27/03/2006

 لا يمكن تقسيم البلاد بدون حرب طائفية !

 بقلم ميشيل كولون

 
لقد وجدوا الحل ! اقسم العراق الى ثلاث دويلات رئيسية ثم ادفعهم الى قتال بعضهم البعض. هل يذكرك هذا بشيء ؟ نعم . انها ليست المرة الاولى التي يحدث فيها ذلك .

نشرت النيويورك تايمز مقالة في 25/11/2003 تحمل توقيع ليزلي جيلب Leslie Gelb وهو رجل مؤثر كان الى وقت قريب يترأس مجلس الشؤون الخارجية وهو مجلس لوضع النظريات والاستراتيجيات ويضم مسؤولين من وكالة المخابرات المركزية ووزارة الخارجية والمتنفذين في الشركات الامريكية متعددة الجنسيات.

خطة جيلب ؟ استبدل العراق بثلاث ولايات صغيرة (الاكراد في الشمال ، السنة في الوسط والشيعة في الجنوب) الهدف ؟ ( وضع الاموال والجنود في الاماكن الاكثر فائدة وامنا . مع الاكراد والشيعة سوف تستطيع الولايات المتحدة ان تسحب جنودها من المناطق المسماة المثلث السني شمال وغرب بغداد . وسوف يصبر الامريكان على السنة بعد حصارهم بدون نفط وبدون عوائده حتى يعتدلون في طوحاتهم او يعانون من النتائج. باختصار (جوع ولاية الوسط حول بغداد لأن السنة كانوا دائما رأس الحربة في مقاومة الامبريالية الامريكية).

وفي الحقيقة ان تقسيم العراق كان حلما اسرائيليا قديما . في 1982 قال عوديد يعنون وهو مسؤول في وزارة الخارجية الاسرائيلية : ( ان تفكيك العراق اهم لدينا من تفكيك سوريا ، وعلى المدى القريب ، فإن قوة العراق هي التي تشكل التهديد الاكبرلاسرائيل ، ان الحرب الايرانية العراقية مزقت العراق و تعجل بسقوطه ، وكل اشكال الصراعات العربية الداخلية مفيدة لنا وتعجل بتحقيق هدفنا هو تفتيت العراق الى قطع صغيرة متناحرة).

هل نشهد تطهيرا عرقيا مرة اخرى؟

جيلب اذن يريد تفتيت العراق وفي نفس الوقت تحويل الشمال (اغلبية كردية) والجنوب (اغلبية شيعية) الى اقاليم تتمتع بالحكم الذاتي وحدود ترسم حسب الخطوط العرقية. ولكن ألم تثير هذه الخطة حين نفذت في يوغسلافيا حربا اهلية ومذابح دموية ؟ لأن كل الاقاليم المتصارعة في تلك البلاد كانت تشمل اقليات مهمة وكان التقسيم مستحيلا بدون ترحيل اجباري لبعض قطاعات السكان. وهذا هو السبب في ان برلين ثم واشنطن مولت بالخفاء وسلحت المتطرفين العنصريين مما سهل قيام الحرب الاهلية اضافة الى ان صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ساهما في اغراق يوغسلافيا في بحر الافلاس لاخضاعها لسياسة الليبرالية الجديدة بعد سقوط جدار برلين . لقد تم اخفاء كل ذلك عن الجماهير ، بالضبط كما يفعلون الان بإخفاء حقيقة ان كل شعوب يوغسلافيا السابقة تعاني الان من الشقاء والبطالة كما لم تعانيهما من قبل. هذا في الوقت الذي تنهمك في الشركات متعددة الجنسيات في نهب ثروات البلاد. في العراق ايضا : فإن الطوائف الثلاثة الكبيرة لاتقتصر على الاقامة في (مناطق خاصة بها) وانما تندمج وتتداخل في كافة ارجاء البلاد، كما ان جيلب يعرف جيدا ان الشروع في مثل هذه الستراتيجية في العراق مرة اخرى ، سيثير ، على اكثر احتمال، صراعات (عرقية) خطيرة وربما حتى حربا طائفية. ولهذا فهو يعلن بأن ولاية وسط العراق (ربما تعاقب الاقليات الموجودة في الوسط خاصة الاكراد والشيعة في بغداد ولهذا يجب على هؤلا ء ان يمنحوا الوقت الكافي لترتيب اوضاعهم او الرحيل الى الشمال او الجنوب) وهذه الطريقة تعني اجبار ملايين العراقيين على مغادرة المناطق التي ولدوا وعاشوا فيها . ولكن جيلب لايرى في هذا شيئا خطيرا طالما انه يتيح للولايات المتحدة ضمان هيمنتها الاستعمارية.

ألم تكن يوغسلافيا سابقة تحذيرية ؟ ولكن الحقيقة ان جيلب يرى ان الحرب الاهلية في يوغسلافيا هي نجاح عظيم للولايات المتحدة لأنها هيأت لها ان تفتت البلاد التي كانت تناهض سياسات السوق الحرة.

مرة اخرى : نظرية " الولايات الخالصة عرقيا"

بل ان جيلب يشير بشكل واضح الى (يوغسلافيا المثال المشرق بالامل) شيء غريب . أليس كذلك ؟

ألم يزعموا ان سبب تدخل الولايات المتحدة هناك هو لمنع "التطهير العرقي"؟
أبدا ، فهو يعترف بأن (الولايات الخالصة عرقيا ) سياسة لابأس بها عندما تخدم مصالح واشنطن.

وفي حين انه يمجد هذه الولايات الخالصة عرقيا (وهي حسب وصفه – ولايات طبيعية -) ينتقد جيلب الرئيس السابق تيتو لأنه اعاد توحيد يوغسلافيا وهو يدعي بأن العراق (دولة مصنوعة) لنفس السبب. ان جيلب يعود الى النظريات القديمة التي تبناها اليمين المتطرف. ونظريته حول الولايات الخالصة عرقيا مشابهة لنظرية هتلر (شعب واحد – امبراطورية واحدة – فوهرر واحد ) وهي نظرية تبناها الصهاينة الذين كانوا يحلمون باسرائيل (نظيفة من الجنس العربي) . وفي يوغسلافيا كانت هذه هي النظرية التي تمسك بها الموالون لواشنطن : تجمان الكرواتي وعزت بيجوفيتش المسلم البوسني والقائد الصربي اليميني كاراديتش. ومن الغريب ان نجد ان الولايات المتحدة تمجد الان نظريات ادعت انها تحاربها.

الحقيقة ان الولايات المتحدة – مثل كل الدول الاستعمارية – مع او ضد الولايات الخالصة عرقيا حسبما تناسب مصالحها الاستراتيجية . الشيء المهم لديها هو كسر شوكة المقاومة والتقسيم من اجل احكام السيطرة على الشعوب.

ومن قبلهم ، نظم البريطانيون بعناية تقسيم ايرلندا والهند وباكستان واماكن اخرى من العالم .

ويدعو الاستراتيجي برجينسكي الى تقسيم روسيا الى ثلاث دول من اجل عزل موسكو عن احتياطيات النفط. كما ان وكالة المخابرات المركزية لها (خططها الخاصة) لتقسيم المملكة العربية السعودية . وفي هذا الزمن الذي تتحد وتندمج وحدات اقتصادية وسياسية كبيرة في الاتحاد الاوربي والولايات المتحدة ، انظروا كيف تعمل نفس هذه القوى العظيمة على بلقنة دول اخرى معينة ، هي الدول التي تناهض الهيمنة الغربية الاستعمارية.

ان المبدأ الذي يقود السياسة الخارجية الامريكية هو انها بلا مباديء. يمكن للولايات المتحدة ان تدعي في يوم ما انها ضد التطهير العرقي وفي يوم آخر ، هي التي تقوم بتنظيمه ، وكل ذلك بأعذار وحجج كاملة.

في الماضي ، اجبرت الولايات المتحدة اكراد تركيا على البقاء داخل حدود الدولة التركية التي كان يقودها جنرالات فاشيون ، والان تمنح الاكراد دولة بحجة مبدأ تقرير المصير (وهي في الواقع دولة عميلة لاتملك زمام امورها) . انهم يدعون نشر الديمقراطية في العالم ولكنهم في هذه الامثلة يتبنون نظريات فاشية من اجل اقامة دويلات (خالصة عرقيا) طالما ان ذلك يصب في المصلحة الامريكية.

خطر تصدير النظرية الى كافة ارجاء العالم

ان خطر هذه النظرية الكاذبة يتجاوز العراق ويوغسلافيا . ان اغلب الدول الموجودة على الكرة الرضية هذا اليوم هي (متعددة الاعراق) والعقلاء من الشعوب يعتبرون انفسهم اغنياء بهذا التنوع الثقافي والحضاري. ولكن اذا سمحنا بتطبيق نظريات (الاقاليم الخالصة عرقيا) فسوف تلجأ الولايات المتحدة الى تفتيت اية دولة (متعددة الاعراق) تناهض هيمنتها.
وفي مسعاها هذا ، تنتهك الولايات المتحدة مرة بعد اخرى القانون الدولي وسيادة الدولة . وتتهيأ الولايات المتحدة لتنفيذ مافعلته في يوغسلافيا وافغانستان والذي لسوء الحظ ، ايده الكثير من اليساريين الغربيين .

انتبهوا ايها السادة ! لقد حان الوقت لتقييم وفضح توافق اليسار مع مصالح الولايات المتحدة في قضايا يوغسلافيا وافغانستان. اذا اراد أي انسان ان يمنع حربا كونية ، بمعنى اعادة استعمار العالم ، يجب ان ينهض الان للدفاع عن (سيادة ) دول العالم الثالث وهو مبدأ ينص عليه ميثاق الامم المتحدة الذي شرع في 1945 وتعمل الولايات المتحدة الان على الغائه.

ساندوا انفسكم . . بمساندة المقاومة

ان اصل خطة جيلب هي اغراق العراق في حرب طائفية طويلة من اجل انقاذ الاحتلال الاستعماري واستمرار نهب الثروات. سوف تعمل الولايات المتحدة على تقسيم المقاومة – وهي تضم كل طوائف الشعب – وذلك بمعاقبة اولئك الذين مازالوا يعيشون معا وتنظم بشكل انتهازي (تطهيرا عرقيا) . ان خطة الولايات المتحدة هي تقسيم العراق بالابتزاز ، ولكن اذا استمرت المقاومة العراقية بالنمو والتوحد في جبهة واحدة تضم الشيعة وغيرهم ، ستفوت الفرصة على واشنطن لتنفيذ خطتها في تفتيت العراق. ان سابقة يوغسلافيا يجب ان تشكل تحذيرا مهما ! ان توريط الدول الاخرى بنفس السيناريو مرفوض !

وبالنظر الى سياسات بوش التي تعتبر تهديدا خطيرا للعالم بأجمعه ، وبالنظر الى حقيقة ان بوش يعتمد في سياساته الراهنة وبشكل متصاعد على نظريات فاشية ، فإن الرد الوحيد الممكن هو بناء جبهة عالمية متحدة ضد سياسات الولايات المتحدة ودعم المقاومة في كل مكان ، واولها واهمها المقاومة العراقية الفذة (التي تطلق عليها وسائل الاعلام الامريكية الرسمية صفة ارهابية).

ان المقاومة العراقي هي التي تمنع بوش من مهاجمة ايران وسوريا وكوريا الشمالية وكوبا. أن الولايات المتحدة لم تكن ي يوم من الايام (قوة لاتقهر) وقد اصبح بوش اضحوكة العالم والوصف المتداول عنه انه (نمر من ورق). وهكذا فإن المقاومة العراقية تعدل كفة الاحباط واليأس اللذين سادا في العراق بعد عملية (تحرير بغداد) . لكن الحرب لم تنته . . لقد بدأت لتوها ! ساندوا المقاومة . . تساندون انفسكم !

الخلاصة : لايمكن التقسيم بدون حرب طائفية

سكان العراق : 23 نسمة (لايوجد احصاء رسمي بعد ان احرقت الولايات المتحدة كافة السجلات المدنية العراقية)
ثلاث طوائف كبيرة :

الشيعة : 55-65% معظمهم في الجنوب
السنة : 20-25% معظمهم في الوسط (بين بغداد والموصل)
الاكراد: 20% معظمهم في الشمال ، اغلبية سنية
اقليات اخرى : 5% تركمان /اشوريون –كلدان (مسيحيون) /يزيديون/صابئة / يهود

ولكن ليس كل المناطق (خالصة عرقيا ):

-مليون كردي على الاقل خارج كردستان (بغداد البصرة)
-اكثر من مليون شيعي في بغداد
-بعض السنة يعيشون في الجنوب
-بعض العرب يعيشون في كردستان


ولهذا فإن تفتيت العراق مستحيل بدون افتعال حرب طائفية وتطهير عرقي، خاصة ان الولايات المتحدة بذلت كل جهودها خلال العشرين سنة الماضية من اجل اثارة النزاعات وتمويل بعض زعماء الاقليات من اجل تأييد التفتيت . هذا هو بالضبط ماحدث في يوغسلافيا .

باختصار . . اذا سمح للولايات المتحدة بتقسيم العراق . ستكون (الاقليات ) في المناطق الثلاثة هدفا للتطهير العرقي . ثم سيقول بوش انه مضطر لابقاء جنوده من اجل (حماية ) الاقليات. بالضبط كما حدث في كوسوفو ، حيث بنت امريكا قاعدة بعد ان شجعت بكل الطرق على ايقاد فتيل الفتنة. والولايات المتحدة باقية هناك لحماية العصابات الاجرامية التي تمارس التطهير العرقي (في حين تستنفد شركاتها العملاقة ثروات البلاد – دورية العراق).


***
ميشيل كولون: كاتب بلجيكي اصدر عدة كتب مهمة منها (احذروا الاعلام ) حول التضيل الاعلامي في حرب الخليج الاولى 1991 ، وآخرها كتاب (يوغسلافيا وحروب المستقبل) 2001. وهو ناشط ضد الهيمنة الامريكية الصهيونية وقد انتج افلاما تسجيلية اذافة الى الكتب والمقالات ..

**

 ترجمة دورية العراق

إلى صفحة مقالات وأراء4