27/03/2006

  

سامراء :معركة المعارك المجمعة!

بقلم: طلعت رميح

trmoaih@hotmail.com

 

فجأة بدأت القوات الأمريكية عملياتها العدوانية ضد المناطق بين سامراء والفلوجة ،وسط زخم إعلامي من نوع جديد (أو يحمل ملامح جديدة) وتحت إعلانات وتقديرات أطلقوها بأهمية العملية بالمقارنة مع كل عمليات جيش الاحتلال الأمريكي من قبل ،حيث وصفت العملية أنها الأكبر منذ انتهاء المرحلة الأولى من الحرب باحتلال بغداد بما يعنى أنها الأكثر دموية وعنفا من حرب الفلوجة الأولى والثانية واشد أهمية من عمليات القائم وتل عفر وحديثة وتكريت ...الخ .

العملية قال فاعلوها أنها جاءت مباغتة وأنهم جهزوا لها منذ 10 أيام دون إشعار "للمسلحين" لأخذهم على حين غرة ،وكذا شددوا على أن الجيش العراقي هو من يقوم بها بالدرجة الأولى .وفى تصريحاتهم أو تبريراتهم لها قالوا: إن هذه المنطقة تحوى مسلحين قتلوا صحفيين وذكروا اسم مراسلة العربية-الجزيرة سابقا- أطوار بهجت .وفى وصف نمط العملية قال الفاعلون: إنها عملية تعتمد القوة الجوية أساسا(50 طائرة هليوكوبتر) وإن المهاجمين تمكنوا من ضبط أماكن تحضير السيارات المفخخة ومراكز تصنيع أسلحة...إلخ.

 

فما هي دلالات العملية وما هي أهدافها الحقيقية ؟

ما قبل العملية

حتى نفهم أهداف العملية في إطارها المباشر وبعيد المدى ،يجب أولا أن نبحث في أوضاع ما قبل العملية لنرَ الظروف والأجواء التي جاءت العملية على خلفية أحداثها. المتابع يرصد أن العملية جاءت وسط حالة شديدة من الأزمة التي يعيشها الاحتلال ومشروعه،فمن ناحية ،هناك تأزم في وضعية وتطورات ما يسمى "بالعملية السياسية" ،حيث الانتخابات العراقية التي انتهت في 15 ديسمبر الماضي لم يجر من وقتها وحتى الآن الاستقرار على تشكيل حكومة دائمة وفقا لنتائجها لتعقد تحالفا دائما لبقاء الاحتلال أو لاستمرار تحقيق أهداف الاحتلال بعد انسحاب القوات الأمريكية من المدن على الأقل, وهو ما يعنى أن حالة الفراغ الجارية باتت فرصة مواتية لمن هم خارج اللعبة الجارية (المقاومة) للتوسع وأنهم حصلوا على فرصة التقوِّي في مناطق متعددة .

 

ومن جانب آخر؛ فإن المرحلة الأخيرة باتت تشهد نشاطا متصاعدا لأعمال المقاومة ،فرغم التركيز الإعلامي المخطط والموجه على فكرة التصفيات الطائفية وإطلاق التصريحات حول الحرب الأهلية ،فان المتابع يلحظ أن المقاومة لم تنجر إلى اللعبة الداخلية وان الأعمال الموجهة ضد قوات الاحتلال –وفق الاعترافات الأمريكية ذاتها –ما تزال كما هي على صعيد القتلى من الجنود الأمريكيين ،رغم الادعاء بان عدد العمليات في تراجع.

ومن جانب ثالث, فان المرحلة الأخيرة باتت تشهد تراجعا متواصلا من قبل الذين انخرطوا في العملية السياسية في أوساط السنة العرب، كما باتت تشهد حدوث تمردات شعبية من أنماط جديدة ،فهناك تطورات مؤشرها خطير للغاية أو رمزيتها مهمة للغاية أهمها ما جرى فى مدينة حلابجة إذ وقعت مصادمات هي الأولى بين مواطنين وقوات الأمن في المدينة راح ضحيتها متظاهرين وجرى خلالها إحراق نصب"شهداء حلابجة" الذي أقيم لتأكيد معنى اتهام الجيش العراقي بارتكاب مجزرة حلابجة ،فإذا بالمواطنين يدمرون هذا الرمز ،بما يعنى زوال الخداع عن أعين المواطنين .كما شهدت الأيام الأخيرة تصاعد شعبي في النقمة على قوات الاحتلال والحكومة بسبب ارتفاع أسعار المحروقات وبسبب تدهور أوضاع الأمن الاجتماعي ...الخ .

ومن جانب رابع، جاءت العملية في وقت دخلت فيه محاكمة (الرئيس العراقي) صدام حسين ومعاونيه مراحلها الختامية ،في ظرف بات ظاهرا فيه أن نتائج المحاكمة أصبحت تأتى برد فعلى عكسي بالنظر إلى قوة الموقف السياسي والصمود الذي أبداه الرئيس صدام ،وقد أجريت استطلاعات رأى في العراق مؤخرا أظهرت أن نتائج المحاكمة بدأت تتحول إلى حالة ضد على مستوى الأهداف التي ابتغاها مدبرو المحاكمة أن لم يكن في العراق ففي الولايات المتحدة وهو أمر أضحى ضاغطا على أعصاب قيادة قوات الاحتلال في العراق.

ومن جانب خامس جاءت العملية الإجرامية مترافقة مع الإعلان البريطاني والياباني عن بدء سحب القوات البريطانية واليابانية من العراق .

أهداف العملية

في ضوء هذه الأوضاع والأجواء, جاءت العملية في سامراء ،وفى ضوء رصدها وتحديدها يصبح من البديهي القول ،أن العملية لا علاقة لها لا بقتل الصحفيين ولا بأحداث فتنة سامراء وما تلاها كما زعم المتحدثون الأمريكيون أو الناطقون باسم الجيش العميل ،وإنما هي جرت وتجرى لأهداف توسيع الاختراق الذي حدث على صعيد عملية إشعال الحرب الأهلية حيث أن اختيار اسم سامراء في العمليات لم يكن أمرا عفويا ،إذ أرادت قوات الاحتلال والقوات العميلة تأكيد فكرة ومعنى أن من قام بالعملية في سامراء هم المسلحون –أي المقاومة-وأنهم بعيدون عن تلك العملية بدليل أنهم يطاردون من فعلها (على طريقة اللص الذي طارد الشرطي وهو يصرخ اقبضوا على اللص) ،كما استهدفت إفقاد المقاومة ما نجحت في بنائه استثماراً لمرحلة الارتباك الحادثة بين الفرقاء المتعاونين مع الاحتلال من تأسيس لقواعدها في مناطق محيط المدن التي تنشط فيها المقاومة.وكذا استهدفت العملية القيام بعملية"تأديبية" للحركة الشعبية المتنامية لأسباب متعددة بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية الطاحنة التي يعيشها العراق ،وكذلك استهدفت تأكيد كلام رامسفيلد وكلام وزير الدفاع البريطانى بأن الجيش العراقي بات قادرا على مواجهة المقاومة ،من خلال الحديث عن أن القوة الرئيسية القائمة بالعملية هي من الجيش العراق وليس من قوات الاحتلال ،ولذلك جاءت العملية مصحوبة بزخم إعلامي يتحدث عن أن القائم بها هو القوات العراقية .

 

دلالات العملية

العملية تحمل دلالات مهمة على صعيد الإعلام وعلى صعيد العمليات في ذاتها .فمن تابع العملية يلحظ أن الإعلام عنها جاء تركيزه على أن العملية يقوم بها الجيش العراقي، وهو أمر إذا كان يستهدف إيجاد مبررات أوسع لدعاوى الانسحاب بسبب قوة الجيش العميل لا تحت ضغط المقاومة، فإن ما قيل ليس إلا كذبة حيث العملية تعتمد عسكريا على القوة الجوية من طائرات ثابتة الجناح والهليوكوبتر(نحو 50 طائرة) وهى جميعها لقوات الاحتلال ،بل أن الإعلانات الأولى عن العملية صدرت بان من يقوم بها أساسا قوات الاحتلال قبل أن يجرى التعديل للقول والتركيز على دور أساسي للقوات العراقية العميلة .

كما يلاحظ أن الإعلام جاء هذه المرة مقدما مبررات داخلية عراقية للعملية .فإذا كانت عمليات الفلوجة جاءت لسبب واضح يتعلق بقوات الاحتلال (حرق الجنود الأمريكيين ) وجاءت عمليات القائم بسبب خسائر القوات الأمريكية هناك وإسقاط الطائرات، فإن العملية الحالية جاءت تغطيتها بأسباب عراقية مثل القول بمطاردة فاعلي جريمة سامراء ،وملاحقة قاتلي الصحفيين ومرتكبي عمليات التصفية , وهى حالة جديدة سنراها مستقبلا في كل العمليات التي ستقوم بها قوات الاحتلال ،التي ستعمد من هذه العملية وصاعدا على تقديم "أسباب داخلية عراقية" تبريرا لجرائمها.

 

غير أن الدلالات الأهم للعملية والأسباب المتعلقة بالمقاومة وهذا هو الجوهر هو أن العملية ليست إلا معركة الفلوجة الثالثة كما هي معركة مجمعة لكل المعارك التي جرت في المرحلة الماضية في منطقة وسط العراق حيث من يراجع تطور العمليات الماضية في مناطق وسط العراق ،يعرف أن المجاهدين كانوا ينسحبون إلى المناطق الريفية خلال تلك العمليات ليعودوا من جديد إلى داخل كل المدن .كما تظهر العملية أنهم لم يكونوا ينسحبون للحماية فقط وفق تكتيكات عسكرية وإنما هم تمكنوا من تأسيس مراكز قوية لهم في المناطق المحيطة بكل مدن وسط العراق ،ولذلك هم أصبحوا قادرين خلال المرحلة الحالية على قطع خطوط الإمداد والتموين وضرب القوافل بشكل منهجي منظم،إضافة إلى تصعيد العمليات في المدن .ولعل المثال الأبرز على ذلك هو أن عمليات المقاومة في العراق شهدت في الأسابيع الأخيرة عودة للنشاط الجهادي والمقاوم في الفلوجة ضد القوات الأمريكية إذ اكبر الخسائر التي منيت بها قوات الاحتلال في المدة الماضية حدثت في الفلوجة ونفس الأمر حادث كما هو معروف في بغداد ...الخ.وواقع الحال أن ذلك هو الأمر الأهم فى العملية العسكرية الجارية ،فالمكان الذي تجرى فيه هو الامتداد بين والفلوجة و سامراء -إذ أن المقاومة العراقية وبعد المعركة الثانية في الفلوجة قد بنت قواعدها في القوس القريب من الفلوجة وفق قواعد الانتشار –وكذا هي منطقة تمثل موقعا مهما يربط بين والفلوجة وسامراء وهيت وحديثة والرمادي ...الخ ،ولذا فإن النقطة الوحيدة الصحيحة في كل ما قيل من جانب قوات الاحتلال هو أن العملية واحدة من اخطر المعارك التى جرت فعليا منذ احتلال بغداد من زاوية مساحة الرقعة التي تجرى عليها في الوقت الراهن وامتدادها الذي سيجرى طوال مرحلة قادمة ،والذي يتوقع أن تواجهه المقاومة كما هي خططها بفتح المعارك في مواقع أخرى ضد القوات الأمريكية بما يربكها وهذا ما سنراه خلال الأيام القادمة إذا كانت قراءتنا دقيقة للحدث ،خاصة وأن البادي هو أن العملية مصممة لاستغلال المناطق المفتوحة بلا غطاء من المساكن والسكان والطبيعة ،في الضغط على المقاومين لدفعهم للاحتماء في مناطق ضيقة المساحة قليلة السكان مع أعمال القصف الوحشي وعمليات الإبادة والأرض المحروقة ،وكذا بالنظر إلى إغلاق الطرق الخارجية ومداخل المدن .

 

 

إلى صفحة مقالات وأراء4