06/06/2006

كم حديثة في العراق؟ .. كم حديثة في الطريق؟

 بقلم : السيد زهره

 

·        قتلوا شيخا مقعدا يقرأ القرآن وأما وهي تصلي

·        رسالة لدعاة"الاصلاح" الامريكي: الديمقراطية قتلت أهل هذا البيت

·        بشهادة جنود الاحتلال.. ذبح المدنيين استراتيجية رسمية

·        لماذا اصبح الذبح مصدر متعة وفخر لجنود الاحتلال؟

·        كاتبة بريطانية: الجيش الامريكي عصابة من الهمج

 

 

مذبحة حديثة هي حديث العالم اليوم الصحف والمجلات وأجهزة الاعلام عامة في أمريكا وفي العالم كله تنشر تفاصيل ما جرى، وشهادات من شهدوا المذبحة وسيل من التعليقات حولها. حديثة ليست سوى مذبحة واحدة من مئات بل وآلاف المذابح التي يشهدها العراق منذ اليوم الأول للاحتلال وحتى يومنا هذا... ليست سوى صفحة سوداء واحدة في ملف الاحتلال.

ومع انه، في خضم الاهتمام العالمي بالمذبحة، اصبحت تفاصيلها معروفة لأغلب الناس، إلا ان من الأهمية بمكان ان نعيد تسجيل الوقائع هنا. هذا مهم بداية قبل ان يطوي المذبحة النسيان مثلما هو الحال مع كل المذابح التي شهدتها اوطاننا، وقبل ان ينضم شهداء حديثة إلى القائمة الطويلة جدا من شهدائنا المنسيين في وطننا العربي.

ماذا جرى في حديثة بالضبط؟ ولماذا؟ من الذي يتحمل المسئولية؟ وكيف يمكن تفسير كل هذا الاجرام وكل هذه الوحشية الأمريكية؟ هذه أسئلة مهمة ليس فقط انصافا لأرواح الشهداء الذين سقطوا، وانما ايضا لأن حديثة ليست نهاية المطاف لا في العراق ولا في الوطن العربي. في المخطط الأمريكي الاجرامي الذي يستهدف اوطاننا سيل من مذابح «حديثة« في الطريق.

***

وقائع المذبحة

وقائع المذبحة وتفاصيلها سجلتها في الأسابيع الماضية بالأساس الصحف والمجلات الأمريكية والعالمية. مما نشر، فإن ما جرى يتلخص على النحو التالي: في نحو الساعة السابعة من صباح يوم 19 نوفمبر 2005، انفجرت قنبلة اثناء مرور قافلة عسكرية أمريكية في قرية حديثة. الانفجار أدى إلى مقتل واحد من جنود المارينز. شهود العيان العراقيين، رووا لصحف ومجلات أمريكية وعالمية تفاصيل ما جرى بعد ذلك من واقع مشاهداتهم.

بعد دقائق من الهجوم بدا أحد جنود المارينز في الصراخ وقاد باقي الجنود إلى اقرب منزل لموقع الانفجار. كان هذا منزل عبدالحميد حسن علي (67 عاما) وهو مقعد يستخدم كرسيا متحركا. كان معه في المنزل زوجته (66 عاما) وأربعة من اقاربهم، وأربعة اطفال هم عبدالله (4 سنوات) وايمان (8 سنوات) وعبدالرحمن (5 سنوات) وعائشة شهران. لم ينج سوى ايمان وعبدالرحمن. إيمان حكت بعد ذلك ما جرى في منزل عائلتها. قالت: «عندما دخل المارينز المنزل كانوا يصرخون بالانجليزية. دخلوا أولا غرفة أبي. قتلوه وهو يقرأ القرآن.اطلقوا بعد ذلك النار على جدي وقتلوه. وقالت ايمان في حديث آخر: جميع من كانوا بمنزل عائلتي قتلوا بيد الأمريكان ما عدا أخي عبدالرحمن وأنا.. كنا خائفين جدا وحاولنا الاختباء اسفل وسادة.. لم نجرؤ على الحركة طوال ساعتين متواصلتين.. أفراد عائلتي لم يموتوا فورا، وإنما سمعناهم يئنون من الألم حتى قضوا نحبهم«.

انتقل جنود المارينز إلى المنزل المجاور. كان في المنزل خفيف (43 عاما) وعايدة ياسين احمد (41 عاما) وابنهم (8 سنوات) وأربعة بنات صغار وطفلة عمرها عام واحد. اطلقوا عليهم النار وقتلوهم جميعا. لم تنج سوى صفاء (13 عاما). قالت صفاء بعد ذلك انهم قتلوا أمها بينما كانت تحاول تجميع البنات وتحتضنهم

وانتقل السفاحون إلى المنزل الثالث وقتلوا كل من فيه وكانوا اخوة أربعة. في نفس الوقت كان أربعة طلبة جامعيين عائدين بالصدفة في سيارة تاكسي لقضاء عطلة نهاية الأسبوع مع أهلهم حاول السائق الهروب بسرعة لكن المجرمين اطلقوا عليهم النار وقتلوهم جميعا.

 الشهود قالوا ان السفاحين قتلوا أما كانت تصلي مع طفلها. شهود المذبحة يؤكدون انها استمرت لنحو خمس ساعات كاملة، وان الجنود كانوا يطلقون النار على الضحايا في الصدر والرأس اكثر من مرة، وانهم صوروا وقائع المذبحة. 24 كان عدد ضحايا المذبحة.

***

بعد المذبحة

في اليوم التالي للمذبحة، اصدر متحدث باسم المارينز تصريحا قال فيه ان «أحد جنود المارينز و15 عراقيا قتلوا بالامس في انفجار قنبلة في حديثة، وبعد الانفجار هاجم مسلحون قافلة وقامت القوات العراقية والأمريكية بالرد على النيران وقتلت 8 مسلحين وجرحت آخر«. بعد ذلك دفعوا تعويضات تراوحت بين 1500 و2500 دولار لـ 15 من الضحايا. المذبحة وقعت في نوفمبر من العام الماضي، وتم التكتم عليها تماما حتى شهر مارس الماضي عندما نشرت مجلة «تايم« الأمريكية تحقيقا عنها بناء على تحقيقات مراسليها وشريط فيديو تلقته صوره عراقي للمذبحة. ورغم ذلك لم تلق المذبحة أي اهتمام جدي إلا بعد ان علم النائب الديمقراطي الأمريكي جون مارثا بالتفاصيل بعد ذلك بأشهر وأدلى بتصريحاته الشهيرة التي اتهم فيها الجنود الأمريكيين بقتل العراقيين المدنيين بدم بارد وطالب باجراء تحقيق فيها وتحديد المسئولين عنها.

كل المحللين الأمريكيين وفي العالم الذين كتبوا عن المذبحة وتابعوا روايات الشهود، اجمعوا على انها تمت بعلم كامل من كبار القيادات العسكرية والسياسية الأمريكية. وأجمعوا على ان هؤلاء القادة علموا على الاقل بكل تفاصيلها فور وقوعها. ورغم هذا لم تحرك لهم ساكنا بل واجتمعت كلمتهم على التغطية عليها وتعمدوا الكذب الفاضح الصريح على النحو الذي تضمنه تصريح المتحدث باسم المارينز في اليوم التالي للمذبحة.

النائب الأمريكي مارثا لاحظ مثلا ان قرار دفع التعويضات هو في حد ذاته اكبر دليل على ان كل القادة الكبار كانوا على علم تام بالمذبحة. ذلك ان قرار التعويضات لا تتخذه المستويات القيادية الدنيا وانما يتم اتخاذه على اعلى المستويات.

***

حديثة كل يوم

ليس جديدا القول ان مذبحة حديثة بكل بشاعتها ليست شيئا استثنائيا ولا خارجا عن مألوف ممارسات الاحتلال وعملائه في العراق منذ اليوم الأول للاحتلال. الامر هو بالضبط كما قال محمد جاسم، تاجر عراقي لصحيفة اوروبية: «لدينا حديثة كل يوم في العراق.. لدينا كل يوم فلوجة وكربلاء«.

كاتب أمريكي قال ايضا ان اكثر من 200 ألف مدني عراقي قتلوا منذ الاحتلال، وهؤلاء كلهم الاحتلال هو المسئول عن قتلهم. الكاتب قال ان كل هؤلاء هم ضحايا «حديثة العراقية«. قال ان مذبحة حديثة التي يدور حولها الحديث هي ببساطة حديثة رقم عشرة آلاف.

كاتبة بريطانية معروفة هي ليندا هيرد استعادت بدورها السجل المعروف للمذابح الكبرى التي ارتكبتها القوات الأمريكية في العراق. استعادت جريمة ابوغريب بأبعادها التي بات العالم يعرفها. وقالت: «سمعنا وقرأنا شهادات شهود العيان عما جرى في الفلوجة وكيف تركوا جثث القتلى تملأ الشوارع كي تنهشها الكلاب، وكيف تم قصف عربات الاسعاف كي لا تنقذ المصابين. وقرأنا عن اسرة من خمسة افراد تم قتلهم جميعا وهم يحاولون الهرب بالسباحة في النهر، عدا مئات الأبرياء قتلوهم على الحواجز«. وتقول الكاتبة ايضا «.. وشاهدنا فيديو يصور جنديا امريكيا وهو يطلق النار على جريح عراقي ويقتله داخل مسجد.. ثم جاءت تلعفر حيث صدرت الأوامر لكل سكانها بترك بيوتهم ثم اقتحموا البيوت وقتلوا من قتلوا«. تخلص الكاتبة إلى «اننا شهدنا ما يكفي كي نعرف ان الجيش الأمريكي يتصرف باعتباره عصابة من البرابرة الهمج«.

حين يقول أمثال هؤلاء المحللين ان حديثة ليست استثناء وانما هي الممارسة الدائمة لجنود الاحتلال في العراق، فالمقصود ليس فقط المذابح والجرائم الكبرى التي يعلمها العالم مثل مذابح الفلوجة وتلعفر ومذبحة العرس في القائم وغيرها وغيرها.. مذابح يومية بالمعنى الحرفي للكلمة يرتكبها الاحتلال. هي آلاف المذابح. يكفي فقط ان نشير الى بعض من المذابح في الأشهر القليلة الماضية.

في 15 مارس الماضي ارتكبت القوات الأمريكية مذبحة مروعة في بلدة بلد العراقية. ذبحت 11 عراقيا في منزل واحد تتراوح اعمارهم بين 16 شهرا و75 عاما. وكالة اي بي الأمريكية سجلت وقائع المذبحة وكتبت: «جمعت القوات الأمريكية افراد العائلة في غرفة واحدة وقتلت 11 هم خمسة من الاطفال وأربعة نساء ورجلان.. قتلوهم بطلقات في الرأس ثم فجروا المنزل وأحرقوا ثلاث سيارات وقتلوا الحيوانات.

في 26 ابريل الماضي، اقتحمت القوات الأمريكية مسجد المصطفى ببغداد اثناء صلاة العشاء وقتلوا 37 مصليا. صحيفة «جارديان« البريطانية كتبت في ذلك الوقت ان الامريكيين «قيدوا الضحايا واطلقوا عليهم الرصاص، واصروا على الا يتركوا جريحا«.

في 13 مايو الماضي في العاشرة صباحا هاجمت القوات الأمريكية مع قوات الحرس الوطني العراقي منازل اللطيفية وهرب أهلها من منازلهم، إلا ان سبع طائرات هليكوبتر والجنود لاحقوهم وقتلوهم جميعا. ضحايا المذبحة كانوا أكثر من .25

ولعشرات المرات يطلق جنود الاحتلال النار على متظاهرين عزل ويقتلونهم. على سبيل المثال فقط، في ابريل الماضي وحده، قتلوا 7 وأصيب العشرات في الموصل، وقتلوا 15 وأصيب 70 في الفلوجة.

 في المستقبل القريب سوف تتكشف على وجه اليقين العشرات بل والمئات من مثل هذه المذابح.

***

الاستمتاع بالذبح

هناك جانب مرتبط بهذه المذابح المروعة التي يرتكبها جنود الاحتلال الأمريكي في العراق لم يلتفت إليه المحللون ولم يتوقفوا عنده كثيرا. بالنسبة لهؤلاء الجنود، ليست المسالة فقط مسالة ذبح أبرياء على هذا النحو الهمجي «بدم بارد« كما قال النائب الأمريكي، وانما انهم يستمتعون بهذا الذبح ويفتخرون به.

الشاعر والكاتب الأمريكي تانوسبورن حين كتب عن مذبحة حديثة توقف مذهولا عند مسألة محددة. كما اشرنا، لنحو خمس ساعات كاملة استمر جنود المارينز في ارتكاب هذه المذبحة. الشاعر والكاتب الأمريكي تساءل في ذهول: على امتداد هذه الساعات، كيف لم يكن لدى جندي واحد من جنود المارينز الذين شاركوا فيها قدر كاف من الانسانية كي يطلب وقفها؟

الجواب الذي لم يتنبه إليه الكاتب هو ان هؤلاء الجنود كانوا يستمتعون بما يفعلون ولا يجدون فيه أي شيء مشين او يقلق الضمير.. يستمتعون بذبح الاطفال والنساء والرجال والشيوخ على النحو الذي رأيناه.

حين تكشفت فظائع جرائم التعذيب في ابوغريب، لا بد ان العالم كله لاحظ نفس الشيء. لم يقم الجنود الأمريكيون فقط بارتكاب جرائم التعذيب المخزية الشنيعة هذه بحق العراقيين، وانما كانوا يستمتعون بما يفعلونه. كانوا يصورون هذه الجرائم بكاميراتهم الخاصة على سبيل الاعتزاز والفخر بما يفعلون. وكانوا يرسلون الصور إلى أصدقائهم مع تعليقات تحمل معاني السخرية من عذابات الأبرياء الذين عذبوهم.. وهكذا.

لنتأمل جيدا هذه الشهادة. هي شهادة ستاسي موريس زوجة تشارلز جرينرالجندي الأمريكي المجرم الذي شاهد العالم كله صوره وهو يعذب المعتقلين في ابوغريب مبتسما. هو الجندي الذي شاهده العالم وقد وضع سبعة سجناء عراقيين عراة فوق بعض في وضع هرمي. تقول الزوجة في شهادتها ان زوجها هذا بعث فخورا لطفليه عبر البريد الالكتروني صورا له وهو يقوم بتعذيب المعتقلين. قالت انه ارسل لاطفاله «صورا لهؤلاء السجناء وللدماء وبعث يقول لهما: انظرا ماذا كان يفعل والدكما«. واضافت الزوجة انها لم تطلع طفليها على الرسائل لكنهما شاهداها بعد ذلك كما شاهدها العالم.

اذن، هذا الجندي المجرم لم يكن يستمتع فقط بجرائمه، بل انه كان يعتبرها شيئا عظيما يدعو للفخر والاعتزاز بحيث يجب ان يعرف بها طفلاه الصغيران كي يعتزا بدورهما بوالدهما وما يفعله.

لماذا؟

كيف يمكن تفسير كل هذه الهمجية والوحشية التي يتصرف بها جنود الاحتلال الأمريكي في العراق؟ هناك تفسير، او بالاحرى تبرير رسمي أمريكي معروف قالوه تبريرا لمذبحة حديثة، وقالوه من قبل في مناسبات اجرامية شبيهة. يقولون ان الجنود يتعرضون لضغوط نفسية كبيرة كما يحدث عادة في كل الحروب، وانهم يشاهدون زملاءهم يقتلون.

بالطبع هذا تبرير إجرامي سخيف لا يبرئ هؤلاء المجرمين. لا يمكن للضغوط التي يتحدثون عنها أن تبرر إقدام الجنود على القتل، وبالطبع لا يمكن ان تبرر استمتاعهم كما رأينا بما يقومون به من اعمال ذبح وقتل جماعي لمدنيين أبرياء بكل هذه الوحشية.

وبالاضافة إلى هذا يقول المسئولون العسكريون والسياسيون الأمريكيون باستمرار ان الجنود الذين يرتكبون هذه الجرائم والمذابح ليسوا سوى «بضع تفاحات فاسدة«. أي انهم قلة قليلة ولا يعبرون عن كل جنود الاحتلال والجيش الأمريكي عامة، وانما مجرد حالات استثنائية. الاستثناء يمكن ان يحدث مرة أو مرتين أو ثلاثة في افضل الاحوال. لكن حين تكون المذابح بالعشرات وحين ترتكب هذه هذه الجرائم يوميا بالمعنى الحرفي للكلمة، فانها تصبح قاعدة لا استثناء. تصبح سلوكا ثابتا دائما لكل جيش الاحتلال. وهذا هو الواقع بالفعل.

اذن يظل السؤال: لماذا؟

***

لماذا كل هذه الوحشية؟

التفسير الأولي الواضح والمباشر لكل هذا الاجرام والوحشية والتفاخر بالمذابح التي يرتكبها جنود الاحتلال، هو ان هذه الوحشية في ذبح المدنيين هي استراتيجية رسمية للاحتلال. الجنود لا يفعلون سوى تنفيذ الأوامر الصادرة لهم من قياداتهم العسكرية العليا. وكي لا يظن احد ان في هذا اي قدر من المبالغة، ما علينا سوى ان نتأمل هاتين الشهادتين من جنديين أمريكيين خدما في العراق.

هارت فيجس، جندي خدم في الوحدة 82 المحمولة جوا في العراق. قال في شهادة منشورة ان أوامر من قياداتهم صدرت لهم بفتح النيران على كل سيارات التاكسي في سامراء بلا تمييز، لأن القيادات كانت تظن ان بعض رجال المقاومة يستخدمونها.

جودي كيسي جندي أمريكي خدم ايضا في العراق. قال في شهادة منشورة ان أوامر صدرت لكل أفراد وحدته بأن يحملوا معهم في عرباتهم العسكرية جواريف «جمع جاروف«. لماذا؟ الأوامر الصادرة لهم كانت تقضي بأنهم عندما يقتلون مدنيين لا علاقة لهم بأي عمليات عسكرية، يجب ان يضعوا جاروفا بجوار كل جثة كي يقال بعد ذلك انهم كانوا يقومون بزرع قنابل في الطرقات

اذن، ذبح المدنيين في العراق هو استراتيجية رسمية امريكية، وأوامر قيادات عليا عسكرية وسياسية. لكن هذا ايضا لا يكفي وحده تفسيرا لكل هذه الوحشية ولارتكاب كل هذه المذابح بلا تردد او تفكير. هناك أسباب كثيرة أخرى لا بد من التوقف عندها نشير فيما يلي إلى بعضها بشكل مختصر جدا:

 ***  الخطاب الرسمي لإدارة بوش في نظرته للعراقيين ولكل العرب والمسلمين هو الذي قدم المبرر والذريعة ووفر المناخ لارتكاب كل هذه المذابح بكل هذه الوحشية. نعلم ان هذا الخطاب يقوم في جوهره على ان هؤلاء العراقيين والعرب ارهابيون متخلفون خطر على أمريكا والعالم يجب التخلص منه. في عرف خطاب إدارة بوش.. قتل العرب تحرير.. وذبحهم حماية لأمريكا.. والخلاص منهم حرية. بعبارة اخرى، هؤلاء الجنود الأمريكيون حين يرتكبون هذه المذابح يستوحون التوجهات العامة لإدارة بوش ويستقر في يقينهم انهم يقومون بعمل عظيم خدمة لأمريكا. كان ملفتا مثلا في شهادة زوجة الجندي الأمريكي جرينر التي اشرت اليها قولها انه «كان يشعر بازدراء كامل تجاه السجناء (في ابوغريب) لاعتقاده انه ليست لهم اية حقوق«.

من أين أتى هذا الجندي بالاعتقاد بان هؤلاء المعتقلين في ابوغريب ليست لهم أية حقوق ولا يستحقون إلا الازدراء؟ اتى بها مباشرة من خطاب بوش في النظر إلى العرب والمسلمين. ولهذا، ليس من المبالغة القول انه ان كان هناك مجرم أصيل أول في مذبحة حديثة وكل المذابح في العراق فهو على وجه اليقين الرئيس الأمريكي جورج بوش.

*** وهل يمكن اعفاء كل الحكومات الغربية التي تتشدق مثلها مثل أمريكا بالديمقراطية وحقوق الانسان عن هذه المذابح؟ بالطبع لا. الامر هنا هو كما لاحظ الكاتب عمر البرغوثي في مقال كتبه عن مذبحة حديثه. قال ان الغرب كله يصمت تماما عن هذه المذابح. لماذا؟ لأن هؤلاء الذين يذبحون هم في عرف الغرب عرب يستحقون القتل. ويضيف انهم في الغرب يفعلون هذا في الوقت الذي لا يترددون فيه في ادانة «المذابح« التي تركب بحق الحيوانات وانتهاك حقوقها.

*** وهل يمكن ان نعفي الحكومات العربية من المسئولية عن كل هذه الوحشية للاحتلال في العراق؟ بالطبع لا. الحديث هنا مؤلم ويطول. لكن ببساطة هذه حكومات ايدت هذا الاحتلال الاجرامي ولم تحرك ساكنا ازاء كل الجرائم والمذابح التي تجري ولم تهتم حتى بمطالبة الاحتلال بالالتزام بما تحتمه عليه القوانين والمواثيق الدولية. هل سمعتم بحكومة عربية واحدة تدين مذبحة من هذه المذابح او تطالب بالتحقيق ومحاكمة مرتكبيها وفق القانون الدولي؟

*** وبطبيعة الحال، هؤلاء العملاء والخونة الذين اتوا على دبابات الاحتلال واصبحوا «حكاما« في العراق هم شركاء اصليون في كل هذه الجرائم والمذابح.

*** وهل يمكن ان نعفي المثقفين والكتاب والناشطين السياسين العرب الذين هللوا للاحتلال واعتبروه تحريرا للعراق وفتحا ديمقراطيا من المسئولية؟ بالطبع لا.

بالمناسبة نهدي لهؤلاء، ولكل الدعاة لـ «الإصلاح الديمقراطي« الأمريكي في دولنا العربية هذا. على جدار احد منازل حديثة التي ذبح المجرمون كل من كان فيه كتبت هذه العبارة «الديمقراطية اغتالت الاسرة التي كانت في هذا البيت«.

*** وهل يمكن ان نعفي انفسنا جميعا كمواطنين عرب، ونحن نتابع اخبار ما يجري لأهلنا في العراق او فلسطين من مذابح، ولا نغضب او نحرك ساكنا من المسئولية؟ بالطبع لا.

***

من ماي لاي.. إلى المستقبل

أغلب المحللين في العالم الذين كتبوا عن مذبحة حديثة اجمعوا على شيء واحد هو ان مثل هذه المذبحة ليست شيئا غريبا في تاريخ الجيش الأمريكي في الماضي ولن تكون شيئا غريبا في المستقبل. كل المحللين تقريبا اطلقوا على مذبحة حديثة «ماي لاي العراق«. يقصدون بذلك المذبحة الرهيبة التي ارتكبها الجيش الأمريكي في عام 1968 في فيتنام عندما اقتحم قرية ماي لاي وذبح 504 من أهلها تتراوح أعمارهم بين عام واحد و82 عاما.

والكاتبة البريطانية ليندا هيرد لاحظت ان مثل هذه المذبحة سبق وارتكب الجنود الأمريكيون مثلها في افغانستان. قالت: قرأنا وسمعنا عن أعداد كبيرة من المقاتلين الافغان تم تجميعهم في شاحنات، ثم قتلهم جميعا ودفنهم في رمال الصحراء بينما وقف الجنود الأمريكيون يتفرجون.

الشاعر والكاتب الأمريكي تانو سبورن كتب ما يلي: «في خلال عقد او اثنين او ثلاثة من الآن، فان بعض هؤلاء الذين ارتكبوا الجرائم في العراق او الذين يبررون جرائمهم ويبرئونهم سوف يحتلون مواقع قيادية في الولايات المتحدة. من الممكن ان يصبح احد هؤلاء سيناتورا أو وزير خارجية أو رئيسا للولايات المتحدة«.

***

الذي سجله المحللون عن تاريخ المذابح التي ارتكبتها أمريكا. والذي قاله الشاعر والكاتب الأمريكي، يعني ان «حديثة« ليست ماضي الجيش الأمريكي ولا حاضره فقط. يعني ان عشرات من حديثة في انتظار العالم العربي والاسلامي في المستقبل.

ولهذا السبب تحديدا، فان هذا التاريخ من المذابح الأمريكية بحاجة الى تفسير اكثر عمقا وشمولا من كل ما قلناه. فإلى الأسبوع القادم بإذن الله.

 

إلى صفحة مقالات وأراء6