18/04/2006

 

تنازلات الأزهر المتواصلة ، إلى أين ؟

 

بقلم الدكتورة : زينب عبد العزيز

dr_zeinab@menanet.net

 

          فوجىْ المسلمون صباح يوم الأحد الموافق 2 أبريل 2006 بتصريح للأنبا يوحنا قلتا فى جريدة "المصرى اليوم" ، يعلن فيه على الملأ  بأن شيخ الأزهر ورئيس لجنة الحوار فى الأزهر قد وقعا على وثيقة تبيح للمؤسسات الكنسية المختلفة بأن تقوم بعمليات التبشير فى مصر دون ان يتعرض لها أحد !

وفى اليوم التالى ، نشرت نفس الجريدة ان هناك من تقدم بطلب تفسير من شيخ الأزهر حول ما جاء فى الوثيقة الدولية التى وقعها الأزهر والتى تتيح حرية التبشير فى مصر .. بينما انتشر الخبر فى صحافة البلدان العربية بصور متفاوتة من الإستنكار والدهشة..

وبعد يومين ، تضاربت التصريحات فى وسائل الإعلام المصرية ، المقروءة أو المرئية ، بصورة فجة ، ما بين الإنكار والإقرار ، وإن كان الإجماع اتفق على ان عمليات التبشير تسير، بكل تأكيد ، بخطى حثيثة فى القطر المصرى ، دون أن يتعرض لها أى شخص ...

ومريرة هى الكلمات ..

مريرة هى ، وما هو أكثر مرارة إن من يقوم بمثل هذه التنازلات الرخيصة مسلمون يترأسون واحدا من اكبر رموز الإسلام فى العالم .. مريرة هى الكلمات حينما تعجز عن وصف ما آلت اليه تلك الضمائر من رخص وعهر ولا همّ لها إلا الحفاظ على مقاعدها التى تتكسب وتسترزق منها على حساب الدين وعلى حساب الرسالة التى كان من الأكرم ان تقوم بها بدلا من بيعها ..

 وأهم ما يأتى على رأس قائمة هذه التنازلات  من جانب الأزهر بكل مؤسساته ، وذلك الكمّ المخزى من المواقف التى ذكرنا العديد منها فى مقال سابق ، على سبيل المثال لا الحصر ، هو ما قام به المسؤلون فيه من باب الجهل ، أو  مراضاة للغرب المتعصب الصلف، أو تفاديا لما يطلقون عليه ظلما أو جبناً: " تفادى الفتنة الطائفية" ! وأقول ظلما او جبناً لأن المسيحيين فى مصر ، بكل طوائفهم، ليسوا عاجزين عن الفهم و التفكير، وحين تعرض الحقائق بكاملها وبلا مواربة يتخذون المواقف السليمة سواء أكانت وطنية أو غيرها، وعليهم أن يعرفوا ما يحاك لنا لأنهم، فى هذه القضية تحديدا ، مستهدفون مثلنا فى مسألة إقتلاع الدين ، فالمطلوب فاتيكانيا هو توحيد الكنائس تحت لواء كاتوليكية روما ، والباكى على دينه عليه أن يفهم الوقائع والحقائق ليعى ما نحن فيه..

والأزهر، الذى يمثل فى مصر والعالم الإسلامى  على إتساعه ، أكبر و أعرق رمز للإسلام ، والرمز أعلى وأسمى من أى مسمّى أو عبارة سلطوية ، الأزهر ، بكل أسف ومرارة ، كان أول من فرّط  فى حق الإسلام  و فى حق نبيه عليه الصلاة والسلام، وذلك بقبوله إلغاء مادة الدين من التعليم كمادة أساسية للنجاح والسقوط ، وقبوله  " تعديل" المناهج الدينية وتغيير الآيات فى المناهج الدراسية بدلا من شرح وتفسير أسباب نزولها ، وإسناد المعاهد الأزهرية إلى التربية والتعليم أو تحويلها إلى مرافق أخرى، و " تعديل " الخطاب الدينى ، وإغلاق المساجد بين الصلوات ، وتضييق نطاق بناء المساجد ، و تحويل ما لم تُقم فيه الشعائر بعد إلى مرافق أخرى، بل وهدم ما تم بنائه قبل إستخراج تصاريح البناء، وهنا لا يسعنى إلا أن أسأل: هل يمكن لنفس هؤلاء المسؤلين والوزراء القيام بنفس التصرف حيال الكنائس؟! فما اكثر ما تم بناؤه بلا تراخيص ، بل ما أكثر الأراضى التى أُخذت بوضع اليد ولم يتحرك أحد ، وما اكثر الكنائس التى تضخّم حجمها فى مكانها الى درجة الإنبعاج الفظ معماريا وكأنها على وشك الإنفجار!..     

 بل لقد خرج العاملين بالأزهر عن تعاليم دينهم ووصايا الرسول عليه الصلاة والسلام بالتهاون فى مسألة الحجاب فى فرنسا ، وبتسليم وفاء قسطنطين بدلا من حمايتها، كما غضوا الطرف عن الدفاع عن الإسلام وعن نبيه الكريم فى مهزلة مسرحية كنيسة الإسكندرية ، بإحالتها إلى عالم الصمت والنسيان ببضعة عبارات مرتعدة جوفاء، والصمت حينما أهانت السلطات القمعية الأمريكية المصحف الشريف فى جوانتنامو وغيرها .

.. والأدهى من هذا وذاك ، وغيره جد كثير بكل أسف، هو التوقيع على إتفاقية بين الأزهر والفاتيكان والكنيسة الأنجليكانية بالموافقة على أن يقوم المبشرون بالتبشير  فى مصر دون أن يتعرض لهم أى شخص !؟ وكان ذلك فى 18 ابريل 2005..

أرتجف خجلا وحزناً ومهانةً  وأنا أكتب هذه الحقائق وكلها منشورة فى الصحف المحلية والغربية! وهذا هو ما كشفه او ما "أعلنه"  الأنبا يوحنا قلتا هذا الأسبوع ( 2/4/2006)  بعد قرابة عام من التوقيع عليه.. ولا أقول شيئا عما إذا كان من حق هذا الأنبا أن  " يعلن " على المسلمين !

كما لا أقول شيئا عن غياب دور "علماء" المسلمين وعدم القيام بواجبهم الأساس أو جزء منه، وهو تعريف الغرب المسيحى بالإسلام والدفاع عن حقوق الأقليات المسلمة ، ومناقشة الخلافات الأساسية الحقيقية  بين المسيحية والإسلام  وتوضيحها للكافة ، فكل ما توصل اليه العلماء فى الغرب ، فيما يتعلق بتاريخ المسيحية وكيفية تكوينها ، كان القرآن الكريم سبّاقا فى الكشف عنه ، وهذه الخلافات التى يجهلها الكثيرون هنا وهناك هى السبب الأساسى فى كل هذه المشاحنات والضغائن المكتومة والتى تشرئب من حين لأخر، بدلا من ترك الساحة للتعصب الفاتيكانى ورجاله الذين لا شرعية لوجودهم إلا الحفاظ على ما قاموا به من تحريف على مر العصور وفرضه على الأتباع والإصرار على فرضه على الديانات الأخرى وخاصة المسلمين ، أو تركها لوقاحة السياسة الأمريكية وعربدتها وأتباعها الغربيين ، بل وبدلا من التنطيط بين الفضائيات والقنوات الأرضية والبرامج الإذاعية الممقوته والمؤتمرات واللقاءات الجوفاء  التنازلية النزعة ، والدعْوات المظهرية ، والإنسياق فى لعبة البذخ والمظاهر على حساب الدين..

وفى نفس هذه السلسلة الممجوجة من التنازلات ، صدرت نفس هذه الأوامر الخاصة بتجفيف الإسلام من المنبع ، إلى كل البلدان الإسلامية . كما صدرت  إلى مجمع الملك فهد بتقليل طباعة المصاحف إلى النصف سنويا ، وبذلك سيأتى اليوم بعد بضعة سنوات و لا  نجد فى متناول اليد سوى "الفرقان الحق" –  تلك البدعة المهينة  التى ابتدعتها الأيادى العابثة فى الإدارة الأمريكية وتقوم بتوزيعها على بلدان العالم الإسلامى والعربى..ولا أقول شيئا عن الفضائيات والبرامج التى تسب الإسلام ونبيه الكريم ولا نرد أو نشرح الحقائق بل ولا يسمح بذلك إلا على إستحياء !..

 وهكذا أصبحنا نحقق مطلب القس زويمر ، كبير المستشرقين والمبشرين ، حين قال فى مطلع القرن العشرين :" لن يقتلع الإسلام إلا  أيادى مسلمة من الداخل " .. وياللعار!

وياللعار يا من كان اجدادكم يفْدون الأزهر- الرمز ويفدون الإسلام بأرواحهم ضد هجمات الحروب الصليبية وضد حملة المنافقين الفرنسيس وضد كل من يتجرأ على المساس بهذا الدين ..

لقد كان من الأكرم – بدلا من الصمت أو التواطؤ ، أن يتصدّوا لحملة عبدالرحمن المرتد فى أفغانستان ، والذى تدخل لحمايته كل من بوش  ووزيرة خارجيته وبابا الفاتيكان وهيئة الأمم ، ليفرضوا سابقة رسمية دولية تحت ستار مزعوم هو أنه " مختل عقليا ولا يجوز تقديمه للمحاكمة " ! وياللعجب ، كل هذا الهيلمان للدفاع عن مرتد بينما يقوم نفس هؤلاء الأشخاص بقتل وإبادة الآلاف فى مختلف البلدان الإسلامية والعربية بكل جبروت وعلى مرآى ومسمع الجميع ، وما من احد يتحرك فى ذلك الغرب الذى ألف الفرجة فى صمت طالما الضحية من المسلمين !

 كان من الأكرم ان يتصدى العاملون فى الأزهر للمجزرة التى يتم الإعداد لها فى دارفور ، وأن يتصدوا لمطلب البابا بينديكت السادس عشر هذا الإسبوع  من ضرورة استخدام الثقافة والعلوم والإقتصاد والسياسة ووسائل الإعلام فى عمليات التبشير.. خاصة بعد توقيعهم على تلك الوثيقة المشؤمة . بل لقد كان من الأهم والأكرم لهم أن يساندوا الجزائر فى خطوتها الصائبة الجريئة باستصدار قانون يمنع التبشير وفرض عقوبة السجن والغرامة المالية على من يضبط متلبسا بعمليات التبشير بأنواعها ، سواء أكانت علنية أم سرية ، والمطالبة بتعميم مثل هذا القرار الشجاع فى كافة بلدان العالم الإسلامى والعربى ،  لكن من الواضح أن ماديات الدنيا وإغراءاتها باتت أقوى وأعتى ..

وإلى الذين يكذبون ويكذّبون توقيع الأزهر على وثيقة إباحة التبشير فى مصر ننقل نص المقال الذى كان أول من أحاطنا علما بهذه الخيانة ، فهو منشور بجريدة "الأسبوع"  بتاريخ 18/4/2005 ، العدد رقم 421

 

خدمة مجانية للاحتلال في الأرض العربية وفرصة لا تعوض للاختراق

هل وافق الأزهر علي وثيقة أمريكية تضمن حرية التنصير في العالم الإسلامي؟!

 مصطفي سليمان :

 

"هل أعطي شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي الضوء الأخضر للمنظمات الأمريكية المسيحية لحرية التبشير في مصر والعالم الإسلامي؟..و كيف حدث ذلك؟

التقي شيخ الأزهر بوفد أمريكي الأسبوع الماضي يطلق علي نفسه 'سفراء السلام' وهم مجموعة من رجال الدين المسيحي الأمريكي منهم القس إميل حداد والقس جاري أمنديل وأديب غبريال وأيضا الدكتور محمد البطران بصفته رجل دين إسلامي علي شاكلة طارق رمضان صاحب دعوة تعليق الحدود.

عرض الوفد علي فضيلة الإمام وثيقة أمريكية أطلقوا عليها وثيقة 'الحقوق الدينية' تدور في معظمها في إطار السماح لأي جماعات دينية بحرية الدعوة لمذهبها وعدم التصدي لها أو استعمال العنف ضدهم وذلك تحت ستار التآخي والتسامح بين المسيحية والإسلام.

تضمنت الوثيقة 17 بندا أيدها شيخ الأزهر جميعها دون قيد أو شرط ووقع عليها الشيخ فوزي الزفزاف نيابة عن شيخ الأزهر وبصفته رئيس لجنة الحوار بين الأديان تقول الوثيقة:

إن المجتمع الديني في العالم أجمع لم يعد يقبل بتسييس حقوق الإنسان الممنوحة من الله والتي تتمثل أهميتها في حرية الاعتقاد والعيش بسلام علي هذه الأرض.

لذلك فإن مساندة هذا القرار ­ الوثيقة ­ سيعزز الاحترام والتسامح بين اتباع الديانات المختلفة.

وهذه الوثيقة تلزم جميع المسئولين الدينيين والزعماء السياسيين بتحمل مسئولياتهم في هذا الخصوص من أجل السلام.

انطلاقا من ذلك فإننا نعلن هنا أن الجواب الوحيد للخلافات الدينية يكمن في الحوار المبني علي الاحترام المتبادل بين اتباعها وليس في اللجوء إلي العنف.

نحن الموقعين نقرر ما يلي:

1­ إن هناك متطرفين بين اتباع كل دين من الأديان.

2­ إن اللجوء إلي العنف لتأكيد وجهة نظر دينية أو لإجبار آخرين علي اعتناقها هو أمر مرفوض.

3­ إننا كممثلين عن جميع الأديان في العالم، مشتركون معا في إنسانية واحدة، بإيماننا الشخصي بخالقنا نتفق هنا علي تقديس حق كل فرد في الإيمان بخالقه.

4­ إننا نقر بوجوب احترام حقوق جميع الأفراد الممنوحة من قبل الخالق وبأنها غير قابلة للتبديل.

5­ أن لجميع الأفراد أو الجماعات من مختلف الديانات الحق في أن يعرضوا بشكل سلمي، علي الآخرين نظرتهم الخاصة بالأمور اللاهوتية أو الإنسانية أو الحياة الآخرة.

6­ إن لجميع الناس من كل المؤسسات الدينية، الحق في الإعلان عن معتقداتهم وفي مناقشتها في أي مكان عام وبعيدا عن العنف.

7­ إننا نؤمن بحق كل فرد في الإيمان بأي دين يشاء.

8­ إن لكل إنسان رجلا كان أو امرأة، حقا مقدسا في اعتناق أو رفض اعتناق دين من الأديان دون التعرض لأذي من قبل أي جهة دينية أو سياسية.

9­ إنه لا يحق لأي جهة دينية أو سياسية أن تتدخل في الخدمات الروحية لاتباع دين آخر.

10­ إن لكل فرد الحق في مناظرة حقائق دينية دون خوف من انتقام.

11­ إن لكل فرد الحق في أن يستمع إلي غيره أو أن يسمع الآخرين صوته، كما أن لكل إنسان في العالم الحق في تعلم حقائق دينه والحصول علي الكتب المقدسة.

12­ إن لكل إنسان بغض النظر عن انتمائه الديني أو العرقي أو الوطني الحق في أن يعيش بسلام مع جيرانه مهما كان معتقدهم.

13­ إن لكل فرد من أي دين الحق في أن يستمع إلي فرد من معتقد آخر.

14­ إنه لا يحق لأحد التدخل أو تعطيل خدمة روحية لغيره.

15­ إن لكل ساع وراء المعرفة الحق في الذهاب إلي أي خدمة دينية لإرضاء معرفته.

16­ لكل إنسان الحق في أن يشارك الآخرين معرفته.

17­ وبناء علي ذلك فإننا نصر علي أن لاتباع جميع الأديان حقا مقدسا في أن يشركوا الآخرين في معرفتهم وأن يعيشوا بسلام مع حصيلة هذه المعرفة.

وأيد شيخ الأزهر كل ما جاء في الوثيقة دون تدقيق ودون أن تعرض علي مجمع البحوث الإسلامية ليناقشها علماء المجمع.. وكان يجب علي الإمام الأكبر قراءة الوثيقة بتأني أو أن يستشير علماء المجمع.. خاصة أن الوثيقة بها ما يتعارض مع الشريعة الإسلامية فبموجبها لا يحق لأي مؤسسة دينية أن تتدخل لوقف عمليات التنصير مثلا أو التبشير بمذهب مسيحي غربي يتناقض مع المسيحية الشرقية.. خاصة ما تحاول الإدارة الأمريكية الجديدة نشره وهو المسيحية الصهيونية، كما أن توقيت صدور الوثيقة يثير شكوكا كثيرة حولها.. وبغض النظر عما جاء فيها من بنود.. فيكفي أنها وثيقة أمريكية.

أما فضيلة الإمام فقد قال لهم: 'إننا نسير في حياتنا علي مبادئ ثابتة أولها أن الناس جميعا من أب واحد وأم واحدة لا فرق بينهم وأن الاختلاف في العقائد لا يمنع من التعاون وأن الذي يحاسب علي العقائد هو الله عز وجل ولا يجب أن يتدخل أحد في العقائد. وأضاف أن الأديان السماوية أمرت بالعدل مع كل البشر ولابد أن نبني حياتنا علي المحبة والتعاون وأن الإسلام وجميع الأديان السماوية تمد يدها بالسلام لكل من يمد يده بالسلام وأن الحوار هو الذي يولد الثقة والمحبة ويفتح الأبواب المغلقة مؤكدا أن العالم عليه أن يعلم أن الحروب لا تحل المشاكل وإنما تزيدها حيث تزداد كراهية الشعوب'.

سألنا د. جمال الدين محمود عضو مجمع البحوث الإسلامية عن بنود الوثيقة فقال: حق كل إنسان في أن يعتقد ما يشاء أو يرفض ما يشاء من الأديان مبدأ أتي به الإسلام أصلا. ففي الإسلام الا إكراه في الدين وقد قال تعالي: 'أفأنت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين' صدق الله العظيم. لذلك فإن حق الفرد في الاعتقاد لا يمكن المساس به من الجماعة أو من أي سلطة مادام لم يكن متصادما تماما مع الأديان السماوية.. لكن ما تحويه هذه الوثيقة من بنود أخري خاصة ما يتعلق بحق أي شخص أن يترك دينا ويعتنق آخر دون المساس به فهذا محرم ومحظور شرعا ويوجد رأي للفقهاء المحدثين مثل الشيخ شلتوت يري أن الخروج عن الإسلام لا يستدعي إقامة الحد إلا إذا اقترن هذا الخروج بالإعلان عنه وتشجيعه والدعوة له أو إلحاق ضرر بالجماعة المسلمة بأي طريق كما أن العقوبة البالغة وهي القتل بالنسبة للمرتد لم ترد في القرآن ولا في حديث متواتر.. بل وردت في أحاديث الآحاد وإن كان جمهور الفقهاء يجعل الارتداد حدا من الحدود.. فبمجرد تغيير العقيدة من الإسلام إلي أي دين آخر ليس هو سبب الحد وإنما الخروج عن الدولة وإلحاق الضرر بالجماعة هو سبب الحد وبالنسبة للبند 12 فإن الإسلام يحمي المخالفين إذا عاشوا في مجتمع مسلم فتكون لأنفسهم وأموالهم ولأعراضهم حرمة وكذلك للمستأمنين من أي دين ماداموا دخلوا لغرض مشروع وبإذن الدولة، ولكن إذا كان ما تقصده الوثيقة في البند 12 أن لكل إنسان بغض النظر عن انتمائه الديني أو العرقي أو الوطني الحق في أن يعيش بسلام مع جيرانه مهما كان معتقده هو حماية للكيان الصهيوني وهذا لا تقره الشريعة الإسلامية.. فالفلسطينيون وكذلك العراقيون يعيشون علي أرض محتلة وقد أمرنا الإسلام بقتال من يتولي أمورنا من الكفار قال تعالي: 'قاتلوا الذين يلونكم من الكفار' فالواضح أن الوثيقة تحاول أن تمرر أشياء مخالفة للدين وتتلاعب بالألفاظ.

أما من ناحية حق رجال الدين المخالفين لنا في العقيدة أن يعرضوا علي الملأ وعلي المستوي العام وأمام الجماهير ما يرونه من عقائد ففي هذا خطورة لابد من تجنبها وهو أن يكون الخطاب الديني المتعلق بالعقائد محل مناقشة بين جماهير الناس في بلد إسلامي وكذلك فإن الدعوة إلي دين مخالف كما هو الشأن في بعض الحركات التبشيرية قد يصطبغ بأغراض سياسية ورغبة في شق وحدة المجتمع المسلم وتظهر خطورة ذلك في بلاد إسلامية عديدة قد يكون فيها الجهل أو الفقر والحاجة سببا في اضطراب العقيدة الدينية لدي البعض كما أن تاريخ التبشير المسيحي بالذات في المنطقة العربية ­ كما يقول د. جمال الدين محمود ­ ارتبط في بعض جوانبه بأهداف سياسية.. وليت الغربيين يتركون الحرية للمسلمين في أداء وممارسة شعائرهم كما يحدث في البلاد الإسلامية، ففي بعض البلاد توضع القيود علي إنشاء المساجد وحرية العبادة بالنسبة للمسلمين.

فرض الحماية

وعلق الدكتور رفيق حبيب الباحث والخبير في شئون الحركات الدينية علي هذه الوثيقة قائلا: هي محاولة لحماية حرية النشاط والعمل لمؤسسات غربية في الدول العربية والإسلامية وغيرها لذلك إذا فرقنا تماما بين حرية الاعتقاد كقيمة علي الجماعة المصرية أن تحميها وعلي الأمة العربية أن تحميها لأبنائها لتجنيبهم ممارسات المؤسسات الغربية في غيرها من الدول.. هنا سنستطيع تحديد موقف من مثل هذه الوثائق حيث نؤكد أن حرية الاعتقاد لأبناء الأمة هي قيمة ندافع عنها أما حرية عمل المؤسسات الغربية في بلادنا فهذا شأن سياسي ولا يندرج تحت مفهوم حرية الاعتقاد.

ويضيف د. رفيق حبيب.. ما تهدف إليه هذه الوثائق هو ترويج المسيحية الغربية.. بل هي أيضا تحاول نشر القيم وتمرير السياسات وحماية المصالح الغربية، فالإدارة الأمريكية الحالية تمثل اليمين المحافظ الديني الذي يهدف إلي تغريب العالم ونشر المسيحية الغربية لأن لهذا التيار اعتقادا بأنه صاحب الحق في قيادة المسيحية العالمية كما يعتقد أن أمريكا صاحبة الحق في قيادة العالم وبالتالي فقد تسربت النزعة الاستعمارية في جدول الأعمال السياسي والديني.

ويضيف د. رفيق حبيب مؤكدا أن العلاقة بين الأديان المختلفة يجب أن تصاغ داخل إطار الوطن الواحد وأي صياغة دولية لن تكون مناسبة لاختلاف تقاليد المجتمعات فكيفية حماية حرية الاعتقاد تختلف في ثقافتنا عن ثقافة الغرب.. عندنا مثلا يعتبر الهجوم علي الأديان من موقع الإلحاد هو خرق لقدسية الاعتقاد أما في الثقافات الغربية العلمانية فهذا أمر مسموح به، كذلك فإن قضية إدارة المشكلات الخاصة بحرية الاعتقاد وتغيير الدين لها أوضاع في ثقافتنا تختلف عن الغرب نظرا لارتباط المعتقد الديني للفرد بانتمائه الأسري، أيضا فإن قضية التبشير أو الدعوة لدين معين تختلف في الثقافة الغربية عن ثقافتنا فبالنسبة لنا ليس من المقبول أن تكون أي رسالة دينية تحمل نقدا أو تجريحا في العقائد الأخري في حين أن الغرب يسمح بهذا في ثقافته ".

 

وإلى هنا ينتهى المقال الذى نقلته كاملا ، ولا يسعني إلا أن أردد عبارة واحدة :

حسبنا الله ونعم الوكيل ، حسبنا الله ونعم الوكيل.

 


 

لعبة الحوار بين الأدي

 بقلم الدكتورة : زينب عبد العزيز

dr_zeinab@menanet.net

 

          لقد تزايد استعمال كلمة "  الحوار " في السنوات الأخيرة بصورة لافتة للنظر ، وبتنويعات متعددة، وإن كان أهمها وأكثرها خطورة هي عبارة : " حوار الأديان " . ولكي ندرك مدى أهمية وخطورة هذه العبارة فلابد من الرجوع إلى عام 1965م ؛ ذلك العام الذي اُختُتِمتْ فيه أعمال المؤتمر الفاتيكاني المسكوني الثاني (1962 – 1965م ) الذي يعتبر أول مجمع هجومي في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية ؛ إذ إن كافة المجامع السابقة كانت عبارة عن مجامع دفاعية تلفيقية.

 

          ولقد تم اتخاذ عدة قرارات مصيرية في هذا المجمع الفاتيكاني ؛من أهمها :

 

·        تبرئة اليهود من دم المسيح .

 

·        اقتلاع اليسار في عقد الستينيات .

 

·        اقتلاع الإسلام في عقد التسعينيات .

 

·        توصيل الإنجيل إلى كافة البشر .

 

·   تحميل عملية التبشير على كافة المسيحيين ؛ الكنسيين منهم والعلمانيين ، والاعتماد في ذلك ، أيضاً ، على كافة الكنائس المحلية .

 

·        توحيد الكنائس "  المنشقة "  تحت لواء كاثوليكية " روما " .

 

ولعل أحداً لم يلتفت آنذاك إلى حقيقة عبارة : " توصيل الإنجيل إلى كافة البشر " إلى أن قام البابا " يوحنا بولس الثاني " بتوضيحها صراحةً عام 1982م حينما أعلن في مدينة : " شانت يقب " بشمال غرب إسبانيا ، بوضوح لا مُواربة فيه مطالباً بضرورة تنصير العالم .

 

          وأثناء انعقاد ذلك المجمع المسكوني ( 1962 –  1965م ) قام الفاتيكان عام 1964م بتكوين منظمتين أساسيتين هما : " المجلس البابوي للحوار مع الديانات " و " اللجنة العليا لتنصير الشعوب " . وهاتان المنظمتان على اتصال دائم بالعاملين في بعثات التبشير والحوار الديني بالعالم أجمع ؛ إذ إنهما من أهم الإدارات الفرعية والمنظمات التي تضمها الإدارة البابوية .

 

          ولا يتسع المجال هنا لنورد كل المراجع الكنسية التي تتضمن شرحاً لمعنى : " الحوار " من وجهة النظر الفاتيكانية ، لكنَّا سنورد بعض النماذج لأهم هذه الشروح ، ففي عام 1969م ؛ أي بعد انعقاد المجمع بأربع سنوات ، أصدر الفاتيكان كتاباً بعنوان : " توجيهات من أجل الحوار بين المسيحيين والمسلمين (1) نذكر منه ما يلي :

 

§   هناك موقفان لابد منهما أثناء الحوار : أن نكون صرحاء ، وأن نؤكد مسيحيتنا وفقاً لمطلب الكنيسة . ( وقد بات مطلب الكنيسة معروفاً . )

 

§        أخطر ما يمكن أن يوقف الحوار : أن يكتشف من نحاوره نيتنا في تنصيره .

 

§   يجب تفادي الدخول في مناقشات حول ما يرِد في القرآن بشأن المسيح والمسيحية ، ولنترك المسلم يتساءل عنها كيفما شاء ، وعلينا أن نتذكر أن قبولنا لسر المسيح يمثل سر إيماننا .

 

§   على جميع المسيحيين المهتمين بالحوار تفادي الحديث عن الحديث عن مُحمد بأي استخفاف ، وألا يبدو عليهم أبداً ازدراء ذلك الحماس الذي يحيطه به الإسلام ، وعدم إنكار دوره الديني كمبشر دائم وشجاع للتوحيد الذي نشره المسلمون فيما بعد (أى أنه ليس بنبىّ فى نظر واضع الوثيقة).

 

§   من أهم عقبات الحوار ما قمنا به في الماضي ضد الإسلام والمسلمين ، وهذه المرارات عادت للصحوة حالياً ، وقد أُ ضيفت الآن قضية إسرائيل وموقف الغرب منها ، ونحن كمسيحيين نعرف ما هي مسئوليتنا حيال هذه القضية ، وعلينا أن نبحث دائماً عن توجه إنساني ، خاصة أن حل هذه المشكلة ليست في أيدينا .

 

§   لا يكفي أن نتقرب من المسلمين ، بل يجب أن نصل  إلى درجة احترام الإسلام على أنه يمثل قيمة إنسانية عالية وتقدماً في التطور الديني بالنسبة للوثنية .

 

§   مراعاة سوء فهم المسلم للعقيدة المسيحية ، لأن العبارات الوارد ة في القرآن عن المسيحية تشوهها، فهم ينفون التثليث وتجسد الله في المسيح ، وأي حوار في هذا المجال سيُواجه بالفشل ما لم يغير المسلم من موقفه .

 

§   في أي حوار يجب على المسيحي أن يقنع المسلم بأن المسيحية قائمة على التوحيد ، وألا يناقش أية تفاصيل ، فأى كلام سيقوله المسيحي تبريراً للعقيدة لن يمكنه أن يقنع به المسلم الذي لا يرى في الثالوث إلا المساس بالتوحيد ، ويستند في ذلك إلى سورة التوحيد واًلإ خلاص .

 

§        ضرورة القيام بفصل المسيحية في حد ذاتها عن العام الغربي ومواقفه المعادية ، والاستعمارية فالمسلم لم ينس ذلك بعد .

 

§   على من يقوم بالحوار من المسيحيين فصل ماهو ديني عمَّا هو دنيوي في المواقف السابقة للكنيسة والغرب من الإسلام والمسلمين والبحث عن نقاط مشتركة .

 

§        يجب الاعتماد على الغرس الثقافي ، وعدم إغفال الدور الذي يقوم به الغرب في العالم الثالث من تغيير حضاري .

 

§        لابد من اشتراك الجميع في الحوار ، وليس العاملون في الكنيسة وحدهم .

 

وفي شهر كانون الأول / ديسمبر عام 1984م أصدر البابا  يوحنا بولس الثاني  إرشاداًبعنوان :   "بشأن المصالحة والتوبة في رسالة كنيسة اليوم " (2) وهو خطاب يقع في 128 صفحة ، مكون من ثلاثة أجزاء ، نطالع الفصل الأول من الجزء الثالث منه موضوعاً عن " الحوار " ، هو البند رقم 2، ويقع في ست صفحات ، ومما جاء فيه :

 

§        إن الحوار بالنسبة للكنيسة هو عبارة عن أداة ، وبالتحديد عبارة عن طريقة للقيام بعملها في عالم اليوم .

 

§   إن المجمع الفاتيكاني الثاني قد أوضح أن الكنيسة هي علامة لتلك الأخوة التي تجعل الحوار الصريح ممكناً وتزيده قوة ، وذلك بمقتضى الرسالة التي تتميز بها ، وهي : إنارة الكون كله ببشارة الإنجيل ، وتوحيد البشر بروح واحدة .

 

§   إن على الكنيسة أن تكون مستعدة دائماً لإقامة " حوار " مثمر بين كل الذين يؤلفون شعب الله الواحد ، وأن تتمكن من إقامة حوار مع المجتمع البشري .

 

§   لقد خصَّ سلفنا السادس  " الحوار " بقسم مهم من رسالته العامة تامبدوءة بعبارة :   "كنيسته " حيث وصف " الحوار " وحدده تحديداً له دلالته ؛ إذ قال عنه : " إنه حوار الخلاص . "

 

§   أن الكنيسة تستعمل طريقة الحوار لكي تحْسِنَ حمل الناس على الارتداد والتوبة سواء أكانوا أعضاء في الجماعة المسيحية بالتعميد والاعتراف بالإيمان ، أم هم غرباء عنها ، وذلك عن طريق تجديد ضميرهم وحياتهم تجديداً عميقاً في ضوء سر الفداء والإخلاص اللذين حققهما المسيح ووكلهما لخدمة الكنيسة .

 

§   أن الحوار الصحيح يرمي –  إذن وأولاً –  إلى تجديد كل فرد بالارتداد الباطني والتوبة ، مع احترام كل الضمائر ، اعتماداً على الصبر والتأني والتقدم خطوة خطوة وفقاً لما تقتضيه أحوال الناس في عصرنا .

 

§   تقوم الكنيسة بتشجيع الحوار المسكوني بصفة خاصة  ؛ أي الحوار بين الكنائس والجماعات الكنسية التي تعترف بالمسيح ابن الله والمُخَّلِص الوحيد ، وكذلك الحوار مع سائر جماعات الناس الذين يبحثون عن الله ويتوقون إلى إقامة علاقة اتحاد معه .

 

§   إن الكنيسة الكاثوليكية بجميع فئاتها تسير بصدقٍ في طريق الحوار المسكوني ، بعيداً عن التفاؤل السهل ، ولكن بحذر وبلا تردد أو تباطؤ .

 

§   إن حوار المصالحة الذي تلتزم به الكنيسة على الأخص من خلال نشاط الكرسي الرسولي و أجهزته المختلفة حوار معقد دقيق ، ويمكن القول : " إن الكرسي الرسولي يسعى إلى التدخل لدى حكام الشعوب والمسئولين عن مختلف المحافل الدولية ، أو الانضمام إليهم بإجراء الحوار ، أو حضهم على الحوار لمصلحة المصالحة وسط صراعات عديدة .

 

§   والعلمانيون ، الذين يتخذون التبشير بالإنجيل ميداناً لنشاطهم الخاص في عالم السياسة والاجتماع والاقتصاد الواسع المقصد  وفي الحياة الدولية ، مدعوون للاتحاد برعاتهم والالتزام بالحوار مباشرة لمصلحة الحوار من أجل المصالحة، فالكنيسة هي التي تقوم بعملها من خلالهم وبواسطتهم .

 

ومن أهم الوثائق التي صدرت فيما يتعلق بالحوار مع الديانات الأخرى  نصَّان أساسيان ؛ أولهما هو : الخطاب الرسولي للبابا " يوحنا بولس  الثاني " والمعنون : " رسالة الفادي" الصادر في 7 من كانون أول / ديسمبر عام 1990م ، وقد تم إعلانه يوم 23 من كانون ثانٍ / يناير 1991م ، وثانيهما وثيقة " حوار وبشارة " ، والمؤرخة في 19 من آيار / مايو عام 1991م ، وتم الإعلان عنها في يوم 20 من حزيران / يونيو ، وهي من إعداد لجنة الحوار والمجلس الأعلى لتبشير الشعوب ، وتأتي على مسافة خمسة أشهر من خطاب البابا السالف الذكر .

 

          والعلاقة الموضوعية بين الوثيقتين تكمن في أن الخطاب الرسولي للبابا يؤكد ويفرض أن عملية فداء المسيح قد تمت من أجل خلاص جميع البشر . الأمر الذي معناه إخضاع جميع البشر لعملية التنصير المُلحة التي تم اتخاذ قرارها في المجمع الفاتيكاني الثاني ( عام 1965 ) ، والتي طالب بها البابا علناً عام 1982م . أما الوثيقة الثانية فتعني  –  اختصاراً –  كيفية تنفيذ عملية التنصير هذه ، وكيفية القيام بها من خلال الحوار .

 

          وتقع وثيقة " رسالة الفادي " في 144 صفحة ، وتضم ثمانية فصول ، ونجد في الفصل الخامس منها خمس صفحات عن " الحوارمع الإخوة من ديانات أخرى  " نقتطف منها :

 

§   إن الحوار بين الديانات يشكل جزءا من رسالة الكنيسة التبشيرية ، وهو لا يتعارض مع رسالة التبشير إلى الأمم ، بل على العكس من ذلك ، أنه مرتبط بها بصفة خاصة ، ويعد تعبيراً عنها ، لأن هذه الرسالة موجهة إلى أُناس لا يعرفون المسيح ولا إنجيله . وهم في أكثريتهم الساحقة ينتمون إلى ديانات أخرى .

 

§   لقد نوه المجمع الفاتيكاني بإسهاب ، وكل تعاليم السلطة الناجمة عنه ، وأكد بثبات دائماً على أن الخلاص يأتي من المسيح ، وأن الحوار لا يعفي من التبشير بالإنجيل .

 

§   وفي ضوء المخطط من أجل الخلاص ، فإن الكنيسة لا ترى أي تناقض بين التبشير بالمسيح والحوار بين الديانات ، لكنها تشعر بضرورة تنسيقهما في إطار رسالتها الأمم، لأنهما متميزان

 

§   إن الكنيسة تعترف طواعية بكل ما هو حق ومقدس في التقاليد الدينية عند البوذية والهندوسية والإسلام كانعكاس للحقيقة التي تنير للبشر جميعا ، إلا أن ذلك لا يخفف من واجبها وعزمها على الإعلان بلا تردد أن يسوع المسيح هو الطريق ، والحق ، والحياة .

 

§   على الحوار أن يوجه وينمى بالإقناع أن الكنيسة هي الطريق العادي للخلاص ، وأنها وحدها تملك كل وسائل الخلاص.

 

§   مع العلم بأن الحوار يمكن أن يكون مصد ر غنى لكل جانب إلا أنه يجب ألا يكون هناك استسلام ولا تساهل ، بل شهادة متبادلة بغية تقدم هؤلاء  وأولئك في طريق البحث والاختيار الديني ، وبغية تجاوز الأفكار المسبقة وعدم التسامح وسوء الفهم .

 

§        يرمي الحوار إلى التطهير والاهتداء الداخليين اللذين إذا ما تما في خضوع تام للروح القدس أثمرا روحياً .

 

§   أن المؤمنين جميعاً والجماعات المسيحية كلها مدعوة لممارسة الحوار حتى وإن لم يكن على نفس المستوى ، وبأشكال متماثلة .

 

§   أن إسهام العلمانيين في هذا الحوار ضروري : إذ يستطيع المؤمنون من خلال أمثلة حياتهم وعملهم أن يحسِّنوا العلاقات بين أتباع الديانات المختلفة ، فضلاً عن أن البعض منهم بوسعه في الأبحاث والدراسات . إن الحوار هو الطريق إلى الملكوت ، وهو بالتأكيد سيعطي ثماره ، حتى وإن كانت الأزمنة والأوقات في علم الأب .

 

أما وثيقة " حوار وبشارة " ( 4) ففتكون من تسعة وثمانين بنداً ، وهي مُقسَّمة إلى (13 بنداً )  وثلاثة أجزاء (73 ) بنداً ، وخاتمة ( 3 بنود ) ، الجزء الأول فيها بعنوان : " الحوار بين الأديان"  ( 14– 54 ) والثاني بعنوان : " التبشير بيسوع المسيح "  ( 55 – 76 ) ، والثالث بعنوان : " الحوار بين الأديان والتبشير " ( 77– 86 ) .

 

و  لقد صدرت هذه الوثيقة في ذكرى مرور خمسة وعشرين عاماً على صدور وثيقة مجمع الفاتيكان الثاني والمعنونة : " زماننا هذا " حول علاقات الكنيسة مع الديانات الأخرى ، وهي توضح أهمية الحوار بين الديانات في هذه العلاقة القائمة على ازدواجية رهيبة بين القول والتنفيذ، فالحوار والتبشير يمثلان وجهي عملة واحدة هي رسالة الكنيسة التبشيرية، وهي وثيقة مقدمة من اللجنتين المسئولتين عن إعدادها كبرنامج ومنهج عمل للكنيسة العالمية ، بما في ذلك الكنائس المحلية ، وقد قام بالتوقيع عليها الكاردينال " أرنزي " المسئول عن الحوار مع المسلمين ، ومما ورد بهذه الوثيقة :

 

§   إن سرعة وسائل الاتصال وتحرك الشعوب وتداخلها قد أوجد نوعاً من الوعي الجديد بالتعددية الدينية ، فالديانات الأخرى لم تعد تكتفي بالتواجد ببساطة ، أو ببقائها صامدة ، بل – في بعض الأحيان – تعرب عن صحوة جديدة ، فهي مازالت تلهم وتؤثر على حياة الملايين من أتباعها ، ففي الإطار الحالي للتعددية الدينية لم يعد من الممكن تناسي الدور المهم الذي تؤديه التقاليد الدينية .

 

§   إن هذه الوثيقة مقدمة لأتباع الكاثوليكية ولبقية أتباع الكنائس الأخرى لتوحيد الجهود ، لذلك تنتهي المقدمة بتوضيح دلالة بعض العبارات الأساسية التي ترد طوال النص ، ومنها :

 

v  التبشير : عبارة لها أكثر من معنى ، ومنها توصيل النبأ السعيد إلى الإنسانية جمعاء ، وتغيير أعماق الإنسان بواسطتها ، وقيام الكنيسة بغرض الارتداد بواسطة الطاقة الإلهية للرسالة التي تبلغها للأفراد والجماعات ، والتبشير صراحة وبوضوح وبلا مُواربة بيسوع المسيح .

 

v    الحوار : تتسم هذه العبارة بأكثر من معنى أيضاً :

 

*أولاً : الاتصال المتبادل بغية تحقيق هدفٍ معين .

 

*ثانياً : اتخاذ موقف من الاحترام والصداقة الذي يجب أن يتسمبه كافة أنشطة إرسالية التبشير ؛ أي ما يسمى بروح الحوار .

 

 *ثالثاً : مجمل العلاقات الإيجابية والبناءة بين الأديان مع  جماعات العقائد المختلفة بغية المزيد من التعارف والإثراء مع الطاعة الكاملة للحقيقة واحترام حرية كل فرد .

 

v  البشارة : تعني توصيل الرسالة التبشيرية وسر الخلاص الذي حققه الله للجميع في يسوع  بقوة الروح القدس ، ويمكن القيام بذلك على الملأ ، ويمكن القيام بذلك سراً في صيغة حوارات خاصة .

 

v   الارتداد : إن فكرة الارتداد تتضمن دائماً اتجاه الإنسان بالكامل إلى الله ومن ناحية ثانية تعني تغيير الانتماء الديني ، وخاصة الدخول في المسيحية .

 

v  أديان وتقاليد دينية : وتشتمل هذه العبارة على الديانات التي يروق لها الانتسلب إلىعقيدة إبراهيم ، وكذلك التقاليد الدينية الكبرى لآسيا وأفريقيا وبقية العالم .

 

        وبخلاف هذه الإيضاحات الواردة في المقدمة فإننا نطالع في بقية الوثيقة على سبيل المثال:

 

§   إن الحوار مع الديانات الأخرى ليس نزوة من نزوات الكنيسة الحالية ، وإنما هي رسالة مُبلَّغة من الأب ليتم تطبيقها على كافة الأمم .

 

§   إن الله قد خلق كل الرجال والنساء على صورته ، وبذلك فإن مصير الجميع واحد، فلا يوجد سوى خطة خلاص واحدة متمركزة في يسوع المسيح الذي قد توحَّد بتجسده بكل إنسان بلا استثناء ، وأياً كانت عقيدته الدينية .

 

§   الديانات الأخرى رغم ما بها من قيم إيجابية ، هي انعكاس لمحدودية الفكر الإنساني الذي يميل إلى اختيار الشر ، والتعامل مع الديانات الأخرى لا يعني أن يغمض المسيحي عينه على ما بها من تناقضات تفصل بينها وبين المسيحية ، وذلك يعني أن الدخول في حوار بفكرٍ مفتوح مع أعضاء الديانات الأخرى يجب على المسيحيين إقناعهم بصورة سليمة بالتأمل في فحوى ومتناقضات عقائدهم .

 

§        يتعين على المسيحيين أن يساعدوا مؤمني العقائد الأخرى على التطهر من تراثهم الديني التقبل عملية الارتداد .

 

§   إن أعضاء الديانات الأخرى مأمورون بالدخول في الكنيسة من أجل الخلاص ، لذلك فهو حوا ر من أجل الخلاص .

 

§   الحوار يتم من أجل الخلاص ، يعني ارتداد الجميع إلى الرب ، وذلك هو ما يعطي قيمة ذاتية للحوا ر ، وأثناء عملية الارتداد هذه يتم القرار بالتخلي عن العقيدة الدينية السابقة والدخول في عقيدة جديدة .

 

§   أهم مجالات الحوا ر بين مجا ل الأديان هو مجال الثقافة ، لأن مفهومها أ وسع من مفهوم الدين الذي لا يمثل سوى بعداً تصاعدياً وا حداً ، أما الثقافة ، وخاصة العلمانية ، فيمكنها أن تقوم بدور نقدي با لنسبة لبعضالعناصر السلبيةفي ديانة أو أخرى .

 

§        رغم كل المصاعب والعقبات فإ ن التزام الكنيسة با لحوار ثابت ولا رجعة فيه .

 

§   إن تقديم الرسالة االتبشيرية ليست مساهمة اختيارية بالنسبة للكنيسة ، إنه الواجب الذي يقع عليها بأمر ا لرب يسوع حتى يمكن للبشر أن يؤمنوا ويُنْقذوا .نعم هذه الرسالة ضرورية ، إنها فريدة ولا يمكن استبدالها ، ولا تتحمل أية لامبالاة ،ولا أية تلفيقية ، ولا أية مواءمة ، إنها متعلقة بخلاص البشر .

 

        إن نصوص هذه الوثائق من الوضوح بحيث إنها ليست بحاجة إلى توضيح ، أو حصرلنقاطها الأساسية . فالموقف لم يعد يترك أي مجال للشك ، أو التخمين ، أو لافتراض أي بصيص من حسن النية ، فتنصير العالم بات أمراً يتم تنفيذه بالفعل منذ اتخاذ هذا القرار في المجمع الفاتيكاني المسكوني الثاني عام 1965م ، وعلى حد قول كافة الوثائق التي تتناول هذا الموضوع ؛ إن تنصير العالم هوقرار لا رجعة فيه، ويتم فعلاً  ، وباستخدام كافة الوسائل شريطة أن يتم تدريجياً وبعناية فائقة وصبر طويل دون أن ينكشف أمر من يقومون به .

 

        غير أن الأمر الافت للنظر هنا هو تغيير وسائل وأساليب التبشير من الناحية العملية ؛ أي أنها لم تعد تتم عن طريق فرق المبشرين والمستشرقين فحسب ، وإنما أصبحت تقع على عاتق كافة أتباع المسيحية ، أياً كانت انقساماتهم العقدية ، مع تغيير الأسلوب القائم على السب والتجريح والسخرية وتحريف معاني القرآن الكريم والسنة ؛حيث إنه أسلوب قد ثبتت عدم فعاليته على مر القرون ، فالإسلام –  ولله الحمد – ينتشر بثبات ورسوخ لنقائه وبساطة تعاليمه ، وبتغيير منهج التبشير أصبح الاعتماد على الدراسة والتحليل والبحث عن منافذ للتسلل من خلالها بالتدريج هو القانون الجديد ، إضافة إلى تفادي المناقشات الجادة المتعلقة بمناقشات العقيدة المسيحية الحالية من تثليث وتأليه للسيد المسيح وعبادة الصليب....إلخ والتلفع بمسوح الود والاحترام حتى تتم عملية الاغتيال .

 

        ومما تقدم نخرج بأن الحوار في مفهوم الكنيسة الفاتيكانية ليس إلا حرباً صليبية جديدة ؛ حرباً بالكلمات بدلاً من السلاح ، وهو ماكان قد أعلنه  بطرس  المبجل ، رئيس دير كلوني ، في مطلع القرن الثاني عشر ؛ إذ قال للمسلمين : " إنه لن يبدأ حرباً صليبية جديدة بالسلاح ، وإنما بالكلمات ؛ أي بالحوار . " ( 5 ) الأمر الذي يوضح أن لعبة الحوار الحالية التي تُدار على الصعيد العالمي هي جزء متواصل من مخطط قديم بدأه بطرس المبجل مع " مسلمي إسبانيا " وتمخض عن إبادتهم جميعاً , وإبعاد الإسلام عن إسبانيا ، على حد قول  جوليان رييس فى صفحة : 245 الذي يوضح بعد ذلك بمائة صفحة تقريباً " كيف أنه بازدهار الإمبريالية الأوروبية ، طوال القرن التاسع عشر ، قد بدأ احتلال مواقع استراتيجية تم انتزاعها من المسلمين ، ومنها مصر وإيران وأفغانستان والمشرق العربي وشمال افريقيا " صفحة : ( 356 ) فالا رتباط الحميم بين الا ستعمار والتبشير والحوار من القضايا التي لم تعد لحاجة إلى مزيد من الأدلة والبراهين .

 

وإذا عدنا إلى مطلع هذا المقال ، وإلى قرارات ذلك المجمع الفاتيكاني ، الذي تم فيه تكريس وتدعيم مخطط الحوار والتنصير ، والذي لم يكن في واقع الأمر إلا الخطة التنفيذية لاستتاب العولمة وفرضها على العالم أجمع بحيث لا يكون هناك سوى نظام سياسي واقتصادي واحد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ، ونظام ديني بزعامة الكاثوليكية الفاتيكانية ، وربطنا كل ما يدور حالياً ، وكل ما بدأت حياكته منذ عام 1965م من اختلاق عبارات من قبيل "الإسلاميين " و" الإسلام السياسي " و " الإرهاب الإسلامي " وتعمد تشويه صورة الإسلام والمسلمين ، مستعينين بكل وسائل الإعلام من تعتيم وترويج وصولاً إلى سن قانون حماية الأقليات المسيحية في البلدان الإسلامية بعد أن حملَّهم المجمع المشاركة الإجبارية في عمليات التبشير ، ووضعهم بذلك أمام محنة الولاء ، ولمن يكون ؛ للتعصب الفاتيكاني ، أم للوطن الذي ويأويهم ويرعاهم ؟ إذا ما ربطنا بين كل هذه الخيوط وغيرها ، فلم نذكر إلا الشذرات ، وبين ما يدور من أحداث سياسية واقتصادية واجتماعية ، لأدركنا فداحة الموقف ، ولأدركنا ضرورة أن كل المسلمين بعامة ، وكل الذين يشتركون منهم في إجراءات الحوار حقيقة أبعاد تلك اللعبة بالنسبة للغرب والتعصب الفاتيكاني ؛ إذ إن ذلك المخطط " لا رجعة فيه " كما أكده البابا  يوحنا بولس الثاني  في أكثر من موقع , وأكثر من وثيقة .

 

 كشف المراجع

 

  1- P .Marella , Cardinal " Orientations pour un dialogue entre Chrétiens et musulmanséd . Ancona , Roma , 1991 .

 

2-  يوحنا بولس الثاني : " المصالحة والتوبة قي رسالة الكنيسة اليوم . " منشورات اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام ، الفاتيكان ، 1984م .

 

3- John Paul ІІ : " Redemptoris Missio " Libreria editrice Vaticana , 1991          

 

4- F. Arinze , Cardinal : " Dialogue et Annonce . " Document du Conseil Pontifical Pour le Dialogue interreligieux et de La Congrégation pour L’Evangé lisation des peuples , 1991 .

 

5- Julien Ries : " Les Chrétiens parmis les religions ." Desclée , Paris , 1987 .                                                                                                                              

1

 

إلى صفحة مقالات وأراء4

 

 

 

 

 

1