06/06/2006

النكسة

الذكرى التاسعة والثلاثون لعدوان 5 يونيو/حزيران 1967

 

  بقلم : محمود كعوش

تحلُ الذكرى التاسعة والثلاثون لعدوان الخامس من يونيو/حزيران هذا العام فيما يبدو النظام الرسمي العربي على أسوأ ما يكون عليه من العجز والوهن وفقدان الإرادة وامتهان الكرامة. ففي مثل هذا اليوم من عام 1967 شنت "إسرائيل" حرباً عدوانيةً غاشمةً على كلٍ من مصر وسورية والأردن، سُميت بالحرب الثالثة وفقاً لتسلسل الحروب بين العرب و"الإسرائيليين" منذ نكبة فلسطين في عام 1948. وقد أطلق الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر على تلك الحرب تسمية "نكسة 5 يونيو/حزيران"، رغبة منه في تخفيف وطأة آثارها السلبية على الأمة العربية التي كانت تعيش قبل وقوعها أوج مدها القومي وذروة آمالها بقرب تحرير فلسطين من الاغتصاب الصهيوني.

شكلت تلك الحرب العدوانية، بكل ما أفرزته من نتائج عسكرية وسياسية واقتصادية وجيواستراتيجية، تحولاً خطيراً في مجرى الصراع العربي "الإسرائيلي" لما نتج عنها من خللٍ واضحٍ وخطيرٍ في توازن القوى بين العرب و"إسرائيل". وقد ترتب على قضية فلسطين بفعل نتائج تلك الحرب أن تعود مرةً أخرى إلى الأمم المتحدة بشكلٍ مفاجىءٍ وجديد، لتخضع في إطار المنظمة الدولية، إلى مناقشاتٍ وصراعٍ وتكتلاتٍ والى مشاريع قراراتٍ وأخرى مضادة متواترة ومتلاحقة أدت بالنتيجة إلى صدور قرار مجلس الأمن رقم 242 في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1967 والذي تضمن "مبادىء حلٍ سلميٍ" لها، حسب وجهة نظر مجلس الأمن.

في قياس النتائج، يمكن القول أن "إسرائيل" تمكنت، على الصعيد السياسي، في تلك الحرب أن تثبت لمعسكر الإمبريالية الغربية قدرتها المتفوقة على العرب، بحيث أمكن اعتمادها كشرطيٍ "أمين" للمحافظة على مصالح هذا المعسكر. وعلى الصعيد العسكري تمكنت إسرائيل من السيطرة على مساحاتٍ كبيرةٍ من الأراضي العربية بلغت أكثر من أربعة أضعاف ما احتلته إبان نكبة عام 1948. كما وفتحت مضائق تيران وسيطرت على شرم الشيخ وضمنت لنفسها الملاحة في خليج العقبة. وعلى الصعيد الإقتصادي، تمكنت "إسرائيل" من السيطرة على المصادر النفطية في سيناء المصرية (حتى ربيع 1982) وعلى موارد المياه في المرتفعات السورية والضفة الغربية وأصبح بمقدورها تطوير عملية الهجرة والاستيطان في الأراضي العربية المحتلة.

 أما على الصعيد الجيواستراتيجي، فقد تقدمت أكثر فأكثر من عواصم عربية مثل القاهرة ودمشق وعمان وازداد عمقها الإستراتيجي. هذا وكسبت أوراقاً جديدةً للمساومة، وأقامت حدودها الجديدة عند موانع أرضيةٍ محكمة كقناة السويس ونهر الأردن ومرتفعات الجولان. وقد أثر ذلك في الروح المعنوية لجيشها وقادته إلى حدٍ صور لهم وهمهم وغرورهم أنهم استطاعوا فرض إرادتهم على العرب وباتوا قاب قوسين أو أدنى من تحقيق مطامعهم التوسعية العنصرية في الوطن العربي.

وبالنسبة للطرف العربي، فإذا ما نحينا جانباً نتائج تلك الحرب على الصعيدين الاقتصادي والجيواستراتيجي مع قبول فرضية أن ما كسبته "إسرائيل" جاء على حساب خسارة العرب، يمكن الجزم أن تلك الحرب أيقظت، على مستوى نتائجها السياسية، الوجدان العربي وهزّته هزا عنيفاًً، ونبّهت الشعور القومي إلى الخطر الداهم على كل العرب من المحيط إلى الخليج. وانعكس ذلك على التحرك العربي الذي اتخذ اتجاهاتٍ عملية وسريعةً لإزالة آثارها ودعم مواقع الصمود والاعتماد على الأصالة الذاتية للأمة العربية. وقد تمت ترجمة ذلك في القمم العربية المتتالية التي أتاحت الإعداد للجولة التالية. كما وأن تلك الحرب وما ترتب عليها من "نكسةٍ" قاسيةٍ على العرب، كشفت للعالم أجمع أكذوبة "إسرائيل الضعيفة التي يتهددها العرب من كل حدبٍ وصوب"، مما أكسب العرب عطفاً دولياً وتضامناً مع قضاياهم ساعدهم على عزلها عالمياً.

أما على الصعيد العسكري بالنسبة للطرف العربي، فيمكن التسليم بأن القوات العربية تعرضت لخسائر فادحةٍ، أكان ذلك على المستوى البشري أو على مستوى الآلة العسكرية. غير أن هذه القوات تمكنت من التحرك السريع وإعادة تنظيم قدراتها وإمكاناتها، واستطاعت في فترةٍ وجيزةٍ أن تتعافى وتعود أقوى مما كانت عليه من قبل، وذلك بفضل الدعم العربي ودعم الدول الصديقة. وعلاوةً على ذلك فقد دفعت مرارة "النكسة" الجماهير العربية وحكوماتها وقواتها المسلحة للعمل الدؤوب من أجل رفع مستوى القدرة القتالية والتأهب للثأر.

 والأهم من ذلك أن تلك "النكسة" أو "الهزيمة" التي ألمت بالعرب زادتهم إصراراً وتصميماً على مواجهة التحديات الداهمة، بدلالات قرارات مؤتمر قمة الخرطوم وحرب الاستنزاف ومعركة الكرامة، وبدلالة متابعة الاستعدادات لبلوغ النصر، الأمر الذي لم يمكن "إسرائيل" من فرض أهدافها السياسية على العرب أو إخضاعهم لإرادتها وإرادة المعسكر الغربي الذي اعتمدها شرطياً "أميناً" على مصالحه .

وبالعودة إلى قرار مجلس الأمن 242 الذي صدر بعد خمسة شهور من عدوان الخامس من يونيو/حزيران 1967، نذكر أنه كانت قد بدأت مرحلة عربية جديدة تميزت باتساع إطار الثورة الفلسطينية وتزايد ساحات ومعارك المقاومة الفلسطينية المسلحة، وتزايد تأييد حركات التحرر الوطنية القومية العربية والتقدمية العالمية، في حين كانت "إسرائيل" موغلة في تنفيذ خططها الخاصة بضم الأراضي المحتلة خطوةً خطوة، وفي رفض قرارات منظمة الأمم المتحدة وتحدي ميثاقها وانتهاك مبادىء هذا الميثاق. واستمر الوضع على ذلك الحال حتى نشوب الحرب العربية "الإسرائيلية" الرابعة في السادس من أكتوبر/تشرين الأول عام 1973. ففي تلك الحرب استطاع العرب لأول مرة أن ينتزعوا زمام المبادرة من أيدي العدو "الإسرائيلي"، وأن ينتقلوا بنجاحٍ من الدفاع إلى الهجوم الإستراتيجي، وأن يباغتوا العالم ويأخذوا العدو على حين غرة، وأن يحطموا نظرية الأمن "الإسرائيلي" وأسطورة التفوق المزعوم، وأن يثبتوا قدرتهم على التضامن والعمل المشترك لتحقيق هدفٍ واحدٍ موحد.

 وإن لم تكن حرب السادس من أكتوبر/تشرين الأول قد انتهت إلى نصرٍ عسكريٍ حاسمٍ لأيٍ من الطرفين العربي و"الإسرائيلي" بفعل الدعم الغربي لتل أبيب والجسر الجوي الذي أقامته واشنطن بينها وبين عواصم الحلف الأطلسي وبفعل جنوح الرئيس أنور السادات إلى "السلم على الطريقة الأميركية ـ الإسرائيلية" وتطويعه نتائجها لغاية قطرية ضيقة ، إلا أنها جاءت في كثير من نتائجها لصالح العرب... وبالأخص النتائج السياسية. ولعل ما أثبتته حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 من قدرة العرب على التضامن ووحدة الصف والقوى والطاقات في مواجهة العدو المشترك هو من أهم النتائج وأكثرها قيمةً وتأثيراً، خاصةً وأنها تمكنت بجدارةٍ من محو آثار "نكسة" الخامس من يونيو/حزيران 1967. هل يُقيض للعرب أن يشهدوا تضامناً عربياً على شاكلة ذلك مرةً أخرى؟! أتمنى أن أعيش لأشهد مثل ذلك في يوم من الأيام...لكنني أشك في ذلك ، خاصة إذا ما استمر النظام الرسمي العربي على ما هو عليه من تآكل وتهالك !!

 

kawashmahmoud@yahoo.co.uk

إلى صفحة مقالات وأراء6