18/05/2006

 

حماس، والحصار.. والانتفاضة الثالثة

 

 بقلم د. عبد الله هلال

aa_helal@yahoo.com

 

       يخطئ العدو «الصهيوني - الأمريكي » إن ظن أن حملة التجويع الهمجية النازية على الشعب الفلسطيني سوف تنهي مقاومة الشعب المجاهد البطل للاحتلال الصهيوني وتقضي علي سلاح الاستشهاد الذي طيّر النوم من عيونهم.. يخطئون إن تصوروا أن أصحاب الأرض - الذين هم جزء من ترابها الطاهر - يمكن أ䃞 يتركوها للغزاة الغرباء اللقطاء الذين خُدعوا بأن هناك أرضًا بلا شعب ويمكن أن تكون ملاذا «آمنا» للقطاء.. الآن أيقن العدو ورأى المخدوعون رأي العين أن الأرض وشعبها الفلسطيني شيء واحد، وجزء لا يتجزأ... وأنه ما ضاع حق وراءه مطالب.

       عندما وهن العرب واستسلموا للعدو - دون داع- بعد بضعة عقود من الصراع.. ظن العدو أن الشعب الفلسطيني المحاصر المشرد أكثر وهنًا من العرب، وأن اللحم الفلسطيني لابد أن يكون أكثر طراوة من اللحم العربي "الطري".. متناسين أن العرب الآن - المحكومين بالاستبداد .. ليسوا هم العرب الحقيقيين.. وقد تسبب هذا الظن الخاطئ في اعتقاد العدو بأن الوقت قد حان لفرض رؤيته العنصرية للتسوية بمنح الشعب الفلسطيني حكمًا ذاتيًا محدودًا واصطناع قيادة واهنة أو عميلة ترضي بدولة فلسطينية هلامية لا جيش لها ولا إرادة مستقلة كمدخل لفرض التطبيع على العرب الواهنين أجمعين، وبحيث يسهل احتلالها في مرحلة لاحقة وطرد أهلها إلي الدول العربية. ولكن العدو فوجئ بانطلاق المارد الفلسطيني الذي زلزل الأرض تحت أقدامهم، وفوجئ بسلاح الاستشهاد الذي يتفوق على أسلحته النووية والتقليدية، والذي قوّي ظهر السلطة الفلسطينية (السابقة) فأخذت تتعامل مع العدو من مركز قوة وتستخدم الأوراق الجديدة التي وفرتها لها المقاومة الإسلامية.. فأسقط في يد العدو وقرر حرق هذه الأوراق، فأقام المجزرة وانتقم من الشعب الفلسطيني أبشع انتقام، ولم يترك شيخا ولا طفلا ولا امرأة خارج دائرة انتقامه.. ولكنه - وهذا هو المهم - حافظ على السلطة الفلسطينية بكل أركانها، بعد أن أخضعها للترهيب والحصار والإذلال، وادخرها للمهمة التي يحلم بأن تقوم بها ضد شعبها وضد المقاومة التي فشل في مقاومتها.

       وعندما فاجأ الشعب الفلسطيني العالم باختياره الذكي والحر لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) لتقود جهاده في المرحلة المقبلة، أسقط في يد الأعداء، وفي يد العرب الواهنين!، فحماس تنتمي إلى التيار الإسلامي الذي يشكل بديلا (خطرا) للأنظمة الواهنة، ونجاحها في إدارة الدولة والقضاء على الفساد ودفع عجلة التنمية سوف يكون نموذجا يسبب حرجا بالغا لهذه الأنظمة. وهكذا التقت إرادة الأعداء مع هواجس (الأخوة الأعداء!).. فالحلف الصهيوني الأمريكي لا يمكن أن يقبل بحكومة قوية وشريفة، خصوصا في فلسطين.. مطلوب حكومة واهنة ليست لديها إرادة، حكومة تقبل الخضوع والاستسلام وترضى بالقليل الذي يـُلقي به العدو ذرا للرماد بالعيون، مطلوب قادة من غير الشرفاء الذين يسهل تهديدهم وابتزازهم، قادة لهم ملفات في الموساد والـ (CIA) لكي يمكن تجنيدهم ضد شعوبهم. أما حكومة حماس فهي لا تصلح إطلاقا، لأن قادتها شرفاء لا يمكن ابتزازهم، ولأنها سوف تسعى إلى الاستقلال الحقيقي، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وسوف تقضي على العملاء الذين يتجسسون لصالح العدو على المقاومة وقادتها.

       لذلك لم يكن مستغربا أن يشارك العالم كله، العدو والصديق، في حصار وتجويع الشعب الفلسطيني عقابا له على اختيار الشرفاء. وبالطبع فهناك دائما الكثير من المبررات، وكما وجدوا مبررا لحصار ليبيا والعراق من قبل، وكما صنعوا مبررات للانقلاب على الاختيار الحر للشعب الجزائري والقضاء على جبهة الإنقاذ الفائزة بالانتخابات (الحرة)، وكما صنعوا مبررا للتدخل في لبنان والسعي لحصار سوريا (بقتل رفيق الحريري)، وكما يحاولون الآن مع إيران ...الخ، فقد كان من السهل أن يجدوا مائة مبرر لجريمة حصار وتجويع شعب قابع تحت الاحتلال، فحماس لم تعترف بالعدو الذي احتل الأرض وأهلك الحرث والنسل.. مطلوب من حماس أن تخدع شعبها الذي اختار المقاومة، وأن تتبنى السياسة التي رفضها الشعب الفلسطيني، سياسة (فتح) التي لم تحقق شيئا يذكر للقضية، والتي تمت في ظلها (وربما بمباركتها) مذابح العدو ضد قادة المقاومة. فهل الحلف الصهيوني الأمريكي تهمُّه فعلا قضية اعتراف حماس بالكيان الصهيوني؟، هذه حجة واهية، فقضية الاعتراف لا تشكل لهم أية أهمية، ولو اعترفت حماس بالعدو الغاصب (لا قدر الله) فسوف يبحثون عن مبررات أخرى، لأنهم يخشون الصنف نفسه (أي القادة الشرفاء) وليس السياسة. وهاهم يتوجهون إلى الأنظمة الواهنة وإلى السلطة الفلسطينية المفرطة، لاستخدامهم ضد حماس.

       فهل تخضع السلطة الفلسطينية وتهدر التضحيات غير المسبوقة لشعبها؟ هل تنجح السلطة في هذا الامتحان العسير وترفض التفريط في إرادة شعبها، وترفض التفاوض من موقف ضعيف، وتنتظر حتى يشتد عود المقاومة في ظل حكومة وطنية مخلصة.. أم أنها ضعفت ووهنت وصارت «عربية.. أي واهنة» وليست «فلسطينية»؟.

        لقد أثبت الشعب الفلسطيني أنه أكثر شعوب العالم بطولة وفدائية.. وأثبت أنه جدير بتحرير أرضه كلها وليس الضفة وغزة فقط.. ونال احترام العالم كله، العدو قبل الصديق، رغم التزييف الصهيوأمريكي.. إذ لم يذكر التاريخ «ولن يذكر» أن شعبا آخر في الكرة الأرضية استطاع أن يقف بمفرده، عاري الصدر، دون سلاح دفاعي أو هجومي ضد جيش مسلح بأكثر أسلحة الدمار والهلاك فتكا وإجرامًا .. ويهزمه شر هزيمة ويجبر جنوده علي رفض الخدمة ضد هذا الشعب الذي لا يقبل الهزيمة . ليت السلطة الفلسطينية تعرف قدر شعبها وتدرك أن لديها منجمًا من الأبطال إن استثمرته جيدا فسوف تهزم المشروع الصهيوني كله.. ليتها تتذكر أن الشعوب الأخرى التي انتصرت علي قوات البغي والظلم مثل أفغانستان وفيتنام؛ كان هناك من يقف خلفها ويمولها بالأسلحة.. ولكن الشعب الفلسطيني انتصر دون سلاح، وهذه والله معجزة وآية من آيات الله تعالى.

       يا أقطاب السلطة الفلسطينية.. لا تظنوا أن العدو قد انتصر، أو أنه قد قضي على المقاومة، فالعكس هو الصحيح.. فقد زرع العدو في قلوب الفلسطينيين الفدائية وحب الشهادة، وزرع الكراهية والثأر والسعي إلى الانتقام.. لا تقبلوا بمخطط طعن حماس من الخلف، أعلنوا أن خياركم الوحيد هو المقاومة، أعلنوا سقوط اتفاقية أوسلو الآثمة بعد أن داسها العدو بالدبابات بما يعني سحب الاعتراف بالعدو، اعلموا أن خضوعكم يعني خضوع العرب أجمعين.. فقد استثمر العدو اتفاقية كامب ديفيد البائسة في الانتشار في أفريقيا وباقي دول العالم التي كانت تقاطعه، واستثمر اتفاقية أوسلو في فرض التطبيع علي العرب أجمعين.. وها هم بعد أن أُدخلوا إلى القفص يعجزون عن الخروج منه، ويعجزون عن طرد سفرائه، ويعجزون عن إعادة المقاطعة. حذار من الدخول إلي القفص الصهيوني الخانق!.

       أما أنتم يا أبطال حماس، ويا أيها الشعب الفلسطيني المجاهد.. اعلموا أنكم على الحق، وأن الحق هو الذي ينتصر في النهاية. إنكم تواجهون ابتلاء عظيما لا يقل عن الابتلاءات التي واجهها الأنبياء والمجاهدون السابقون، وعلى قدر الصبر سيكون النصر. وإن تمادى الباطل وركب الأعداء (والأصدقاء!) رؤوسهم فلتكن الانتفاضة الثالثة، انتفاضة (الجوع) التي يشارك فيها الجميع، وليس المقاومون فقط. إن أغلب الثورات المزلزلة الناجحة كان باعثها سياسة التجويع التي اتبعها الطغاة على مر التاريخ.

       وهذا نداء للشعوب العربية والإسلامية: لن نكون بشرا نستحق الحياة أو رضا الله تعالى إن سمحنا بتجويع شعب مجاهد يرفض التفريط في مقدساتنا، ويجاهد نيابة عنا.. ليبدأ كل واحد بنفسه وأسرته ويسرع إلى تزكية نفسه بالتبرع بكل ما يستطيع لإفشال مؤامرة التجويع. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع).. والشعب الفلسطيني ليس مجرد جار، إنه جزء منا.

 

إلى صفحة مقالات وأراء 5