09/05/2006

  

زبيبة والملك

رواية لكاتبها السيد الرئيس صدام حسين

الجزء الثالث
 

 

اتدور أحداث الرواية التي ترمز إلى العلاقة بين السلطة والشعب، في زمان ومكان غير محددين، حول ملك في العراق يعجب بفتاة اسمها زبيبة من عامة الشعب " تتمتع بجمال أخاذ وعقل راجح وشجاعة فائقة وقدرة على الجدال". جعلت الملك  يتردد لزيارتها ويستضيفها في القصر لديه . ..  ومما زاد تلك العلاقة متانة إنقاذ زبيبة الملك من عملية اغتيال دبرتها زوجته ، حيث تلقت الضربة بدلاً عنه مما جعل الملك يأمر ببقائها في القصر لاستكمال العلاج الذي يشرف عليه بنفسه ،وأصبح يأخذ برأيها في بعض الأمور الهامة كاقتراح العقوبة المناسبة للملكة على جريمتها ... كما سنرى :

 

-         لا يا جلالة الملك اقترحت عليك لو أذنت لي بذلك أن تتحفظ عليها في مكان وليس في سجن فقضيتها تنطبق عليها فكرة الجيفة التي يجب أن تدفن لذلك أرى أن تتحفظ عليها داخل القصر ولكن ليس في جناحها الخاص وأن تكلف أحدا يقوم بخدمتها غير من كان مكلفا بخدمتها بصفة ملكة .... وأن تكون أمام من يقوم بخدمتها وحراستها تعليمات محددة من سيدي الملك ، أهم شيء فيها أن تتضمن المسموح به فقط وغيره ممنوع.. وإذا اختلط على المسئول عن هذا أمر فيه . عليه أن يرجع إلى الملك...

-         ولماذا لا نقول الممنوع فقط؟

-         في هذا الحال فإن تحديد الممنوع سيطلق المسموح به ليكون في ميدان أوسع وسيتوسع فيه اجتهاد من يجتهد وفي الوقت نفسه فإن أي تحديد للممنوع الآن قد يجعل صاحب الشأن بحاجة ليضيف إليه ممنوعا إضافياً في أي وقت وفي أي شأن إن تحديد الممنوع يصلح لغير هذه القضية يا جلالة الملك إنه يصلح في القانون للشعب ليعطي الناس مساحة أوسع يتحركون عليها ويجتهدون بها ويجعلهم يعرفون الممنوع وربما يحفظونه فلا يقعون فيه وعندها لا يقتل القانون الحياة.

-          ولكن لماذا لا يقوم الذين كانوا يقومون بخدمتها بواجبهم معها بدل الإتيان  بآخرين؟

-         ذلك لأنها تحمل حتى الآن صفة ملكة قالت زبيبه وصفة الملكة هذه لها وقعها وتأثيرها بالناس وبخاصة أولئك الذين كانوا يقومون لها بخدمة من النمط الذي سيقدم لها وهي في المكان الجديد الذي تختاره لها لقد تعاونوا معها على أساس أنها ملكة وتشكل وضعهم النفسي في داخلهم على هذا الأساس لذلك فإنهم سيبقون يتصرفون معها ويلبون لها طلباتها بقناعة أو غير قناعة على أساس هذه الصفة بما في ذلك لو أمرتهم برغبتها في الخروج أو التجوال أو استدعاء من تستدعيه أو حتى تسقط أخبارك كما كانت تفعل أليس هذا ما تفعله الملكات مع الملوك!؟
ضحك الملك وابتسمت زبيبه .

-          انك داهية يا زبيبه؟
قالت زبيبه:

-          لقد علمتني إياها الحياة يا جلالة الملك.
قال الملك:

-          أنا أيضا وسط الحياة وأكبر منك سنا ولكنني لم أعرف أموراً تعرفينها مع انها معرفتها متاحة أمامي وعندما تقولينها أدرك أنها صحيحة .

-         أعذرني يا جلالة الملك من صراحتي معك وإذا وجدت أنني قد تجاوزت شأني فإنني التمس صفحك مستعينة عليك بدماثة خلقك وعظيم سجاياك
حدثت زبيبه نفسها ألا يحب الملوك أن يقدم إليهم التماس إذا ما قدم مشفوع بالتفخيم والتبجيل والخضوع بما يستحقون وبما لا يستحقون .

-          قولي يا زبيبه

-         كنت أعيش وسط الحياة بحلوها ومرها وعندما أختار ما أرى أنه حلو أو أرغب فيه لا أحققه دائما وإذا تحقق لي لا يتحقق منه إلا النزر اليسير ولقاء تضحية أقدمها تردفها معاناة المحاولة وانتظار أن يتحقق ، إنني أعيش وقد عشت وسط الهواء الطلق تلفحني شمس تموز وآب وزمهرير كانون... وكانون.... ويفرض علي في تعامل اليومي مع الحياة أناس لا اختار التعامل معهم وطرق لا تأخذ بنظر الاعتبار رغبتي فيها ولا أعطي حق اختيار بدائلها أما أنت فلخط حياتك ومعيشتك وصف آخر إذ تكاد ترى عينك النور ولا يصلك من الشمس سناها المباشر غالباً وإذا بردت يتهيأ حالا ما يدفئك من دثار أو جسد يلتصق بك أو شيء تشربه مما يدفئ الجسم ويطرب النفس.

-           ولكنني لم أدخل هذا القصر إلا منذ وقت قليل يا زبيبه فقد كنت خارجه

-          نعم يا جلالة الملك كنت خارج هذا القصر ولكن في قصر آخر والناس يتعاملون معك كأمير ويتعاملون معك الآن كملك ولكنك حرمت من شرف الإحساس بالمواطنة وسط الشعب وحرمت من أن تجرب علاقة مع أناس يقولون لك (لا) حيث استوجب الأمر بصدق ونية خالصة وخالية من الغرض إلى جانب (نعم) على ذات الأسس أليس الكثرة ممن يعيشون في قصوركم يتملقون الملك عندما يكون في حالة اقتدار ويطعنون عندما يضعف ؟؟؟؟؟؟؟؟؟

-         نعم هناك شيء من هذا أو بإمكاننا أن نقول أن هذا ممكن من خلال تجربة طردي وتتويجي ومن خلال المؤامرة التي استهدفتني ولكن هل صفة المواطنة امتياز؟؟ ثم أليس شرف الملك أفضل من شرف المواطنة يا زبيبه؟؟

-          إن الإحساس بالمواطنة ومسؤولية المواطن إزاءها اشرف بل هي الشرف بعينه يا جلالة الملك وليس حملها موروثة أو ممنوحة ، إنها الأساس لكل شرف آخر بل إن أي شرف لا يكسب معناه العميق دون أن يسبقه إحساس عميق بالمواطنة وبأنها الشرف الأساس على وصف حالها للبلد الذي تنتسب إليه وللأمة والشعب والتمسك بواجباتها وتطبيقها هو ما يبقى راية الشرف مرفوعة ووصفة لمن يحمله حق أما المُلك للمُلك فهو شرف له ولكن الشعب لا يعتبره شرفاً ما لم يستند إلى المفاهيم التي ذكرنا عن المواطنة وشرف حمل صفتها.
لقد عشت الحياة يا جلالة الملك ولكنك لم تصنعها إلى الآن ولم تجرب قيادتها قيادة غير مثقلة بذنوب وهموم القصور وعندما يكون لك دور في صنع أي شيء فيها فإنه حتى الآن مثل لاعب محترف يهيئ فرصة للاعب مبتدئ في ملعب ليسجل فيها فوزا على من يقابله في ساحة اللعب أو كطفل يدربه والدة على ذلك فإنه قد يشعر بمتعة في ما يقوم به وقد يحقق بحركته فوز على من يقابله ولكنة لا يحقق هذا بجدارة أو بقدرات ذاتية نمت وامتحنت وسط الإخفاق مع المحاولة أو النجاح الإصابة أو الخطأ.

-          وأي من هذه الأوصاف ينطبق علي يا زبيبه؟

-         بغض النظر عن الصفة التي تمثلها واقعياً فإن جوهرك قابل لتحويلك إلى اتجاه تكون فيه مقتدرا ومبنيا بناءً صحيحا إن تعاونت معي كعينة مخلصة لك من الشعب يا جلالة الملك.

-         ليكن هذا ولكنك تتحدثين عني وكأني معزول عن رعيتي ولا أراهم .

-          ليس الأهم أن تراهم يا جلالة الملك الأهم أن يعيشوا في ضميرك وأن تعرفهم وأن تعيش وسطهم لتعرف كيف ولماذا يقبلون ، وكيف ولماذا ومتى يرفضون؟ وأن تكتسب الخبرة كأنك واحد منهم في الوقت الذي تقودهم .

-          ولكنني كنت التقي بأناس بمكان إقامتي ذاك خارج هذا القصر عندما كنت هناك ،التقي الحرس وفلاحي الحدائق حتى الطباخين أحيانا.

-           نعم يا جلالة الملك قد تكون التقيتهم .

-         ولكنني التقيتهم!!!!

-          عفوك يا جلالة الملك لا أريد أن أكذبك أو أشكك في قولك مع أن أغلب الملوك كذابون ويستحقون أن يشكك في قولهم إلا أنت الآن.
ولكنني استخدمت كلمة(قد) هنا مع كلمة(تكون) وجملة ) قد تكون التقيتهم) توطئة لأقول أن هنالك فرقا بين مجرد أن يلتقي الأمير بمن يلتقي وأن يعيش كمواطن وسط الناس لقد التقيت الحرس ليئودوا لك التحية ويشعروك بأنك أمير والتقيت الفلاح ليشعرك بانحناءته وتسمره في مكانه عندما مررت به لتعرف انك أمير والتقيت الطباخ لتأمره بألوان من الطعام ولكن هل جربت أن صفعت أحداً بيدك وصفعك آخر في شجار متكافئ لتعرف كيف تقاتل كما يجب وعندما تقع على الأرض تنهض بنفسك لتعيد الكرة وتجعل خصمك مرمياً على الأرض بدلا منك بعد أن تصرعه؟
هل جربت أن تمشي حافي القدمين لتعرف شعور المعدمين؟ بل هل جربت أن اشتهيت أكلة معينة ووجدت مشقة في حيازتها أو لم تتمكن منها لتعرف إحساس الجياع هل استدنت من احد لتوفر لقمة عيش لأهلك ؟ أو تدفع إيجار دارك لتعرف إرهاصات المحتاجين؟ وهل جربت أن تحاول بقدراتك الذاتية وعلى أساس صفتك كمواطن فحسب أن تقنع من تقنع بأنك جدير بها في السرير لتحسن من بعد ذلك تعاملك معها ؟ وهل يحق لمن تقبل أن تنام معك أن تمتنع عن هذا في أي وقت ولأي سبب ؟

-           نعم في هذا الأخير لها أن تقبل أو ترفض.

-          ولمن ؟ هل متاح لكل النسوة في قصور الملوك ظرف متوازن تستطيع فيه امرأة أن ترفض من تعرضت عليها رغبة ملك؟ وماذا لو امتنعت بإرادتها من تكون لها فرصة أن تنام معه؟ أجابت زبيبه

قال الملك:

-         المهم إنها حرة في هذا....

-          لا...لا...لا..... يا جلالة الملك إنك تعرض نفسك وحدك على من تشاء أن تعرض نفسك عليها أو ترغب فيها لا أن يتنافس عليها آلاف الملوك مثلما يفعل نفس الرجال معنا عندما نكون وسط المجتمع وإنما ملك واحد ... وعندما تنعدم المنافسة بالاحتكار أو التفرد تضعف أو تنعدم الحرية في الاختيار وعندما تنعدم حرية الاختيار بانعدام البدائل لنفس الصفات تروج البضاعة الخائبة...

-         وهل أنا بضاعة خائبة يا زبيبه؟!!!

-          لا يا جلالة الملك وإنما أنت مشروع قابل لتكون حالة مفيدة للشعب وقد تكون قائدا مؤثرا ومقتدرا فيه وأنا أسعى لأكون مساعدتك الأمينة لتنهض بنفسك وتكون على هذا الوصف أو بالأحرى أعاونك لتكون على هذا الوصف .... أو نخفق معاً فأعود إلى طريقي وحالي وتلحق أنت بركب الملوك الذين هم على الوصف الخائب...

-         أتتركينني يا زبيبه!؟

-         لا يا جلالة الملك أنا لم أقرر أن أتركك وإنما قررت أن أعاونك منذ قبلت أن أكون معك وقد قدمت برهاني علي أنني مخلصة لك... ولكنني جزء من شعبي وأحمل ضميره في ضميري وموقفي فإن أخفقت معك فمعنى هذا أنك تركتني ويحصل هذا عندما تكون على طريق ويكون الشعب على طريق آخر... وعندها أيضا يلتحق كل بصنفه على أساس وصفه تلتحق بالملوك والتحق بالشعب ...

-          ولكن العامة ليسوا على موقف صحيح دائماً يا زبيبه .

-          والخاصة لا يكونون على موقف صحيح دائماً حتى وفق قياساتهم يا جلالة الملك إلا أن الخط العام كخلاصة نهائية لموقف الشعب صحيح دائما عند ما يتاح أمامه الظرف ليتصرف بحرية عندما يقوم السادة بمسؤوليتهم كما يجب يا جلالة الملك أما التفاصيل أو الاستثناء فلهما حكم آخر وفي هذا الموضوع يكون موقف الشعب من الملك الذي يتخلى عنه هو الموقف الصحيح .

-          وما هو ألأساس الذي يجعل الشعب يثق بالملك يا زبيبه؟

-         ألأساس في هذا يكمن في الصدق... أن يكون الملك صادقا مع نفسه ومع شعبه أمينا على مصالح شعبه ويتجنب هواه ويربط ضميره مع ضمير الشعب بحيث يسعد ويغتم معه وأن يجعل كل نفسه للشعب وأن يتجنب الطمع ويتعلم من الشعب ليكون كفئاً...

-          ولكن هذه صفات عديدة... وليس صفة واحدة ... قال الملك .

-          نعم يا جلالة الملك إنها صفات وليست صفة واحدة.... وأن يكون إيمانك هو عمقها الكبير ... هل تكفي الإنسان صفة واحدة بأن يكون ملكا!؟

-          أليس الملك رأس الهرم في النظام وأعلى قمة فيه ؟

-   وهل يحق للقمة أن يكون لها ثقل على الجبل من غير ميزة على سفوحه؟
إذا حاز الملك من يحوز بصفة واحدة فلماذا تطلب يا جلالة الملك أكثر من صفة إيجابية من المواطن ليتمتع بحق المواطنة!؟..

-          وما هي الصفات التي أطلبها من المواطن ليتمتع بصفته؟

-          تطلب منه أن يخلص لك ولا يخون... وأن يطيع أوامرك... وإذا دعي داعي القتال تطلب منه أن ينظم إلى جيشك وان يقاتل ولا ينزو وبذلك يحمل صفة الشجاعة بل وتطلب منه أن لا يحتج عندما تأخذ أرضة وتمنحها للأمراء أو توسع قاعدة ملكيته ... تطلب كل هذا يا جلالة الملك من المواطن ليحمل صفة المواطنة في مملكتك وتكتفي وأنت على رأس الملك بصفة واحدة تعتقد أنها كافيه كأساس لتكون أو يكون غيرك ملكا جيداً !!؟

-          إن لسانك سليط يا زبيبه .

-          أعرف هذا وأطلب عفوك يا جلالة الملك وأرجوا صفحك ليس خوفاً من سوطك وإنما رغبة في معاشرتك وقناعة مني بدور أؤديه بأمل أن تقتنع بما ينبغي لتكون على الوصف الذي اعتز به بانتمائي إليك ويعتز الشعب بأنك ملكة ... وألان قل لي يا جلالة الملك إذا سلمنا بظهور من يستحق لقب ملك أو أمير من أبناء الشعب في أي وقت من الأوقات ... ألا يعتبر مجرد أن ينجب الملك ولدا من صلبه أو أن يكون أخوه وريثاً للملك... مأساة بل وحالة مزرية ومضحكة أحيانا لماذا نفترض أن يتميز ابن الملك على الشعب؟ وان يكون له الحق في أن يحكم لمجرد أنه ابن ملك ؟ وأن يكون الحق له ولأعمامه وإخوته في الحكم على أساس هذه الصفة ابتداء وليس على أساس صفة التميز بجدارة و بمنافسة عادلة مع الآخرين لخدمة الشعب وصيانة الوطن باستحقاق على مستوى كل المتنافسين على هذا من الشعب كله ؟...

-          إن ابن الشعب لا يستطيع أن يحكم يا زبيبه!!!

-          وكيف يا جلالة الملك ؟>

-          كيف يدير النجار أو الحداد أو الفلاح أو حتى التاجر أو العسكري العادي شأن المملكة؟ .

-         يستطيعون هذا يا جلالة الملك بل قد يستطيعونه بصورة أفضل من بعض الملوك والأمراء وكل على أساس صفة مسؤوليته لو وضعوا بالتساوي أمام نفس الفرص التي يتدرب عليها أولياء العهد والأمراء... بل أجزم أنهم من وجهة نظري أفضل منهم ولكن إذا ما وضعوا وسط ظروف مختلفة وكان امتحان قدرتهم على أساس خط شروع واحد مع عدم مساواة في ما هم عليه من قوة أو قدرة عند خط البداية فإنه لأمر بديهي أن تكون النتائج وفق هوا صاحب الغرض وعند ذلك يظهر كأن ابن الشعب أخفق وأن الأمير أو ولي العهد امتاز عليه تماما مثلما لو أطلقنا المنافسة بين تجار ذوي قدرة مالية كبيرة وبعضهم الأخر ذو نفوذ وخبرة أقل ومنهم من هو مبتدئ فمن يسيطر على السوق ويحتكر البضاعة حتى في الحرب ؟ بل حتى لو أجرينا منافسة في ميدان التجارة نفسها على قدم المساواة في الفرصة العامة النظرية حسب وكان قسم منهم ممتلئا إلى الحد الذي بإمكانه بالاحتكار والمضاربة أن ينتزع من الآخرين فرصتهم العملية هذا إذا افترضنا أن بإمكانهم أن ينافسوه من الناحية العامة فهل ستكون أمامنا منافسة عادلة ؟ ولك أن تتصور النتائج يا جلالة الملك إذا ما استند بعض التجار في ظروف اعتيادية إلى نفوذ من يتحالف معهم في المصلحة من بين رجال السلطة! وليس للتجار الصغار من يتحالف معهم بنفس قوة التأثير والنفوذ...
أجاب الملك:

-         من الطبيعي أن نكون والحال على وصفه هذا أمام نتائج مختلفة ... إن ما تقولينه صحيح .

-    إذا لك أن تقيس الحالات الأخرى بهذا وان تقيس نتائج أي منافسة تجريها السلطة ويختلف فيها ميزان القوى عند خط البداية ... وعودة للإجابة عن سؤالك...

-         ولكن ماذا علينا أن نفعل ؟
قال الملك:

 أولا أن تعمل على أن تكون جزءً حياً من الشعب ضميراً وموقفا وعملا وأن تكتسب خبرة العمل والموقف  الصحيح بالحوار والاطلاع على معارفه ومفردات الحياة وحركتها في الميدان مثلما هي تماما وليس مثلما  يحاول أن يزينها لك الوسطاء بينك وبين الحياة من أصحاب العناوين الأخرى لمسؤولية الحكومة وأن تبتعد  عن تسمية ولي عهد لكي يسعى من يسعى لهذا المنصب بالإخلاص والكفاءة وأن تلغي صفة الأمراء على أساس الوراثة وأن تضع وعاء قانونيا لهذه الصفة بحيث يحوزها صاحبها بالتميز وليس بالولادة والوراثة كأن تجعل مثلا عدد من يحملون هذا اللقب وامتيازاته عشرين أو ثلاثين فقط وأن يشترك في المنافسة عليه وفق شروط الموضوعية الأمراء السابقون. وأصحاب الكفاءة. والموقف العالي من الشعب أيضا. وأن تحدد لهم رواتب شهرية لتبعدهم عن محاولة نهب الشعب أو تخلص الشعب منهم..


    -
 ولكن لماذا لا ندعهم يتاجرون ويقومون بما يقومون به من أعمال وسط الشعب ليعيشوا بدلا من أن نحدد لهم رواتب من الدولة؟


   -
إنهم ينهبون الشعب يا جلالة الملك. ولا يعلمون ويستخدمون الشعب ولا يرعوون ... ومن بإمكانه أن يقوم بعمل حر نزيه هو من يتساوى في شروط المنافسة مع الآخرين على قاعدة الفرصة لمن يحوز شروطها ولكن كيف يمكن لمواطن عادي من العامة مثلما تقول أن ينافس أمير؟ إنهما خطان متباينان للانطلاق يؤديان إلى نتائج متباينة ليس على أساس الاستحقاق والقياسات العادلة وإنما على أساس اعتبارات وقياسات غير عادلة!؟


   - هذا صحيح... قال الملك وأردف:
 
ولكن ماذا لو مات الملك ، أو قتل في حرب مثلا فمن يتولى شؤون المملكة؟


    - يمكن جمع الأمراء لاختيار من يصلح ملكا من بينهم بصورة حرة على وفق قواعد يجري وضعها لهذا الغرض ... وعندما يكون الكل أحراراً ومتساوين في السلطة فإنهم سيختارون الأفضل بينهم.


   - ولكن كيف يمكننا حل موضوع الخبرة المكتسبة؟... قال الملك..


   - ينبغي أن تعدهم إعداداً متساويا كأن تجعل منهم مجلس شورى تستشيره في شؤون حكمك ... وتشركهم في القرارات التي تتخذها....


    - هذا يعني أنك تغيرين أساس الحكم في المملكة... كيف يمكن لمن يحملون صفة أمراء حتى لو سلمنا باقتراحك أن يشاركوا الملك في القرار؟ إنهم ليسوا ملوك لكي يجلسوا مع الملك كشركاء على قدم المساواة ليتخذوا قرارات باسمهم .


    -
 أنا لا اقصد هدم المملكة من أساسها وإنما بناء أساس جديد ليرتقي البناء عليه... لأن ما يكون أساسه هشا لن يكون بناءه إلا هشا ولأننا نريد بناء رصينا ليحمي ويصلح درعا للصمود فإننا يجب أن نضبط أساسة وأنا لم اقل أن يتخذ مجلس الأمراء والأعيان قرارات بأسمائهم وإنما باسمك فحسب بل لا ضير حتى لو اتخذت قرارات باسم هذا التجمع وقرارات أخرى باسمك حصراً حتى لو أشركت من تشركه باختيارك في الاستشارة على أمر بعينه أو مناقشته لإغناء الحوار وزيادة عمق التبصر والتدبير ... ومع كل هذا اعرف واسمع عن أمراء وملوك يجلسون صوريا مع ملوك أجانب بما يوحى بأنهم على قدم المساواة معهم وغالبا ما تصدر قرارات بأسمائهم وكأنهم متساو الإرادة عند اتخاذها بينما واقع الحال غير ذلك ... إذا يمهر بعض الأمراء والملوك على قرارات هي بالأساس ضد مصالح شعوبهم وأمتهم وينطوي مهرهم على إهانة حتى لهم .. بالإضافة إلى إهانة شعوبهم بل وأحيانا يوقعون على استباحة بلدانهم من جيوش الأجنبي أو اقتطاع جزء من ممالكهم يفعلون هذا كله مع الأجنبي ويستكثرون على شعوبهم... أليس هذا في اتخاذ القرارات ومعالجة مصائر ممالكهم وشؤون شعوبهم ... أليس هذا امرأ غريبا يا جلالة الملك؟! وربي لو تصرف الملوك بجزء من هذه المرونة التي هي في جوهرها ليست غير استخذاذ للأجنبي ولو تصرفوا بجزء مما تسمونه مرونة في عرف الملوك مع شعبهم لصار تاج ممالكهم على رأس كل واحد منهم ولحملهم شعبهم على رأسه وهم أحياء ولحمل نعوشهم على كتفه عندما يموتون

 
      - وهل يحملني شعبي على رأسه لو فعلت ذلك ؟ وهل يفعل الشيء نفسه عندما أموت!؟


     -
 بعد عمر طويل يا جلالة الملك نعم سيحملونك على رؤوسهم ويضعونك في قلوبهم ويحرصون عليك وعلى أمنك بضمائرهم...
قالت زبيبه ذلك ثم أردفت مع نفسها :


    -
 إن الملوك حريصون على أن يرتبوا شأن موتهم وهم أحياء بدلا من أن يفعلوا الخير ليحوزوا المكانة اللائقة حيث رحاب ربنا ، يسعون لحيازة ما يعتقدون ويريدونه وهم أحياء على الأرض ... إنهم دنيويون في الحياة والممات على حد سواء... فمن أين تأتيهم رحمة ربنا الرحيم ؟...
قالت الجملة الأخيرة بصوت سمعه الملك  :


    - أتؤمنين برب غير أربابنا يا زبيبه؟


   -
نعم يا جلالة الملك أؤمن برب واحد أؤمن بخالقك وليس بمن تخلقه أنت أو أخلقة أنا..أو يخلقه النجار ... والنحاس مثلما هي نماذج أربابكم..


    -
وما هو شكل الرب الذي تؤمنين به يا زبيبه أهو أكبر من أربابنا الذين ننحتهم من حجر ، أو عقيق ،أو ذهب ، أو فضة ، أو رخام وكل على أساس إمكاناته؟


    - لا يا جلالة الملك إنه ليس مادة...


    -
 إذا أهو أبيض مثل بعض الملوك الذين يأتون إلينا أحيانا من البلاد القصية؟ أو أسود كعبيدنا ؟ أم أسمر مثل غالبية شعبنا؟ أو كيف...؟


    - إنه الله يا جلالة الملك وهو سبحانه نور يغشي السماوات والاراضين ومنه وبإرادته المحيطة بكل شيء خلق كل شيء.


   - أهو حداد؟ أم نجار؟ أم...؟ كيف يخلق كل شيء ؟ ما هي مهنته؟..


   - إن مهنته هي إرادته وقدرته اللتان وسعتا كل شيء يا جلالة الملك.


    - وكيف يتسنى لواحد وحده أن يخلق كل شيء يا زبيبه؟

طرق النادل الباب مستأذنا بالدخول وجاء يحمل إليهم (زهورات) مغلية في إبريق ومعها ما يحلى به المنقوع أو المغلي بعد أن يضعه في قدح وبقي هو ومن يرافقه واقفين من غير أن ينصرفا مع أن العادة الدارجة تقضي بأن يتركا المكان بعد أن يؤديا واجبهما...
التفتت زبيبه إلى الملك وقالت له:


    - النادلان لم ينصرفا يا جلالة الملك ربما يستأذنانك في أن ينصرفا ... بعد أن غمزت له بطرف عينها...
ومع أنه ارتبك أمام غمزة عين زبيبه ذلك لأنة لم يتعامل مع حالة كهذه من قبل لأنها عادة شعبية تستخدم كإشارات غزل في محيط يحضره من لا يراد له أن يعرف وتستخدم أحيانا لتنبيه من يغفل وهي عادة لا يستخدمها الملوك لأنهم لا يحتاجون إليها في الغزل ولا للتنبيه إذ أن لكل وسائلة المتصلة بظرفه وقدرته ... ولان مكان الملوك يتسع لقول ما يقولونه وجاهة وليس إشارة وليس على ألسنتهم حراسة تمنعهم أو تقلص فرصهم تعبيرا عن رغبتهم حتى عندما يبدون إعجابهم بمن هو من محيطهم فإنهم لا يحتاجون إلى الغمز بالعين مثلما فعلت زبيبه.
أذن الملك للنادلين بالانصراف ...
وعندما قال مرافق النادل أنهما هنا ليكونا في خدمة الملك وليعرفا ما إذا كان المنقوع بحاجة إلى ما يحليه إضافيا ...أو إنه يروق لجلالة الملك بعد أن يتذوقه..
مرة أخرى غمزت زبيبه للملك بطرف عينها وقالت:


    - لو يأذن جلالة الملك اتركا المنقوع على هذه الطاولة وإذا احتاج الملك إلى المزيد سأتولى هذا عنكما ... فقد تماثلت للشفاء وبإمكاني أن أكون في خدمة جلالة الملك.
التفت الملك إليهما وأمرهما بأن ينصرفا...
عندما انصرفا وربما كان احدهما لا يزال في مدخل الباب ، هم الملك بأن يرتشف شيئا من القدح ولكن زبيبه كانت أسرع من حركة يده إليه وهمست في أذنه:


    - لا يا جلالة الملك ...أرجوك لا تشرب منه .
تساءل الملك وهو مبهوت من حركة زبيبه !


   - ولكن لماذا لا أشرب منه !؟


   - سأوضح لك.
عندما ابتعد وقع أقدام النادلين همست في أذنه :


   - أخشى أن يكون فيه تدبير سوء يا جلالة الملك .


    - كيف؟ولماذا؟


   -
 قد يكون سهما ساما جديدا يريدون إطلاقه عليك وعلي هذه المرة .


   - ولكنه منقوع(البابونج) وليس سهما!


   - أقصد من تشبيهي هذا بالسهم أنه وسيلة جديدة أرادوا أن يسموك ويسموني معك لكي يقطعوا أثرك وأثر من قد يكون شاهداً يكشفهم أمام الشعب ومن يعنيه أمر حياتك كموقف منه.... ولكي نقطع الشك باليقين ابعثه إلى من تخصه بثقتك من أصحاب الشأن ليقولوا هل لك في المنقوع شيء ضار أم أنه سليم !؟
قال الملك:


   - نعم هذا صحيح لنفعل ذلك ...


    - عادت نتيجة الفحص بعد حين بما يشير أن المنقوع مسموم فعلا..
التفت الملك بعد أن أحاطه الخبير الذي طلب مقابلته ليبث له ذلك صوب زبيبه ليقول لها:

 
    - لولا زبيبه لهلك الملك ...لولاك يا حبيبة لهلكت...والله...


    - أرجوك قل لولا الله ولطفه بأن جعلنا نحب بعضنا لهلكنا كلانا .... أليس الشعب درع الملك وسيفه؟... والملك رمز عنفوانه وحكمته وضميره وعنوانه بين الأمم وساعده الذي يحمل رايته ونخوته في كل حين ؟... ألم أقل لك يا جلالة الملك أن الله يحمي عبادة الصالحين وأن الشعب عمق بيت الملك وحجته وفعله الطاهر الأمين وقدرته الخلاقة!؟


     - بلى والله ، لولا الله والشعب لهلكنا ....قال الملك...
لاحظت زبيبه بنشوة أن الملك يقسم بالله لأول مرة ... إذ لم يسبق له بأن فعلها من قبل....


***********

 

امتلكت زبيبه صحتها تماما ...وصارت تتنقل بين القصر وبيتها على ظهر جواد أبيض وترتدي ملابس جيدة من التي يأمر بها الملك أو تشتريها من الأسواق وكانت كلما خرجت من أبواب القصر تحيي رجال حرسه ولا تكتفي بانحناء من رأسها أو بتحيات بيديها مثلما يفعل الأمراء والأعيان والمقربون وانما تسلم أو ترد السلام قولا وتتوقف عند البوابات لتسال عن حال هذا أو ذاك من الجند عندما لا تراه في واجبه وعندما يقولون لها انه مريض تعوده في بيته أو تبعث إلية بحزمة من الورد تقطفها بيدها من حدائق القصر ثم صارت من بعد تأمر بمن تأمر بذلك وعندما تخرج من القصر يرافقها من يحمل من مائدة الملك بعد أن ينصرف الملك عنها شيئا من الطعام والحلوى وعندما تعود إلى القصر بعد أن تخرج منه تحمل إليهم ما تشتريه لهم ... وتسأل فلاحي حدائق القصر عن أحوالهم وإذا وجدت كبير سن بينهم هده طول العمر أو هم الفقر تأمر بأن يرتاح يومه أو بعض يوم وأن لا يعمل وهكذا الحال مع الخدم أيضا حتى أصبح الكثرة الكاثرة داخل القصر عدا الأمراء والأميرات والأعيان والمقربين السابقين يرتاحون من تصرف زبيبه ويتناقلون أخبارها بمحبة وصار لها وقعها خارج القصر ... وسط الشعب
كانت زبيبه عندما تتردد على بيتها يستقبلها زوجها بترحاب أعلى من السابق ويبدي رغبته فيها أكثر من السابق ولكنها وجدت نفسها تنشطر يوما بعد يوم وبخاصة عندما تكون مع زوجها في السرير ... تجد أن روحها صارت هناك قرب أو في قصر الملك وتجد أن جسدها هنا على سرير زوجها .... فتخاطب نفسها:


    - أليست الروح غير الجسد ؟ وتجيب: 


- ولكن أفضل صورة الإنسان هي وحدة الروح مع الجسد!؟ أليس الإنسان بعد الولادة وفي كل خطى حياته روحاً في جسد!؟ ألا يحصل الانفصال بينهما فقط عندما يموت الإنسان !؟ وهل منظر الإنسان وهو ميت أفضل أم وهو حي؟... إذن أنا الآن ميتة في بيتي وقد تظهر النتانة في جسدي مع زوجي وأنا معه في السرير بعد أن تفارقني روحي... وهناك عند الملك تكون روحي بلا جسد فيكون مداها غير مكتمل ومع أنها تزهر بدورها ليصحوا الملك على نفسه ويمتلك زمانه ولكن يبدو أنها لقياساتها الإنسانية الخاصة بها ينقصها ما تتمنى إكماله ... وما دمت أحس بهذا الانشطار فلا بد من حل حاسم يجعل الروح في الجسد ليكون على أفضل ما يكون عليه الإنسان أليس الناس في الجنة أرواح في الصور التي يريدها الله سبحانه وفق إرادته وهم على أفضل حال من كل حال!؟
وعندما عادت زبيبه إلى القصر وجلست مع الملك قال الملك:

لقد قطع النادل ومن كان يرافقه من موظفي القصر علينا حديثنا عندما قدم لنا منقوع(البابونج(....


     -
أي جانب تقصد من حديثنا يا جلالة الملك؟ 


     -
اقصد حديثك عن ربك يا زبيبه...ها...ها...   


    - نعم هذا صحيح يا جلالة الملك ... أترى يا جلالة الملك كيف تشغل الحياة الناس حتى عن ربها؟...


قال الملك:
    - نعم حتى أنني لم أرَ ربي منذ أسبوع ذلك لأنه موضوع في باحة ضاع مفتاحها داخل القصر أو أن المكلف بفتح الباب معتقل مع المعتقلين ...لا أدري!!


    - أما أنا ففي كل لحظة أرى ربي وليس في كل يوم وساعة... يا جلالة الملك.


   - كيف ترينه يا زبيبه وأنت في هذا القصر بين هذه الجدران السميكة ؟


     -
 أراه في نفسي يا جلالة الملك ... ألم أقل لك أن قبس كل نور منه سبحانه وأنه محيط يا جلالة الملك وموجود فينا ومن حولنا ... وهو خالقنا وربنا ...


    - ولكن هل يراك ربك يا زبيبه؟ وهل يرى أولئك الذين يؤمنون به..

 
    - نعم يا جلالة الملك إنه يراني ويرى كل المؤمنين به مثلي يرانا في كل ظرف وحال عندما نعبده ونُخْلص في عبادتنا له وعندما ندعوه تشفعاً وخشية يرانا ويسمعنا.. وعندما يعصي أمره من يعصيه يراه ويسمعه كلا وفق شاكلته إن عقاب فعقاب والثواب لمن يستحقه كعاقبة للمتقين ..


    -
 هل يسمعكم ربكم أيضا؟


    - نعم. ويسمعنا ربنا عندما نناجيه مخلصين
     - ولكن أربابنا لا يسمعوننا إلا عندما نقترب مكانه منهم بل حتى انهم لا يسمعون ولا يروننا إلا عندما نكون في مدى النظر معهم ولا يمنع نظرهم عنا حاجز ... ولذلك فهم لا يروننا عندما نخرج من بيوت العبادة مع العطايا والنذور التي نقدمها لهم أو هكذا يقول المستفيدون المكلفون بخدمتهم... وبواسطتهم نسمع أن نذورنا وعطايانا قد قبلت وأن الرضا عنا قد تحقق فنتصور أننا صرنا مرئيين ومسموعين منهم.


    -
 أليس أربابكم مرئيين؟


    - نعم يا زبيبه انهم مرئيون...


    - ويمكن الإحساس بهم باللمس؟...


   - نعم ويمكن الإحساس بهم باللمس؟...


   - ويستجيبون لكم؟...


    - نعم. ويستجيبون لنا وفق ما ذكرت  


    - وكيف يستجيبون لكم يا جلالة الملك؟


     -
 يستجيبون لنا عندما يرضون عن أعمالنا ومنها ما نقدمه من قرابين لهم... فكلما كثرت القرابين التي يقدمها أي واحد منا كان رضاء الإله أكبر...


    - ألا يفترض أن يكون إلهكم لكل الناس الذين يؤمنون به يا جلالة الملك ؟


    -
 نعم .


     - ولكن للملك إلهه الخاص... وقد يشرك به الخاص والأمراء والكبار التجار والمضاربين والأعيان وحسب... إذن .. إلهكم ليس لكل الناس يا جلالة الملك.


    - بإمكان من يريد ويقدر أن يجعل له إلها يناسب إمكاناته.


   - أي إمكانات تقصد ؟


    - إمكاناته المادية طبعا.... ولذلك يختلف حجم كل اله ونوع المادة التي يصنع منها والمكان الذي يوضع فيه ومستوى بنائه بين إله وإله...


   -
 إن ألهتكم مادية يا جلالة الملك أليس كذلك؟


     - وماذا تقصدين بهذا يا زبيبه؟


     - اقصد انهم مرئيون وملموسون..


     - إذن هم من مادة


      - نعم هم كذلك .


      - فلماذا لا تكون عطاياهم مادية وملموسة بما يكافئ نذوركم وقرابينكم وفورية يا جلالة الملك؟


      - ماذا تقصدين بهذا يا زبيبه؟


      - أقصد أن يعطوكم واحد بواحدة... ادفع تقبض.


     - ولكن هذا مبدأ التجارة وليس الآلهة فقد ندفع من غير أن نقبض شيئا وقد... وسكت الملك ..
كان من الواضح أن الملك أراد أن يقول : وقد لا ندفع شيئا وتعطينا .. ولأن هذا غير صحيح سكت ...
عندها ابتسمت زبيبه وقالت في نفسها:


       - بل تدفعون ولا تعطيكم شيئا في حقيقة الأمر .. تأخذ منكم ... ولا تعطيكم..


       - إذن لا تعطيكم آلهتكم شيئا إلا عندما تهدونها أشياء وتعطيكم بدرجات على أساس قدر كل واحد منكم وفق ما يقدر الآلهة سواء وفاء لنذر أو ما يقدم من قربان!؟ وإن القيمة المادية لآلهتكم مراتب وطبقات على وفق ما تملكون وعلى أساس هذا.. أي على أساس التوفير الذي يتميز به صاحب الملكية الأكبر وفق ما تتصورون وتؤمنون وعلى أساس مستوى النذور والقرابين ولأنها غير متساوية وفق ناموس موحد فإنها تأتي متفاوتة على أساس ما يملك وليس على أساس نسبة مما يملك فإنكم حتى وأنتم تقدمون القرابين والنذور لآلهتكم غير متساوين أمامهم وهم غير متساوين مع بعضهم ومع انهم كلهم يشتركون بصفة الإلوهية .


     - نعم هو كذلك .


  قالت زبيبه:
     - إذن عطائكم المادي مؤكد ولكن وفائهم لكم غير مؤكد .


 عندها قال الملك:
     - أعيدي الجملة الأخيرة .


    - أقول... إن عطائكم المادي(لهم) مؤكد ووفائهم لكم غير مؤكد يا جلالة الملك...

 

-         نعم هذا هو شأن آلهتنا ..

-          أتعطيني الأمان يا جلالة الملك؟

-          أنت حبيبتي ورفيف قلبي ولذلك أتعامل معك بالطريقة التي تعرفين وعليك كل الأمان يا زبيبه؟

-          أريد أن أقول يا جلالة الملك ولا اقصد أن أجرحك وانما احتراما لك ولقدرات عقلية فيك أرى لو أن فيها لو انطلقت من عقالها والثقل الذي تنوء تحته في موضوع الآلهة وطبيعة الحكم ومؤامراته ما يخدم شعبنا خدمة كبيرة وأنا أقوم بهذا خدمة لك يا جلالة الملك ... وبالتالي خدمة لشعبي...
قطع الملك على زبيبه كلامها قائلا:

-          لا تقولي أن في قدراتي ما يخدم الشعب وانما قولي إن فيها ما يسدي جميلا إلى الرعية لأنني سيد الشعب لا خادمه.

-          عفوك يا جلالة الملك نعم أنت سيده وخادمة أيضا_ لا لست خادمة يا زبيبه.

-          صبرك علي .. وارجوا عفوك يا جلالة الملك...لا اقصد أن من يخدم الشعب يعني أن يقدم خدمة لكل واحد من الشعب بنفس الطريقة التي يخدم بها الخدم المستأجرون الناس باجر وانما اقصد انك عندما تكون سيد الشعب على أساس مبادئ ثابتة ترعى بها مصالح الشعب وتحمي سياج بلدنا وتنمي بها ثروة الأمة وتحافظ على معانيها وثوابتها العالية وتأتي بكل ما هو كبير ومفيد للشعب والمعاني التي يلتئم عليها كسدة ولحمة وكأناس سلموك زمام أمرهم فإنما تخدم مبادئهم وهذا هو الوصف الصحيح لمعنى خدمة الشعب .

قال الملك
:

-         ولكن هل يتعارض وجود الأجنبي على ارض بلاد الغير عنوة مع المعاني العالية؟ آلا ترين كيف أن الملوك والممالك من حولنا قد استقدموا الأجانب من هناك... من بعيد ولا يزالون على أرضهم هناك ؟... هل ترين أن في ذلك ما يعيبهم ملوكهم !؟

-          نعم يا جلالة الملك إن وجود الأجنبي فعليا على أرض الغير عنوة أو استضعافا لهم ووجود نفوذ له على حساب ابن البلد وتقاليده أو القرارات الحرة لملكة أو حاكمة نقيض لمعنى أن يكون البلد حرا وأبناء البلد أحرارا في بلدهم..

-          يقول الملوك من حولنا إن هذا أفضل ..

-          وما هو الأفضل يا جلالة الملك!؟

-          يقولون الأفضل هو أن يبقى الأجنبي على أرض الغير وأن يحجم عليهم قدراتهم لكي لا تكون حرة بما يتعارض مع رغبات الأجنبي وخططه ..!!

-          لماذا هذا أفضل يا جلالة الملك!؟

-          لكي لا يكونوا خدما للشعب عندما يكون بلدهم معافى خاليا من أجنبي

-          ولكنهم بهذا يصبحون خدما للأجنبي يا جلالة الملك .

-          قد يكون ذلك ولكن الأجنبي سيسحب جيوشه يوما ما مثلما يقولون ويغادر إلى حيث أتى ... سيسحبها وعند ذلك سيغدون أحرارا من غير ثقل الشعب وقيوده وبذلك تصبح أيديهم طليقة بدلا من أن يكونوا خدما للشعب والأوطان وبعد ذلك أيضا لا يكونوا حتى خدما للأجنبي مثلما يتصورون لأنة سيكون بعيدا عنهم ...!! أليس هذا معقولا يا زبيبه!؟

-          لا يا جلالة الملك الأمر ليس بالبساطة التي تقول حتى لو سلمنا بجانب من مفاهيمك لأغراض الحوار فحسب.

-          كيف ذلك يا زبيبه؟

-         عندما سيكون من يفكر بأمانيه تتحقق ببساطة على وفق ما يتصور من حال خادما فعليا للأجنبي بل أسيرة أيضا أسيرا ذليلا سلم نفسه لعدوا أمته دون أن يقاتل كما يجب ودون أن ينفذ عتاده أو ينكسر رمحه أو سيفه أو قوسه ... خادما بلا أجر مثل الذي يعرض نفسه للخدمة في بيت أو متجر أو ما شابه ذلك وإنما بعمل لا ينطوي على الحد الأدنى للمهنة المشروعة وهناك فارق جوهري آخر هو أن الأجير بعقد على الكيفية التي ذكرناها مع المواطن الاعتيادي تتيح أمام المواطن الاعتيادي أن يفسخ العقد أو يعدل بعضة بإرادة حرة نوعا ما إذا ما توفرت أمامه فرصة عمل منافسة بينما لا يستطيع الملوك ذلك عندما يكونون خدما للأجنبي .... وهنا سيكون شعبهم ضدهم بعد أن يفقد الثقة كليا بملوكهم وعندما يكونون على هذا الوصف في عملهم وموقفهم لن يلتئم شعبهم عليهم من بعد أبدا وقد لا يغفر لهم أيضا إن الشعب يعطي الحاكم المبتدئ ومن يرتكب خطا في مسيرة تنطوي على ما يعز الشعب ويصون استقلاله ويحرص على مصالحه فرصة وفرصا ليعمل من جديد ويصحح ولكنه أي الشعب لن يغفر لمن يخون ... ومن يقبل بإرادته دون أن يرفض ويقاوم مع الاستعداد والتصرف على أساس التضحية العظيمة حتى لو اقتضى الأمر التضحية بكل شيء وبالتاج أيضا .... ومن يقبل بدور الأجنبي بما يلغي كرامة شعبه والمعاني الكبيرة لسياج العز لوطنه لن يسامحه الشعب أبدا وسيستمر يتربص به الدوائر وعند ذلك سيشعر الملك أو الحاكم المعنى بالعزلة ومن يشعر بالعزلة يشعر بالوحشة بل قد يرتجف من خيال.... وحالك يا جلالة الملك لن يكون خارج هذا الوصف لو أصبحت مثل الملوك الذين من حولنا وعند ذلك ستبقى ضمن قبضة الأجنبي وطوع بنانه وستبقى خادما له في كل شيء يطلبه سواء راق لك ذلك أم لم يرق وعندها ستفقد لذة الشعور العظيم بأنك خادم الشعب وسيده أو قل سيده وخادمه ولن تكون سيدا أبدا في ظل نفوذ الأجنبي وسطوته بل خادما وخادما ذليلا وليس خادم مهنة ضمن ما هو مشروع فهل الأفضل أن تكون خادما للشعب وسيده أيضا وفق هذا الوصف .... أم خادما وذليلا للأجنبي !؟

-          بل سيد الشعب وخادمه يا زبيبه.

-         قامت زبيبه وطوقت الملك بذراعيها وقبلته على جبينه من غير أن تستأذنه ..... أليس من عادة الملوك أن يستأذنهم ابن الشعب قبل أن يهم بتقبيلهم أو يرفضوا ذلك ... أما إذا أرادوا أن يقبلوا أي امرأة من الشعب ممن يعتقدون أن جلالة الملك لا يجعلها ترفض طلبهم فليسوا بحاجة إلى أن يستأذنوا أحدا!!

قال الملك:

-          مرة أخرى أعود لأقول انك تكلمت معي عندما كنت أزوركم في بيتكم الريفي الملاصق تقريبا لدار ذلك الملعون حسقيل... وتكلمت معي عند زيارتك لي في قصري بخبرة ابن الشعب وبمعرفة المطلع على شؤون الحكم فكيف وفي أي ظرف تسنى لك ذلك على وجه التحديد !؟

-          هل الإجابة مهمة لديك يا جلالة الملك إلى حد الذي ليس أمامي إلا أن أجيب عنها ؟
استغرب الملك من تردد زبيبه في الإجابة واستهواه أن يتعرف على الغامض الذي وجدت في إيضاحه ترددا فقال:

-         أليس الوضوح والتكافؤ أهم ما ينبغي أن تستند إليه أي عشرة!؟

أجابت زبيبه:

-          بلى يا جلالة الملك..

-          أليس التكافؤ ضروريا بين المحبين يا زبيبه؟
قال الملك هذا مستعيرا جانبا من كلام زبيبه معه وكأنة أراد أن يذكرها بمفاهيمها ليسهل عليها أمر الإجابة...

قالت
زبيبه:

 

-         نعم يا جلالة الملك وقد قلتها لك من قبل...

 

-          إإذن هل تحبين لنفسك ما لا تحبينه لغيرك يا زبيبه؟

 

-          معاذ الله أن افعل ذلك فأكون صاحبة أثرة وعندها لن أصلح لأكون موضع ثقة جلالة الملك.

 

-          إذن أجيبي عن سؤالي؟

 

-         أمرك يا جلالة الملك
كان واضحا أنها كانت تفضل عدم الإجابة عن هذا السؤال أو عن جزء منه على الأقل لولا انه لم يعفها عن ذلك .

 

-           لقد قلت وتحدثت إليك بما يتصل بالشعب إرهاصات ومشاعر وطريقة تفكير وقبول ما يمكن أن يقبله ورفض ما يرفضه..
وعندما قالت (ورفض ما يرفضه) استدركت لتقول:

 

-          مع أنني لم أعبر أمامك عن كامل موقف الشعب في هذا... وانما عن الأساس فيه....

 

-         ولكن لماذا لم تعبري عن كامل موقف الشعب في هذا ؟ الم أمنحك حق التكافؤ في الحوار يا زبيبه؟

 

-         بلى يا جلالة الملك ولكن لم أرد أن أثقل عليك قبل أن تتهيأ لتتحمل ثقلا أو التزاما .... أن تتحمل رفض الشعب لما يرفضه .

 

-          إذن تصرفت وفق اجتهادك وليس لأنني رفضت ذلك؟

-         نعم يا جلالة الملك وفق اجتهادي.. لأنني أحس بك.

-         كيف يا زبيبه؟

-         لقد عودتني الحياة وعودت غيري من الشعب على قبول ما لا يتمناه إذا كان ذلك حقا لغيره عليه ولقد نشأت ونشأ كل واحد من الناس مع هذا منذ بداية حياته ... ولكنك لم تعتد على هذا إذ أن الأساس الدارج في حياتك أن تقرر وينفذ الآخرون وليس أن تقرر ما تقدر أن الشعب أو المحيط الذي حولك لا يرفضه وان تتراجع عن قرار لا يحظى بتأييد الشعب أو في الأقل عدم رفضه إذا ما أتيحت أمامه فرصة الرفض.... لذلك فانك بحاجة إلى أن تعتاد على المستوى الجديد من العلاقة ووصف المسؤولية وممارستها على أساس هذا اجتهدت أن لا أقول لك دائما وأنا بموافقتك يا جلالة الملك جعلت ممثلا لضمير الشعب ... كل ما لا يقبله أو يرفضه الشعب ولكنني وعلى أساس خطتي سأقول لك.

-           ولكن ألا يتعين أن اعرف كل شيء يا زبيبه لاتخذ قراري النهائي على هدى ووضوح كافيين في كل شيء أو أي شيء أساس لأكون على بينة مثلما يكون الشعب على بينة مني لأقبل أن انتمي إلية مثلما هو ويقبل أن تنتمي إليه مثلما أنا!؟

-          نعم يا جلالة الملك ولكن التدرج ضروري ومع أن الأعماق تبدأ من الشاطئ فإن الناس غير مهيئين وقادرين كلهم على أن يسبحوا في الأعماق ويستقبلوا زخم أمواجها مثلما لو سبحوا في منطقة قريبة من الشاطئ .... ولكن ليس بإمكان احد أن يصل سباحة إلى أعمق نقطة في نهر أو بحر من غير أن يذهب إليها بعد أن يتهيأ لذلك نفسيا وعمليا.

-          هذا صحيح يا زبيبه ... إذن ستقولين كل شيء فيما بعد وستطلعينني على أي شيء مما يتصل بالشعب؟؟؟.

-          نعم يا جلالة الملك حلوة ومرة.

-          وهل في الشعب ما هو مر يا زبيبه مثلما هو في دهاليز الملك وقصور الملوك؟.

-          نعم يا جلالة الملك ولا .

-          وكيف يا زبيبه؟

-          نعم فيه ما هو مر ... ولكن مرة ليس على الوصف نفسه فيما لو جاء المر من دهاليز قصور الملوك ... فيه الرغبات غير المشروعة والتصرف الذي لا ينطوي دائما على شيء من التهذيب وفيه الطمع

-          أيطمع الشعب مثل الملوك؟

-         الشعب لا يطمع يا جلالة الملك وإنما أناس فيه ... ولكن طمع كل منهم على قدر وصفه وحاله.

-         وماذا بعد!؟

-         فيه من يختلط عليه الحق بالباطل ولا يتبينهما إذا كانت رغبته معاكسة.

-          على وصفك هذا يا زبيبه معنى ذلك أن حالي أو لأقل حالنا مثل من يحتمي من الرمضاء بالنار.

-          ليس هكذا يا جلالة الملك ... إن المؤامرات والمواقف المرفوضة والدسائس وغير ذلك مما يحصل في قصور الملوك أو في مواقفهم إزاء الشعب وقضاياه ليس سببها عدم الوضوح أو ضعف الوعي والثقافة والإعداد على ما ينبغي وإنما أشياء أخرى تكونت داخل النفوس حتى صار مرضها مستفحلا... أما من يمكن أن يوصف من الشعب بأي وصف غير حسن مما ذكرناه فيمكن إصلاحه , أو علاجه بالوعي والوضوح والإعداد وعمق الإيمان وتطبيق القوانين العادلة تطبيقا حازما.

-          أيحتاج الشعب إلى الحزم أيضا يا زبيبه؟

-         نعم يا جلالة الملك... يحتاج الشعب هنا إلى الحزم لكي يحتمي الخيرون بالحزم ويخشاه ضعفاء النفس والموقف.

-         ولكن أليس الحزم وسيلة إليها من هم ضمن العناوين الكبير وفي قصور الملوك فحسب!؟

-         نعم يا جلالة الملك ولكن نستعين بالأغلبية على الأقلية وسط الشعب بينما داخل قصور الملوك لا توجد أغلبية تنطبق عليهم الأغلبية الخيرة والصحية وسط الشعب .

قال الملك
:

-         نعم لقد فهمت ... لنعد إلى موضوع سؤالي ..كيف تعلمت شؤون الحكم والملك وأنت على ما أنت عليه عندما عرفتك أول مرة وحتى الآن!؟

-          لا يا جلالة الملك انك لم تعرفني كما يجب!؟

-          وكيف يا زبيبه؟

-          أيمكن لرجل مثلك أن يعرف كل شيء عن امرأة مثلي!؟

-          ماذا تقصدين يا زبيبه!؟

-          من عادة النسوة أن لا يظهرن على السطح بكل ما هن عليه لطباع فيهن اعتدن عليهن ولحاجتهن إلى ذلك في الحياة وأمام الرجل ... ومع ذلك لم تسألني السؤال نفسه من قبل.. لم أشأ أن أطلعك على ما انوي اطلاعك عليه الآن..بعد أن سألت ولكن لقاء شيء...

-          قولي يا زبيبه!!

 - أن نأخذ استراحة لأشمك وأقبلك  ...
قال الملك بعد أن ابتسم:

-         والله لقد هممت أن اطلبها منك يا زبيبه الحبيبة... ولكن الشعب يسبق الملوك في مبادراته لأنه أقرب إلى الحياة ... أليس هذا ما تودين أن تقوليه يا زبيبه؟

-          لو لم تقله لقلته أنا يا جلالة الملك؟

-          بعد أن تمتعا مدة من الزمن في استراحتهما عاودا الحوار
قال الملك:

-         أنا في أتم الاستعداد والتهيؤ النفسي لأن أكون في خدمة ملكي ..
قال الملك:

-         ها أنا استمع البك يا زبيبه
عاودت زبيبه الكلام وكأنها تصحو من نوم أو حلم :

-         نعم صحيح أنا جاهزة يا جلالة الملك

-         قالتها بشي من الارتباك والجزئي

-          كان بيتنا كما تعرف قريبا ويكاد يكون لصيقا بقصر حسقيل وكان في بادئ الأمر ينوي أن يهدمه لأن منظره لم يكن متجانسا مع البناء الباذخ الذي كان عليه القصر ... بيت مبني من الطين ومغطى بالخشب وحصران القصب وفوق ذلك كان الطين أيضا ومع أن كل مادة البناء كانت بخسة الثمن وان البناء شيد وفق تصور بسيط هيئة والدي فقط حاول والدي أن يجعله مريح من الداخل حيث أفاد من أي (جص) فائض على حاجة القصر ليجعل جدرانه من الداخل مطلية به ويفيد من بعض الشبابيك القديمة التي تركها في مقبرة الأنقاض عمال حسقيل حين هدموا بيتا قديماً كان مبني في مكان قديم ليجعل البيت من الداخل مضاء بنور فضاء الكون المحيط عشنا في هذا البيت أنا وأبي حتى اقترنت بزوجي وبقينا مع والدي أيضا.
هنا توقفت زبيبه لتحاكي نفسها

 هل أقول للملك كل شيء .. وأي شيء.. عن علاقتي بزوجي ؟ وعن أحاسيسي ومشاعري تجاهه هذه العلاقة؟
 ثم تقول لنفسها بنفسها:


     - إن الحكمة التي تقول إن المرأة التي تشكو علاقتها مع زوجها لغريب إنما تستدعيه إلى نفسها أو تعطيه إشارة على هذا صحيحة... لا لن أقول له كل شيء ..أو أي شيء..
ومرة أخرى تعود إلى نفسها لتسألها:


    -
 أليس الملك ولي أمرنا وبإمكاننا أن نقول له كل شيء عندما نشكو همومنا إلية؟ ... ثم كيف له أن يساعدني إذا لم يقتنع بموقفي !؟ وكيف له أن يقتنع بموقفي من غير أن تكون أمامه الحقائق كما هي!؟
واصلت كلامها بصوت مسموع:


    -
كان زوجي يتصرف معي كأنه استأجرني لأغراضه الجنسية .. وكان يتصرف معي كأنه كبش في قطيع من النعاج أنا واحدة منهن يدفعني دفعا إلى الفراش لهذا الغرض من غير أن يبذل مجهود ليهيئني .... ويتصرف من غير أن يسألني وغالبا ما كان يحرج والدي حتى أن والدي غالبا ما كان ينام خارج البيت ليتجنب الحرج ولا يدخل البيت إلا مضطر أو كلما وجد أو قدر أن زوجي قد لا يكون داخل البيت وأنا معه تصور يا جلالة الملك لمجرد أن يسجل لنفسه انتصارات يسألني: كم مرة عملناها اليوم يا زبيبه!!؟ وماذا بقي لنحوز على الرقم المعتاد؟هكذا كان يسألني ويتصرف من غير أن يقيم وزنا لمعرفة ما إذا كان هذا موافقا لرغبتي آم لا!! ومن غير أن يجعل من ذلك تعبيرا عن جانب من مشاعره الإنسانية إزاء من يحب .... بل ينظر إلى عملة هذا كأنه كل ما لدية في العلاقة بينة وبيني ..بل ويظهر أحيانا عندما أناقشه كأنه في هذا يريد أن يقول انه يحبني بقدر المرات التي يحصيها في علاقتنا بالسرير أو أن هذا هو وحدة الذي في قدرته وحوزته تعبيرا عن صلته بي... وربما خطر في باله أن يقول إن هذا هو ما يعبر عن وفائي لدينه الذي سجله في رقبة أبي كمهر لقاء قبولي به زوجا.

 

-         لا....
ابتسم الملك... وبدا أنها عرفت أنه أراد أن يقول: كيف ولماذا لم تنجبا مع أنكما شابان وتعملان كل هذا الذي قلته!؟
قالت زبيبه:

-          في بداية زواجنا حسب حملت بأنثى أجهضها بعد أن رفسني على بطني حين طلبني إلى السرير وترددت في القبول وكان غالبا ما يضربني ضربا مبرحا ... ولم نرزق بعد ذلك بطفل...
واحمد الله على أن ذلك لم يحصل.

-          كيف تقولين هذا يا زبيبه !؟ أليس الإنجاب واحد من عناوين رسالة الأحياء في الحياة؟

-         نعم يا جلالة الملك ولكن ليس كل رسالتهم..

-          نعم ليس كل رسالتهم عندما لا يقدرون وهي جزء من رسالتهم عندما يقدرون

-          نعم صحيح يا جلالة الملك ولكن من القدرة الرغبة

-          نعم يا زبيبه ليس بالإمكان تصور القدرة في هذا من غير رغبة

-          على أية حال قالت زبيبه إن زوجي قادر على أن يحصي المرات التي يقوم بها بعمله في السرير وما يتصل به ولكنه لم يستطيع استنفار الرحم وروحي ليتهيأ كل شيء للإنجاب ... كان يقوم بعمل تلقائي محض كالذي يقوم به الرجل في السرير من غير رغبة المرأة...
ورغبة المرأة يجب أن تراعي في السرير وتكون ضرورية أحيانا لكي يحصل الإنجاب يا جلالة الملك ومن غيرها قد لا يكون هناك إنجاب .
قال الملك وهو يبتسم :

-         إن رغبة المرأة يجب أن تراعى إذ من غيرها ليس هناك ما يتصور أنه ممكن ... أليست هي نصف المجتمع!؟ وإذا كانت سلبية إزاء نصفها تعطل حركة دفة مركب الحياة فكيف إذا حاولت على النصف الثاني وهي صاحبة التأثير الكبير فيه!؟

-          نعم هكذا وصلنا إلى فهم مشترك ... أليس ذلك لأننا قادران على التفاهم

-         نعم يا زبيبه هكذا هو الحال الآن رغبة وقدرة مشتركة وتكافؤ يحس به طرفاه سواء تحت عنوان الشعب من ناحيتي ومن ناحيتك وكلنا باتجاه ما نقتنع به وليس لأحد منا أن يفرض على الآخر ما لا يقتنع به...
وأردف الملك مبتسما:

   - إلا استثناء وتحت ظروف بعينها ولحالات على وجه التحديد .


   - نعم يا جلالة الملك ..هذا صحيح .. يا من روح زبيبه فداك..
  لقد صرت تتحدث تقريبا بذات الروحية التي تتحدث بها


      - مع كل هذا تقولين تقريبا!!

-     نعم يا جلالة الملك ألا يقتضي أن تحسب بقايا التأثير في حالك منقولا من الصورة السابقة لما كان عليه الملك قبل التحول الكبير؟ أليس عنوان الملك غير عنوان الشعب؟ ولذلك لا بد من القول( تقريبا) وليس (كليا) لكي لا ينسى الملك عنوانه في أمور محددة ويتحمل ثقل قيود العنوان عليه وأن لا ينسى الشعب ذلك لكي لا ينسى واجباته إزاء الحكم والسلطة فيتحمل وزره من العلاقة من غير أن يتململ منه ...
كان حسقيل يدعو إلى حفلة يقيمها في قصره يوميا بعد مغيب الشمس يحضر إليها أمراء ووزراء وأعيان وتجار كبار وسماسرة كبار.. نساء ورجالا .

  
    -
 وهل للمسامير عناوين لها تدرجها كما في الحكومات وعوائل الملوك !؟


    -
 نعم يا جلالة الملك لكل عنوانه حسب تأثيره ضمن الوسط الذي يختص فيه ففيهم الكبار... والصغار.... والوسط... وكل من هذه العناوين يعمل وسط مسميات مقابلة لها وسط الدولة والشعب وأحيانا على الأوصاف والمستويات الاجتماعية لمن يسمسرون عليهن....

 

     - وكانوا يحضرون على قدم المساواة في التعامل مع كبار العناوين التي ذكرت يا زبيبه!؟

     - نعم يا جلالة الملك على قدم المساواة في التعامل تقريبا


     - لقد قلت أيضا تقريباً


     -
 نعم يا جلالة الملك لأن من يقبل العلاقة مع إنسان ليس عن طريق قناعة وانما عن طريق سمسار هو كالسمسار تماما بذات المنزلة والقيمة وآمر طبيعي أن يتعامل معه بنوع من التكافؤ لان السمسار إذا رفض لن يحضر (الشيء) إلى الطالبة وإذا رفض الطالب لن يحصل السمسار على مبتغاه..
      - لقد جعلت الإنسان في منزلة الشيء يا زبيبه!


     - نعم يا جلالة الملك ذلك لان من يعرض نفسه وجهوده بهذه الطريقة يكون قد تنازل عن إنسانيته لذلك فهو شيء وليس إنسانا.
وأردفت قائلة:


      -
 كانوا يرقصون فيها ويشربون الخمر حتى الثمالة.. ويفعل كل منهم ما يوافق هواه من غير أن يسأل إلا إذا كان التصرف يقتضي طرف أخر في العلاقة وعن ذلك لابد أن يرغب فيها أو لا يظهرها في الأقل .... تصور يا جلالة الملك كانوا أحيانا يلعبون لعبة الافتراس في الغابة في بعض الليالي المقمرة وخلاصتها أن يخرجوا خارج القصر إلى البساتين المحيطة به وإلى فنائه جال ونساء ثم يحاول كل رجل على امرأة لا على التعيين كل امرأة أمام كل رجل معرضة لان يفترسها رجل يوحون بان ذلك كان يحصل من غير اتفاق مسبق بين أي رجل وآي امرأة وعلى المرأة أن تقاوم الرجل بيد عزلاء وحسب وعلى الرجل أن يحاول عليها حتى يواقعها عنوة أو هكذا يتظاهر المفترس والمفترسة ثم يعودون بعد ذلك ليروي كل منهم ما هو طريف في لعبة الافتراس هذه,,, وكان حسقيل الملعون هو مصمم ومهيأ كل هذه البدع..


   - وماذا عنك يا زبيبه؟سأل الملك..


    - وماذا تظن في يا جلالة الملك؟ قالت زبيبه..


    -
أظن كل خير فيك وكل موقف ذي شمم ورفعة يا زبيبه ولكنك كنت وسط حال هذا وصفه..


   - نعم يا جلالة الملك ... أن الوسط يمكن أن يجر إليه من يضعف أمام صفاته الضعيفة ولكنه لا يقدر على جر الأقوياء أصحاب القدرة التي تنبع من داخلهم ... لقد كنت وفق ما تظنه وتأمله في يا زبيبه بنت الشعب وضميره لقد كنت أتغيب عن ميدانهم قبل أن يبدؤوا ممارسة لعبتهم الشنيعة ولكنني كنت ارصدهم عن كثب وكان بعض النسوة يرفضن ولكن سرعان ما يطلقهن أزواجهن خوفا من أن يلحقهم عار حسقيل وأعوانه وشلته المقيتة ... وإذا رفضوا تطليقهم يحاربهم حسقيل وشلته حتى يطيعوا ... إلا واحد من بينهم هو زوجي ... ولا أعرف لماذا وكيف؟ سمحوا له بأن يشاركهم لعبتهم مع انه لا يصطحبني معه ولا يجرؤ ليطلب ذلك!؟
كانت لي صديقة من النادلات وكانت لي رغبة شديدة لكي أرى حياة أولئك لأتعرف على طريقة تفكيرهم وإرهاصاتهم ... لقد تعلمت من حياتي وبقى أن اعرف حياة الآخرين لأعرف ما يخصهم ...اتفقت مع صديقتي على أن البس مثلها ملابس الخدمة التي تؤديها عادة لضيوف حسقيل وهي ملابس مميزة لنادلة في القصر ... وأقوم بما تقوم به من تقديم أباريق الخمر والأقداح وأحيانا اسكب الخمر في الأقداح لكل حسب طلبه .. وأقدمها إليهم وغالبا ما يلاطفونني أثناء ذلك ..وفي بعض الأحيان ادعى لأكون معهم في لعب القمار
وعندما شعرت أن الملك استغرب أن تجالسهم في القمار وفي ظنه أنها قد (مارست) لعبه .. قالت زبيبه:


       - لا يا جلالة الملك مبادئي لا تقبل الازدواجية ... كنت أجالسهم ولكن مبادئي لن تمس .. لم أمارس لعب القمار أو اسمح لأحدهم ممن تدور في رأسه الخمر أن يسقيني خمرا إذ كنت اعتذر منه بلطف...
قال الملك:


   - أيجلسونك معهم يا زبيبه؟


    -
 نعم يا جلالة الملك يجلسونني معهم وأحيانا يحاولون علي متوسلين ولكن من غير جدوى...
قالت ذلك كأنها أرادت أن تتباهى بهذا أمام الملك...... واستطاب لها ذلك وأردفت قولها ذلك بالقول:


    - ليتك شاهدت منظرهم أمراء كبار وزراء وتجار ينحدرون أحيانا ليقبلوا قدمي.. قدمي أنا زبيبه بنت الشعب بأمل أن ألبي رغباتهم ولكنني كنت ارفض بشمم....
قالت زبيبه ذلك ونسيت أن من تتحدث إلية هو ملك...


     - ولكن ألم تكن دعوتك إلى مجالستهم ومحاولة خطب ودك لاستمالتك إليهم ميزة لأولئك باعتبارهم نسوا طبقتهم في علاقتهم معك!؟


    - لا يا جلالة الملك أرادوا أن يمتلكوا الشعب في بعد أن عجزوا عن امتلاكه وفق ما أرادوا من قبل...


    - وكيف يمكنك أن تخمني أن الأمر كان معك على هذا الوصف؟


    - هناك فرق يا جلالة الملك بين من يلغي الفوارق والمراتب الاجتماعية داخل نفسه وعقلة ابتداء وفق تعامله طول الخط تعبيرا عن موقف مبدئي لضميره وعقله وبين من يتصرف على موضوعات انتقائية استجابة لأهواء الناس ولفترة زمنية بعينها ... لذلك بإمكانك أن تعرف مثل الشعب يا جلالة الملك الفرق بين الحالين من خلال التعامل ذلك لأن التعامل الذي يعبر عن الموقف الأصيل تجاه الشعب لا تغيره الظروف والأحداث والهوى ... أما التعامل غير الأصيل فان التمثيل فيه يكشف بسهولة... إن الصلة الصميمة بالشعب يعبر عنها الاقتدار والإيمان المبدئيان ... أما الصلة التي يحاول أصحابها بالتمثيل أن يعرضوها كأنها حالة أصلية فإنها تنكشف بسرعة لأن الأولى تستمر والثانية تكون لمناسبات بعينها وهي محض إمكانات فنية وليس اقتدار ورغبة إنسانية ..لذلك فان التودد معي من جانبهم ليس إلغاء لفكرهم وموقفهم الدوني إلي وإنما تعبيرا فنيا عن رغبتهم في الحصول علي.


    - وماذا كنت تفعلين يا زبيبة؟


     - كنت مثل مثل من يمشي في حقول من الحفر بليلة بلا قمر إلا ما تضيئه نفسه.


     - أحسنت يا زبيبة.. إن الضوء داخل النفس هو الضوء الحقيقي الذي لا يدع العين تخطيء ولا القلب ولا العقل...


    - نعم هكذا يا من فدتك روحي .. هكذا تكلم ليسمعك الناس في الكون كله...تكلم مثلنا أو كن قريبا منا حتى لا يكاد يفرقك عنا غير مستلزمات عنوانك من أجلنا  .


    - أحسنت يا زبيبة أو لم تضيفي عبارة منك هذه المرة.


    - وهل بإمكاني أن أتحمل غضب حبيبي وملكي؟


  ضحك الاثنان

 

  جاءهم كبير موظفي القصر لينبه الملك إلى أن عددا من الأمراء يريدون رؤيته
 قال الملك:


     - من هم؟
  بدء كبير الموظفين يتلو أسمائهم..
 سمع الملك القائمة كلها .. وأمره بأن ينصرف إلى أن يستدعيه ليبلغه بالموعد المناسب .
 انصرف كبير موظفي القصر .. وحسنا فعل الملك .
 ومع أنه فعل ذلك من غير معلومات مسبقة تجعله يشك في ما هم عازمون عليه عرف الملك فيما بعد أن  تجمعهم ليقابلوا الملك كان جزءا من خطة المؤامرة التي أعدوها ضد الملك وزبيبة والتي من بين فقراتها أن يطلبوا أن لا يدع زبيبة تدخل القصر بعد أن أصبحت زيارتها إليه شبه يومية وصارت كأنها مستشارة دائمة للملك وبخاصة في شؤون الشعب وقضاياه...
واصلت زبيبة كلامها:


    - لقد رأيت كيف يتآمر التجار الكبار على الصغار ومتوسط القدرة وكيف تتآمر كل كتلة من كبارهم على الكتلة المنافسة وبعد ذلك كيف يتنافس كل تاجر على تاجر آخر ينافسه وبنفس طريقة التجار وخسة ال**** منهم ..بل وبنفس طريقة الصراع بين السماسرة يتآمر الأمراء على الملك ..عليك يا جلالة الملك .. وعندما يناقشون من سيخالفك أو يكون ولي عهد للملك يختلفون في ما بينهم ويتآمرون كتلا ثم فرادى على بعضهم لقد رأيت وهذا ما المني كثيرا كيف أن اثنين من الأمراء خسرا في القمار وكيف أن احدهم باع سيفه وآخر باع درع التاجر جاء من بلاد عيلام بنصيحة من حسقيل ليواصلوا لعب القمار ولا ينتظرون إلى اليوم التالي ليواصلوا ما عجزوا في يومهم أن يفعلوه ... ومثلما كثر يفعلون بل وفعلوا هذا بعدة حربهم وجيادهم إما إلى تجار من بلاد عيلام أو إلى حسقيل أو لمن يأتي من هناك.. من بعيد.. فعلوا كل هذا ومع ذلك أكاد أقول في نفسي: من أين لهم الأسلحة إذا أرادوا أن يهاجموك؟ ولكن نفسي تعيد إلى الجواب: إن القادر على شراء أسلحتهم وعدة حربهم لقاء لعبة قمار قادر على أن يشتريهم لقاء مساعدته لهم في إنفاذ مؤامرته المشتركة معهم وعند ذلك بإمكانه أن يعيرهم عدة حرب فقط ليقاتلوك ومن ثم يعيدونها إلى أماكنها بعد ذلك حيث تخزن ولا تستعمل.


     -
 أيفعل هكذا لعاب القمار!؟


    - نعم يا جلالة الملك وقد يبيع زوجته أليس قبول وجود الزوجات بين الرجال في مكان يلعب القمار ويشرب الخمر فيه قبولا ضمنيا بشيء من هذا؟


    - وكيف يا زبيبه؟


    - إن قبول الزوج بوجود زوجته بمكان لعب القمار وتشرب الخمر فيه يعني قبول ضمنا بأن لا يغار على زوجته من عيون الرجال بل أحيانا ربما حتى همساتهم وابتساماتهم المصوبة ..أليس من واجب الرجل أن يحمي زوجته من اعتداء الآخرين عليها ومن نفسها أيضا!؟ فهل وضع الزوجة أمام ما قد يغريها تصرف مسئول في حدة الأدنى؟... لقد فعلها الأمراء والتجار والأعيان المعنيون وكل من كان يحضر تلك الدعوات بل كان حسقيل يشعر من يتردد إزاء ذلك بأن لا مكان له بينهم إن لم يفعلها بعد أن يكون قد مارس عليه شتى أنواع الضغط التي من بينها إشعاره بأنه متخلف وقاصر من أن يرتقى إلى مستواهم إذا لم يفعل ذلك... بل هناك ما هو سيء كهذا أو أسوء منه إذا جاز لنا أن نعطي درجات متباينة لمثل هكذا سوء... أتعلم يا جلالة الملك انهم يدخلون أصحاب العيون الزرق القادمين من بعيد إلى معابدهم فيما يحرمونها على من له حق أسبق من حقهم فيه!؟ هل بقي بعد كل هذا ما هو مقدس لديهم فعلا؟ بل هل بقيت لديهم سمات لأي معنى كبير بعد الذي فعلوه!؟ وهل بقيت لديهم أخلاق ينتمون بها إلى أي شيء مشترك مما يربط شعبهم بشعبنا وأبناء البلدان الأخرى من حولنا؟ ... وهل بقيت فيهم أو هل هي بالأساس فيهم كمعان الإنسان يمكن من الحد الأدنى من الصفات الايجابية فيه إقامة جسر يحصل عليه التلاقي للعمل على أهداف بعينها بصورة مشتركة وهل يمكن هذا بعد كل ما حصل يا جلالة الملك!؟ هل يمكن هذا!!؟
وأجهشت زبيبة بالبكاء على الحال المزري لأولئك ... ثم عاودت الكلام بعد أن مسحت دموعها يعاونها الملك في إعادة التوازن إلى نفسها :


    - من هذا الوسط... ومن نشأتي تعلمت ما ينبغي يا جلالة الملك تعلمت ما هو معاكس لخلقهم وسلوكهم وتفكيرهم لمجرد أني رفضت سلوكهم وتفكيرهم رفض واع مبصر بعد أن اشمأزت نفسي مما رأيت وتعلمت ما يجب أن نبني عليه ونبني بعد أن اهتديت إلى مصالح شعبي وتطلعاته من خلال ضميري الحي المتصل بإيماني العميق بدورة ورسالته المجيدة

 
    - أحسنت يا زبيبه قال الملك.. وقبل أن يشعرها بان جاء التوقيت المناسب ليفترقا وفق سياق كل يوم ...
قالت زبيبه:

 

-         والآن بعد أن عرفت كل شيء هل يضايق مليكي إذا التمست شيء منه ؟

-          بل انك تأمرين يا زبيبه

-          عفوك يا جلالة الملك واشكر لك عطفك وحنانك

-          بدأت تتكلمين كأنك تقابلينني لأول مرة!!

-          لا يا جلالة الملك ولكنه التماس مواطن من ملك ... واللياقة والأدب يقتضيان ذلك... أليس من بين عناصر القدرة المؤثرة في الإنسان التزامه باللياقة وتذكرة وعدم نسيانه دواعي الأدب والجم؟

-          نعم هذا صحيح يا زبيبه بل إن المقابل يكون أكثر استعدادا للإصغاء والتفاعل مع من يحترم سياقات اللياقة لمناسبتها ويحافظ على سلوك مؤدب وهو يجالس ويخالط ويخاطب الناس ويتعامل معهم ..
تفضلي وقولي يا زبيبه !

-          بعد أن سمعت قصتي كلها بما في ذلك قصتي مع زوجي ألا يحق لي أن اطلب التفريق من زوجي!؟

-          وما الذي يمنعك إذا كنت مقتنعة بهذا يا زبيبه؟

-          أليس هناك ما يمنعني غير ضعفي ..

-          وهل أنت ضعيفة يا زبيبه؟

-          نعم يا جلالة الملك أمام الحق كل باطل ضعيف

-          وما هو الحق؟ وأين نقيضه في هذا؟

 

-         لقد دفع زوجي مهرا لوالدي وكان والدي محتاجا لهذا المهر بعد أن رفض إقراض والدي مبلغا من المال ريثما يتجاوز ظرفه آنذاك ومع أن زوجي هو ابن عمي فإنه لم يكن يعتد بصلة القربى والدم المشترك وأراد أن يتزوجني مستغلا حاجة والدي لذلك المبلغ من المال الذي كان ابن عمي يملك الشيء الكثير منه بعد أن خالط شلة حسقيل ولا اعرف متى وكيف خالطهم... ومع أن والدي عرض علي فكرة الزواج منه وخيرني فيه لأنني كنت سابقا أرفض ابن عمي كلما تقدم للزواج مني ومع أنني قلت له سابقا أنني قد أوافق على طلبه إذا ترك شلة حسقيل وعاداتهم وهواياتهم ومع أن والدي عرض علي فكرة الزواج في المرة الأخيرة وترك لي حرية أن أوافق أو أرفض فقد وافقت شرط أن أبقى في بيتنا الذي زرتنا فيه وله أن يوجد على طول الخط معنا أو أن يزورنا من حين لآخر لأنه استرق عادات أسيادة أو خلطاءه في القمار في قصر حسقيل وتزوج كثيرات وصار له جواري مثلهم ... ومع إنني قبلت الزواج منه وفق الشرط الذي قبله هو الآخر فإنني لا اعتبر الذي حصل زواجا وانما محض بيع وشراء .... والأدهى من ذلك ان زوجي يتصرف معي كأنه أراد بشرائه لي أن يدوس على كرامتي أراد أن يسحقني بنعله ولكنني قاومت وقاومت.... إذ أن المبادئ العظيمة عندما تستقر داخل النفس تعطي الإنسان قدرة صمود ومطاولة ومقاومة ... قاومت حتى تعرفت على مليكي
ومع أن مناكدات زوجي وتطاوله علي بالضرب و الإهانة خفت بعد زيارتك لنا في البيت وترددك علينا لأسباب تستطيع أن تعرفها فقد بقيت مبيعة له ولن تفك رقبتي منه حتى أتحرر من المبلغ الذي دفعه لي.

-          أهذا هو كل ما يمكن أن يساعد في تحريرك يا زبيبة بعد أن تتخذي قرارك النهائي بشأنه

-          نعم يا جلالة الملك هذا هو كل شيء ... وأهم شيء... لقد قبلت الزواج وسط الظروف التي بينتها لك لكي لا أبقى عالة على والدي الذي صار مع الزمن في وضع لا يستطيع أن يؤمن الحياة لي وله.. إضافة إلى أنني لم أكن ولا لحظة واحدة اشعر بالسعادة منه لذلك فإن الافتراق ينبغي أن يكون بأسلوب لا يعبر عن رغبتي الآن حسب وإنما أن يؤدي الحق لأصحاب الحق أيضا
قال الملك وهو مبتسم:

-         لك كل هذا عند ذلك اندفعت زبيبه وطوقت رقبته وقبلت رأسه وجبيبنه... وقبلت يديه وعندما همت أن تقبل قدميه منعها من ذلك ورفعها بيديه حتى وقفا وجسديهما يكادان يلتصقان وقبلها بين عينيها............
بكت زبيبه حتى سالت دموعها على خدي الملك وقميصه...... ثم مسحت دموعها وهي تقول:
_ (
الله يخليك) لي ولشعبك ... إنك بحق ملك بلادنا العظيمة........




*********

 

 في التوقيت التقريبي لمغادرتها همت زبيبه بأن تستأذن الملك لكي تنصرف إلى بيتها إلا أن الملك لم يأذن لها بالانصراف ..... وفتحت موضوعات أخرى للحديث غير التي كانا يتحدثان عنها ......


  
سأل الملك زبيبه:


   -
كيف يمكنكِ أن تصفي حبك لي الآن يا ***بتي؟


   - مع أني أقول كلمة (أحبك) يا جلالة الملك فإنني أقولها بعد أن تتخلل كل كياني لينطق بها لساني لذلك فإنني أقولها كالآخرين ولكن ولادة كل حرف منها ومنبعه يختلفان وربما يختلف حتى مسار حروفها حتى تتكون وتشكل كلمة احبك وإذا أردت المزيد يا جلالة الملك أقول إن الإنسان عندما يشعر وهو ضمن وسطه الاجتماعي الذي يعيش فيه بأن الأشياء من حوله تضاء هي وكل ما يرى بما في ذلك عناصر الطبيعة بل ولا تكتسي بالضوء إلا من شعاع حبه الذي دونه تكون بلا نور فإنه عند ذلك يكون أحب حبا خاصا فعلا ..... ولذلك إنني كنت أحس وأؤمن بأنني لست على خطأ عندما أحببتك يا جلالة الملك رغم أنني لا اعبد إلهكم القديم... لقد أحببتك في روحي يا جلالة الملك بعد أن أصبحت العلاقة بيننا تضيء الحياة من حولنا وبعد ذلك أليس من حق الروح أن تسرح إلى ميدانها ؟ وان ترتقي إلى حيث ترتفع لان الروح حالة ارتقاء؟... أليس الإنسان من غير روح شيئا من عظام وماء فحسب ؟ وهل ثمة من هو قادر على أن يحبس الروح أو يحدد حركتها في حيز وفي معنى واحد؟... أليس الله فقط هو القادر على أن يحدد إلى أين ينبغي أن يكون مستقر الروح ومآلها؟...


   -
 بلى يا زبيبه هذا صحيح...... ذلك أن الحب يتأثر بالأشياء إذا ما بقى ميدانه القلب فحسب وليس الروح أيضا ومن يتأثر بالأشياء فحسب يتشكل على أساسها ويأخذ لونها ويتأثر بقيمتها حسب درجة تأثره بها قوة أو ضعفا ومن ذلك قد ترى المحب يجزي حبيبته وفق هذا فهو يفصل العيون عن الأسنان والأنف والصدر والفم ..و..و.. وربما يفصل كل الجسد عن الإنسان فيحب الجسد فيما لو نظر إلى ميدان الحب الإنساني كله روحا وجسدا عشرة ومعنى طباعا وحركة لان الحب يكون قد وجد ميدانه وأخذ شكله ولونه ومعناه وحركته من هذا الوصف وتأثر به وليس مجرد صلة ما يسمى حبا بالأشياء ومن الأشياء أجزاء الجسم التي أحبها رغم أي درجة من الأهمية التي تعطي لها وفق ميزانها الطبيعي ... وعندما يأخذ الحب لونه ومعناه من الأشياء فحسب يكون الحب قابل لأن يتغير وقد تضعفه الحواجز والمحددات التي تعترضه أو قد تغير اتجاهه بينما لا تقوى كل هذه على أن تؤثر في الروح سلبا ولهذا ولغيره يحتاج الإنسان إلى اله بعيد وخارج الملموس والمرئي وليس جزءً من الأرض أو شيئا من الأشياء التي عليها ... وعلى هذا أحببتك .. يا زبيبه وأردتك لروحي معبداً ورمزا...طيبا ودواء .
تساءلت زبيبه:


   -
لماذا؟ وكيف أحببتني على هذا الوصف يا جلالة الملك ؟

  يتبع الجزء الرابع .........

    

 

إلى صفحة مقالات وأراء

إلى الصفحة الرئيسية