانت شكلية ودعائية؛ لتسرعوا في هزيمته، انشطوا عليه، اذهبوا إليه لتدمروه على ضوء الخطط التي وردت مبادئها إليكم مكتوبة".

فهذه الفقرة تحتوي على نقطتين يجب الانتباه لها... الأولى يعلم قواته وخاصة في البصرة وكربلاء والناصرية أن قوات الاستطلاع العراقية تأكدت أن اغلب عناصر الفرقيتين الامريكيتين قد وصلت إلى مشارف بغداد وأن الطريق شبه خالي من وحداد امريكية كبيرة تتصدى لأي عملية انسحاب.. الأمر الآخر هو طلب الرئيس صدام من قواته تنفيذ الخطط المكتوبة .. والمعروف أن الخطط المكتوبة دائما تكون تعليمات يجب تنفيذها فور وصول الامر بفتحها بغض النظر عن ظروف المعركة ولا يعلم القائد محتويات الخطط المكتوبة التي تكون مختومة بالشمع الاحمر إلا عندما تصله التعليمات بفتحها وهذا مؤشر انسحابات القوات العراقية.

الرسالة الثانية التي بثها التلفزيون العراقي وهي اغرب من هذه الرسالة وفي نفس اليوم أيضا هي رسالة من أبنة اخ صدام الغير شقيق برزان التكريتي والحقيقة أننا لو تأملنا في سبب نشر هذه الرسالة الخاصة من بنت اخو صدام حسين لما وجدنا لها ما يبررها إلا كونها رسالة شفرة للقيادة العراقية في جميع مناطق العراق.. فهل هذا الوقت مناسب لقراءة رسالة من بنت اخوه والقوات الامريكية لا تبعد عن بغداد إلا اربعين كيلو ؟.

الغريب أيضا أن موكب السفير الروسي تحرك من بغداد في صباح يوم 6/4 أي بعد يوم واحد من خطاب صدام والذي يقال انه يحمل الارشيف السري لصدام حسين او لنظام الكهرو- بصري المنزوع من طائرة الاباشي.. وبذلك يكون تسلسل الاحداث كالتالي

يوم 5/4 يلقي التلفزيون العراقي خطابين للرئيس العراقي يأمر قواته بتنفيذ الخطط المكتوبة.
يوم 6/4 يخرج السفير الروسي ويطلق عليه النار في سيناريو اقرب إلى سيناريوهات افلام جيمس بوند.

يوم 7/4 تعلن القوات البريطانية بأنها تسيطر سيطرة كاملة على البصرة دون أي مقاومة ودون أي أثر للقوات العراقية .

في يوم 9/4 تسقط بغداد دون أي مقاومة ومن دون وجود أي أثر لاستعدادات عسكرية او قوات عراقية يفترض انها كانت متحصنة للمعركة الحاسمة
كل المؤشرات تقول ان هناك فصل كبير لم يحدث ونحن بانتظاره.
كنت أنوي الاستمرار بالتحليل من خلال نظرية الاحتمالات ولكنني أجد كذب الإعلام الأمريكي المرافق للعدوان أوضح من أن أثبته بطريقة إسقاط ما سواه من احتمالات ، فهذا ليس محل خلاف ولكن عوضا عن ذلك فسينشأ الخلاف في حجم ومدى أكاذيب الأمريكان.

1- القتلى الأمريكان
هل يشك أحد بكذب ادعائهم بفقدان 97 قتيل حتى يوم 9/4/2003

ولكن كم كان عدد قتلاهم ؟؟؟

حتى الإعلام العراقي (الصحاف) كان متحفظا على أعداد القتلى الأمريكان ، فكان ما يذكره لا يزيد كثيرا عما يعترف به الأمريكان إلا في الأيام الأخيرة حيث ذكر نفوق المئات من علوجهم بالمطار.
فلماذا كان ذلك ؟؟؟
وما هي استراتيجية العراق الإعلامية ؟؟؟
وهل كانت عاجزة أمام الزخم الهائل للإعلام الأمريكي ؟؟؟
ولتفسير ذلك نتساءل : هل كان السبب هو ضعف الاتصالات وعدم وجود تقنيات التصوير في ميدان القتال لدى الجانب العراقي كما ألمح وصرح ؟؟؟
أم أنها خطة إعلامية مقصودة ؟؟؟
هل يعقل أن جيشا بمثل حجم الجيش العراقي لا يملك عددا من كاميرات التصوير وخطوط لنقل الصور؟؟؟
أو هل يعقل أن التلفزيون العراقي لا يملك تلك التقنيات بسيطة التكاليف مقارنة بحرب طاحنة يخوضها العراق ؟؟؟

2- الأسرى الأمريكان
لماذا أعلن الإعلام العراقي عن هؤلاء النفر من الأسرى ؟؟؟
هل كان هؤلاء هم كل الأسرى الأمريكان أم هنالك غيرهم ؟؟؟
ثم لماذا توقف الإعلام العراقي والعربي عند هؤلاء ؟؟؟
وخصوصا بعد هجمة الإعلام الغربي ضد ذلك ؟؟؟وماذا كان أثر نشر صور هؤلاء الأسرى على مسار الحرب ؟؟

ثم كيف تمت إعادة الأسرى ؟؟؟
كيف نجح رامبو في فيلم الجهد اليسير في إعادة الأسير ؟؟؟
لماذا لم يجتهد العراقيون في إخفاء الأسرى ؟؟؟
ولماذا لم يقتلوهم ؟؟؟

كل هذه الأسئلة لست بزاعم أني أملك لها التفسير ، ولكنها تندرج ضمن آلاف الأسئلة التي خلفتها هذه الحرب
ولكنني أؤكد بأنها تحتمل تفسيرين متباينين :
أحدهما لصاحب نظرية انهيار الجبل العراقي
والآخر لصاحب نظرية الانحياز والكر

3- القصف المتعمد للصحافة.
من أعجب عجائب هذه الحرب هو تزامن أو قل التتابع السريع لثلاثة أحداث متتالية هي :
- قصف الصحافة بشكل سافر لا يدع مجالا لافتراض الخطأ.
- التصريح المقتضب الأخير للصحاف.
- السبق الإعلامي للقنوات العربية بإعلانها سقوط بغداد قبل أن تسقط فعليا .

فما هو الرابط بين كل تلك الأحداث ؟؟؟
ألا ترون معي أن التنكيل بالإعلاميين يعني إسكات الصوت الآخر ؟؟؟
فلماذا يسكت الصوت الآخر في هذا التوقيت بالذات ؟؟؟
هل لذلك علاقة بما أشيع عن نية الأمريكان ضرب بغداد بعدد هائل من القنابل ذات حجم 10 طن ؟؟؟وهل فهمت قيادة العراق أن إسكات الصوت الآخر هو بداية الطريق لجريمة هائلة تنوي القوات الأمريكية ارتكابها في بغداد تمهيدا للتعتيم على الجريمة ؟؟؟
وهل كان ذلك سببا مباشرا لتسريع عملية الانسحاب التي تم البدء بها ؟؟؟

أم كانت هناك تهديدات صريحة كما يدعي البعض بضرب بغداد بالنووي في حال استمرت المقاومة ، ولم ينسحب منها الجيش العراقي ، مما جعل صدام يقر بالأمر الواقع ويؤثر سلامة شعبه ؟؟؟

4- أسلوب العراق (الصحاف) في إدارة الحرب الإعلامية.
كثيرون علقوا على أسلوب الصحاف ولم ينتبهوا للمضامين ..... فماذا كان فيها ؟؟؟
لم يبالغ الصحاف في أرقام قتلى الأمريكان ؟
كما أن أسلوبه وألفاظه كانت متميزة ، فلو أراد الإثارة لما عجز عن إقناعنا بقتل أعداد كبيرة من العلوج
كما أننا كنا نميل لتصديقه ، حتى أنني كنت ممن يشكون في مجاراته للأمريكان بالتقليل من أعداد قتلاهم ،
وعندما أراد تبرير ذلك قال بأنه لا يملك الوسائل التي تمكنه من إثبات ما يحققه العراقيون في المعارك ، فهل كانت تلك الحقيقة أم أن هناك حسابات لا نعلمها ؟؟؟
ثم لماذا خرج الصحاف ليتلو بيانه المقتضب ؟؟؟
أما كان الأولى عدم ظهوره ما دامت النية تتجه للانسحاب ؟؟؟

وبمراجعة ما قاله الصحاف آنذاك نجد أنه بالغ في الحديث عن استعداد العراقيين للنزال (مما أحبط كثيرا ممن انتظروا مشاهدة مجازر ينفذها العراقيون ضد الجنود الأمريكان) ، فلم فعل ذلك ؟؟؟

هل كان يخدع الأمريكان ليصرف نظرهم عن عمليات انسحاب سريعة نفذها الجيش العراقي لتتم العملية بسلام وبدون خسائر ؟؟؟
حقا لقد كان مفاجئا للأمريكان كما كان مفاجئا لنا (ومحبطا للبعض) عدم وجود جيش في بغداد عند اقتحامها ، فأين ذهب الجيش ؟؟؟
إن كانت استراتيجية الجيش العراقي هي الانسحاب من المدن ليخوض حرب أشباح فهل أحسن الصحاف في التعمية على حقيقة ذلك ، وهل نستطيع فهم الدور الإعلامي له في ضوء فرضية انسحاب الجيش العراقي المنظم (الانحياز أو الكر) ؟؟؟

لم يكن يريد الحديث عن قصف الصحفيين لولا أن أحدهم ذكر ذلك ، وكأنه أراد أن يعطي الانطباع بأن الموضوع لم يعن شيئا للقيادة العراقية.

5- دخول بغداد ومسرحية سقوط التمثال ، وعمليات السلب والنهب.

لقد سقط الإعلام العربي قبل أن تسقط بغداد ؟
ولقد قالها لهم الصحاف وحذرهم منها قبل مغادرته : من ينقل كلام العلوج يكن علجا منهم ، وهذا يلخص بأمانة دور القنوات العربية يوم اقتحام بغداد ، فالإعلان عن سقوطها قام أبناء يعرب من إعلاميين قبل أن تقوم به أمريكا كبلاغ عسكري ؟؟ وتأخر الأمريكان عدة أيام قبل الإعلان عن ذلك. وحقيقة الأمر أن دخولهم كان لأحد أطراف بغداد بينما القتال في كلها ، ثم نتبين أن صدام كان يتجول على بعد كيلومترين من موقع إسقاط تمثاله بواسطة الدبابات الأمريكية في نفس الوقت الذي كان يجري فيه تصوير فيلم رامبو الهمام يسقط تمثال صدام ؟؟!!!

وكان من الكومبارس الذين لعبوا دور البطولة أحد حرس أحمد الجلبي لص بنك البتراء الأردني بعد أن ترك حراسة سيده اللص لأربابه من الأمريكان.
ثم احكم على الإعلام الدائر في فلك أمريكا حيثما دارت والمسبح بحمدها هل جرؤت قناة عربية على مثل هذا التحليل لنطالعه في مواقع أمريكية حرة.
ثم هذا التصوير والتركيز على عمليات السلب والنهب – تغطية ممتازة لمحطات النفاق العربية فاقت حجم تغطيتها لضحايا القصف الأمريكي من النساء والأطفال والشيوخ ، فمن هم هؤلاء اللصوص ؟؟؟
وهل هم كمبارس جديد في فيلم جديد لرامبو هيوليود العراق ؟؟؟

فعلا لقد حاز فيلم رامبو والأربعين حرامي على أكبر تغطية إعلامية جعلت كثيرين ممن لا يعرفون مخرج مسلسل أفلام رامبو يدورون حول أنفسهم وهم يرددون عبارات الحسرة على شعب العراق الذي ظنوه ذلك الكومبارس الذي مثل دور الحرامية ، ولقد نسوا أو تناسوا أن مشاهد فيلم رامبو صاحب الكونترول على آبار البترول فضح كل طبخات رامبو جالب الحرية للحرامية وليس للشعب العراقي الحر بطبعه .

لماذا ؟؟؟
لكي يسلبوا وينهبوا ويدمروا العراق باسم الشعب العراقي الأبي
وأخيرا ومن قنوات أجنبية وخسئت عن ذلك قنواتنا العربية الوفية لسيدها رامبو نسمع عن قطع المتاحف التي سرقها رامبو تصل لباريس وللعديد من عواصم العالم لنكتشف أن الكومبرس كانوا كومبرس بكل معنى الكلمة فمنهم من سرق كرسيا ومنهم من سرق طاولة ومنهم من سرق حزمة ورد صناعي (رأيته بأم عيني على إحدى قنواتنا الألمعية)

أما البطولة الحقيقية لفيلم رامبو والأربعين حرامي فقد كانت لرامبو الذي سرق الغالي والنفيس وترك للكومبرس التافه والرخيص الدور الذي رايتموه من مشاهد السلب والسرقة ، ومع ذلك لم تجرؤ قناة عربية واحدة على تصوير ذلك أو حتى ذكره ، وشهد شاهد من أهلها ، الصحافة النزيهة تتهم رامسفيلد وجنوده بإخفاء الحقائق لأنهم تعمدوا تدمير تراث العراق فلماذا؟؟؟

بعد ذلك يأتي مغفل ليبني كل آرائه على ما يسمع ويشاهد وما درى أن كل ذلك أفلام هندية مدبلجة هدفها إقناع المشاهد بأن البطل الذي شرب الدماء وارتكب كل الموبقات كان قصده شريف فلقد أراد أن يحصل على حقه من تركة والده في بترول العراق ، لا بل أراد أن يطعم العراقيين البسكويت القادم هدية من مشايخ الكويت.

 عن دورية العراق

إلى صفحة مقالات وأراء4