18/05/2006

 

58 عاماً من النكبة

 بقلم: سيد زهران

 

في حين تحتفل "إسرائيل" بمرور 58 عاماً على قيامها كدولة «عنصرية مارقة» على أنقاض دولة فلسطين المغتصبة أرضها، نكابد نحن أمراض التفكك والتصارع والتقاتل، بين أبناء الوطن الواحد، مرة تحت راية الحزبية البغيضة ومرات بفعل تغلغل طاعون الفساد في جسد الأمة.

 

واهتراء التكوينات الحاكمة وتكلس جهازها العصبي المركزي ودخولها في مرحلة فقدان الذاكرة وإصابتها بالخرف المبكر أو «الزهايمر» وعجزها عن إدراك الفرق بين فضيلة الاختلاف والتعددية ورذيلة التشتت والتشرذم، وتعدد الولاءات إلى الخارج على حساب الولاء الوطني.

 

"إسرائيل" تحتفل بما تشير إليه أدبياتها ومعها لغة الإعلام الدولي بأنه «عيد الاستقلال» وللأسف يحذوا البعض من منابر الإعلام العربي حذوها، أحياناً جهاراً وبسذاجة منقطعة النظير، وأحياناً خفية وبخبث يجيد أدواته أولئك الذين خاضوا حتى النخاع في وحل التطبيع مع الصهاينة. وتناسوا الكارثة الكبرى التي لا تزال تداعياتها قائمة حتى اليوم، تمنع العرب من السير في طريق التحديث والتنمية المستدامة واستعادة وحدتهم كأمة وحدتها الجغرافيا والتاريخ وفرقتها الحدود المصطنعة والمزروعة بأيدي وكلاء الاستعمار الغربي ، كألغام موقوتة تنفجر عند الحاجة، لتشعل حروب الإخوة الأعداء، مثلما حدث بين العراق والكويت.

 

وأضاع جهد وعرق عقود من النهوض العربي على مذبح حرب توسعية مجنونة، أو تحرير به مرارة أشد من علقم الاحتلال، أو مثلما يحدث وسيحدث في غير موضع من مواضع الحدود باتساع الخريطة العربية.

 

إحياء ذكرى ضياع واغتصاب فلسطين لن تجد له أثر يذكر أو ذو قيمة على الشاطئ العربي، فالأمة تبدو وكأنها فقدت تركيزها وزاغت منها الأبصار، ودخلت في مرحلة « التيه» حيث تتكاثر عليها الأيادي المسيئة، والمتربصة، والفتاكة، والمحركة للفتن.

 

وأخرى تجيد وضع العصي في أي دولاب للعمل الوطني، كما تتكاثر عليها الأمراض والتحديات، لدرجة يرتفع معها نداء إعادة المندوب الأجنبي أو المحتل الذي صار له اسم براق في مرحلة العولمة هو «المحرر» وناشر الديمقراطية ومحارب الإرهاب والقادم وعلى أجنحته الرخاء و«المن والسلوى».

 

ولن يخجل البعض من أبناء أمتنا من ترجيح كفة الاحتلال الغربي للوطن على كفة النظم الوطنية التي حررت الأرض وإرادة الأمة، وكأننا شعب من الهمل والهوام الذين لن يصلح حالهم إلا تحت سلطة أجنبية، وهي فرية وكذبة تمرر عبر طرق الخلط بين الأوراق والدجل السياسي الذي ازدهرت بضاعته في عصر ضعف وتآكل سلطة الدولة الوطنية، بعد أن أزيحت هياكل الثورة.

 

وأقامت «الثورة المضادة» دولتها في حضن الاستعمار الكوني الجديد، وفتحت أبواب اقتصاد الوطن على مصاريعها للشركات العابرة للأوطان والجنسيات، وأعطبت آلة الصناعة الوطنية، وأصيبت الزراعة بالعطن، والمبيدات المسرطنة، وحل محلها الوكلاء والسماسرة الذين يتكدسون في المحافل. وردهات المصارف تحت لافتات رجال أعمال وهم ينهبون وينزحون ودائع صغار العمال والفلاحين والموظفين، وبالتالي يسرقون قدرة الوطن على البقاء واقفاً يعجز الأعداء على تركيعه بالديون وفوائدها ورسوم خدمتها التي التهمت استقلال أكثر من دولة، وحولتها إلى سقط متاع.

 

على الجانب الإسرائيلي هناك صور احتفالية أخرى ببقاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين المغتصبة ونجاحه في اختراق أكثر من جدار عربي إما عبر التطبيع المباشر واتفاقيات للسلام الذي جر خراباً عربياًً أشد فتكاً من الحروب، أو عبر القنوات السرية للتجارة التي توفرها شروط «العولمة» الأميركية. الأمر الذي يشجع بعض المنظرين الإسرائيليين وأساتذتهم الأميركيين على طرح برامج للهيمنة الاقتصادية على المنطقة العربية، وإعادة رسم خريطة جديدة لـ «شرق أوسط كبير» تكون "إسرائيل" هي قطبه الإقليمي الأكبر والمتحكم في علاقات باقي الدول العربية، بحيث لا تقوم أي علاقة تعاون بينها إلا عبر هذا القطب الذي سيصبح هو (الشقيقة الكبرى) للعرب بعد أن وهنت «رمانة» الميزان العربي.

 

هكذا يروج برنارد لويس وزلماي خليل زاد وشيمون بيريز الذي صارح بعض الدبلوماسيين العرب في مؤتمر الدار البيضاء للشرق أوسطية بأنه «يكفي لمصر أن قادتكم لمدة نصف قرن، وهذا حالكم، جربوا أن تقودكم "إسرائيل"».

 

للأسف، يبدو أن بيريز لم يكن يخرف بل كان ينطق بالحقيقة المرة، ولمن يخامره الشك أن يراجع بهدوء مسار الأحداث والمواقف العربية من القضية الفلسطينية والحصار الخانق المفروض منذ صعود حركة حماس وتشكيلها للحكومة، وسيكتشف أن بعضنا يرقص على إيقاع "إسرائيل"، لكن إذا كانت النكبة الأولى قد أفرخت التغيرات الكبرى عربياً.. فهل تلد لنا تداعياتها مخاض تغيير حقيقي يصفد كثيراً من الدماء الفاسدة ويكسب الجسد العربي عافيته؟

 

 إلى صفحة مقالات واراء5