28/04/2006

 

زبيبة، والملك، والمخابرات المركزية


 صبحي حديدي

 
قبل أيّام نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريراً طريفاً بعنوان عملاء المخابرات المركزية الأمريكية يدرسون رواية للوقوف علي تفكير حسين . الرواية بالطبع هي زبيبة والملك ، وحسين هو الرئيس العراقي صدام حسين، وأمّا مفردة التفكير هذه فأين من يجرؤ علي تقديم تعريف ملموس لها يشفي الغليل!
هل تأخرت الـ
C.I.A.، كما قد يتساءل البعض من المؤمنين بسطوة وكالة المخابرات الأعظم، في دراسة رواية صدرت منذ مطلع العام؟ ربما، غير أنّ عملاء الوكالة استغرقوا بعض الوقت، أو الكثير من الوقت في الواقع، من أجل ترجمة الرواية و تمحيص الفصول والفقرات والأحداث واللغة والرموز، ثم توقفوا بإمعان أدقّ حول الأسلوب و بنية الجملة ، وتوصلوا أخيراً إلي رأي نقدي مفاده أنّ الرواية قد لا تكون من تأليف صدام حسين، الأمر الذي لا ينفي إشرافه علي إنتاجها، وحشوها بكلماته وأفكاره .
ونقّاد الـ
C.I.A.، إذْ هكذا يقتضي الواجب أن نقول، توصّلوا إلي هذا الإستنتاج الجسور علي الرغم من تأكيد صحيفة القدس العربي ( المؤيدة للعراق كما يقول تقرير الصحيفة الأمريكية) أنّ حقيقة عدم صدور انتقادات رسمية للرواية يوحي بقوّة أنّ الرئيس العراقي هو كاتبها، وعلي الرغم أيضاً من تأكيد صحيفة الشرق الأوسط (التي لا يصف التقرير مشاعرها تجاه العراق) أنّ صدام حسين هو الذي كتب زبيبة والملك .
كيف جزم جهابذة النقد الروائي ـ المخابراتي بهذه الحقيقة؟ لا يلقي هذا التفصيل أيّة عناية مختلفة، مثله مثل التفصيل الآخر الذي يقول إنّ الرواية ــ رغم ذلك... رغم ذلك! ــ توفّر نافذة مثيرة للدخول في تفكير السيد حسين كما تنقل الصحيفة الأمريكية علي لسان المسئولين الأمريكيين. الهامّ بالنسبة إلي الوكالة، وكما قال أحد هؤلاء المسئولين، هو أنّ الكتاب نوع من الترنيمة الجنائزية. ذلك لأنّ الملك البطل الثاني في الرواية، بعد زبيبة يتحدّث عن موته. وكلّما قرأت الكتاب ازددت تعاطفاً مع الملك، وهذا ما يريده صدّام من الشعب ــ التعاطف معه .
وإليكم، فضلاً عن نماذج الآراء الفردية للمسئولين الأمريكيين، هذا المقطع من تلخيص حكومي أمريكي (ورسمي بالتالي) للرواية: إنّ أسلوب صدّام، وبنية جملته وتعابيره، ماثلة في الرواية علي نحو واضح. والحوار بين زبيبة والملك يكشف منظوراً عريضاً لتفكير صدّام: القِيَم البدوية لا يُعلي عليها، والعائلة هي الأمان الموثوق الوحيد. الشرف يقترن بطهارة المرأة، بحيث يكون الاغتصاب أسوأ من القتل. وفي هذا السياق يصبح ثأر الإنسان هو واجبه الأعلي .
ما هذه الكشوفات الكبري؟ بل ما هذه الإختراقات العظمي في تفكير الرئيس العراقي؟ أهذه، حقاً، هي الخصائص التي ترقي إلي مصافّ نافذة مثيرة للدخول في تفكير السيد حسين ، وتكشف منظوراً عريضاً لتفكير صدّام ؟ وفي اعتناق هذه الآراء حول القِيَم البدوية والشرف والعائلة، لم ينفرد صدّام حسين عن عشرات الملايين من العرب؟ وهل هذه الآراء، التي تلخّص الذهن العربي والشخصية العربية، جديدة حقاً علي وكالة المخابرات المركزية، بعد كلّ الجهد الإستشراقي الذي وُضع في خدمة مختلف المؤسسات الحكومية الأمريكية في مختلف العصور، والذي بذله الأساتذة من أمثال برنارد لويس، والتلامذة الأسوأ والأشدّ سطحية وتسطيحاً من أمثال فؤاد عجمي؟

ومادمنا في حديث الأخير، اللبناني العربي قبل أن يقرّر الذهاب إلي انتماء آخر، فلنتذكّر ثانية حكاية البروفيسور فؤاد عجمي مع الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، والتي لا تبتعد كثيراً عن كاريكاتور دراسة المخابرات المركزية لرواية زبيبة والملك . ففي أطوار التحضير لعملية عاصفة الصحراء طُلب من عجمي أن يعقد جلسة مع الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، وذلك من أجل تثقيف الأخير سياسياً وسوسيولوجياً حول الذهنية العربية إجمالاً، وحول شخصية صدام حسين بصفة أخصّ. وقيل عندها إنّ بوش خرج متعجباً مكفهرّ الوجه، وقال لمساعديه ما معناه: يا إلهي! أراهن أنّ ألدّ أعداء العرب من الإسرائيليين ما كان سيصوّر لي الشخصية العربية علي هذه الدرجة من القتامة!
ما لا تكمله الحكاية هو السؤال التالي: هل صدّق بوش أنّ الشخصية العربية علي هذه الدرجة من القتامة؟ الأرجح أنه فعل، والمؤكد أنه صدّق ليس بسبب من عبقرية عجمي، بل لأنّ ما سمعه من البروفيسور إبن البلد كان صورة طبق الأصل عن التنميطات ذاتها التي تتردّد أصلاً في ذهنه: التنميطات القادمة من ماضٍ سحيق سحيق، الغائرة في النفوس عميقاً عميقاً، الزائفة في تسعة أعشارها، اليقينية الوثوقية المستقرّة الراسخة مع ذلك، أبد الدهر.
ألا تعكف المخابرات المركزية اليوم، كما تبشّرنا نيويورك تايمز ، علي قراءة القرارات الأخيرة القاضية بترقية قصيّ صدّام حسين، وتحليلها في ضوء وثيقة جيو ـ سياسية كبري هي... رواية زبيبة والملك ؟

 

عن القدس العربية

 

 

تعريف الناشر:
 
بتاريخ 12 شباط 2000 التقى السيد الرئيس القائد صدام حسين (حفظه الله ورعاه) بعدد من كتاب القصة والرواية في العراق. وطلب منهم كتابة روايات طويلة لكي يأخذوا كامل مداهم عندما يكتبون ويعالجون شؤون الحياة خلال احداثها، اي ان يأتي الكاتب بمزيج من الصلة بين الحياة البيتية الاعتيادية وأحداث الرواية، حتى تصل الى مستوى المقاومة خلف المدفع الرشاش الذي يقاوم طائرات العدو.
وقال لهم: انكم بحاجة الى نفس اطول في كتابة الرواية التي يجد فيها القارئ مزيجا من معلومات جديدة لم يعرفها سابقا عن التاريخ او الاجتماع او علم النفس، سواء تعلق الامر بالمرأة او بالرجل، بكبير السن ام بالشاب، بالمريض في ظرفه او وصفه ام بالمتعافي، بالمقاتل عندما يأتي مجازا الى بيته وكيف تكون احاسيسه عندما يعود من الجبهة، او يغادر بيته اليها.
وبذلك يكون القارئ قد اطلع على رواية، باستطاعته ان يرويها بدوره، وعلى فكرة مركزية وسلسلة من الافكار المتصلة بها في كل شؤون الحياة.
وقد تلقف نجيب غيور من أماجد العراق هذه الكلمات البديعة فكانت هذه القصة - الرواية التي بين يدي القراء الان... ولكنه لم يشأ ان يكتب اسمه عليها تواضعا، شأنه شأن ابناء العراق، الذين يبذلون النفس والنفيس، ولا يتحدثون حتى عن جليل ما يفعلون. وكانت الرواية بقلم (كاتبها)

 

 

 

النيل والفرات:


"
زبيبة والملك" رواية أول ما يلفت النظر إليها اهتمام الولايات المتحدة الأميركية فيها، وتجسد ذلك من خلال تحليل الـ"سي.أي.ايه" (وكالة المخابرات الأميركية) حيث سارعت جهات في تلك الوكالة إلى تحليل تلك الرواية عندما وقعت في أيديهم وهدفهم في ذلك سبر عقل الرئيس العراقي، وربما استنتاج كيف يفكر وذلك عندما تكهنوا بأن مؤلف الرواية الذي أغفل اسمه ما هو إلا الرئيس صدام حسين!! وقد تحول تكهنهم هذا إلى شبه تأكيد بعدما أمعنوا في قراءة الرواية وتحليلها.

وبعيداً عن الأجواء السياسية فإن الرواية تغري بقراءة صفحاتها، لأسلوبها الرمزي الذي رمى من خلاله الروائي، أياً كان اسمه، إلى إلباس شخصياته بعداً زمنياً أسطورياً في حال من الأحوال، يمتد بمساحاته الزمانية إلى كل العصور، وبمساحاته المكانية إلى كل البقاع، وزبيبة تلك شخصية نسائية حمّلها الروائي قيماً وخلقاً وذكاءً وإخلاصاً وحكمة حتى باتت نديمة الملك الذي يجري معها أحاديث طويلة عن مواضيع شتى اجتماعية وفكرية وسياسية فتحدثه عن الولاء والخيانة وعن الأسرة وعن سياسة الملك الحكيم الذي تقر وحين يسألها الملك بأن سياسة الملك الحكيم لا بد أن تكون صارمة ليشعر الشعب بالأمن.

ومن خلال مجريات الأحداث تثبت زبيبة إخلاصها للملك وخصوصاً عند مشهد محاولة قتله من قبل ابن عمه حيث تحول بين الملك وبين ضربة السيف الموجهة من قبل مهاجمه بجسدها. وتبلغ الأحداث ذروتها مع تعرض زبيبة للاغتصاب من قبل زوجها القديم، وعقب هذه الحادثة يكون لزبيبة قول يكشف عن الكثير القابع خلف السطور، تقول زبيبة "الاغتصاب هو أخطر الجرائم سواء أكان رجل يغتصب امرأة، أو جيوش غازية تغتصب وطناً أو اغتصاب حقوق".

وهكذا يمضي الروائي في سردياته مشيراً إلى انتقام الملك من مغتصبي زبيبة وخلال المعركة ضد الزوج ومناصريه تقتل زبيبة ويدفن زوجها، الذي يقتل في اليوم نفسه إلى جانبها. ويمكن قراءة هذا النص الروائي من منظار آخر، وذلك على ضوء عباراته المعاصرة، وتواريخ الأحداث الهامة التي مرت والتي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالأحداث التي مرّ بها العراق خلال فترات زمنية متعاقبة وصولاً إلى العصر الحالي وانتهاءً بالزمن المعاصر الذي شهد فيه العراق الخيانة والضربات من قبل إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية.

لذا يمكن القول بأن "زبيبة والملك" هي رواية، تفسير رموزها هو رهن بفكر قارئها. ويمكن للمتتبع الدخول أكثر في تحليلات أبعاد سرديات الرواية وتحليلات شخصياتها من وجهة النظر الأميركية بالاطلاع على ما نشرته الصحف حول تلك الرواية وراويها.

 

إلى صفحة مقالات وأراء