من يقف وراء إرهاب العقول في العراق؟

استهداف الكفاءات العلمية والكوادر ينبئ بمستقبل قاتم

 اتهام الاحتلال وقوى إقليمية بمحاولة إفراغ العراق من العلماء ترغيبا وترهيبا

 شبكة البصرة

 فقد تحول العراق إلى أكبر طارد لأبنائه، ربما على خطى ما وقع في فلسطين.

تقول إحصائيات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية إن هناك نحو 70 أستاذا جامعيا في مختلف الاختصاصات العلمية قتلوا منذ الغزو الأمريكي للعراق في آذار (مارس) من العام 2003 ، فيما تعرض عشرات آخرون إلى عمليات ترهيب أجبرتهم على مغادرة البلاد.

190 قتيلا، إحصائية أخرى لعدد الأساتذة والعلماء والمفكرين الذي قتلوا في العراق، بحسب رابطة المدرسين الجامعيين، ونحو 300 آخرون تلقوا تهديدات بالقتل، فيما لا يعرف أحد على وجه الدقة عدد الأساتذة والأطباء والمفكرين والعلماء العراقيين الذين غادروا العراق منذ الغزو الأمريكي لها.

يقول الدكتور أكرم الشيخلي " تتعرض ملاكاتنا العلمية والصحية إلى أنواع عديدة من العنف، بعضها اعتداءات، وأخرى خطف، وأكثرها شدة وخطورة الاغتيالات. وإن هذا النوع من العنف الذي ينال من كفاءاتنا العلمية والطبية والصحية، مما يجعلها تغادرنا وتهاجر ونحن بأمس الحاجة إلى خبرة كل منهم، لدعم مسيرتنا الصحية والعلمية. وقد تناقلت وسائل الإعلام أن عدد الشهداء من الأطباء لغاية شهر شباط (فبراير) الماضي بلغ أكثر من 62 شهيدا و69 جريحا، بينما بلغ عدد الشهداء من الكفاءات الصحية والتمريضية 163 شهيدا، فيما بلغ عدد الجرحى أكثر من 160 جريحا".

وأكد الشيخلي أنه تنفذ الآن "بحق كفاءاتنا العلمية، حملة منظمة، ولابد من أن نعمل ونناشد المسؤولين في الحكومة لإيلاء الموضوع الجدية والأهمية، لمكافحة العنف ضد كوادرنا الطبية والعلمية، والحفاظ على تلك الثروة، ووضع حد للنزيف الدموي لتلك الشريحة، وعدم إجبارها على مغادرة العراق، تحت أية ذريعة. فالعراقيون بحاجة ماسة إلى يد حنون تربت على أكتافهم وتخفف من آلامهم".

وبحسب عالم عراقي عاد إلى العراق قبل فترة، وفضّل عدم الإشارة إلى اسمه، فإن هناك جهات أجنبية موجودة في دول الجوار تعمل على تجنيد العلماء العراقيين من مختلف الاختصاصات. ويقول هذا العالم الذي كان قد غادر البلاد إثر تلقيه تهديدات بالقتل، في إحدى دول الجوار خاطبته مؤسسة علمية تبين فيما بعد أنها تعمل في إسرائيل، الأمر الذي اضطره إلى العودة والجلوس في قرية أهله غرب العراق، "اضطررت للمغادرة، كان هناك تهديدات بالقتل كثيرة، كنت أعمل مهندسا في المجال العسكري، قررت المغادرة، في إحدى دول الجوار تلقيت عقد عمل، من قبل مؤسسة لم تفصح عن نفسها بداية، إلا أنى عرفت أنها تعمل في مجال تطوير الأسلحة، لها العديد من المصانع حول دول العالم، إلا أن المشكلة أن هذه الشركة لها فرع في إسرائيل، فرفضت، وقررت العودة، هناك عدد من العلماء العراقيين الذين غادروا تم تجنيدهم من قبل مؤسسات علمية بعضها تابع لأمريكا".

ربما تكشف تلك الاعترافات، جزءا مما يحاك حول عمليات استهداف العقول العراقية، إلا إنها ليست كل الحقيقة، كما يقول الدكتور والكاتب علي الهاشمي، ويضيف في حديث لمراسل "قدس برس"، "صحيح أن هناك جهات تسعى للاسفتادة من خبرات العراقيين، ولكن ليس هذا الشيء المهم في القضية، علينا أن نعلم أولا أن لدى العراق قابليات علمية كبيرة في مختلف الاختصاصات، وخبرات تراكمية بفعل ما صرف في المجال العلمي بيد الحكومة البعثية السابقة، وبالتالي فإن هؤلاء هم الثروة الحقيقية للعراق، وهم من بمقدورهم أن يعيدوا ما دمر. إن البحث عن أسباب استهداف الأساتذة والعلماء والمفكرين يقودنا إلى البحث عن أسباب استهداف العراق أصلا، ليس من قبل أمريكا وحدها وإنما حتى من قبل الدول التي دعمت غزو العراق".

عمليات استهداف العقول العراقية كما يقول الدكتور والإعلامي عماد العلو، دفعت إلى هجرة علمية خطيرة لم يسبق أن شهدها العراق من قبل. ويضيف العلو" إن التعرف على المقصود بالعقول العراقية وتلمس الدوافع الكامنة والمحرضة على هجرتها سيمكننا من تسليط الضوء على هذه المشكلة الوطنية والقومية، لأنها ثروة ثمينة لابد من الحفاظ عليها والعمل لدفع تلك العقول العراقية للهجرة المعاكسة إلى العراق، حتى تعود الطيور المهاجرة إلى أعشاشها، لأن العقول التي هاجرت ليس من السهل تعويضها، وقد أنفقت عليهم دولتهم الملايين من عرق الشعب، ثم استثمرتهم الدول الأجنبية، وهم في أرقى درجات التأهيل العلمي، دون أن تتكلف شيئا، وحسبي أن أقول إنه نزف أليم للأدمغة العراقية، تغادر بلادها التي هي في أمس الحاجة إليها، إلى بلاد هي في الأصل ليست في حاجة إليها، ولكنها وجدتها رخيصة الثمن فرحبت بها".

ويذكر المتحدث، "بعد عام 1991 رأت الولايات المتحدة أن الفرصة باتت مؤاتية لتفريغ العراق من كفاءاته العلمية، حيث ركزت على ملاحقة العلماء والخبراء الفنيين العراقيين، كما عبّر عن ذلك بوضوح مارك كلايتون، في تموز (يوليو) عام 2002، حين كتب في صحيفة /كريستيان ساينس مونيتور/ الأمريكية، يحذر من العقول المفكرة قائلا: إن هؤلاء العلماء والفنيين أخطر من أسلحة العراق الحربية. وقد اتخذت واشنطن العديد من الإجراءات لتحقيق هدفها في تفريغ العراق من علمائه قبل إعلان الحرب عليه، فقد أصرت على تضمين قرار مجلس الأمن رقم (1441) الذي صدر عام 2002 فقرة تجبر العراق على السماح للمفتشين الدوليين باستجواب علمائه وفنييه، حتى لو تطلّب الأمر تسفيرهم هم وعائلاتهم خارج البلاد، لضمان الحصول على معلومات منهم عن برامج التسلح العراقية المزعومة. وفي مطلع عام 2003 أقر الكونغرس الأمريكي قانون هجرة العلماء العراقيين، والذي ينص على منح العلماء العراقيين الذين يوافقون على تقديم معلومات ذات مصداقية، بشأن برامج التسلح العراقية تصريح إقامة دائمة في الولايات المتحدة. وفي ما يبدو فإن الخطة الأمريكية قد عملت أيضا على إجبار العلماء العراقيين على الاختيار من بين بدائل عدة تحددها واشنطن، أما من يرفض من العلماء العراقيين التعامل مع هذه الخيارات فإن المصير غامض".

 وتشير الدراسات إلى أنه بين عامي 1991 و1998 غادر العراق أكثر من 7350 عالما، تلقفتهم دول أوربية، وكندا والولايات المتحدة الأمريكية، وغيرها، 67 في المائة منهم  أساتذة جامعيون، و23 في المائة يعملون في مراكز أبحاث علمية، ومن هذا العدد الضخم كان  83 في المائة قد درسوا في جامعات أوربية وأمريكية. أما الباقون فقد درسوا في جامعات عربية أو في أوربا الشرقية ويعمل 85 في المائة من هؤلاء في اختصاصهم.

 

إسرائيل ودورها في التصحر العلمي العراقي

يقول الدكتور عماد العلو "اتسمت الخطة (الإسرائيلية) بخيار واحد وهو ما سمي "بخطة إسرائيل" بشأن التطبيع مع العراق في المجال العلمي، التي رُوّج لها بشكل كبير بعد سقوط بغداد. فمنذ ذلك التاريخ وحتى تموز (يوليو) 2004 فقط عُقدت في الدولة العبرية 25 ندوة وحلقة نقاشية حول العراق. وقد حظيت هذه الندوات باهتمام كبير من المسؤولين الذين حرصوا على حضور بعضها مثل إيهود أولمرت، وزير التجارة والصناعة سابقا ورئيس الوزراء الحالي نائب شارون في وزارته سابقا، وسليمور لفنتز وزيرة التعليم، وتومي لبيد، وزير العدل، ويوسف برتيسكي، وزير البنية التحتية، ويهودديت تأوت، وزيرة البيئة وغيرهم من المسؤولين السياسيين، وحتى العسكريين، الذين دعموا هذه الخطة التي قدمتها تل أبيب إلى هذه النخبة العراقية من العلماء، بعد احتلال العراق  بمساعدة أطراف خارجية للعمل في جامعاتها، أو التعرض للاغتيال، بهدف تفريغ هذا البلد من العلماء وأصحاب الكفاءات العلمي".

وبحسب مصادر استخبارية عراقية فإن نحو 2400 من عناصر القوات الخاصة الإسرائيلية دخلوا مع القوات الأمريكية عقب سقوط النظام السابق. وتشير تلك المصادر إلى أن هذه الفرقة الخاصة كانت تستهدف العلماء والمفكرين والمهندسين العراقيين، الذين يعتقد أنهم كانوا وراء تطوير البرنامج العلمي العراقي. إذ كانت تلك الفرقة الخاصة تملك نحو 3500 اسم لعالم ومهندس ومفكر عراقي، عملوا في تلك البرامج، اغتيل منهم نحو 250 عالم عراقي، فيما اضطر آخرون إلى المغادرة، بعد أن تلقوا تهديدات أو خُطفوا ودفعوا مبالغ مالية كبيرة طُلب من بعدها منهم المغادرة.

 

قوانين الاجتثاث لمصلحة من؟

صدرت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عدة قرارات، تبين اليوم أنها لم تكن سوى أخطاء قاتلة في السياسية الأمريكية، كما اعترفت وزير الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس. كان من بينها قانون اجتثاث البعث، الذي تم بموجبه طرد الآلاف من الموظفين العراقيين من دوائرهم بسبب انتمائهم لحزب البعث السابق، الأمر الذي أدى أيضا إلى طرد المئات من العلماء والأساتذة والمفكرين والاطباء والمهندسين من عملهم. علما أنهم كانوا من خيرة العلماء والكفاءات العلمية التي كان انتماؤها للبعث لمجرد تجنب الضغوط التي كان يمارسها النظام السابق.

يقول الباحث والمحلل السياسي أحمد عبد الجبار إن قوانين اجتثاث البعث كانت قوانين جائرة أدت إلى تصحر كبير في الساحة العلمية العراقية. ويتابع في حديث لمراسل "قدس برس" "إن اغلب الذين شملهم الاجتثاث لم يكونوا موظفين صغارا بل كانوا علماء وأساتذة وأطباء ومهندسين وكفاءات علمية كبيرة، وأعتقد أن هذا التشريع كان طائفيا منذ اللحظة الأولى، فاغلب الكفاءات العلمية كانت في مراتب عليا في حزب البعث بسبب عمرها الوظيفي ليس إلا. وهؤلاء أغلبهم من العرب السنة، وبالتالي شملهم الاجتثاث، بينما بقي الأعضاء الصغار في مناصبهم، وهم في الغالب من الشيعة. كما أن قانون الاجتثاث ساهم إلى حد كبير في حصول فراغ إدارى وعلمي في كافة مرافق الدولة العراقية، وبالتالي تسبب ذلك في حالة من التخبط الأعمى التي سادت تلك الدوائر بعد أن تم تعيين أناس ليس لهم أي معرفة بإدارة الحياة المهنية والوظيفية، وإنما فقط لانتماءاتهم الطائفية او الحزبية". ويعتقد عبد الجبار أن قانون الاجتثاث "سيء الصيت" كما يطلق عليه، كان قانونا يهدف إلى تفريغ الدوائر العراقية من كوادرها، وفتح الباب بالتالي لتسلق أناس على أسس أخرى لا صلة لها بالكفاءة والمهنية.

 بغداد - خدمة قدس برس – 26/4/2006

إلى صفحة مقالات وأراء5