16/05/2006

 احمد بن بللا : ينبغي ابتكار أشكال جديدة من النضال

 حوار ممتع ومفيد مع شيخ المناضلين احمد بن بللا (90 سنة) يستحضر معنا مجموعة من الحقائق التاريخية من قبيل: شرعية هيمنة شعب على آخر ومعارك التحرير الوطني، وأشكال التدخل الغربي لقلب الأنظمة القومية والثورية. وخذلان اليسار الاوربي للعرب، مشددا على أن الأصولية الإنجيلية في الوقت الحاضر هي المصدر الرئيسي للعنف.



يعد أحمد بن بللا من رواد القومية العربية. كما كان من بين الأعضاء التسعة في الهيئة الثورية الجزائرية التي أنجبت جبهة التحرير الوطني. حكايته مع الاعتقالات بدأت مع المستعمر الفرنسي عام 1952، قبل أن يلوذ بالفرار. غير أنه لن ينعم طويلا بحريته، إذ سيلقى المصير ذاته، المرة هذه رفقة خمسة من أصدقائه. إذ تم اعتقاله في سجن "الصحة" إلى غاية 1962. وبعد التوقيع على اتفاقات إيفيان، أصبح بن بللا أول رئيس منتخب للجزائر المستقلة.

على الصعيد المحلي، قاد بن بلال سياسة إشتراكية تميزت ببرنامج إصلاح زراعي واسع. أما على الساحة الدولية، فلقد نجح في إلحاق بلاده بمنظمة الأمم المتحدة وبحركة عدم الإنحياز. ولقد سبب تأثيره الفعال والمتزايد في الكفاح ضد الإمبريالية، في الدفع بالقوى العظمى آنذاك إلى دعم مخطط الإطاحة بنظامه عبر انقلاب عسكري. ليوضع تحت الإقامة الجبرية من 1965 إلى 1980.

منذ الفترة تلك، فضل بن بللا العزلة بعيدا عن شؤون بلاده الداخلية، دون التوقف عن لعب دور في الساحة الدولية، خاصة كرئيس للحملة الدولية ضد العدوان على العراق. كفاعل رئيسي وشاهد على عدد من التحولات التاريخية، يجيب على أسئلة سيلفيا كاتوري لحساب شبكة فولتير.

سيلفيا كاتوري: هل تقطن سويسرا، عدا خلال رحلاتك بالطبع؟

أحمد بن بللا: كلا، أنا أعيش في الجزائر، غير أني أزور كثيرا سويسرا. لقد عشت هنا لعشر سنوات، بعد أن تشاجرت مع نظام العسكريين الجزائريين. فمضايقات الصحافيين لي في الجزائر لاتنتهي، لهذا أفضل المجئ إلى هنا، حيث أملك شقة صغيرة، في كل مرة أحس فيها بالحاجة إلى الراحة وإلابتعاد عن مشاكل بلدي. تدرين أني بلغت التسعين عاما!

سيلفيا كاتوري: غير أن هيأتك توحي بأنك شاب في مقتبل العمر! أتدري سيد بن بلا أنك تركت صورة رائعة في قلوب الناس عبر العالم؟

أحمد بن بللا: (إبتسامة) صحيح أني عشت حياة فريدة من نوعها إلى حد ما. لقد شاركت في تحرير بلدي. كنت واحدا من الذين نظموا معركة التحرير. شاركت أيضا بشكل فاعل وفعال في كل معارك التحرير .

سيلفيا كاتوري: أنت عربي من أصل مغربي. أي نوع من الصلة مازالت تربطك بأصولك القروية؟

أحمد بن بللا: نعم، أنا جزائري من أصل مغربي عن طريق والدي. غير أن الجزائر، حيث مسقط رأسي، هي حياتي برمتها. أنا إبن مزارع فقير جاء في مقتبل عمره للعيش في الجزائر. ولم يسبق لي أن رأيت محل ولادة أبوي إلا مؤخرا، بنواحي مدينة مراكش .

سيلفيا كاتوري: حين قررت لقاءك، كان لدي انطباع بأنني ذاهبة لملاقات الشعوب والقضايا التي ناضلت من أجلها طوال حياتك. من المؤثر جدا الحديث هنا عن نضالك من أجل بناء عالم أكثر إنسانية، وأكثر عدلا. ألا تجسد كل هذا؟

أحمد بن بللا: حقا، حياتي كانت كلها نضال في نضال، أستطيع القول بأن معاركي هذه لم تتوقف في أي وقت من الأوقات. نضالي بدأته وأنا في سن السادسة عشر. التسعين سنة التي هي عمري الآن لم تضعف شيئا من عزيمتي: هو الورع ذاته الذي يبعث في الحياة .

سيلفيا كاتوري: في عام 1962، تقلدت أهم منصب على الإطلاق في نظام الجزائر المستقلة. كل الأحلام كانت أقرب إلى الواقع. فمن جزائر محتلة إلى بلد مستقل، ومن الساحة السياسية الدولية إلى الكفاح ضد العولمة، لابد أنك دفعت غاليا ثمن عدم إذعانك .

أحمد بن بللا: صحيح أنني دفعت غاليا ثمن كفاحي من أجل العدالة وحرية الشعوب. ولكن لم أفعل سوى ما آمنت به واجبا والتزاما مني. لذلك فإن الإختيار بالنسبة لي لم يكن غاية في الصعوبة.

حين التزمت بالنضال من أجل بلدي، كنت صغير السن. ولقد فتحت الآفاق بين يدي، أدركت بعدها وبسرعة فائقة أن المشاكل تتعدى الجزائر، وأن الإستعمار يطال شعوب عدة أخرى، وأن ثلاثة أرباع دول العالم كانت مستعمرة بشكل أو بآخر. ولقد كانت الجزائر حينها، بالنسبة للفرنسيين، إقليم ما وراء البحار، كانت بمثابة فرنسا في الضاحية الأخرى للبحر الأبيض المتوسط .

إن الإستعمار الفرنسي للجزائر طال كثيرا : 132 سنة. ولقد شاركت في الكفاح هذا بالجزائر. مباشرة بعد الإستقلال، إرتبطت بكل أولئك الذين يناضلون هم أيضا، في كل أنحاء العالم، في سبيل تحرير بلدانهم. فمثلت المرحلة تلك شكلا من أشكال معركة التحرير الوطنية التي شاركت في كل حلقاتها. ففي تونس والمغرب والفييتنام، أصبحت الجزائر نوعا ما أما لمعارك التحرير، فكان دعمنا لهذه الدول بمثابة واجب مقدس في نظرنا. ففي كل مرة يأتينا فيها أحدهم طالبا للعون، كان الأمر في غاية القدسية لنا. كنا نساعد طالب العون دون تردد، وإن كانت إمكانياتنا محدودة. كنا نساعدهم بالسلاح، قليلا من المال، وعند الإقتضاء بالرجال.

سيلفيا كاتوري: في العام 1965، تم اعتقالك وسجنك، لكن هذه المرة من طرف رفاقك في السلاح. ماهو إحساسك الآن اتجاه أولئك الذين رتجوا الطريق أمامك بعنف؟

أحمد بن بللا: لا أحس اتجاههم بأي نوع من الإحتقار أو من الكراهية. أظن أنهم ساهموا في أمر ليس بالجد شريف ولكن بالمؤذ جدا، ليس فقط للشعب الجزائري، ولكن أيضا للشعوب الأخرى التي كانت تعول على عوننا. إن كفاحي من أجل تحسين ظروف عيش الجزائريين، والذين كانوا تحت وطأة البؤس، وكفاحي من أجل مساعدة شعوب أخرى مستعمرة لنيل حريتها، الكفاح هذا أزعج كثيرا بعض القوى الحاكمة، التي رأت أنني ذهبت بعيدا في نشاطي. كان لابد من أن أختفي. هذا للقول بأنه لو لم أتعرض لانقلاب من الجيش الجزائري، لتعرضت له على يد قوات أجنبية أخرى. كان لابد أن أبعد لأنني أصبحت جد مزعج. كنت آوي عمليا جميع حركات التحرير، والتي شملت كذلك القادمة منها من أمريكا اللاتينية.

سيلفيا كاتوري: هل كنت في علاقة بالزعيم الكوبي فيديل كاسترو؟

أحمد بن بللا: نعم، إذ زارني شي غيفارا في الجزائر العاصمة حاملا لي رسالة من فيديل كاسترو الذي التقيت به مرتين. كان قد طلب إلينا مساندة حركات الكفاح التي تتضاعف آنذاك في أمريكا الجنوبية، لأن كوبا لم تكن تستطيع فعل أي شئ وهي تحت رقابة الولايات المتحدة التي تحتل جون غوانتانامو. فكل صغيرة أو كبيرة تخرج من كوبا كانت الولايات المتحدة على دراية بها. لم أتردد لحظة واحدة في مد يد العون. فكانت الإنطلاقة من الجزائر بمشاركة تشي غيفارا الذي أقام عندنا لمدة ستة أشهر، إذ وضعت اللبنة الأولى لإنشاء مجلس قيادة جيش تحرير أمريكا الجنوبية.

أستطيع القول الآن بأن كل المناضلين الذين شاركوا في معركة التحرير بأمريكا الجنوبية زاروا الجزائر، ومنها انطلقوا كلهم. إذ سهرنا على تدريبهم، وتدبرنا أمرنا بالشكل الذي يسمح بوصول السلاح إليهم، كما أنشأنا شبكات لذات الغرض.
 


تشي غيفارا مع بن بللا في الجزائر عام 1963



سيلفيا كاتوري: في أي عام زار تشي غيفارا الجزائر؟


أحمد بن بللا في استقبال تشي غيفارا الجزائر العاصمة، 1963أحمد بن بلا: زيارة تشي للجزائر حصلت عام 1963، مدة قصيرة بعد تولي للحكم. فتعهدت أنا وحكومتي على مساعدة حركات التحرير الوطني. في الوقت ذاك، كانت لاتزال مجموعة من الدول تحت سيطرة الإستعمار أو ما فتأت حصلت على استقلالها. والوضع هذا ينطبق خاصة على دول إفريقيا، التي لم نتأخر في دعمها. وتندرج في هذا الإطار زيارة السيد مانديلا والسيد أميلكار كبرال للجزائر. أنا شخصيا من قام بتدريبهما، قبل أن يعودا إلى بلديهما لقيادة معركة التحرير. أما فيما يخص الحركات الأخرى، والتي لم تتبنى الكفاح المسلح أو لم تكن في حاجة إلا لدعم سياسي، كدولة مالي، فلقد كان سندنا لها على مستويات مختلفة .

سيلفيا كاتوري: من كان بالضبط وراء استبعادك عام 1965؟ أهو الجيش الجزائري أم هي قوات أجنبية معينة؟

أحمد بن بللا: أنا واثق من أن بعض القوى الأجنبية كانت لها يد، بطريقة غير مباشرة، في إبعادي. لقد تتبعنا الميكانيزمات ذاتها في مناطق أخرى عبر العالم. فحيثما انتصرت حركات الكفاح الوطني، وبعد الأخد بزمام الحكم، سجلنا وقوع انقلابات عسكرية ضد قادتها. وهو أمر كثير الحدوث. فخلال عامين فقط، وقع 22 انقلاب عسكري، خاصة في إفريقيا وبلدان العالم الثالث.

لعل انقلاب الجزائر العاصمة عام 1965 هو الذي فتح الباب على مصراعيه للإنقلابات الأخرى. فلم تكن الجزائر إذن إلا نقطة انطلاق مسار مبيّت، وهو ما يجعلني أخلص إلى أن النظام الرأسمالي العالمي هو الذي ركس ضدنا.

سيلفيا كاتوري: هل أنت ماركسي؟

أحمد بن بلا: أنا لست ماركسيا، غير أنني أتموضع بعزم على اليسار. أنا عربي مسلم، يساري التوجه في نشاطي وقناعاتي. وهو ما يجعلني، وإن لم أتبنى المذهب الماركسي، دائما في صف كل حركات اليسار في العالم وفي الدول الإشتراكية، على غرار كوبا والصين والإتحاد السوفياتي سابقا، التي قادت الكفاح ضد الإستعمار والإمبريالية. فبمعيتها شكلنا جبهة تحرير وقدمنا دعمنا اللوجستيكي للقوات الشعبية لإعانة بلدانها على الخروج من الإستعمارية وتأسيس نظام قومي محلي. كانت تلك مرحلة تصفية النزعة الإستعمارية. هذه الأخيرة عبارة عن فكرة رأت النور في الغرب، قبل أن تدفع دولا غربية كفرنسا وإيطاليا وبلجيكا وابريطانيا إلى احتلال بلدان خارج القارة الأوروبية. احتلال في شكله البدائي، أي عبر تولية سلط أجنبية ردعية داخل هذه البلدان، بجيشها وشرطتها ومرافقها المختلفة. هذه المرحلة عرفت أشكالا استعمارية فظة دامت 300 سنة في أندونيسيا على سبيل المثال.

سيلفيا كاتوري: بعد المرحلة هذه، ألم تنشط ضمن حركة دول عدم الإنحياز؟

أحمد بن بللا: لم تعد هناك أية دول عدم الإنحياز. هذه الحركة كان قد أسسها رجال من طينة ناذرة، كنيهرو وماوتسي تونغ وناصر وشخصيات عظيمة أخرى. كان ذلك خاصة في وقت تضاعفت فيه مخاوف نشوب حرب ذرية جراء الصراع بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي سابقا. لقد كنا على حافة الحرب الذرية، التي ساهمت حركة دول عدم الإنحياز بشكل فاعل في إجهاضها. غير أن عمر الحركة لم يتجاوز بضع سنين، إذ لم يتوانى النظام السائد في قبرها.

مع جمال عبد الناصر



سيلفيا كاتوري: ألم تلعب دورا هاما، بعد ذلك، في تنمية الحركة العالمية المناهضة للعولمة؟

أحمد بن بللا: إن النظام العالمي القائم يجسد كل ما تحدثنا عنه، لقد أوجد شكلا آخر من الهيمنة تحت إسم "العولمة". "عولمة" مصطلح جميل في حد ذاته، مصطلح يمكنه أن يوحد الصفوف ويبث مشاعر الأخوة بين الشعوب. والحال أن المصطلح هذا، بالمعنى الذي أعطي له، يحمل كثيرا من الإساءة، إنه وراء عولمة البؤس والموت والجوع. إنه السبب الرئيسي وراء سوء التغذية التي تذهب بأرواح 35 مليون شخص سنويا. أي نعم، كان من الممكن أن يكون مصطلحا جميلا لو عولمنا الخير والرفاهية للجميع. لكن الواقع جاء مغايرا. إنها عولمة منحرفة للشؤم والموت والفقر.

سيلفيا كاتوري: ألم تكن للعولمة سوى آثار مشؤومة؟

أحمد بن بللا: إن الفضل الوحيد الذي حصدناه من العولمة هو أننا أصبحنا اليوم أكثر اطلاعا على الأحداث مقارنة بالماضي. لا أحد يستطيع أن يتجاهل كون هذا النظام ينشر المجاعة أكثر فأكثر.

صحيح أنه تم خلق الثروات، غير أنها ثروات مفتعلة. إنها الشركات المتعددة الجنسيات من قبيل "جنرال موتورز" و"نيستلي"، إنها شركات صناعية كبرى تزن، على المستوى النقدي، أكثر من بلدان كبرى كمصر. إذا اعتمدنا على هذه الأرباح كمعيار، فإن "جنرال موتورز" على سبيل المثال أغنى أربع مرات من مصر الذي يبلغ عدد سكانها 70 مليون نسمة. بلد الفراعنة، ذلك البلد الجميل ذو الساكنة الأكثر ثقافة بين الدول العربية الأخرى. هذا يعطيكم صورة عن معنى مصطلح "العولمة". لهذا السبب ناضلت ضد هذه المنظومة التي تفضل مجموعات تزن، على الصعيد النقدي، أكثر من بلد كبير والتي تنتج هذا القدر من التباين. لهذا يجب علينا نحن، نحن الآخرين، تشجيع فهم أوضح للمشاكل التي تم تعقيدها عمدا، والتي في الأخير، رغم ذلك، تمثل تعبيرا عن شئ واحد هو التأسيس لنظام وحشي.

سيلفيا كاتوري: في العام 2003، و رغم الإرادة المعبر عنها بوضوح من طرف ثلاثة أرباع ساكنة العالم، لم تنجح الحركات التقدمية في منع نشوب الحرب. ألم يكن ينتابك، من حين إلى آخر، إحساس بأن قادة هذه الحركات قد أخلفوا خطوة ما، أو صراحة ذهبوا في الطريق الخطأ حين فشلوا في إدراك الحوافز الحقيقية للخصم؟

أحمد بن بللا: أنا الرجل المنتمي إلى الجنوب، ألاحظ أن تغييرا ما وقع في الشمال، وتوضيحه غاية في الأهمية. إن التغيير الذي حصل بالضبط في هذه الوجهة المسماة متقدمة في الشمال، التي حاربتنا واستعمرتنا ومارست علينا أمورا مهولة، هو وجود رأي يعبر عنه هناك وشباب يصيح عاليا "كفى". وهذا يشير إلى أن هذه النظام الدولي الضال لم يعد يسئ إلى الجنوب فحسب، وإنما إلى الشمال أيضا. في الماضي كنا نتحدث عن الفقر والبؤس في الجنوب فقط، أما اليوم فهناك الكثير من البؤس والأذى يخلف عددا من الضحايا في الشمال كذلك. لقد أصبح الأمر هذا جليا، إذ أن هذا النظام العالمي لم يبلور لخدمة مصالح الجميع، بل لخدمة أهداف الشركات المتعددة الجنسيات. إذن، داخل الشمال هذا الذي حاربناه كثيرا، توجد الآن حركة وفئة شابة بمجملها تريد أن تتحرك، تنزل إلى الشوارع وتناهض رغم أن اليسار لم يعرف كيف يمد شبابه، التواق إلى التغيير، بمفاتيح حل القضية. هكذا كانت الأمور تسير دائما، أي أن كل حركة حركة تبدأ بالشكل هذا. فحركة التحرير التي قدت في الجزائر، أي المنظمة التي أنشأت لمكافحة القوات الفرنسية، كانت في البداية حركة محدودة جدا. لم نكن أكثر من بضع عشرات في الجزائر كلها، والتي تمثل خمس مرات مساحة فرنسا.

سيلفيا كاتوري: ماذا استفادت أجيال الشباب هذه التي علقت آمالا كبيرة على "أتاك" مثلا، التي تقترح "إصلاح العولمة"؟ ألم يكن من المفروض رفض مبدئها ذاته وتبني إجراءات أكثر راديكالية، في مواجهة راديكالية النظام المسمى بالليبيرالي؟

أحمد بن بللا: إن قادة اليسار، حين يأخدون بزمام الحكم، لايختلفون عن قادة الأحزاب الأخرى. فيما يخص الجزائر، حاولنا العمل مع اليسار الفرنسي. والحال أننا لم نعرف حكما أسوء من الذي مارسه الحزب الإشتراكي الفرنسي، الذي عانينا في ظله من أسوء الأمور. إذ أنه لم يسبق لسلطة سياسية من قبل أن حاربتنا بالشراسة التي واجهنا بها نظام الإشتراكي "كاي مولي". أنا أحكي لكم عن وقائع واضحة، أحكي ما عشته. كنت على رأس جبهة التحرير الوطني حين قامت حكومة "كاي مولي"، بعد أن أدركت أن فرنسا لم تعد تستطيع الصمود في الجزائر، بالإتصال بجمال عبد الناصر طالبة إليه أن يستفسر منا إن كنا مستعدين للتباحث معهم، وهو ما كنت أتوقعه دائما. أي أنه سيأتي يوم لابد فيه من الجلوس للتفاوض ولتحديد السبيل الأمثل الذي سيمكن الجزائر من الحصول على استقلالها الكامل. ذلك هو المبتغى الذي كنا نرجوه، أن نصبح مرة أخرى أحرارا، وأن نتخلص من العيش تحت سيطرة نظام قمعي. أجبت بالقبول وأنني كنت مستعدا للتفاوض بشرط أن يقوم الفرنسيون أنفسهم بطلب ذلك. كان ذلك في غاية الأهمية، لأن الأكثر ضعفا هو الذي يطلب دائما التفاوض. كما اشترطت أن تجري المفاوضات، والتي دامت ستة أشهر، في مصر. توصلنا بعدها إلى حل. وبقصاصة الورق تلك في جيبي، في سبتمبر 1956، ذهبت لملاقاة وإخبار ملك المغرب محمد الخامس، الذي لعب دورا في هذا الكفاح من خلال مساعدته لنا، بما فيها العسكرية. بعد ذلك، وفي طريقنا إلى تونس حيث أردنا كذلك
إشعارالسلطات المحلية، تم تعقب طائرتنا من طرف الطيران الفرنسي. كان ذلك بمثابة أول خطف لطائرة في التاريخ. كان في هذه الطائرة ثلثي قادة الثورة الجزائرية. كانوا يريدون تصفيتنا على الفور، غير أننا نجينا من الموت بمعجزة. كل هذا لأوضح لكم رأيي في الإشتراكيين: إنه "كاي مولي"، الذي مافتأ وقع التزاما، حتى خانه. أستطيع القول الشئ ذاته عن الحاكم "لاكوست"، هو أيضا كان اشتراكيا. لا، لم تدعمنا أحزاب اليسار، بل العكس هو الذي حصل. مهما كان الحال، فإن اليسار هو الذي كان يهمنا ومعه مازلت أكافح. أنا رجل يساري.

سيلفيا كاتوري: إذن في كل مرة تجد فيها نفسك جنبا إلى جنب مع ممثلي" الإشتراكية العالمية"، في منصات الملتقيات الإجتماعية، ألاتقول في نفسك، في وقت من الأوقات، بأن حضورهم يخدم اعتباراتهم الشخصية قبل كل شئ؟

أحمد بن بللا: صحيح أنه من حين لآخر أظن بأنهم غير جديين. أنا أود بحق تغيير هذا العالم، أريده أن يتغير. لتغيير الأمور، نحن في حاجة إلى أشخاص مخلصين ومترفعين قبل كل شئ.

سيلفيا كاتوري: هل تؤمن حقاً بضرورة التغيير؟

أحمد بن بللا: أجل. فمنذ فتوّتي وأنا أومن بهذه الضرورة. وسوف أعود إلى قولك. إلى ما يقودني شخصياً إلى نوع من الثقة بالمستقبل. أريد الكلام عما ألاحظه هنا في الغرب. إنني مقتنع بأن النظام الليبرالي لا مستقبل له. فأود أن أقول لهؤلاء الشباب، لهؤلاء التلامذة الذين رأيتهم ينزلون إلى الشوارع. هؤلاء الشباب الذين يتظاهرون، سعيا وراء قيم جديدة : " أنا بدأت على هذا النحو، حين كنت في سنّكم. بدأت بخطوات صغيرة. وشيئاً فشيئاً سار ورائي شعب بكامله. " وحين أتوجّه إلى المظاهرات، أراقبهم وأتحدث إليهم، وأرى أنهم هم الذين يمسكون بالأوراق في أيديهم.

سيلفيا كاتوري: هنالك سؤال يطرح طرحاً ملحّاً: ألم يراع زعماء الحركات المناهضة للإمبريالية إسرائيل، وهي الدولة العنصرية إيديولوجياً وتشريعياً، والتي تطبّق منذ إنشائها سياسة تطهير عرقي في فلسطين؟ فقاموا بالتالي بحرف أجيال من الشباب عن وجهتهم، وزوّروا الجدل. في حين كانت إسرائيل تعمل بكل نشاط، مع الولايات المتحدة، على محاربة الشيوعية ومحاربة عبد الناصر والقومية العربية، ومساندة الأنظمة الرهيبة؟

أحمد بن بللا: هذه المسائل مطروحة اليوم على بساط البحث، وهي تثير الجدل. نحن لا نرغب في تضامن زائغ. ولا نرغب في دولة، تكون كإسرائيل، الأداة الفضلى بيد ذلك النظام الشمولي الظالم الذي تقوده الولايات المتحدة، التي تطبق سياسة سبق لها أن تسببت بمظالم كثيرة. ونحن نرى وجود غدر مزدوج. هنالك أولاً غدر الذين كان عليهم، وهم في معسكر اليسار، أن يقفوا إلى جانبنا مخلصين للقضية الفلسطينية والعربية. لكنهم لم يفعلوا. وهنالك من بعد غدر كافة أولئك اليهود الذين نشعر حيالهم بالقرابة، والذين بيننا وبينهم نقاط تشابه ونعيش معهم بتناغم تام. إن العرب واليهود أبناء عمومة. فنحن نتكلم اللغة نفسها، إنهم مثلنا ساميون. فهم يتكلمون الآرامية ونحن نتكلم الآرامية. للآرامية عدة فروع: إثيوبيا تتكلم الآرامية، وإريتريا تتكلم الآرامية، والذين يعتنقون اليهودية يتكلمون الآرامية والعرب يتكلمونها أيضاً. إن ذلك ما يؤلمنا أشد الألم: أن نشعر أن أقرب الناس إلينا قد غدروا بنا، غدر بنا أناس هم أبناء عمومتنا، ويشبهوننا ويتكلمون الآرامية مثلنا. اللاسامية نحن نعرفها، فنحن ساميون. وأضيف على ذلك أن نبيّهم هو نبيّنا. إن موسى والمسيح من الأنبياء عندنا.

سيلفيا كاتوري: منذ نهاية التعددية العسكرية، وهيئة الأمم المتحدة واقعة تحت الوصاية الأميركية والمحافظين الجدد. وكل بلد عربي لا يخضع لإملاءاتهم، يغدو معزولاً بين الأمم. فكيف ترى هذا الوضع؟ وكيف السبيل إلى الخروج منه؟ ومن جهة أخرى، أليست حماس، في مواجهتها الأحادية الجانب مع إسرائيل، مهددة بالفشل والسقوط، والتخلي عما يقاتل من اجله الشعب الفلسطيني منذ 60 عاماً؟

أحمد بن بللا: أعتقد أن حماس مثال متميّز لما يجري لدينا، ولهذا البعد الذي يتخذ الآن لونا دينيا شديدا، يتحمل مسؤوليته الإسلام. أنا عربي مسلم، لكنني لا أرغب في العيش في بلاد توجهها أصولية إسلامية. إلا أنني، وهنا أكلمك بكل صراحة، لا ألومهم. فهذه الحاجة إلى الدين، إنما أوجدتها التواءات النظام الرأسمالي. إن إفراط المتطرفين في إسرائيل والولايات المتحدة في إلحاق الأذى بنا، بدلاً من أن يؤدي إلى قيام حركة ذات صبغة عروبية، تأتزر بالثقافة والانفتاح، جعلهم يجدون أنفسهم حيال هذا المأزق .فهم المسؤولون عن خلق هذا الوضع.

سيلفيا كاتوري: ألست راغباً في الخطاب الديني؟

أحمد بن بللا: أنا مسلم، لكنني لا أتمنى أن يكون الخطاب دينياً. ولست أرفض الواقع الديني بحد ذاته، وأرفض أن لا يتوجه الخطاب الديني نحو تجديد الإسلام، وأن يكون خطابا إسلامياً رجعياً، بقراءة قهقرية. في حين أننا نتميّز في الإسلام بالإيمان بالديانتين: الديانة اليهودية والديانة المسيحية. فليس محمد بالنسبة لنا سوى استمرار ليسوع المسيح وموسى .

سيلفيا كاتوري: أليس المسلمون هم الذين يتولون اليوم زمام المقاومة ضد الاستعمار؟ أليس هنالك ما يدعو للاعتراف بأن العرب والمسلمين لا يناهضون قيم الغرب وإنما سياسته العدوانية؟ ألم يقم حزب الله، على سبيل المثال، وهو لا يتمتع بأية سمعة حسنة عندنا، بدحر الإمبريالية الأميركية والإسرائيلية في لبنان؟ ألا ينبغي على التقدميين أن يتجاوزوا أحكامهم المسبقة حيال المسلمين، وأن يعتبروهم عنصراً فاعلا في الكفاح ضد الظلم وأن يدعموهم؟

أحمد بن بلا: أجل، أجل. فالمسألة هنا مسألة تربية. فمن واجب الذين يتولون قيادات الأحزاب التقدمية، أن يردوا رداً ملائما على مثل هذه الأوضاع. لكن ذلك لا يحصل. نحن لدينا علم ولدينا نشيد وطني. أما بشان الباقي، فإن الغربيين، من كافة النوازع والأهواء، هم الذين يتولون اتخاذ القرارات بدلاً عنا. ويتم ذلك في لبوس كلام جميل منمّق، تحت مظلة مساعدة المنظمات مثل البنك العالمي وصندوق النقد الدولي. وهي منظمات لا تتعدى كونها وسائل تعذيب أوجدها الغرب ليواصل سيطرته علينا. وذلك يعني أننا خرجنا من نظام استعماري مباشر لنبادله بشيء يبدو مظهره أفضل، إلا أنه ليس في حقيقته كذلك. على كل حال أعود لأقول لك، إنني أضع أملي في هذا الشمال الذي سبق فألحق بنا ضرراً كبيراً، فجيل الشباب يعي هذا المنطق من السيطرة التي تتسبب بفقر متزايد في الشمال كما في الجنوب على حد سواء. وإذا لم تكن السيطرة هي نفسها المطبقة في الجنوب، فإنها تتسبب في وضع من العوز لا يسع كائنا حراً أن يقبل به. فكم يبلغ عدد الناس الذين يعانون من البطالة ومن الفقر فيهيمون على وجوههم في الشوارع؟ قد يكون ذلك ما سيحرّض شعوب الشمال على تغيير نظرتها لتنضم إلينا انضماماً صريحاً.

سيلفيا كاتوري: لكننا لا نرى في الغرب اليوم أناساً كثيرون يحتجون على الفظائع التي ترتكب في العراق وفي فلسطين وفي أفغانستان. أليس لديك انطباع بأن هنالك الكثير الكثير من الأحكام لمسبقة، ضد العرب والمسلمين، والتي أُحسنت صياغتها وترسيخهاــ حتى في صفوف المنظمات المناهضة للحرب ــ بحيث أضحى دعم العرب في مقاومتهم فكرة بعيدة عن أولئك بعدأ كبيراً؟

أحمد بن بلا: هذا صحيح، والأحزاب اليسارية التي كنا نعوّل عليها خيّبت آمالنا. فاتخذت منا موقفا معارضاً. فما إن تحدثيهم عن الإسلام حتى يقولوا لك بن لادن. أنا لا أرغب في العيش في ظل نظام يتزعمه بن لادن، لكنني لا أنتقده. فحين أرى ما فعلت يدا بوش، لا يسعني أن أنتقد بن لادن. وأقول لك بكل صراحة: إنني لم أشجب الهجمات على أبراج نيويورك. أنا أدين بوش وأدين الحكومة الأميركية، لأنني أعتبر بن لادن ثمرة السياسة الأميركية. لقد أغلقوا كافة أبواب الحوارمع العرب والمسلمين. وجعلوهم يعتقدون طيلة عقود بأنهم إن يفعلوا هذا الشيء أو ذاك، فإن الغرب سيحل العدل في فلسطين. وواقع الحال أن إسرائيل وحلفاءها لم يرغبوا يوماً في إحلال السلام عندنا. فإسرائيل لم تكف عن محاربة الشعوب وترويعها. وبن لادن هو الصنيعة غير المباشرة لبوش وإسرائيل. فهذان البلدان يزرعان الموت والحقد في الشرق الأوسط والعالم: فلم يدعا أمامنا من خيار آخر سوى المجابهة العنيفة. فكافة الحركات الراديكالية التي توصف بـ "الإرهابية" أو " الأصولية"، إنما نشأت ردا على الإرهابيين، الذين يقودون من تل أبيب وواشنطن، حروب دمار ضد الشعوب العربية. فأي خيار أمام تلك الشعوب التي يقصفونها بمثل تلك الهمجية؟ وماذا أمامهم من سلاح، وهم في مجابهة جيوش حديثة، سوى التضحية بحياتهم وهم يفجرون أنفسهم؟ إن ذلك يدعى في القرآن "الشهادة". إنها فكرة خارقة يجري التعبير عنها بهذه الكلمة. إنها حالة يأس، لا يعود الذي يحس بها قادراً على العيش. إنه يضحّي بنفسه، لا ليحصل على حياة أفضل لنفسه، بل على أمل أن يتمكن ذووه من العيش عيشاً أفضل. إنها أعظم تضحية. أما هنا في الغرب فيسمونهم "إرهابيين". وأنا أقول لك بكل صدق، وأؤكد على أنني انحني احتراما أمام امرىء يقوم بمثل تلك التضحية.

سيلفيا كاتوري: إن كنت قد أحسنت فهمك، فأنت تقول إن كل ما يتسبب في إثارة سخط الناس في الشرق الأوسط قد نشأ بواسطة الغرب. وإن على الذين يقاتلون أن يضحوا بأنفسهم وأن يتألموا من أجل الآخرين. وإن العرب أبدوا كل تسامح في الماضي؟

أحمد بن بللا: تماماً. فالعنف الذي يتجلى في العالم العربي والإسلامي إنما هو ثمرة ثقافة الحقد والعنف التي بذرتها إسرائيل حين فرضت نفسها بالقوة على الأراضي العربية. إن الفظائع التي ترتكبها تلك الدولة اللاشرعية هي التي ترغم أبسل الناس على الرد. ولست أظن ان هنالك من نضال يفوق شرفا نضال الفلسطينيين الذين يقاومون المحتل. فحين أرى ما عانى هذا الشعب منذ ما يزيد على قرن من الزمان، وأنه ما يزال يجد القوة على متابعة الكفاح، تمتليء نفسي إعجاباً. أما اليوم فإن هؤلاء الذين يعملون في هذا الشعب تقتيلاً، هم الذين يظهرون رجالات حماس على انهم فاشيون وإرهابيون. لكن ليس هؤلاء بفاشيين وليسوا إرهابيين، إنهم مقاومون!

سيلفيا كاتوري: فلسطين وطن سجين. فكيف انتهى الأمر، حتى مع اليسار، للكلام عن "إرهاب"، بدلاً من الكلام عن الحق في المقاومة المسلحة؟ فهل ترى جوانب موازية أم فروقات رئيسة بين الاستعمار الفرنسي للجزائر واستعمار فلسطين من قبل إسرائيل؟

أحمد بن بللا: الوضع في فلسطين أسوأ بكثير. يضاف اليه التمييز العنصري. فما كان بوسع الفرنسيين أن يطردوننا خارج حدود بلاد أكبر مساحة من فرنسا بخمس مرات. لقد حاولوا أن ينشئوا في شمال البلاد منطقة عازلة، تضم أقل عدد ممكن من الجزائريين، لكن ذلك لم ينجح. ولم ينشئوا على الأرض نظام تمييز عنصري كما يفعل الإسرائيليون في فلسطين. لقد أنشأت إسرائيل أكثر أشكال الهيمنة فظاعة.

سيلفيا كاتوري: هل تعتقد بأن الفلسطينيين سيعيشون تحت الاحتلال زمنا أقل مما عاش الجزائريون تحت الاحتلال الفرنسي؟

أحمد بن بللا: أجل أعتقد ذلك. فالاستعمار، بادىء ذي بدء، ظاهرة محظورة بالقوانين الدولية. ومن ناحية أخرى، إن كان لمسألة أن تحظى بالإجماع في العالم العربي، فهي المسألة الفلسطينية.

وما دام الفلسطينيون لم ينالوا حقوقهم العادلة، فإن العالم العربي الإسلامي لن يشعر بحريته، هو أيضاً. سيظل العرب يشعرون بأن قطعة من جسدهم ما زالت في الأسر.

سيلفيا كاتوري: لم تكن السياسة فيما مضى أكثر نبلاً، لكن كان هنالك توازن. أما مع انتهاء ثنائية الأقطاب، فإن المبادىء الأخلاقية الأساسية جداً قد كُنست. فأينما تتوجّه تسمع حديثاً عن "الإرهاب"، لكن ليس من يذكر بكلمة واحدة 800 طفل قتلوا في فلسطين برصاص الجنود الإسرائيليين منذ عام 2000. ولا ملايين الأطفال العراقيين الذين قتلوا، أو المرضى الذين لم يعد من حقهم أن يأملوا بحياة طبيعية. هل كان لسجون غوانتانامو أو أبو غريب أن تقوم، لو كان لدى الأسرة الدولية اللباقة الكافية لتقول كلا بوجه عنف واشنطن؟ ومن هو رجل الدولة المسؤول الذي ما تزال يداه نظيفتين بعد تلك الحرب المزعومة ضد " الإرهاب "؟

أحمد بن بلال: إن ما قد حدث في غوانتانامو وأبو غريب وفي أماكن أخرى لشيء رهيب .وما زال ذلك الهول كله في انتشار متواصل ليولّد آلاماً أكبر. وقد بلغنا أن الولايات المتحدة أقامت سجوناً في أوربا الشرقية لتكون في مأمن من الملاحقات القضائية في بلادها، وأن أوربا ضالعة في ذلك كله. بل جرى توجيه لوم إلى سويسرا لأنها سمحت بأن تحلق فوق أراضيها تلك الطائرات التي تحمل سجناء مجهولين، جرى اختطافهم ثم أخضعوا للتعذيب.

سيلفيا كاتوري: ما هي، حسب رأيك، الوسائل الكفيلة بالوقوف في وجه الاستراتيجية التي يعتمدها بوش والمحافظون الجدد؟

أحمد بن بالا: إنها حركة أصولية، لكن هذه مسيحية! فالمعضلة التي نواجهها اليوم هي التالية: إن إيديولوجية بوش هي أسوأ أصولية يمكن أن نتخيلها. فالإنجيليون البروتستانت المعروفون، هم مصدر وحي بوش وإلهامه. وهي أصولية رهيبة. فما الوسائل المتوفرة لدينا في نهاية المطاف للكفاح؟ كلّمتك عن الآمال التي أعلّقها على الشبيبة، مع علمي الأكيد بأنها لا تملك وسائل حقيقية لمقاتلة ذلك النظام المرعب. وأنا أعلم حق العلم أن النزول إلى الشارع لا يكفي. فينبغي الانتقال إلى شيء آخر، وابتكار وسائل فعل أخرى. لكن ينبغي الفعل والتأثير، لا مجرد التلقّي. وحين يتولانا الإحساس بعدم التقدم، ينبغي أن نقول إننا نمر في أطوار، وإنه يلزمنا بعض الوقت لبلوغ الفهم من قبل العدد الأكبر. فنبدأ الفعل مع الذين يتمتعون بفهم واضح، حتى لو لم يكن ذلك يغطي كافة المسائل. لكن ينبغي من بعد أن نتجاوز العوائق وأن نقول لأنفسنا إنه ليس الحزب الاشتراكي الذي سيغير العالم، مهما قال عن نفسه إنه اشتراكي، ولا أيّ تجمع آخر.

سيلفيا كاتوري: هل سيأتي الحل، لبلوغ شيء من عودة التوازن، من جانب الصين وروسيا؟

أحمد بن بللا: أعتقد أن الأمل يمكن أن يأتي عن طريق الصين. لقد ساعدتنا روسيا في الماضي مساعدة خارقة. لكن روسيا، ولسوء الحظ، ليست الآن في وضع سهل. فلن أعلق آمالاً عليها.

سأراهن على الصين أكثر بكثير. فلديها من المبررات ما لا يتوفر لدى روسيا. والصين على رأس البلدان التي تنمو وتزدهر. والغرب نفسه في طريقه للاستقرار في الصين من أجل تنشيط اقتصادها. ولسوف نرى بعد 20 عاماً ظهور خارطة سياسية جديدة.

سيلفيا كاتوري: وبانتظار ذلك، ما عسانا نقول للشعوب المتروكة لمصيرها مثل فلسطين والعراق؟

أحمد بن بللا: إننا لا نقوم بالفعل أبدا ونحن نفكر في أننا سنكون في عداد المنتفعين. إننا نقوم بالفعل لأن من واجبنا أن نفعل. وما كانت الإنجازات العظمى قط ثمرة جهود جيل واحد. يقال عندنا إن من يأكل ليس من يُعدّ الطعام. فلا بدّ من إنشاء شبكات تضامن تدعم كفاح تلك الشعوب دون شروط.

سيلفيا كاتوري: وما عساك تقول أيضا لتلك الشبيبة التي ذكرت، لا سيما أنها الشاهد على كل تلك الخروقات؟

أحمد بن بللا: على الشباب أن يتجاوزوا هذا الواقع، وأن يتخذوا المبادرات. ولئن لم يعد كافياً عقد لقاءات دورية وإقامة تجمّعات كبرى، وإذا لم يتغيّر من شيء، فينبغي التحول إلى شيء آخر: ينبغي ابتكار أشكال جديدة من النضال دون أي انتظار.

سيلفيا كاتوري: لكن أما آن للعرب أن يمسكوا بأيديهم بزمام الحركة المناهضة للحرب، والتي ما تزال بأيدي الغربيين؟

أحمد بن بللا: بلى، بلى. ونظراً لخطورة الوضع في الشرق الأوسط، فإن على الفلسطينيين أو على ممثلي الحركات في العالم العربي أن يتحرّكوا. وأعتقد أن على هذه الحركة العربية، والحركة الفلسطينية، وكافة تلك القوى، إن تتضافر معاً وتتجاوز خلافاتها. أن تمثّل أملاً، وليس للعرب فقط. إنها تستطيع أيضاً أن تساهم في تغيير هذا العالم، وفي تغيير النظام العالمي على نحو ما يعمل الآن.

سيلفيا كاتوري: إنك تبدو متفائلا ً!

أحمد بن بللا: أنت تعرفين أنني لست مجرد متفائل: فأنا أمضي حياتي وأنا أفعل. فلا اكتفي بإلقاء الخطب. إنني أكرّس وقتي كله للفعل عن طريق منظمة الشمال ــ الجنوب . وعلى ذلك أعتقد أن قوى الأمل تأتي أحياناً من حيث لا نتوقع قدومها.

سيلفيا كاتوري: عقد في القاهرة، في نهاية آذار الماضي، المؤتمر التأسيسي الأول للتضامن الشعبي العربي مع المقاومة. ودعا المشاركون الشعوب للانضواء " تحت لواء الأممية لدعم الشعب العربي في كفاحه ضد العدوان الإمبريالي ". أليست نقطة الانطلاق لحملة، بوسعها، اذا ما انضمت إليها الأحزاب التقدمية في الغرب، أن تشكل الحركة للتيار المناهض للحرب، وأن تمضي ضمن مسار آمالك؟

أحمد بن بللا: أنا أؤيد شخصياً هذه المبادرة. والأساس هو التقدّم. فالمرء لا يتقدّم حين تساوره الشكوك، وحين يظن أن كل شيء قد انتهى. أو حين يستقر به المقام فوق المنازعات. على المرء أن يتقدّم وأن يصلح الأخطاء. على هذا تقوم الحياة. وما تزال في المعسكر العربي عقبات كبيرة لا بد من تجاوزها. والواقع أننا نعاني، في الحركة العربية، من نقاط الضعف نفسها التي تعاني منها الحركة المناهضة للإمبريالية في الغرب.

سيلفيا كاتوري: هنالك ما يقرب من عشرة آلاف فلسطيني معتقل اعتقالاً تعسفياً في السجون الإسرائيلية. وليس من يعترف بهؤلاء سجناء سياسيين. وجرى في آذار الماضي اختطاف أحمد سعدات وخمسة من رفاقه من سجن أريحا ــ بينما كان في ظل حراسة أميركية بريطانية مشتركة ــ ومن حينها وهو عرضة لتعذيب متواصل. ولقد عاد فكرر عزمه على الصمود قائلا : "ماهمني مكان وجودي، فسوف أواصل النضال". لا بدّ أن تجد نفسك في هذا التأكيد، لا سيما أنك تعرف ما يعني العيش معتقلاً؟

أحمد بن بللا: أجل. فقد أمضيت في السجن 24 عاماً ونصف العام. حين اعتقلني الفرنسيون في سجن الصحة "سانتيه" ،وضعوني مع السجناء الذين ينتظرون الإعدام بالمقصلة. كنت أشاهد المقصلة من زنزانتي. إن ما تلحقه إسرائيل بالفلسطينيين من سوء المعاملة، لأمر مشين ورهيب. وليس لدي حالياً سوى مشروع واحد: إنه فلسطين. سوف أقوم بما وسعني لمساعدتهم. أما التوصل إلى السلام في فلسطين وفي العالم، فيستوجب إزالة نظام التجار القائم هذا. أما وأن المعضلات هائلة الحجم، فإن الأضرار هائلة الحجم أيضاً. وإنها لجريمة أن نترك العالم في أيدي التجّار والقتلة. فذلك هو الإرهاب، وليس بن لادن.

سيلفيا كاتوري: حين تسمع رؤساء دول يقولون إنهم يخوضون الحرب في العراق باسم الحرية والديمقراطية، فماذا ترغب في أن تقول لهم؟

أحمد بن بللا: أقول لهم إن الحق في الحياة هو أول حقوق الإنسان. وإن حقوق الإنسان إنما هو حق الحياة. يتكلّم كافة الفلاسفة عندنا عن حق الحياة. فأول ما يطمح إليه كل إنسان، هو الحفاظ على الحياة، هو العيش. وواقع الحال أن النظام العالمي، لا يأبه بالحفاظ على هذا الحق. فهو يستغلّ، وهو يقتل. وحين لا يستطيع القتل، يقوم ببناء سجون وحشية. وهي أشكال من الإفراط والمزاعم بإحلال الديمقراطية. لقد أخذت الولايات المتحدة تفعل في أفغانستان والعراق، ما قامت به إسرائيل في فلسطين على الدوام. إنهم يكلموننا عن ديمقراطية إسرائيلية وأميركية. ولكن بأية ديمقراطية جاؤوا وهم يقومون بتدمير كل أمل في الحياة؟

سيلفيا كاتوري: أنت تتألّم من اجل العراق؟

أحمد بن بلال: إيه ! العراق بالنسبة لي... لو تعلمين أنني ذهبت إلى العراق خمس عشرة مرة. ( صمت). أوشكت أن أُقتل في العراق. إن رؤية ما ألحقوا بالعراق تفوق القدرة على الاحتمال. بتلك البلاد التي هي مهد الحضارة. بدأ الإنسان الزراعة في العراق. وهنالك ولدت البشرية، هنالك وضعت الشرائع الأولى، وهنالك ولدت الأبجدية، وأول قانون وضعه حمورابي. وذلك كلّه جرى تدميره بأيدي قادة جهلاء، وبعمل أمة لا يزيد عمرها عن 250 عاماً من التاريخ، بعد أن كانت مستعمرة بريطانية. لقد أزالوا الاستعمار البريطاني ليقيموا استعمارا على صعيد الكون كله. فما حال الهنود الأميركيين وتعدادهم 80 مليوناً من البشر؟ لن أعود إلى أميركا أبدا، لأنها بلاد لصوص.

سيلفيا كاتوري: هل ترى أن الحروب التي شُنّت في أفغانستان والشرق الأوسط حروبا عنصرية؟

أحمد بن بللا: تماماً. فهي حروب شنّت على الإسلام وعلى الحضارة العربية. وهذه حقيقة جليّة. فليس بين البلدان الخارجة عن القانون (المارقة) حسب بوش، سوى بلد واحد من خارج حدود البلدان العربية والإسلامية، وهي كوريا الشمالية. اما الأخرى: أي سورية والعراق والسودان وإيران فكلها بلدان إسلامية. قيل إن الحروب الصليبية كانت ترمي لاستعادة قبر يسوع المسيح. وأحياناً أقول للغربيين وأنا أقصد مناكدتهم:أية لغة كان يتكلم يسوع المسيح؟ كان ينطق بلغتي أنا، لا بلغتكم أنتم. كان يتكلم الآرامية مثلي أنا. حين تقرؤون الإنجيل تجدون المسيح يقول: " أيلي، أيلي، لما شبكتني؟" (1) ونحن في الجزائر نقول: " إلهي، إلهي، لماذا سبكتني" . إنها الكلمات نفسها التي تفوّه بها يسوع المسيح. كان المسيح يتكلم مثلما
أتكلم أنا. والإسلام يأخذ أشياء كثيرة من الإنجيل أو من التوراة، التي جاء ليكملها. إنني أوشك أن أنفجر لشدة ما أرى من ظلم. لقد أساؤوا إلينا كثيراً. لقد أصابونا في كرامتنا. من غير أن نتكلم عن ذلك الشعب الصغير في فلسطين. فكم عدد الفلسطينيين المرغمين على العيش تحت النير الأشد إذلالاً؟ ليس في ردة فعلنا شيء من العنصرية. لكن حسبنا ذلك. فقد أساء الغرب إلينا كثيراً. ألم تقم في الغرب تحديداً أسوأ الجرائم ضد الإنسانية؟ فأين ولدت الفاشية؟ وأين ولدت النازية؟ والستالينية أين ولدت؟ وأين نشأت وتطوّرت مرحلة التفتيش التي دامت 400عام؟ أقول بصراحة إنه يلزمني يومياً كثير من إنكار الذات كي لا أقول في نفسي إنني لا أريد أن أكره الغرب.

سيلفيا كاتوري: ألا ينبغي تجريم القائلين بـ "صراع الحضارات"، والموالين لإسرائيل، بوصفهم على رأس المحرّضين على الحقد ضد العرب وضد الإسلام، ذلك الحقد الذي ينتشر انتشاراً مقلقاً ضد شعوبكم؟

أحمد بن بللا: صحيح تماماً. فاللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة شيء مرعب. كان الكلام عنه حتى الآن محظوراً خوفاً من الاتهام بمعاداة السامية. وجاءت مؤخراً عدة دراسات، مدعّمة بأمثلة لا تدحض، لتبين مدى الوزن الذي يشكله اللوبي الإسرائيلي على اتخاذ القرارات السياسية والعسكرية ضدنا. وليس من يستطيع اليوم أن ينكر أهمية، ناهيك بخطر، هذا اللوبي الذي يخترق كافة المدارات الاستراتيجية. إنني معنيّ إذن بهذا المظهر للأشياء، الذي يجعل تسوية المسألة الفلسطينية أكثر مشقّة. ولسوف أقول لك شيئاً عن الإسلام الذي عرف مشقات كثيرة. إن الإسلام لم يلحق من أذى ببلدان أخرى. لقد أظهر الإسلام عبر التاريخ تسامحاً لا مثيل له في أي مكان آخر، في حين أن إسرائيل تمكنت من أن تنغرس بالقوة ضمن فضاء و في مكان كان يسكنه الفلسطينيون ـ وهم شعب من أكثر الشعوب العربية تطوراً. وأن تنشئ عن طريق انتزاع أرضيهم منهم، دولة عنصرية. وما دامت إسرائيل تنكر على الفلسطينيين حقهم في الوجود، وحقهم في الرجوع إلى أراضيهم، فلن يكون في العالم سلام.


 
عن دورية العراق

إلى صفحة مقالات وأراء5