27/03/2006

 

لا صفة قانونية لجهاز المخابرات الأمريكية للتحقيق مع السيد صدام حسين

 بقلم : الأستاذ الدكتور عبد الله الجواد الأحمدي

  بعد بعث لجنة " المحامين التونسيين للدفاع عن صدام حسين" مازالت تحوم عدة أسئلة حول قانونية محاكمة الرئيس العراقي " الشروق " حاورت الأستاذ عبد الله الأحمدي الكاتب العام للجمعية التونسية للقانون الدولي وغير الوطني حول قانونية المحاكمة المنتضرة.

 * هل يعتبر صدم حسين من الوجهة القانونية أسير حرب ؟

 يكتسي هذا السؤال أهمية كبيرة إذ إن تحديد وضعيته القانونية يمكن من ضبط حقوقه ونظام محاكمته وطبيعتها لقد قررت الإدارة الأمريكية اعتبار صدام حسين اسر حرب وفي اعتقادي إن هذا الاتجاه قابل للنقاش من وجهة القانون الإنساني الدولي ويصعب جدا التسليم بصحة هذا الرأي لأنه لا يمكن اعتبار أي معتقل أسير حرب إلا إذا توفرت فيه بعض الشروط التي تبدو غير قائمة في وضعية  صدام حسين وهي الشروط المنصوص عليها في اتفاقية جنيف الثالثة المصادق عليها في 12 أوت 1949 المتعلقة بمعاملة أسرى الحرب والبروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف المؤرخ في 08 جوان 1977 وتلك الشروط من أبرزها أن يكون مقاتلا ينتمي إلى قوات مسلحة نظامية وفي هذا المعنى نصت الفقرة الثانية من المادة 43 من البروتوكول الإضافي المذكور أعلاه على انه يعد أفراد القوات المسلحة لطرف النزاع مقاتلين بمعنى أن لهم حق المساهمة المباشرة في الأعمال العدائية، ونصت المادة 44 من نفس البروتوكول على انه يعد كل مقاتل ممن وصفتهم المادة 43 أسير حرب إذا ما وقع في قبضة الخصم واجمع شراح القانون على أن الجواسيس والمرتزقة لا يتمتعون بوضعية أسري الحرب كما إن سكان الأراضي المحتلة الذين يقاومون الاحتلال عسكريا ولا ينتمون لقوات مسلحة منظمة ليست لهم وضعية أسرى الحرب . ولا يكفي إن يكون المعتقل مقاتلا لكي يعتبر أسير حرب " بل يجب أيضا إن يتم اعتقاله أثناء الحرب وفي هذا السياق عرفت الأستاذة PATRICIA BUIRETTE   في كتابها LE DROIT INTERNATIONAL HUMANITAIRE   ص 56 أسرى الحرب بأنهم أفراد القوات المسلحة لطرف في نزاع مسلح دولي يقعون أثناءه في قبضة الطرف المقابل ولكن يحتفظون بوضعية الجندي.

 على ضوء هذا التعريف الدقيق لأسرى الحرب نلاحظ إن وضعية صدام حسين لا تستجيب له فهو ليس مقاتلا بل كان رئيس دولة ولما ألقى عليه القبض كانت الحرب التي شنتها قوات التحالف على العراق منتهية منذ غرة ماي 2003 طبق ما أعلنه الرئيس الأمريكي بوش رسميا في حين انه من المفروض إن يتم أسر المقاتلين أثناء الحرب وليس بعدها.

 * ما هو رأيك في معاملة القوات الأمريكية لصدام حسين عند إلقاء القبض عليه؟

   إن معاملة القوات الأمريكية لصدام حسين كانت مهينة وغير إنسانية ومخالفة لاتفاقيات جنيف سواء اعتبرنا هذا الرجل أسير حرب أم لا، باعتبار أن القوات الأمريكية بالعراق هي قوات احتلال وملزمة بحماية واحترام حقوق المدنيين والأسرى بالخصوص.

فإذا جارينا الأمريكيين فيما ذهبوا إليه من اعتباره أسير حرب رغم إن هذا الوصف منازع فيه كما أسلفنا فانه كان عليهم احترام القانون الدولي الإنساني .

فقد أوجبت المادة 75 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف معاملة كل شخص وقع في قبضة الطرف المقابل معاملة إنسانية كما منعت " انتهاك الكرامة الشخصية وبوجه خاص المعاملة المهنية للإنسان والمحطة من قدره"

 ولا شك إن بث ذلك المشهد المهين لصدام حسين على عدة قنوات تلفزية وهو أشعث أغبر هو انتهاك للكرامة الشخصية و مخالف لاتفاقيات جنيف وخاصة المادة 13 من الاتفاقية الثالثة التي تمنع كل أشكال العنف أو التخويف أو الشتم وفضول العموم.

 وبالإضافة إلى ذلك فان الزيارات التي أداها بعض الأشخاص لصدام حسين وهو رهين الاعتقال مخالفة أيضا لاتفاقيات جنيف لان العديد منهم ليست لهم أية صفة قانونية لزيارته خاصة أن جلهم ألد خصومه السياسيين ومن نكد الدنيا على المرء أن يزوره عدوه غصبا عنه وهو مسلوب الحرية منهارا ومنتهك الكرامة .

 * ما هو القضاء المؤهل قانونا لمحاكمة صدام حسين في نظرك؟

  اختلفت الآراء في الإجابة عن هذا السؤال بعد اعتقال صدام حسين وظهرت ثلاث اتجاهات.

ظهر اتجاه أول يدعو إلى إنشاء محكمة دولية خاصة لمحاكمته على غرار محكمة NUREMBERG  التي تكونت في 08 أوت 1945 بعد الحرب العالمية الثانية أو المحكمة العسكرية الدولية للشرق الأقصى التي أحدثت في 19 جانفي 1946 والمعروفة بمحكمة طوكيو والتي حاكمت مجرمي الحرب في الشرق الأقصى أو المحكمة الدولية مقاضاة مجرمي الحرب في يوغسلافيا سابقا المحدث بموجب القرار الأممي الصادر في 25 ماي 1993 وأخيرا المحكمة الدولية الخاصة بجرائم الحرب المرتكبة في روانده وان الدعوة إلى إنشاء محكمة دولية خاصة مرده عدم إمكانية محاكمة صدام حسين من طرف المحكمة الجنائية الدولية التي تكونت في 17 جويلية 1998 لسببين.

أولهما سياسي وهو إن الولايات المتحدة الأمريكية لم تصادق على المعاهدة الخاصة بهذه المحكمة.

وثانيهما قانوني لان المحكمة الجنائية الدولية لا تنظر إلا في الجرائم المرتكبة قبل غرة جويلية 2002 بالإضافة إلى إن هذه المحاكمة لا تنظر إلا في الجرائم الأكثر خطورة ذات البعد الدولي وهي جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة الاعتداء.

 ودعا أصحاب الاتجاه الثاني إلى إحداث محكمة مختلطة تضم قضاة عراقيين أجانب وهذا الرأي في نظرنا غير وجيه فالهيآت القضائية إما إن تكون دولية أو وطنية ويصعب الحديث عن محكمة مختلطة في النضام القانوني الدولي.

 وأخيرا ظهر اتجاه ثالث يرى أصحابه ضرورة محاكمة الرئيس العراقي السابق من طرف القضاء العراقي وفعلا أعلن مؤخرا مجلس الحكم الانتقالي في العراق عن تكوين محكمة خاصة المسؤولين في النظام العراقي المنقرض.

 إن هذا الاتجاه وهو الذي سيقع العمل به لا يخلو من وجاهة باعتبار إن المادة الأولى من القانون الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أقرت إن هذه المحكمة مكملة للمحاكم الجنائية الوطنية خاصة وان الأفعال المنسوبة لصدام حسين ارتكبت في العراق فضلا عن ظهور فكرة الاختصاص الكوني أو الدولي للمحاكم الوطنية.

 غير انه يجب توفير الضمانات الكافية حتى تكون الضمانات الكافية حتى تكون المحاكمة عادلة فعلا حسب المقاييس والمبادئ التي يقرها القانون الدولي ومن أهمها ضمان محاكمة عادلة واحترام قرينة والبراءة وحق الدفاع والمواجهة ومناقشة الأدلة وعلانية الجلسات وبالخصوص استقلال القضاة الذين سيصدرون حكمهم في القضية دون إن يتعرضوا لضغوط وان يتلقوا تعليمات من أية جهة كانت ولا تتصور إن تتوفر هذه الضمانات ما دام العراق محتلا ومسلوب السيادة بل إن مقومات الدولة تكاد تكون منعدمة الآن.

 وإذا جرت المحاكمة في هذه الضروف المضطربة فإنها لن تكون عادلة وسليمة ويكفي التذكير بما نادى به الرئيس بوش من تسليط أقصى العقوبات على صدام حسين وما صرح به أحد المسؤولين في مجلس الحكم الانتقالي بالعراق من أن الأفعال التي ارتكبها صدام حسين موجبة للإعدام ، بل مثل هذه التصريحات خطرة وتشكل تدخلا في القضاء وتتنافى مع الفقرة "د" من المادة 75 من البروتوكول الإضافي لاتفاقيات جنيف التي تنص على انه "يعتبر المتهم بجريمة بريئا إلى إن تثبت أدانته قانونا".

 كما أعلن وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد بأنه كلف وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بإجراء الأبحاث في قضية صدام حسين وهذا القرار لا يرتكز على أي أساس قانوني لأنه لا صفة لهذا الجهاز للتحقيق في هذه القضية إذا سلمنا أنها من أنظار القضاء العراقي ولا دخل للسلطات الأمريكية فيها.

  عنالشروق / السبت 27/12/2003

 

إلى صفحة مقالات وأراء4