09/05/2006

  

زبيبة والملك

رواية لكاتبها السيد الرئيس صدام حسين

الجزء الثاني
 

 تدور أحداث الرواية التي ترمز إلى العلاقة بين السلطة والشعب، في زمان ومكان غير محددين، حول ملك في العراق يعجب بفتاة اسمها زبيبة من عامة الشعب " تتمتع بجمال أخاذ وعقل راجح وشجاعة فائقة وقدرة على الجدال". جعلت الملك  يتردد لزيارتها ويستضيفها في القصر لديه .

 

 عادت زبيبة إلى قصر الملك في موعدها المحدد ..

 وبينما كانت تتنقل في أروقة قصر الملك القريبة من حيث يلتقيان , لاحظت أن وصيفات الملكة تجمعن في مدخل الأروقة التي تُفضي إلى الرواق الرئيسي , وهن يتهامسن ويتضاحكن ولكن كلما اقتربت منهن حيينها بأدب مع شيء من المودة , كن يحاولن أن لا يظهرنها مثلما يتمنين وقد لاحظت زبيبة ذلك في عيونهن , وهل يخطئ اللماح وصاحب الخبرة الاتجاه العام للغة العيون فيما يخص البغض أو المحبة على الأقل ...

 

 فجأة ظهرت بين الأروقة امرأة يحوي ما تلبسه جانبا من الوقار لكن مشيتها وطريقة تصرفها مع الخدم والوصيفات لا تجعلها محترمة ووقورة في تصرفها ... كانت طويلة القامة تظهر مسميات جسمها توازنا مدهشا ... رشيقة بعض الشيء ولكن عظامها ليست عارية من لحم أنثوي طري وفاتر النزعة بالنسبة للرجال , كل ما فيها جميل ولكن زبيبة لم تستطع بعد أن تتعرف على روحها... قلبها.... خواصها المسئولة عنها... إن صورة شكلها وجانبا من تفاصيل جسمها لم تكن مسئولة عنها وانما خلقت مع ما فطرت عليه أول مرة... ولكن الصفات الأخرى . الأخلاق , والذوق, واللياقة, والأدب, والثقافة, والمعرفة, وما إلى ذلك يكون المرء مسئولا عنه حضوره أو غيابة مع هذا أو ذاك من مستوى الحضور أو الغياب ودرجتهما وعلى هذا الأساس توضع درجة النجاح والإخفاق في النتيجة النهائية بما في ذلك العلاقة الزوجية , واتجاهات العشرة ونتائجها في الحب وعلى أساسها تعيش العلاقة الزوجية وفق وصف ما يتمنى الزوج أو الزوجة وفي الحب أيضاً بكل أنواعه ومراحله فمنها ما يعيش وفق أوصافه في جزء من مراحل الخطبة ومنها ما ينتهي بعد ليلة الزفاف , ومنها ما ينتهي بعد أول حمل للمرأة , وكل هذا أساس فهم الرجل للمرأة لأي معنى سجل أرجحية في قرارات عندما أحب أو اقترن بحب أو من غير حب...
وكيف يفهم التوازن بين الشكل والروح وهل تأسست أرجحية قرارة على الشكل فحسب أم أن الجوانب الاعتبارية والروحية سجلت أرجحية واضحة ..!؟
من غير أن تلقي تحية المساء على زبيبة أو تنتظر أن تحييها زبيبة قالت بنزق واضح وإن حاولت أن تخفيه بشيء من التصنع لإخفاء هوية شخصيتها ..


   - أأنت زبيبة؟


 أجابت زبيبة:
   - مساء الخير سيدتي..
 ومن غير أن تنتظر جواب الملكة لتحيتها .. أردفت قولها بثقة بالنفس واضحة ولكن من غير غرور أو  تصرف مستفز.
   -  نعم أنا زبيبة بنت الشعب وأنا صاحبة الحظ العظيم في محبة سيدي الملك

 قالت الملكة أتعرفينني؟..


 أجابت زبيبة:
   - عفوك سيدتي ارجوا أن لا يزعجك قولي بأنني ربما استطيع أن أخمن وقد يخطى التخمين أو يصيب ولكنني لا استطيع أن اجزم بالقول إنني أعرفك.. لأنه لم يكن لي شرف التعرف عليك من قبل.

    - الم يلفت انتباهك مظهري ليدل علي؟

    - عفوك سيدتي , المظهر ليس دليل على الجوهر دائما .. وفي كل الأحوال ليس هو كل جوهر الإنسان ولذلك سألتني هل أنت زبيبة؟ عندما التقيتني قبل قليل... ولو كان المظهر وحدة يكفيك لتهتدي إلى هوية شخصيتي لاكتفيت بذلك من غير أن تسأليني .. وان أقول لك : أنا زبيبة . بنت الشعب وصاحبة الحظ الكبير عند سيدي جلالة الملك .

   -
 كونك بنت الشعب فهذا بائن عليك..
 وأرادت بذلك أن تغمز مظهرها الذي لم يكن مظهر أميرات ولا ملكات.
   - أما كونك محظية الملك فليس بائن عليك.

  أجابت زبيبة :
    - كوني بنت الشعب فهي صفة أتحدى فيها المظهر بالجوهر حتى صار وصفي بائنا ومنطبقا علي وهو الأساس الذي اعتز به ذلك أن من يهجر منشأة وأصلة ويخجل منه غير أصيل.
أما كوني صاحبة الحظ الكبير في محبة الملك دون أن يظهر علي فهو الآخر اعتز به ومعنى هذا أن التقاليد والمظاهر التي لا يحبها الشعب ولا يحترمها داخل القصر لم تستطع أن تجذبني فحافظت على جوهري ومظهري بما يمكنني باتحادهما الأصيل من أن أؤثر لصالح مفاهيم وتقاليد ومعاني الشعب لا أن أضاف رقما جديدا إلى المكبلين بالأغلال الثقيلة للقصر.

    - أتسمين من هم داخل القصر مكبلين، يا بنت الشعب؟.. كأنها تصورت أنها شتمت زبيبة عند تذكيرها بهذه الصفة .

 قالت زبيبة:
     - لا يا سيدتي ليسوا كلهم وانما قسم منهم لان لا احد يكبلهم بالأغلال وانما كبلوا أنفسهم بأنفسهم بإرادة الاعتياد على ما هو خطأ ولذلك من أراد لنفسه أن تكبل فقد كبلت ومن لم يرد هذا فقد بقي حرا رغم انه داخل القصر ... أليست الحرية شعورا وموقفا يا سيدتي؟..
عندما قالت زبيبة ذلك لاحظت أن كثيراًً من الخدم والوصيفات الذين كانوا ينصتون للحديث هموا بالتصفيق لولا أن تذكروا أنهم في القصر وان من تقف أمامهم هي الملكة .
لاحظت الملكة ذلك أيضاً فصاحت بصوت عالِ:
 
      -
كفى عنا فلسفتك وتكلمي بلغتنا!!..

 قالت زبيبة:
      -
عفوك يا جلالة الملكة،أنا لم أتعلم لغتكم بعد.. كوني بنت الشعب مثلما قلتِ , وقلتْ فلا يبدو أن هناك أملا لأرتقي بتعلم لغتكم .
 غمزتها بلغة تقبل أكثر من تفسير وفق ما اعتاد عليه أهل بلادنا ومنهم من الساكنون من الضفة الغربية من نهر الفرات وسط بلادنا بوجه خاص ..
 عند ذلك صاحت الملكة بصوت ينطوي على حنق واضح موجهة الكلام إلى الوصيفات والخدم و موظفي القصر الذين تجمعوا ليستمعوا إلى الحوار بين الملكة و زبـيـبة ...

 لماذا تتكدسون حولنا؟! انصرفوا... لينصرف كل إلى عمله.. واتركونا وحدنا... اتركوني أنا و زبيبة فحسب...

 قالت كبيرة الوصيفات مستفهمة:
      - حتى نحن يا سيدتي؟

      - نعم حتى أنتن..
 وكذا استفسر المرافق فأجابته نفس الإجابة وعندما لم يبق إلا الملكة و زبيبة , ومن يحاول أن يسترق السمع من خلف الأبواب قي الوقت الذي كانتا تتمشيان جيئة وذهابا وهما تتحاوران في ممر القصر الرئيس  

 قالت الملكة لزبيبة.
      - لماذا؟ وكيف احتجزت الملك لنفسك فحسب . وأبعدته عنا يا زبيبة؟!

 قالت زبيبة:
       - عفوك يا سيدتي , إن الملك حر طليق ولم يحتجز !!

        - اقصد انك استأثرتِ به وحدك على حسابنا..

        - ولا هذا أيضاً يا سيدتي ... معاذ الله أن استأثر بالملك وهو قائد الشعب وملكه
 
        - الأهم أنه الملك... قالت الملكة.. ويجب أن يبقى اهتمامه الأساس بنا بل جل اهتمامه بي وحدي من بعدي ربما آخرين .

 عندها قالت زبيبة للملكة :
         - بهذا يكمن أساس سر فقدانك الملك يا سيدتي.

         - ماذا تقصدين بهذا !؟ قالت الملكة.

 أجابت زبيبة
        -
 إن الأثرة مع الرغبة الجموح القائمة على نظرة المصلحة فحسب تؤدي إلى التصرف إزاء الناس وكأنهم أشياء وليسوا آدميين ..يفكرون , ويشعرون, ويتأثرون بما هو سلبي أو ايجابي ويختارون ما هو أفضل .

        - بماذا أنت أفضل منا يا بنت الشعب؟

        -
 عفوك سيدتي ... أنا لم أضع نفسي أمامك أو أمام غيرك من زوجات الملك وجواريه في حال  المقارنة وانما التقينا: أنا وهو والتقت منسجمة آراؤنا ومشاعرنا وكان الذي تعرفين.

        - هل يمكن أن ينسى الملك كل تلك العشرة الطويلة ويستهويه من أول لقاء أن يكون لك ويتركنا؟.

        - لا يا سيدتي ليس من أول لقاء ولا من أول نظرة وإنما ضمن الزمن والحال الذي احتاجت إليه مشاعرنا لتنسجم وينتج عن تفاعلها ما نحن فيه.

        -
قولي يا زبيبة بربك بماذا تتميزين عنا!؟.

        - عفوك جلالة الملكة أنا لا استطيع ولا أرغب في أن أضع نفسي ضمن حالة مقارنة لأن من يتحدث عن نفسه قد يكون أقرب إلى الضلالة منه إلى الهداية وإلى هاوية منه إلى نجد .

 اقتربت الملكة من زبيبة وكادت تلتصق بها وقالت:
        - انظري هل أنت أطول مني؟ هل عيناك, خصرك, سيقانك, رقبتك, لونك وووووو أجمل مما في؟
نفرت الملكة من زبيبة وعلى مسافة أمتار منها استدارت لتقول:
لابد أن يكون الشعب قد فرخ داخل نفس الملك فجعله يمل جمال الملكة وبنات الملوك والذوات ومن الجواري اللواتي اهدين إليه من كبار الملوك والأمراء والتجار ومن خارج وداخل بلده وأصبح يفضل عليهن واحدة من العامة.

 عندما تلقت زبيبة ما غمزتها به الملكة غضبت ولكنها تمالكت نفسها وهي تقول لترد لها الصاع صاعين:

         - ربما كان الملك قد مل ما اعتاد عليه ولم يعد يستهويه ليديم العلاقة معه!! وفي كل الأحوال إن عدم معرفتك بالعام والعامة هو ما كان الملك يفتقده فيك وفي غيرك ذلك لان من لا يعرف العام والعامة من الناس والحياة وقوانينها لا يعرف كيف يتصرف بالنعمة ولا بالسلطة ولا بالجاه بل ولا إزاء زوجه وأصدقائه وحتى من يقومون له بالخدمة أو يحملون بيارق مملكته..

 لقد فقدت الصلة بالناس ولم تتعلمي شروط الحياة التي يكسب بها الرجال والناس بحسن التصرف وسط فكر حي و موقف عادل يسندهما تفاعل في الحوار وليس حسن الخلقة فحسب بل إن نعمة الله عليك لحسن الخلقة لم تجعلك تشكرين الله عليها بحسن التفكير والتصرف وبذلك أسأتِ التصرف حتى بجمالك ولأن الرجل قد يغريه وبخاصة في المرحلة المبكرة من عمره حسن الخلقة ولا يدعه يدقق في حسن التفكير وحسن التصرف وسلامة الذوق فإنه بعد يوم الزفاف يبدأ بالتفتيش عن الخواص الأخرى الأكثر ديمومة وتأثيراً وبقاءً عندما لا يجدها في زوجته يفتش عنها في زاوية وشخوص أخرى.
 اسألي يا سيدتي جلالة الملك عما أغراه بي فهو اقدر مني على جوابك ولكن لو سألتني ماذا جعلني اقبل الاقتراب من الملك؟ وماذا أعرف عن صفاته وخواصه؟ أجبتك بما اعرف أو استطيع أن أخمن.


 امتعضت الملكة وأجابت بنزق.
        - إن الملك ليس غريبا علي فأنا أعرفه جملة وتفصيلا بعد كل هذا الزمان والعشرة


         - عفوك سيدتي أرجو أن لا يزعجك حواري إذا ما قلت لك انك لا تعرفين عن الملك غير المظهر الذي يعرفه آخرون ذلك لأنك لن تجدي نفسك بل لعلك لم تتدربي على مهمة أن تتعرفي على الخاص غير المعروف الآخرين في عقله ونفسه وبسبب ذلك أخفقت في أن تعرفيه كما يجب أو حتى وفق ما ينبغي وعندما أخفقتي في هذا أخفقتي في معرفة كيف تتقربين منه لتؤثري فيه.


 قالت الملكة كأنها أرادت أن تستهزئ بزبيبة :
        - وهل هناك ما هو أقرب إليه من أن أكون معه على سرير واحد؟
وأعقبت قولها هذا بقهقهة مسموعة اشترك معها فيها عدد كبير من الوصيفات وموظفات القصر والخدم من خلف الأبواب وبعضهم فتح الأبواب قليلا ليعلن أنه يشارك الملكة في ضحكتها وقهقهتها.
أليس ما يسر الملوك هو المظهر؟ يبدو أن الملكة لا يهمها على من يضحكون هل يضحكون عليها وعلى عقلها؟ أم يضحكون على ز ب يـ ب ة !؟ إنما يهمها أن يفعلوا مثلما تفعل وان ما يؤكد أنهم كانوا يضحكون على ضآلة عقلها هو أنهم جميعا شاركوا ز ب يـ ب ة في ضحكتها على الملكة مع أن زبيبة لم تضحك وإنما  أجابت الملكة بالقول:
        - لا يا سيدتي إن نومك في سرير الملك ليس هو الأقرب إليه بل أن تكوني داخل قلبه في صميم نفسه وها أنا ذا داخل قلبه وفي صميم نفسه الآن وأنت خارجهما مع أنني لست معه في السرير بل وأجزم أنني احتل هذه المكانة فيه عندما تكونين معه في السرير ولهذا اختصني وابتعد عنك .
ضحكت ز ب يـ ب ة وفتحت كل الأبواب المطلة على الباحة التي كانت فيها هي والملكة وارتفعت أصوات القهقهة من طابقي القصر.
 
 صاحت الملكة بصوت عالِِِ وبحنق شديد
        - توقفوا أخزاكم إلهنا وأخزى زبيبة معكم!!

 قالت زبيبة بهدوء:
         - بل أعزنا الواحد الأحد وأعز من كل لا ينزع الشيطان قلبه ليبعده عن طريق العز واخزي كل أحمق وجبار عنيد.

 واستدارت لتترك الملكة في مكانها من غير استئذان لتأخذ طريقها إلى حيث كانت تنوي.

 

 جلبت الضوضاء وأصوات الضحك انتباه مرافق الملك الذي كان في غرفة قريبة.. فخرج واخذ بيد زبيبة إلى حيث كان الملك في مخدعه ... وكما هي العادة طرق الباب ودخل وأدى التحية للملك. وانصرف... وبقيت زبيبة مع الملك..
 بعد زمن من وجودها معه راحت زبيبة تُذكر الملك بوعده أن يحكي لها قصته . قالت بأدب جم:
       - إن لم يضايق تطفلي جلالة الملك.. أرجو أن اسمع منك قصتك التي وعدتني بها.. ألا يسعى من يحب ليعرف أي شيء عن حبيبه؟
وأنت ملكي و حبيبي. لذلك اعذرني إذا ما وجدت أني ملحاحة في هذا وشفيعي مليكي ونيتي فحسب!.

 قال الملك:
      - لا عليك. يا زبيبة سأحكيها لك.

 وبدأ الملك سرد قصته :
           - حصل هذا منذ وقت طويل .. تزوج والدي أمي في بداية شبابه وهي بنت احد أعمامه وبنت بلدنا هذا وقد وضعتني بعد معاناة كبيرة أثناء الولادة وفرح بي والدي الملك رحمة الله كثيرا ... هكذا قالت والدتي وصار مطمئنا إلى أن عرش الملك من بعده .. سيكون في يد ولد ذكر ... قادر على أن يحمي العرش أكثر ... وكانت والدتي الملكة ذات مكانة خاصة في علاقتها مع والدي ؛ ودورها في المملكة ؛ وكانت عندما ينشغل والدي بعيداً عن مركز الملك؛ تتولى هي بنفسها جانبا من شؤون المملكة؛ وفق ما يسمح به والدي. وما تبادر به من غير أن يعترض عليها في ذلك. ولكن والدتي لم تعد تنجب بعد ذلك. مما اقلق والدي مرة أخرى على مُلْكِه .. ماذا يفعل؟ وكيف يتصرف إذا أصابني مكروه؟ وقرر أن يتزوج من الجواري اللائي كسبهن في الحروب والغزو... أو هكذا أشارت عليه والدتي. عندما لمست أن رغبة الزواج أكيدة في نفسه. وأنه مصمم عليه وكانت والدتي تعتقد أن وضع أولئك الزوجات غير متكافئ معها ... فهي الملكة وهن محظيات جاريات أو (أمهات ولد) .. وقيل لي إن والدتي اختارت بنفسها الأولى ..

           
- هل صرن أكثر من واحدة ؛ يا جلالة الملك؟..

            - نعم؛ يا زبيبة كثيرات أجاب الملك إصبري لتعرفي... اختارت أمي لوالدي زوجته الأولى ما عداها ولم تكن على أي جانب جدي من الجمال بينما كانت والدتي متوسطة الجمال و مع صفة الملكة ... كانت تعد جميلة .. وهل تختار المرأة رديفة لها أو منافسة إلا بصفات اقل من صفاتها في الشكل ؟
تزوج والدي تلك الجارية على مضض مجاملة منه لوالدتي لكي لا تشعر بالغيرة منها فيتعكر عليها الحال السعيد الذي كانا يعيشان ولكن فاتها أو ربما لم تكن تعرف أن الشكل ليس دائما هو الحال الحاسم في علاقة الرجل بالمرأة ... لقد فاتها ذلك أو ما كان بإمكانها أن تعرف ، تزوج والدي الجارية ورزق ولد منها... ثم ولد ثان وثالث ومع أن والدي قد حقق ما كان يريده أو بمقولة أنه يبحث عن رديف لي لكي لا يكون أمام حال حرجة إذا ما أصابني مكروه ... فقد تزوج باختياره هو مرة أخرى جارية من أفضلهن في الصفات من حيث الجمال والثقافة وحسن التصرف.. ألا يخرج من يتزوج ثانية من قوقعة التأثير النفسي السلبي بالزواج بأكثر من واحدة ؟ أليس من تبتل ثيابه لا يخشى المطر كما يقول المثل عندنا وعلى أساس هذه القاعدة ورغبة في إنجاب الكثير من الأبناء ليكونوا قاعدة عريضة لتاج الملك وسيوفها من حول ولي العهد من حولي أنا أكثر والدي من الزواج و الإنجاب من الجواري ... كنت الوحيد ابن ملكة من بين أبناءه وأخوالي من أعمامي لأن أمي بنت بلدها بلد الملك والملك.. ومع تنامي عمر إخوتي أصبحت أمي غير مرغوب فيها منهن لان وجودها بينهن أو بالأحرى على رأسهن يشعرهن بغصة التفاوت في المكانة والتأثير وان اهتمام الناس بها يقلص فرصة اهتمام الناس بهن على نطاق واسع ولأنهن كلهن متساويات في المكانة ووالدتي تنفرد عنهن كانت والدتي غريبة بينهن في عرفهن كونهن الكثرة ... أليس أصحاب التميز محسودين وأحيانا مكروهين من حسادهم؟ ... والسفوح لا تتباهى دائما بقممها بل قد تشعر بثقلها فيصيبها زلزال يودي بها.
قال الملك ذلك وهو يبتسم لزبيبة ولكن إمارات الحزن بادية عليه..
وكان بين الحين والآخر يسحب نفسا عميقا كأنه يستعين بما هو إضافي من الهواء بعد أن يغدو ما يتنفسه غير كاف... كانت زبيبة عندما تسقط من عينه دمعة تتلقاها براحة إحدى يديها أو بأناملها وتمسحها عن خده بوجهها ولكنها لم تشارك البكاء لكي لا يتحول إليها بدلا من أن يعيش مأساة الحال الذي كان يتحدث عنه وكانت تريد أن تسمع منه مثلما هو لتبني عليه بعد ذلك أحكامها ومعالجتها وطريقة تناول ما تعتقد أنه يفيد لتعلمه أو تقوله للملك...
كثرت زوجات الملك وكثرت محظياته من الجواري وكلما مل واحدة انتقل إلى أخرى بحظوة خاصة مع مشاغلة من يشاغلها منهن بتواصل بعينه وكل على أساس استحقاقه من المكانة وتأثيرها في العشرة ... وقد تألبن جميعهن على والدتي . وأصبح والدي تحت تأثير ما يسمع. يقلص نفوذ والدتي ودورها..

         - ألا يسمع الملوك أكثر مما يرون ويشعرون ؟ قالت زبيبة مع نفسها . وهي تسمع قصة والد الملك.

 استرسل الملك في كلامه ليقول :
          - حتى جاء اليوم الذي مرضت والدتي وماتت فيه رحمها الله من غير أن يعرف سبب وفاتها..

         -
 وهل يقهر المرأة ويُميتها غير المرأة؟ حدثت زبيبة نفسها. وأردفت بصوت مسموع:

 

 -        إن المرأة عندما تلح تأكل أحشاء الرجل ؛ وعندما تكيد المرأة للمرأة ؛ أو تغلبها على من تحب؛ تحرق أحشائها .. وقد احرقن أحشاء أمك ؛ يا جلالة الملك..
 ابتسم الملك بحزن وقال:

        - لقد عشت في هكذا وسط ، وكنت أشعر بأن الوسط كله معادِ لي ليس زوجات أبي وجواريه فقط وإنما حتى إخوتي مع أنني بذلت جهدي لأكون في علاقة جيدة معهم... ولكن تميزي على قاعدة وصفي كوني ولي العهد الوحيد بينهم. وكون أمي الوحيدة بينهم من بنات البلد. وبنت عم الملك جعلا حتى إخوتي يغارون مني ففيم كنت أقف وحدي على قاعدة وصف المكانة في الملك والحالة الاجتماعية كانوا يقفون كلهم على قاعدة أخرى ليس فيهم من يتميز على غيره فيها أو على الأقل وهم في عمر الصبيان لا ينظر إلى أي واحد منهم بأنه يستحق أن ينفصل إلى قاعدة متميزة عن هذا العدد الغفير من الإخوة... ولا أنكرك يا زبيبة أنني الآخر لم أشعر برغبة إنسانية صميمة في أن أأتلف مع وسط هذا وصفه ...

        -
إن ذلك مفهوم يا جلالة الملك فهل يتلاءم الطير الغريب مع طيور ليست من جنسه أو وسطه. وخاصة إذا شعر أن مناقيرها تتجه لتنال من لحمة ودمه؟..
قالت زبيبة وهي تمسح بيدها على شعر الملك ووجهة من غير أن تفعل أكثر من ذلك..
ومع أنها كانت ترغب في تقبيله من حين لآخر وبخاصة عندما ترى أن الهم يصعد في نفسه وتتداعى في مخيلته الذكريات المرة بما هو أكثر مرارة وأمض فإنها كانت تمنع نفسها عن ذلك لكي لا تقطع على الملك سلسلة أفكاره وذكرياته عن قصة والدة الملك...

        - حتى جاء اليوم الذي تألب علي الجميع ...أمهاتي زوجات أبي وإخوتي ورجال القصر البارزون ولا أعرف لمَ اشترك رجال القصر البارزون في هذا الموقف ولماذا لم تشترك أخواتي في الموقف الذي كان عليه موقف إخوتي بوجه عام ..

        - واضح لدي من طبيعة الأمور يا جلالة الملك أنكم لا تفضلون توريث العرش للبنات وفق قانونكم وتقدمون الذكور عليهن في كل شيء ... وطالما كان الأمر على هذه الصورة لم تجد البنات ما يستدعي أن يشتركن في روح الضغينة التي خلقها بالأساس عمى السلطة والسلطان وانتظم خلف عناوينه فيها أصحاب المصالح والنفوذ كل يرضى ربه الذي يقف أمامه في الأمام في محتدم الصراع.

        -
نعم هذا صحيح يا زبيبة.

 عاود الملك كلامه فقال:
        - وقبل سن البلوغ طردني والدي من القصر في أحد الأيام ، صحيح أنه لم يقل لي أنك مطرود من القصر أو بالأحرى قصور الملك لكنه قال لي : هيئ نفسك يا ولدي لأن تعيش مع أحد الأعيان من أبناء عمومتنا في مدينة بعيدة عن عاصمة الملك فلملمت حاجياتي وملابسي وانصرفت إلى هناك.. وقد ابكي خروجي خدم القصر من غير دموع لكوني في قلوبهم وجاهدوا أنفسهم لكي يمنعوا دموعهم من أن تنهمر خشية أن تطردهم زوجات والدي بعد ذلك أو أن ينغصن الحياة عليهم...

          - أتلاحظ يا جلالة الملك وفاء الشعب؟ لابد انك تعاملهم بحنان ولطف ولذلك تعاطفوا معك واصطفوا بقلوبهم إلى جانبك وأنت تترك القصر بينما أصحاب السلطان ونفوذ السلطة ومصالحها تآمروا عليك...أتعرف لماذا فرح أصحاب النفوذ بخروجك من القصر يا جلالة الملك!؟

 قال الملك:
          -لا هذا هو سؤالي الأساس لماذا عمل أولئك على طردي من القصر وفرحوا عندما خرجت منه.

        - لقد عملوا على طردك من القصر لكي ينفردوا بما يلبي مصالحهم من غير ولي عهد يشكمهم عنها في غياب الملك عن القصر أو يكون عيناً عليهم للملك في كل وقت بعد أن أصبحت في سن اقتربت فيها من القيام بهذا وليرتب كل فريق لأميره ولاية العهد لو حققوا هدف خلعك من ولاية العهد ولكي يكون جميع الأمراء ضعفاء لعدم تسليمهم لرأس مميز بينهم ومن بعد ذلك ينتشر الصراع وإذا ما غزا الصراع قمة السلطة وجد أصحاب الغرض فرصتهم ليحقق كلٌ منهم هدفه وفق ما يُتاح أمامه من فرصة.

         - كلامك صحيح يا زبيبة قال الملك.. وهذا هو السبب الأساسي الذي مكنني بعد وفاة والدي من العودة إلى القصر وممارسة دور وسلطات ملك بعد أن وقف رجال الجيش وأبناء البلد خلفي وشكلوا الحزام الواقي لظهري ممن لم تكن مصالحهم تقتضي إبعادي ومعهم وفي مقدمتهم كل أقربائي الذين لم يكن لهم دور في الصراع ولم تتضح لهم مصلحة بينة فيه.. وهكذا هو شان كل من كان في القصر ... فمن كان ضدي حين وجد أن مصالحه اقتضت ذلك حاول أن يتنصل عن موقفه السابق عندما سجلت أول انتصار في حقي في تاج الملك وكان موقف من لم يقف ضدي في مقدمة من أيدني .

         - نعم هكذا هي العلاقة بالسلطة أما علاقة الإنسان بالإنسان على أساس المعاني الإنسانية التي أساسها المحبة أو الحب فلها موقف آخر وسلوك آخر.
 
         - نعم هذا صحيح يا زبيبة ولكنني ملك في الواقع... فكيف يمكن لكِ مثلا أن تحبينني دون أن يتداخل كوني ملكا مع صور موقفك؟

      - أنا لا أضع هدفا مصلحياً لحبي يا جلالة الملك وعندما لا أضع هدفا مصلحياً لحبي لك ولا اسعي إلى أي شيء على هذا الأساس فإنني مع الزمن سأتعامل معك كأنني أنا من غير حواجز تمنع حبي من أن ينطلق باتجاهك وستجعلك المعاشرة تتصرف معي عندما تحبني من غير حاجز الملك.

      - ربما قال الملك.

 قالت زبيبة:
      - وربما هذه تعني أن الباب مقفلا بوجه من هو خارج البيت وأن الفرصة قد تكون ممكنة لمن يحاول.

 أعاد الملك كلامه ليقول : ولكن أخواتي بكين بحرقة كلهن تقريبا ولا أكتمك فقد كانت علاقتي معهن ليس من جانبهن فحسب وإنما من جانبي أيضاً على أفضل ما تكون العلاقة الأخوية الصميمة لذلك بكين بحرقة وحزن وكن يزرنني كلما سنحت لأي منهن فرصة زيارتي من غير أن تعلم أمها أو أي من نساء أبي وعن هذا الطريق ووسائله كنت اسمع أخبار القصر ومن الطبيعي أن أقول إن القصر تحول إلى جحيم بعد رحيلي .. وطعن والدي في السن وكانت المؤامرات لا يطيق تحملها أو التعامل معها أي إنسان خالي الغرض... وانتشر الكيد والمكائد بين نساء أبي تكيد كل منهن للأخرى وتسعى لتكون أمامها وأعلى منها بعد أن تساوين.

          - وهكذا هو الحال حتى داخل الشعب حيثما تساوي الجميع في أمر يتطلب قرارا سعى الجميع ليحوزوا الموقع الأمامي الأكثر صلاحية في القرار الذي يسرى على جماعة...
حدثت زبيبة نفسها من غير أن تقاطع الملك.

 استرسل الملك ليقول:-

 ولكل منهن يمتد صفها القتالي من الجواري. وبعض موظفي القصر وحتى بعض رجال الجيش وكل على أساس نظرته لما ينبغي وما يجب لمصلحته حالياً ومستقبلا وحتى الطباخين وخدم القصر!؟
           - نعم حتى الطباخين يا زبيبة ... ذلك لان الطباخين في قصور الملك مهمون في ترتيب المكائد وحتى مؤامرات الموت... فعندما تكلف إحداهن احد الطباخين من الذين تكرمهم وتميزهم على غيرهم بعمل نوع من الغذاء الذي يفضله الملك لتقول له أنها عملته بيديها هذا اليوم لأنها تعرف أنه يحبه ...
وهذا يحصل عندما تكون الليلة أو النهار مرشحا لإحداهن ... يعمد طباخ آخر في لحظة غفلة من الطباخ المعني بإفساد الطعام بأن يدس ملحا زائدا فيه أو ربما يضع جرذا ميتا متفسخا بين اللحم ... أو يبطل سحر صاحبته بسحر مقابل مضاد لإحداهن.. .

        - حتى الجرذان المتفسخة تستخدم في مكائد الملوك؟

         -
 نعم يا زبيبة تستعمل... وتستعمل الأفاعي في سلال الفاكهة التي تقدم وغالبا ما تعدم من يكتشف والدي أنها وضعت أفعى في سلة الفاكهة التي تقدم له مع أنها قد لا تكون سامة ... متصور أنها مقصودة ضده حتى صار والدي الملك رحمة الله لا يأكل ولا يشرب عند أي منهن و بموجب هذا الحال صار لا يلتقي بأي منهن إلا نادرا ولساعة واحدة أو أكثر بقليل بحيث لا يحتاج في مخبئها إلى أكل أو شرب بل إن والدي اختص بنت من بناته من أم لم تنجب غيرها وماتت بعد أن ولدتها مباشرة لتقدم له الطعام والشراب أو تشرف على ذلك بنفسها كنوع من الاحتراز من المكائد ... وقد سارت الأمور في وضع مريح نسبيا لوالدي حتى جاء اليوم الذي أحبت فيه أختي راوية رجلاً من كبار موظفي القصر كان على صلة بدائرة من دوائر صراع القوى . مستغفلا أختي بأن شاغلها بحبه في وقت قريب من تقديم الطعام لوالدي واستطاع أن يدس السم في الطعام ... ومات والدي... ولكنني رفضت أن تحاكم شقيقتي بتهمة الخيانة وتوليت الإشراف على التحقيق بنفسي بعد أن اخترت من يتولى التحقيق وتحفظت على شقيقتي بغرفة داخل القصر حتى ظهرت الحقيقة كما هي وظهرت براءة أختي ولكن كان ذلك درسا بليغا لنا جميعا بما في ذلك المرأة.....
         - الدرس هو: أن المرأة تستطيع أن تغلب الكرام من الرجال بمكرها في التعامل الاجتماعي الخاص ولكن بإمكان اللئام أن يغلبوها.

          - ولكن أليس أثمن ما ينبغي هو أن تستفيد من دروس قصتك لنفسك يا جلالة الملك؟؟؟
         - بلى ولكن ماذا تقصدين بسؤالك هذا على وجه التحديد!؟

         - اقصد أن اسأل : الم تكن كثرة الزوجات والجواري للملك واحدة من أهم الأسباب التي أوجدت ثغرات في القصر؟...

         - نعم يا زبيبة هذا صحيح..

        - إذن لماذا لا تقتصد بهذا يا جلالة الملك ؟..
        - أنا مقتصد ...ومثلما ترين إنهن قليلات قياسا بأي ملك قبلي !!.

        - قليلات بالنسبة لأي ملك قبلك. ولكنهن كثيرات بالنسبة إلى قياساتنا يا جلالة الملك...

         - هذا صحيح ولكن قياسات الملك ليست قياساتكم يا زبيبة..

          - نعم يا جلالة الملك ولكن كلما تقاربت المفاهيم والقياسات بين الملك والشعب تكونت ألفة من النوع الذي لا غنى عنه لتكون المملكة قوية يعز الملك بها ويصان..

        - أتعنين أن لا يكون لي كثير من الأولاد وأخوالهم ليسندوا ظهري أمام المصائب والشدائد والظروف غير المحسوبة ..

       - ولكن هل بإمكان كل أولئك مهما امتد خيالك وقدرتك عليهم أن يكونوا بنفس عدد الشعب أو نصفه أو ربعة!؟

       - لا ولكن ماذا تقصدين بسؤالك هذا يا زبيبة؟

       - أقصد أن لا يكون سعيك في تكوين حزام ظهرك بهذا الاتجاه وإنما بكسب الشعب إلى جانبك..

       - ومن هو هذا الشعب؟

      - من شعبك يا جلالة الملك جند جيشك وليس من المرتزقة أو الأجانب الذين هم من الكثرة في جند جيشك وليس من القلة ..
 
     - قد يكون هذا ممكنا يا زبيبة...
     - بل ممكن يا جلالة الملك لو أردت ذلك  .

*****


 قالت الحكيمة إن ملك زمانه ذاك صار يغار على حبيبته حتى من زوجها ... ولذلك كان غالبا ما يشاكسها بسببه ولكن بحذر فتقول له :


       - ماذا افعل ؟ احكم .. وما قرارك العادل.. هو زوجي ضمن شريعتك وأنا ملزمة بأن أعمل أي شيء له ... ولكن ما أتصرف به معه لا يُعبر كله عن رغبتي!!!


 وعندما كان الملك يجيبها بأنه يعرف ذلك أو بإمكانه أن يخمن ذلك يتضاحكان ويعتبر الموضوع خلف اهتمامها في تلك اللحظة ولا يشكل موضوعا مهما من شأنه أن يعوق علاقتهما ... وينقص حبهما ...


*****


 جاءت ذات يوم إلى قصر الملك وهو من وضع حياته وعمره كله رهن معاني محبته لها وإن بقيت خفية ... ولاحظت وهو يستقبلها وغالبا ما كان حدسه دقيق ... أنها ليست على طبيعة ما تركها عليه في اليوم السابق.


 قال الملك:

 منذ فترة من الزمن ليست ببعيدة ألاحظ أنك مهمومة يا زبيبة ومع أنني حاولت أن اقلب الأمور من حولنا وفي علاقتنا لكنني لم أجد أثرا يهديني إلى سبب واضح!!.


         - ليس هناك هم ما دمت محل ثقتك يا جلالة الملك.


         -
بلى . يا زبيبة ألاحظ انك مهمومة حقا حتى أنني لم اعد أرى شيئا يفرحك ويدخل المسرة إلى نفسك ... أي شيء وكل شيء ... بل حتى في علاقتنا . أرى كأن حالة التكرار شبه الرتيب فيها أدخلتها مدخل الأمر الاعتيادي ولان الاعتياد وتكرار فقراته ممل فربما دخل شيء من الملل إلى نفسك مع عوامل أخرى حتى أصبح هما على نفسك يضيق به صدرك....


        - نعم يا جلالة الملك الرتابة المكررة والتكرار الذي لا يعطي الإنسان فرصة الإبداع خارج رتابته مملان ولكن كل تكرار ليس مملا عندما تحتاجه الحياة حاجة صميمة وتعتاد عليه النفس والحواس والمشاعر ...


       - كيف هذا يا زبيبة!؟
       - هل طلوع الشمس من مكانها المعتاد وغيابها في مكان بعينه .. أو طلوع القمر أو هبوب الهواء الشمالي المنعش للنفس أو حتى الأكل أو الشرب مما يمل الإنسان منه ؟


       - لا يا زبيبة هذه الأمور بالإضافة إلى أنها جزء من الحياة ليس لديها بديل يعوض عنها وأي أمر أو شيء ليس له بديل لا يجعل النفس تمل التعامل معه أو معاشرته..

 
 -       ماذا تقصد بـ ( معاشرته) يا جلالة الملك ؟ أراك أدخلت الإنسان إلى جانب أمثلتك من الأمور والأشياء !!


      - نعم يا زبيبة هكذا لكي أصل إلى معرفة الحقيقة التي تجعلك مهمومة لأجد دوري فيما ينبغي أن أقوم به إزاءك لأرفع الهم أو الغم عنك...


      - ماذا تريد من كل هذا يا جلالة الملك !؟ 


      - ليس لي ما أريد يا زبيبة غير أن تعودي مملوءة بالسعادة والحبور ..


      - متى تتصور أن الظاهرة التي تشير إليها بدأت عندي؟   


      - قلت إنها بدأت منذ عدة أسابيع ...


       - ألأننا اختلفنا كثيرا على أمور بعينها قبل أن نصل إلى حل لها خلال هذه الفترة !؟


       - لقد سالت نفس هذا السؤال يا زبيبة ولكنني وجدت قياسا بنفسي أن الاختلاف لم يؤدِ بي إلى الهم أو الغم لأنه حالة مفترضة حتى أنني أراها تضعف كلما عرفنا بعضنا أكثر ونسجنا أكثر معا قاعدة للمعاني الأساسية المشتركة ...

 
        - ولكن لا يجوز أن تقيس طاقة الآخرين وتحملهم وحتى مشاعرهم بنفسك يا جلالة الملك إذ قد لا تكون عند الآخرين ما لديك من تصور وقدرة وعند ذلك يغدو قياسك واستنتاجك غير واقعيين ...
       -
نعم هذا صحيح يا زبيبة لذلك قلت في نفسي إنه ليس كزبيبة من يعرف نفسه


       - بل تعرفني يا جلالة الملك.


       - لقد قَلت معرفتي بك وبما انك تنفين استنتاجي تكونين قد شككت في قدرتي على الحدس الصحيح حولك... وقبل أن أقول إن مسؤوليتي توقفت عند توقف سبيل معرفة حقيقتك كما هي أردت أن استعين عليك بنفسك إذ قد تدلينني إلى أسباب عدم الشعور بالسعادة وهل أنا أم غيري مسئول عن أي شيء من هذا؟ وكيف. ولماذا؟ ! لأنني بجوابك الصحيح عن تساؤلي يمكن أن أوفر القدرة والفرصة الكفيلتين بجعل محاولة المعالجة واقعية وعملية وممكنة ومن دون ذلك لن اعرف وسوف أبقى تتقاذفني الهواجس وربما الظنون ولن اهتدي إلى شيء ........ وفي كل الأحوال فان عدم معرفتي بالسبب منك معناه استغناء منك عن أي جهد مني لأعاونك...
         - مع أنني قلت أن لا سبب لذلك الحدس منك لأنه ببساطة ليس هناك ما يقودك إلى هذا الظن ... فأنا سعيدة ولكنني قلقة إزاء حبنا ........


         - أتقلقين على دوام حبي لك أم من نفسك علي؟


        - لا منك ولا من نفسي ولكن لمجرد أن ارسم صورة السعادة التي أعيشها بسبب مستوى حبنا اقلق لان المستوى الذي وصلنا إليه على أساس وصفك وما أصفه غير اعتيادي ... مستوى خارق لأفق ما وصل إليه من حولنا ، مستوى تجاوز المنظور والملموس والمسموع والمقروء وأصبح يتربع على قمة وفق قياسه لا يستطيع ولم يستطع أحد أن يصل إليه عبر الظرف السابق واللاحق ..

 
         - إن الأساس الذي يبقى حالة الوصول فوق قمتها هو أن يرتقى بها إلى قمة أعلى بمفردات وعناوين ساندة غير التي أوصلتها إلى القمة التي يتربع عليها عنوانها فإن لم يكن ذلك فبإسناد وإدامة حيوية العوامل التي أوصلتها إليها لتبقى حيث هي.. إن لم يكن بالمستطاع تسجيل الانتصار إلى قمته!!  


        - نعم يا زبيبة إن وصول الحب والمحبة بين طرفيهما إلى قمة عالية انتصار على العوامل المعاكسة التي تقاوم الوصول إلى هناك مثله مثل انتصار الحق على عدو يهاجم ما هو عزيز أليس عدم الحب والمحبة حالة تضعف دور وخواص إنسانية أي إنسان؟؟ أليس الطبيعي أن يحب الإنسان إنسانا بعينه ؟ وان يحب دوره ليؤثر؟ ويحب شعبه ليخدمه ؟... وأن يكون فيه وفي محيطه من العوامل والمعاكسات التي تحاول أن لا تجعله وفق الوصف الطبيعي ؟؟ وان تعاكس استنفار همته أو مشاعره وقدراته ليرتقي بها ليسجل فيها قمة؟


         - صدقت يا جلالة الملك ... قالت زبيبة وكأنها أرادت أن توحي للملك بأنها بهذا قد أقفلت عليه إمكانية أن يعرف عنها المزيد ...


 سكت الملك مع أنه لم يقتنع بأن ما قالته زبيبة هو كل ما تعرفه عن نفسها وعن الجواب الصحيح لحدسه عن حال فيها أراد منها الجواب عليه ...

 
 سكت الملك لكي لا يدخل معها في مماحكة وراح يُداري نفسه لئلا يغضب بالقول أن حدسه صحيح وان ما قالته زبيبة رغم أنه من النوع الذي يقلق على حبه ولكنه لم يكن السبب وصف حالها ...
وراح يناجي نفسه:
        - المهم أنني استطيع أن ارجع الظاهرة إلى أسبابها حتى لو لم تعاوني في ذكر الأسباب والاهم أن أعالج وضعها ليعود إليها الشعور بالسعادة والحبور وهذا ما يسعدني ويريحني.... وأن اكتفي بما أعرف عن المرأة لكي أفهم جانبا مما تفكر به زبيبة .... ألا تحتفظ المرأة بسرها ولا تبوح به لأقرب الرجال إليها وتثرثر مع الأبعدين عنها !؟ ألا تختلف عن الرجال حيث يضع سره عنده من يحافظ عليه وتضعه لدى من تشاركه هواها وترضى هواجس نفسها في لحظتها !؟ وإذا كان بعض الرجال يحكي سره لامرأة فقليلات هن النساء اللائي يبحن بأسرارهن الخاصة لرجل حتى لو كان اقرب الناس إليهن ... إنهن يبحن بأسرار غيرهن للرجال وليس أسرارهن الخاصة ... ولذلك إذا أردت أن تعرف الأسرار الخاصة لامرأة ما عليك بصديقاتها وبالذات أكثرهن صلة بها وأقربهن إلى هواها ... وعندما تتمنع المرأة عن الحديث عن سر قريب لها من الرجال فمعنى ذلك أن ما تمتنع عنه يسبب لها حرجا أمامه ومن هنا يمكنني أن أخمن أين وفي أي حال وشيء يكمن سبب عدم مساعدتي في معرفة السبب الحقيقي الذي جعل زبيبة مهمومة وبذلك حرمت نفسها من جهدي ليكون مفيدا لتخليصها مما هي فيه
 ولأنه لم يكن هناك ثمة ما يعتد به ليصلح سببا في ما خمن الملك بها أو ما لاحظ عليها من حال لم يكن حسنا وإنما قريب من أن يكون شيئا من الانكسار الجزئي فليس ما قد عكر مزاجها غير أن زوجها قد اجبرها على مواقعته فيما كانت تتهرب منه منذ زمن . مفتعلة حجة تلو أخرى ...
ومع أن زبيبة تعرف أن من حق زوجها أن يواقعها من الناحية القانونية ولكن علاقتها بالملك بدت كأنها زادت عليها ثقل الشعور بالضيق من علاقتها مع زوجها ومع أنها لم تخطط ولم تسع لتوقع الملك في حبها فإن حب الاستطلاع عند المرأة كان يلح عليها لتعرف حقيقة مشاعر الملك إزاءها وكانت تتحين الفرص وقد فكرت مع نفسها أن أفضل ما تكشف به مشاعر الملك إزاءها هو أن تتحدث له عن جانب من علاقتها مع زوجها ومن ذلك أنها تزوجت منه مضطرة وخاصة وأنها لم تجد أن الملك يصيبه حرج بسبب فارق المكانة عندما تفضي له بأي شان خاص بل هو نفسه يبوح لها ليريح نفسه من ثقله عليه وضمن هذا السياق كان الملك يمزح مع زبيبة ويغمز بعلاقتها مع زوجها أحيانا.

 
 أعاد الملك سؤالها :

  -    أراك مهمومة يا زبيبة...


 - وقع ما هو ثقيل على نفسي يا جلالة الملك .... صدقني بأن ما حصل لم يكن برغبتي .... هكذا قالت زبيبة...
ومع أنها امرأة في وضع صعب فقد صدقها ولكنه بدا يحدث نفسه :
- هل تستنجد زبيبة بي للتخلص من العلاقة مع زوجها ؟ وهل أرادت بهذا أن تنبهني إلى ما تتصور أنني لم انتبه إليه؟ ... وماذا يحصل لو صارحتها بحبي بعد أن أخلصها من العلاقة الثقيلة مع زوجها؟... أليس الحب مشروعا؟... لقد تزوجت زوجا وفق رغبة أهلها وعلى هذا الوصف كان زواجها قرار أهلها فحسب. وإذا أحبتني يكون حبها لي قرارها هي... أليس من يتخذ القرار بنفسه غير من ينفذه فحسب ؟إذا لأفاتحها ... لا بل قبل هذا لأعينها على التخلص من هذا الكابوس...
 ثم يعود الملك ليقول:
 - ولكنها قد ترفض أن تتطور علاقتي معها إلى زواج ... الم تكن مع زوجها وتعاشره حتى هذا اليوم؟!
 ثم يعود الملك ليقول أيضاً :
 - ولكنها قد تكون صادقة في أنها أجبرت على معاشرته كنوع من أداء التزامات عقد الصلة لأن مثلها مثل من يؤدي عمل للغير وليس له أي صلة به من حيث المهارة أو الرغبة أو المشاعر...
ثم يعود الملك ليشاكس زبيبة التي أحبها من قلبه بأن يذكرها تلميحا بفعل قامت به مع زوجها  ..


ثارت زبيبة وقالت...
- صدقني يا جلالة الملك... لقد كنت في وضع شعرت فيه كأنني اجلد لا أواقع ... ماذا أفعل؟ كن مكاني ولك أن تتصور!!!


قال الملك بنفور:
- كيف أكون مكانك يا زبيبة؟ ... أيكون الملك مكان امرأة!؟


قالت زبيبة تعبيرا عن امتعاضها من مناكدته :
- نعم يمكن للملك ان يبدو كأنه امرأة!


-
 وكيف يا زبيبة ؟


-
 يكون كأنه امرأة تنام مع رجل غريب في سرير واحد عندما لا يقود جيوشه دفاعا عن بلده ضد أجنبي يجتاح البلاد أو يستضعفه فيهينه... ألا ينطبق ذلك على كثرة الملوك من حولنا!؟ ولا يثأرون لكرامتهم وكرامة أمتهم وبلدهم بل إن المرأة تجل عن موقف كهذا ... ألا يقاتل كثر منهن الغزاة إذا ما اجتاح أجنبي بلادهن فيما يكون الرجال منشغلين في جبهة قتال أخرى؟..


غضب الملك ولكنة حافظ على عهد قطعه على نفسه بأن يتعامل مع زبيبة بتكافؤ إنساني وهو يسمع رأيها في ما تقول ومع ذلك قال لها:


- إذا كان ينطبق على ملوك من حولنا فهو شانهم وإذا كنت تتصورين أن الملوك هناك يمكن أن يتبادلوا الأدوار مع النساء في أسرة أزواجهن ليكونوا أبدالا عنهن فعليك أن لا تخطئي الحدس وتتصوري أن ما ينطبق على ملوك آخرين ينطبق على ملك في بلادنا ! وفي كل الأحوال فيما يتعلق بي: عليك أن تقطعي لسانك وتختاري الكلمة قبل أن تتلفظي بها وأن تعرفي قدر نفسك.


- نعم هكذا إذا ؟ على أن اقطع لساني... ألم اقل لك يا جلالة الملك أن من المستحيل أن يقبل الملوك التكافؤ في الحوار مع أبناء الشعب!؟


كان الملك عندما يلاحظ أنه يقسو عليها يربت على رأسها براحة يده ثم يحدث نفسه: ترى هل يُقبلها زوجها من فمها ؟ ثم يعاكس هواجسه بالقول:


- إن زوجها وكيل لمتابعة أعمال أحد الأمراء وهو لا يحبها لذلك ليس متصور أنه يقبلها من فمها ... أليس تقبيل الفم عملا لم يهتدِ إليه العامة من الناس ولا يرغب فيه إلا المحبوب ؟
وعندما يصارحها بما تفكر به تقول له ...


 - أود أن أقول لك ابتداء يا جلالة الملك إن الحب هو اقتناع المحب بمن يحب وهو ليس حالة طبقية أي أنه لا يقتصر على الملوك وانما هو صفة من يحب سواء كان ملكاً أو إنسانا عاديا ... صيادا أو فلاحا أو قائد جيش أو عامل أو رجل شرطة ... وقد أحببتك ليس لأنك ملك وإنما تعبير عن حريتي في إنسانيتي ولا أعتقد بأنك أحببتني لأنني ملكة !!!
جفلت زبيبة عندما قالت ( رجل شرطة) وصححت ما قالته بصورة عفوية :
- ولكن ليس من شرطة الملك ... ليس من شرطتك يا جلالة الملك ..


- وهل تعيبين على شرطتي شيئا يحرمهم من الوصف الإنساني الذي يعطيهم صفة أن يحبوا كما يحب الناس والعناوين التي ذكرت ؟
_
لا يا جلالة الملك معاذ الله أن أعيبهم بشيء ... ولكن هل يمكن لشرطة الملك أن يحبوا !!؟


أجاب الملك بعفوية..
- إن الشرطة في أي بلد يشبهون ملكهم يحبون إذا كان ملكهم يحب ... إما إذا كان ملكهم لا يحمل صفته الإنسانية التي تؤهله للحب فإن شرطته لا تحمل الوصف الذي يؤهلها لتحب...


- نعم يا جلالة الملك هذا صحيح ولكنهم لا يشبهونك يا جلالة الملك ...


- بماذا لا يشبهونني ؟


- بسلوكهم وأخلاقهم يا جلالة الملك إنهم موروثون في بلدك عن عهود أطلقت أيديهم على الشعب وفي ظنهم أن الشعب تلجمه الشرطة دائما وعلى طول الخط
 -
وماذا بشأنك يا زبيبة وكيف؟


- إنهم يتعقبوني وأكاد أضيق ذرعا بهم حيث لا يتسنى لي أن أشم الهواء وفق ما يضمن لي حريتي واختياري ...


- الست تقولين أن حريتك في قصري لأنك .. بحبك لي وحبي لك وجدت نفسك بعد أن ضيعها أو كاد عقد الزواج ومطاوعتك لرغبات من هو زوجك أليس انسجامك من رغبتك وانما محض استجابة لرغباته إنفاذا لعقد لا تستطيعين أن تحيدي عنه ..

 

-         نعم كاد هذا يضيعني بعد أن يفقدني إنسانيتي وإن اختياري سابقا لوصف ما أريد .. لم أكن أتصور أنه سيكون .. وألان أصبح اختياري أنت لأنني وجدت فيك الصفات التي أبحث عنها وليس كرسي الملك نعم يا جلالة الملك... لقد أعطيتني حريتي عند خط البداية وحققت أنا فيها إنسانيتي ...

 

-         وماذا حصل الآن؟

-         حريتي يا جلالة الملك حريتي مهددة ... ألا يجوز لي أن أمارس حريتي مع زوجي في السرير قالت زبيبة ..

-          بلى إذا كانت هذه رغبتك..

-          نعم هي رغبتي ... إذا كنت تعارضها ... وهي قسر علي وأرفضها إذا لم تعارضها ...

-         وهل هذا هو البناء النفسي لابن الشعب يا زبيبة؟ وهل يكون موقف الملك وتصرفه ثقيلا على ابن الشعب إلى هذا الحد؟..

-          نعم يا جلالة الملك لان الملك يكون من صنفنا إذا أعطانا حريتنا ولا يكون من صنفنا إذا منعنا عنها ونحن لا نليق إلا لصنفنا أي إلا لمن يكون منا ...

-         إذن أنا أحببت من هي ليست من صنفي ..

-         لا يا جلالة الملك أحببت من هو من صنفك إنسانيتك التي حبسها تاج الملك عنك... فحرمك منها أما أنا فلا أحمل تاج ملكك ... وليس باستطاعتي أن افعل ذلك حتى لو رغبت فيه ومع ذلك حبستني معك ..

-         أترغبين في التاج حقا يا زبيبة؟

-         نعم يا جلالة الملك .... أرغب فيه... وأرغب فيك... ولكنني أرغب في كل منكما منفصلا عن الآخر. لا مجتمعين معا إلا عندما تكون سيدة وليس أسيرة . لا يكون على راسك وأنت مرهون له فحسب ، أرغب في أن تكون على رأسي يا جلالة الملك . في الوقت الذي تكون معي داخل نفسي وتكون ضمير الشعب وعنوانه وفارسه وليس علامة الضعف الأكبر فيه وأرغب في أن يكون التاج رسما فيك وعلى رأسك وليس سيدك وقيدك وبهذا نكون أنا وأنت كأننا روحان في جسد واحد ويكون التاج رمز شرف لنا وليس علامة عار علينا وبذلك لن يملكني تاجك وإنما يحررني حتى عندما يكون على رأسي وعندما أملكه أنا وأنت ... وتكون أنت على رأسي فوقه ... وفوقك وفوقي حريتنا معا ... والمعاني العظيمة لبلدنا ... لأمتنا ... لشعبنا...


عاد الملك ليقول لزبيبة بعد أن استمع إليها :


       - لقد أحببتك لأعلى شأنك وشأني بصادق الحب وبهائه ومعانيه وليس ليكون أي منا ضعيفا ... لذلك لا أقبل أن يشاركني فيك من لا ترغبين فيه ولا اقتنع أن مشاركته واجبة...


 قالت زبيبة:
      -
نعم ولا يا جلالة الملك واعذرني إذا تكلمت معك بشيء من الصلف ولكن أليس صديقك من صدقك لا من صدَقك!


 قال الملك:
        - نعم ولكن كيف؟ ولماذا؟ 


        - قد اخترتك وفق ما تضمنته شرائعك بأنه حق لي وفق اختياري ... اخترتك أيضاً لأعلى شانك بالحب... بحبي... وأجعل بوابة أن تحب الشعب وأن يحبك بعد أن يعرف الشعب أنك تحبه إن محبة الشعب هي التي تعلي الشأن وليس التاج يا جلالة الملك ... وعندما تظن انك تعلي شأنك فقط بتقريبي منك دون حب وحرية حب يفتح قلبك لحب الشعب بعد أن تعرف عن قرب نموذجا منه فإن ظنك ليس في مكانه يا جلالة الملك ذلك لأنك إذا لم تحب الشعب لن تبقى تحبني ولن أبقى احبك أيضاً لأننا عند ذلك لا نكون واحدا وانما اثنين منفصلين كل ضمن صنفه فحسب ... مثل ما وجدت أن علاقتي بزوجي لم تحقق لي إنسانيتي وإنما كان يتعامل معي كشيء فحسب... فتصور يا جلالة الملك ردود فعل الإنسان عندما يعامل من أحدهم كشيء فحسب !!! ألا يثور ليفتش عن طريق جديد يضمن فيه حقه ليختار!؟  


       - نعم هذا حق..

 
      - وقد اخترتك لأتصرف بحريتي وفق رغبتي واختياري وبهذا أعبر عن إنسانيتي في علاقتي معك .... في الوقت الذي تعبر أنت عن إنسانيتك في علاقتك مع بنت شعب مثلي ولكن عندما تتابعني شرطتك الآن وعندما تعتب علي لمجرد أن يواقعني زوجي تكون علاقتي بك قد تحولت إلى عبء علي إنك تسلب حريتي وتحرمني حق التمتع بإنسانيتي ومشاعري وفق قراري وبهذا تكون قد تساويت مع زوجي وصار من حقي أن أفتش... وسكتت.. 


        - أن تفتشي عن إنسان آخر أليس كذلك!؟


         - عفوك يا جلالة الملك ذلك لان الحب يقوي بمعانيه من يحبون حبا عميقا وسط حرية الموقف والقرار مثلما تقوي الصفات العالية أصحابها ضمن محيطات : النزاهة... العفة... الفروسية... الصدق.... الإيمان بقضية عادلة...
رفعت زبيبة رأسها بعد أن أطرقت لتقول...
        - قليلون هم الملوك الذين يستمدون مصدر قوتهم من هذه المعاني ..


        -
نعم قليلون يا زبيبة ولكن كل ملوك بلادنا من ذوي الشهرة والتأثير العالي في مجرى التاريخ استمدوا قوتهم من هذه المعاني ... أو من قسم منها.


        - ها أنت قلتها...أصحاب الشهرة والتأثير العالي في التاريخ وليس كل الملوك ولا الشهرة والتأثير يرفعان أصحابهما إلى مصاف العلاقة التاريخية العالية في مملكتنا من غير استحقاق عن عمل يمتاز به من يكون فوق ساريته الخفاقة ولذلك اشتهر من اشتهر منهم بمواقفه وعمله بعد أن جعل هذه المعاني مصدر سلطاته ... ولكن أليس الشعب هو الأساس يا جلالة الملك ؟.. أليس الشعب بصفاته الأساس المتصل بهذه المعاني وتاريخه المجيد وهو الذي يوحي لمن يشتهر بالطيبات من الصفات بأن يكون على هذه الشاكلة؟


 قال الملك:
         -
نعم يا زبيبة إن ما قلته هو الصحيح ذلك لأنه سواء أوحى الشعب بما يوحي به من صفات طيبة أم استلهمها الملك من أي مصدر مهما كان فإن لم تكن الصفات الطيبة تستهوي الشعب . أليس باستطاعة الملك أن يشتهر بها لأنه حتى يشتهر لا بد من أن يقوم بأعمال كبيرة ولا يستطيع الملك أن يقوم بالأعمال الكبيرة وحده من غير شعب كبير وأمة عظيمة ... ألا تتوازن القمم مع قواعد جبالها وسفوحها وارتفاع تلك الجبال؟
       - أحسنت يا جلالة الملك... مع أنك ملك فإنك أصبحت تحكي هذه المرة مثلنا وتفهم مثل ما نفهم في أحيان كثيرة ولذلك أحببتك يا جلالة الملك... نعم الملك العظيم يأمر بالأعمال الكبيرة.... ولكن الشعب هو الذي ينفذها  ...

 

-         في أحيان كثيرة فحسب....؟ قال الملك باستغراب فأنا أتكلم وأفهم مثل ما تتكلمون وتفهمون يا زبيبة. 

-          نعم يا جلالة الملك أصبحت أخيرا وفي أحيان كثيرة تتكلم وتفهم مثلنا وهذا يكفينا يا جلالة الملك حتى الآن بعد تهذيب بعينه لجوانب من خواص أخرى وأقول: في أحيان كثيرة وليس دائما لأنك لو فهمت وتصرفت وشعرت مثلنا تماما لانتقلت من عالمنا إلى عالم آخر ... عالم غير عالمنا وبالتأكيد هو ليس عالم الملوك .... وإنما عالم الألوهية أو قريب من هذا رغم أن آلهتكم ما زالت تصنع من مادة وليس حالا آخر... ألا ينتقل من يفهم ويتصرف من الملوك ويشعر كما الشعب وأبناء الأمة إلى مصاف الآلهة ؟ بل أليست الآلهة تشبيها لصفات الشعب وضمير الأمة ومشاعر الفقراء ونظافتهم في قدرة ملك عادل أحب شعبه فصارت القرابين تقدم له ويرجى منه ما يسعد الشعب أو يفرج عنه كربته؟... 

-          مع انك قلت أنني أشبهكم في أحيان كثيرة وليس في كل شيء وأنكِ على هذا أحببتني يا زبيبة فماذا لو اكتملت في الصفات التي أشبه بها أبناء الشعب والأمة؟.. 

-          لو اكتملت فيك كلها لأصبحت إلها أو أقرب منك إلى اله يا جلالة الملك وعندها سأحرم من حبك!... أو لا ارغب فيه.. 

-          أن تحرمي مني فهذا مفهوم ولكن لماذا لا ترغبين في لو صرت إلها أو اقرب إلى اله؟

-          لأنني إنسان يا جلالة الملك وأحببتك كإنسان وأريدك أن تبقى على صفتك الإنسانية من لحم ودم لكي أحبك كامرأة وليس لكي أعبدك ..

-          ألا يمكن أن تجتمع صفات اله من صفات إنسان يا زبيبة ؟ 

-          لا يا جلالة الملك وإنما تهذب عبادة الإله الإنسان... وإذا تهذبت إنسانيته وخواصه على أساس الإيمان يكون ملكا صالحا يحبه الناس قريبا منهم قريبا إلى الإله. 

-          مع إنني أعرف أن لسانك سليط فإنني أحبك... أتعرفين لماذا يا زبيبة؟

-          عفوك يا جلالة الملك لا اعرف لماذا؟

-          أحببتك لكي لا أموت من داخلي ولكي ابقي قريبا من الحياة ... قريبا من الشعب . بل جزءا منه وقائدا له ..... لا أريد أن أكون واحدا من الآلهة وأركن في معبد تقدم إلي النذور فحسب وإنما معكم أصنع الحياة معكم وبكم وأستقبل معكم الشمس ونتنسم رائحة طلع النخيل والهواء ونعشق الورود ونترحم على من مات ونلعن الخيانة وكل سبات...
عندما كان الملك يتكلم كانت زبيبة في أحلى وأجمل حال ولكن عندما قال الملك ( والعن الخيانة) جفلت زبيبة واتسعت حدقتها عينيها إلى آخرهما... وهي تتمتم:

-          أيكره الملك الخيانة ؟ أم تراهم يفرخونها ويكثرونها في أروقة قصره بل حتى في مخادع نسائهم وجواريهم ومحظياتهم... ولكن في مملكتنا أو على الأقل هذا الملك لا يشبههم في صفات كثيرة ... هي الصفات التي تشبهنا بها...
ثم تعود لتقول : 

-          طالما كان ملكا . فإن صفاته التي يشبهنا بها معرضة في أي وقت لنكسة كلما نسي مأساته في صباه أو ركبه غرور الملك والسلطان .. إلا إذا أصبح صاحب قضية من اجل الشعب يقاتل بسيفه ويغامر بسلطانه من أجلها فيقودنا إلى ذرى المجد...

-         لاحظ الملك أن زبيبة تناجي نفسها في هذا فقال:

-          لقد اهتديت إلى ما ينبغي لأعبر عن إنسانيتي يا زبيبة ولذلك لن أحيد عن الطريق ... ثم إذا وجدت الخيانة في مكان آخر فليس في عرش مملكتنا هذا... أو في الأقل أو الأصح بين أبناء بلدنا هذا ...

-          ولكني اخشي شيطانك يا جلالة الملك ... وشيطان من يخونون.. أليس لكل شيطانه يا جلالة الملك ؟ ولذلك جمعنا شيطاننا أنا وأنت معا.... إذ بإمكانهما إن غلبا أن يجعلاك تخون قضيتك ويجعلني شيطاني أخونك... ولكن شيطان الشعب أضعف من أن يجعله يخون أو لنقل أن نفوس الشعب أقوى أمام شيطانها أما الملوك فإنهم أضعف إذا ما لوح لهم شيطانهم باحتمال خسارة عرش الملك بطريق الخلاص والمحافظة عليه بالخيانة أو عندما يكون الملوك تحت وساوس أخرى تضعهم وهم يمارسون مسؤولياتهم أمام ضعف كبير ... أو عندما تطمع عوائلهم في كرسي الحكم...
عندما نطقت الجملة الأخيرة لاحظت حركة مريبة من خلف ستار المكان الذي كانا فيه بينما كان وجه الملك باتجاهها وظهرت باتجاه مكان الحركة واندفع من خلف الستار من يمتشق حسامه

-          صاحت زبيبة:
حذار يا جلالة الملك....

-         واندفعت بقوة أمام الملك لتحميه... وعندها عرفت أن من امتشق السيف وهمَ بطعن الملك في ظهره هو ابن عم الملك وقائد جيشه .. ولكن صدر زبيبة كان أقرب إليه فخرت زبيبة ببطء إلى الأرض وهي تصيح:

-         إنها خيانة بيوت الملك والملوك يا جلالة الملك  .
وفي الوقت الذي عاجل الملك من خانة بضربة أطاحت برأسه وجد إحدى نسائه واقفة في زاوية لتستقبل نبا قتله وتشارك في تدبير أمره...
عاد الملك إلى زبيبة واحتضنها وهو يقبلها ويقول:

    -     ألم اقل لك يا زبيبة انك لا تخونين وان شيطانك لا يقدر عليك ...

    -  لا لا أخون ولكن مخادع الملوك ومن يشاركونهم الملك وأمرائهم يا جلالة الملك وهم الذين يخونون..

    -    لقد تمكن منهم الشيطان فيما أخفق معي حتى الآن

    -      ولكن احذر يا جلالة الملك إذ قد يتمكن منك أمير أو صاحب سلطة عن طريق من يضعف لشيطانه من الشعب فينفذ بسكينة إليك... إن السلطة شيطان آخر يا جلالة الملك...
ومن يومها أقسم الملك على أن يعيش كليا للشعب ومن اجله وأن لا يثق بملك أو أمير أو حامل صولجان أو ختم سلطان وان يعيش خارج القصور وان لا يدخل كل بيت مهجور وان يوقد في المزارع ومقابر الشعب البخور...

 

 بعد أن تعرض الملك إلى المؤامرة. وخرج منها سالما . وأصيبت زبيبة بجرح بليغ بعد أن طعنت بصدرها . رقدت زبيبة في جناح خاص في قصر الملك وباشر الأطباء بمعالجتها وكان . الملك لا يفارقها طيلة مدة العلاج هذا.. يرقد إلى جانبها في غرفة مجاورة لتكون عينه عليها. ويراجعها من حين إلى آخر. ليطمئن على صحتها وحالها... وكل ما وجدت زبيبة نفسها في وضع يسمح لها بالكلام تحدثت مع الملك أو فتح هو الحديث معها.... وفي أحد الأيام دار حوار بين زبيبة والملك وهي راقدة في سريرها

 
          -
ما الذي تفكر في عمله يا جلالة الملك !؟


          - بشأن أي شيء يا زبيبة؟...


         - بشان المؤامرة التي استهدفتك واستهدفت ملكك...


         - نعم هذا صحيح... لم أقرر بعد ماذا أفعل..


         - إن الأعداء قرروا ماذا يستوجب عليهم عمله وقد بدءوا .. والواجب يقتضي أن تفكر كيف تواجههم. وإلا استمر باتجاه أهدافهم... وسبقوك بما يبتغون ليحولوا بينك وبين ما تبتغي.


         -
 ولكن من حاول علينا قد قتل يا زبيبة..


         -
إن من شكل المخلب الأمامي فحسب هو الذي قتل... يا جلالة الملك. ولكن لم يقتل كل من يرغب في قتلك للاستيلاء على ملكك أو ربما اشترك معهم أو دفعه إلى قتلك.. 


       -
نعم . هذا صحيح. ولكن ماذا علينا أن نفعل؟..


       -
 أن تكلف من يحقق . يا جلالة الملك ليسبر غور المؤامرة. ويتعرف على حدودها وعند ذلك فقط يمكنك القول أن صورة المؤامرة على الكيفية التي تصفها اتضحت أما الآن فما أدراك ربما كان مراسلك هذا أو ذلك الطبيب مع المتآمرين... وأشارت إلى كلِ منهما بسبابتها.. 


         -
وما هي مصلحة أولئك بالمؤامرة يا زبيبة!؟..


        -
إن من تخرب نفسه أقدر على وصف هدفه الوضيع بها وإقناعها به يا جلالة الملك.. وعند ذلك سيجد كل هدفه الذي يقتنع بأنه برر له الاشتراك في المؤامرة...


       - وحتى المراسل يا زبيبة؟.. ماذا يغري مراسل الملك لكي يكون مع المتآمرين يا زبيبة؟
       - أردت فقط أن الفت انتباهك بأمثلة. ولكني لا أريد بهذا أن أتهم وإنما أن أتصور . وليس ما هو أفضل من معرفة أن هذا أو تلك من الصور التي يتصور كائن من كان أنها ممكنة من أن نضعها في الواقع. ونبحث في إمكانية أن تكون أو لا تكون  وفي هذا السياق ، كان أمامي من بين الناس في هذه الغرف طبيب يعالجني. ومراسلك ليستجيب لطلباتي حسب أوامرك فذكرت عنوانيهما كمثل ... أما الاتهام فهو من مهمة المحققين والقضاة بعد أن تتوفر لديهم أدلة عن المعنيين... أما قولك ما الذي يغري مراسلا أن يتآمر ؟ فقد يكون البحث عن دور يا جلالة الملك ومن لا يستهويه الدور أو لا يجيده أو لا يقدر عليه صعودا قد ينحدر أو يتدحرج بأهداف مناقضة... 


        -
 وهل في ذهنك أن تتشكل لجنة أو لجان تحقيق أو محكمة يا زبيبة؟


       - نعم يا جلالة الملك... أليس هذا هو الأسلوب الصحيح لمعرفة حدود المؤامرة ومعاقبة المتآمرين؟..


       - ولكن هذا الأسلوب سينشر فضيحتنا خارج القصر يا زبيبة.. وقد يغري آخرين على التجاسر فيتآمرون بعد أن يعرفوا أن غيرهم قد تجاسر وتآمر فعلا..   إن معرفة الأمور بحجمها ولونها وأثرها كما هي أفضل من بقائها خارج النظر وإن وجود الحالة السيئة لا يلغيها مجرد عدم النظر إليها وإنما معالجتها... وإن معرفة الناس بأمر وفق الوصف الذي يقدمه صاحب الشأن في أحيان كثيرة وخاصة في ما يعني الحكم أفضل من إبقاء الناس أمام هامش كبير من المجهول بما يتيح لأصحاب الغرض أن يقولوا ما يريدونه لينفذ إلى مسامع الناس... ومن بعد ذلك إلى عقولهم..


       - ولكن أليس دفن الجيف أفضل من بقائها فوق الأرض يا زبيبة؟..


      - بلى يا جلالة الملك ولكن أحيانا تبقى جثة ***** فوق الأرض حتى يتبين الناس أنها جثة ***** ثم تدفن أفضل من أن تدفن فيدور لغط بأنها جثة إنسان قتل مظلوما... 


      - أليست الموازنة صعبة يا زبيبة؟ 


      - نعم يا جلالة الملك... وهذه مهمة قيادية عليك أن تنهض بها وان تعرف متى ؟ وكيف؟ وأين؟ ومن يتولى أي شأن من كل هذا؟


      -
نعم يا زبيبة... صحيح ولكن أمر صعب... وأحيانا شائك..


 قالت زبيبة:
      - هكذا هي مسؤولية المَلك والمُلك يا جلالة الملك... هي صعبة وشائكة!....
لأنها ليست وجها أو حالة ولونا واحدا وليس سياق ثابت وإنما ألوان وحالة متحركة في ضوء ألوان الحياة ودواعيها وحركتها... وتكون أصعب إذا لم يرد الملك لنفسه أن يكون محط لون بين الألوان . وينظم إيقاع حركتها وسرعتها مع حركة الحياة من حوله وسرعتها فحسب ، وإنما يركز بعد أن يختار لونا بعينه على أن يكون مميز فيه ويكون واحداً من العلامات الرئيسة في هويته ويختار لنفسه حركتها وسرعتها بما يناسب وصفه وقدرته ...


 عندها قال الملك :
       - نعم سأكلف من يحقق في الأمر ..


        - ولو سمحت يا جلالة الملك أرجوا أن تأمر بإلقاء القبض على كل من كان يعرف بالمؤامرة ولم يخبرك أو يعرف بها واشترك فيها...


        -
ولكن واحداً هو الذي هم بأن يطعنني وأصابك بعد أن فديتني بنفسك يا  زبيبتي الحبيبه....الأمينة....المخلصة ..


        -
كان الواحد رأس السهم السام يا جلالة الملك ولذلك علينا أن نفتش عن القوس والكنانة وبقية السهام التي لم تطلق لأنها لم تجد فرصتها أو أن طبيعة الهدف والطريقة لم تستوجب إطلاقها.. 


       -
ولكن القاتل استخدم السيف ولم يستخدم سهما يا زبيبة ...


       - إنني أشير إلى هذا من باب التشبيه فحسب يا جلالة الملك ولذلك بإمكانك أن تجعل إنسانا بدل كل مسمى من المسميات التي ذكرت فالسهم يرمز إلى شخص والأسهم إلى شخوص والكنانة ترمز إلى منظمي فعل السوء والإعداد له... والقوس يرمز إلى اختيار الخطة ووسائل تحقيق أهدافها.. 


        - ها... ها... فهمت يا زبيبة؟.. نعم سنعرف بعد أن نؤلف لجنة تحقيق
وبعد ذلك سيعتقل من يستحق الاعتقال ...
 انتهى كلام الملك.....


        - قالت زبيبة :
 
ولكن هناك حاجة لاعتقال بعض الناس تحوطاً إذ ليس من الصحيح أن نترك أمامهم فرصة اليأس ليهجموا علينا وبعضهم كان مع القاتل دون ريب في ذلك..
        - ولكن لم ألاحظ أن هناك إنسانا معه يا زبيبة ..


        - كانت زوجتك الملكة قريبة منه وفي مكان ليس قريبا من جناحها الخاص فقد جاءت إليه بصورة خاصة وربما كانت مكلفة بدور بعينه...


        - أيكون للمرأة واجب تقوم به بمؤامرة؟ 


        - نعم يا جلالة الملك: تصاغ أدوار التآمر على وصف أصحابها... وتصاغ واجبات المخلصين على قدرة أصحابها... ومثلما يكون للرجل دور أو واجب يكون للمرأة دور أو واجب .


 قال الملك:
       - نعم لاحظتها ومع أنني استغربت وجودها فلم أشك في أنها جاءت لتقوم بدور أو بالأحرى لم أسال نفسي لأي شيء جاءت في هذه اللحظة ...


 قالت زبيبة:
        - إن بعض الملوك يشكون في كل شيء ولذلك لا يبقى لهم يقين يستندون إليه كقاعدة في ضميرهم وفي تفكيرهم ودينهم شك لتتيقن كأن الحياة وطرقها تخلق أمامهم أول مرة وهذا لا نريده أو نتمناه لك.... وقسم قليل منهم لا يشك . لأنه لا يحاور نفسه ومحيطه وغير مهيأ ليكون له دور كبير وسط أشيائها


        -
وهل الأخير هذا ينطبق علي يا زبيبة؟

-         لا يا جلالة الملك معاذ الله أن أظن هذا فأظلم نفسي في حكم جزاف بعد أن أظلمك ... ولكن ما جعلك تغفل عن وصف موقف الملكة وفق نفس الوصف الذي وصفتها به منطلقة من الشك في موقفها .... هو انك تفترض بأي احتمال وبأي نسبة أنها يمكن أن تكون عدوا ... وهناك شيء آخر أيضاً هو إحساسك بالاقتدار والإحساس بالاقتدار من غير تحوط للآخرين يوقع صاحبه في الغفلة ثم الشرك من بعد ذلك أو الانطلاق من وصف ما تقبله وما ترفضه في علاقتك مع الناس فتضن أنهم سيكونون على هذه الكيفية أيضاً وهذا يقود إلى خطا التقدير بسبب قلة الخبرة إذ أن الناس ليس كلهم على شاكلة من يقودهم إنهم يكونون سيئين إن أساء وخيرين إذا استقام ولكن تأثيره إنما يكون في خواصها حسب قناعته بدوره فيهم
كما انك تجاهلتها كإنسان وانتقلت إلى غيرها من الزوجات أو المحظيات تحت عناوين وأوصاف أخرى واتساقاً مع هذا لم يلفت انتباهك وجودها ولم تشغل نفسك وتتساءل عن وجودها وتعامل معها نظرك وتعاملت نفسك وكأنها شيء أو في أحسن الأحوال تعاملت في نفسك ونظرك معها وكأنها في موقع أي ممن وقع نظرك عليهم مما يقتضي واجبه عادة أن يكون خلف ستار ليستجيب لطلباتك ويخدم ضيوفك فحسب أو يقوم بواجبات الحراسة وليس كملكة أو حتى واحدة من نسائك فحسب..

-          إذا ترين يا زبيبة أن تعتقل وتوضع في السجن ولكن أي سجن!؟

-         لا يا جلالة الملك اقترحت عليك لو أذنت لي بذلك أن .....

 يتبع الجزء الثالث ...

إلى صفحة مقالات وأراء

إلى الصفحة الرئيسية