18/05/2006

 

ليسوا هواة انتحار أو دعاة موت

 

 بقلم : فهمي هويدي

 

في زمن الانحسار الذي نعيشه، احتل خطاب الاستسلام موقعا ملحوظا في الإعلام العربي، حتى اصبحت رسائله جزءا من ثقافة المرحلة، وهو ما تجلى في العديد من الدعوات والحملات التي استهدفت مختلف القيم النبيلة ومصادر العافية في مجتمعاتنا، في المقدمة منها قيم الوحدة والانتماء العربي والإسلامي، وصولا إلى المقاومة والجهاد والاستشهاد.

 

ما دفعني إلى التطرق إلى هذا الموضوع هو علو نبرة تسفيه تلك القيم في بعض المنابر الإعلامية، وبوجه أخص مسألة الاستشهاد التي يحلو للبعض أن يصفها بأنها مجرد «انتحار»، الأمر الذي يضعنا ازاء مفارقة بائسة، إذ نجد نفرا من خيرة شباب الأمة يضحون بحياتهم ودمائهم وأحلامهم من أجل الدفاع عن أمتهم وأحلامهم، في حين يضن عليهم نفر آخر من المثقفين بكلمة حق تنصفهم وتحفظ لهم كرامتهم في الدنيا، فيصفونهم بأنهم انتحاريون، ازدراء لهم وتهوينا من شأنهم. ليس ذلك فحسب، وإنما ذهب البعض في تسفيههم لأولئك الشباب المجاهدين إلى حد اتهامهم بقصور الفهم وقصر النظر، والإدعاء عليهم بأنهم حينما ضحوا بحياتهم، إنما أرادوا فقط تسجيل موقف، دون أن تكون لهم غاية أو هدف يريدون بلوغه، الأمر الذي صورهم بحسبانهم قطعانا فاقدة العقل، جعلت من الانتحار هواية تمارسها حينا بعد حين، في تنافس عبثي على الموت لأجل الموت!

 

وحتى لا يلتبس الأمر على أحد، فإن ما أعنيه وأدافع عنه هو العملية الاستشهادية الموجهة ضد أعداء الأمة الذين اغتصبوا أرضها في فلسطين أو احتلوها كما في العراق. أما الذين يفجرون أنفسهم في عمليات تتم ضد أبناء وطنهم أو مرافقه، أو ضد الأبرياء العزل في أي مكان فهؤلاء يرتكبون أعمالا إرهابية لا أدافع عنها، وإنما أدينها بكل ما أملك من قوة، ومن الخطأ الجسيم أن يوضع الجميع في سلة واحدة، بحيث يساوي بين الذين يدافعون عن كرامة أمتهم بغيرهم ممن يروعون مواطنيهم أو يشيعون في البلاد الخراب والدمار.

 

قرأت على هذه الصفحة في الأسبوع الماضي نموذجا لذلك الخليط. أقحم الفلسطينيين في زمرة دعاة الترويع والإرهاب، ومن ثم أخذ على الفلسطينيين ما أخذه على غيرهم من انفصام العلاقة بين الهدف والوسيلة حتى صارت الوسيلة هدفا في حد ذاتها. وهو ما اعتبرته ظلما فادحا للنضال الفلسطيني وتشويها جسيما له، ينبغي أن يتنزه عنه أي باحث منصف، ولا أقول أي مثقف ملتزم. وحفزني ذلك إلى محاولة تحرير المسألة في ذلك الجانب، خشية أن يصدق البعض الكلام، فتتحول العمليات الاستشهادية إلى قيمة سلبية وعملا عبثيا يظن أنه لا طائل من ورائه، في حين أنها في اللحظة الراهنة بمثابة ورقة الضغط الأخيرة التي يملكها الفلسطينيون، بل لا أزيد في القول بأنها صارت ورقة التوت الوحيدة التي تستر عورة الأمة العربية، وتحول بينها وبين الانكشاف والفضيحة.

 

لقد اعتاد الإعلام الغربي ـ وبعض مثقفينا المنسوبين إلى «المارينز» ـ أن يقيموا الدنيا ولا يقعدوها إذا ما سالت دماء مواطن إسرائيلي، أما موت الفلسطيني فقد غدا أمرا عاديا، أو كأنه من تقاليد الحياة المستقرة في الأرض المحتلة، وهو ما تجدد مع عملية تل أبيب الأخيرة التي استشهد فيها أحد شباب الجهاد الفلسطيني بعدما فجر نفسه وقتل تسعة إسرائيليين، وجاء ذلك بعد أن قتلت القوات الإسرائيلية 28 فلسطينيا في الفترة من أول إبريل الى 18 إبريل الماضي، لم يتحرك شيء حين تتابع قتل الفلسطينيين خلال تلك الفترة. عند الحد الأقصى نشرت الصحف أخبارا متناثرة عن قتل الفلسطينيين، كما لو كانت متابعة لمسلسل تلفزيوني، أما حين حدث الرد وسال الدم الإسرائيلي فأن الخبر تحول إلى قضية، وتعين على الجميع أن يسجلوا شهادتهم بخصوصها.

 

أكرر ما قلته من قبل من أنني لست بحاجة إلى إدانة القتل وإراقة الدماء من حيث المبدأ كما أن احدا لا يستطيع أن يزايد علينا في ثقافة رفض قتل النفس، الذي اعتبره الإسلام بنص القرآن قتلا للبشرية كلها، حتى وأن استهدف إنسانا واحدا بغير حق، بالتالي فنحن لا نتحدث عن المبدأ مجردا، ولكننا نتحدث حصريا على حالة توافرت لها أركان ثلاثة هي:

 

* احتلال اغتصب الأرض وتشبث بها، ومارس عليها توسعاته ومستوطناته، وسوره الذي أراد به أن يلتهم نصف الضفة الغربية.

 

* سلوك عدواني راهن على السحق والقمع، ولم يتوقف يوما عن قتل المدنيين الفلسطينيين وقصف تجمعاتهم وتدمير بيوتهم فوق رؤوسهم وذلك فضلا عن احتجاز عشرة آلاف فلسطيني في السجون الإسرائيلية، واعتبارهم رهائن في ممارسات الإذلال، وضغوط المساومة.

 

* انسداد أفق المراهنة على أي تسوية سلمية عادلة، والتيقن من أن تلويحات السلام التي طرحت استخدمت أستارا وأقنعة لاخفاء التمكين للاحتلال وتغيير خرائط الواقع، ومن ثم لإجهاض أحلام المستقبل واحدا تلو الآخر، من الاستقلال إلى العودة.

 

بوسع أي باحث منصف، حتى وأن كان من «المارينز»، أن يراجع صفحات التاريخ ليتثبت من أن العمليات الاستشهادية لم تظهر في الأفق الفلسطيني إلا بعد أن توافرت تلك العوامل الثلاثة، بوسعه أيضا أن يراجع خطاب المقاومة الفلسطينية الذي عرض إيقاف العمليات الاستشهادية في مقابل وقف الغارات والاجتياحات الإسرائيلية، كما عرض هدنة تبادلية يطلق فيها الأسرى والمعتقلون، لكن ذلك كله رفض في الجانب الإسرائيلي الذي أصر على الاحتكام إلى لغة الدم، وكان الرد الفلسطيني هو «لن يتم ذلك بالمجان وليكن الدم بالدم»!

 

هل أصبحت العمليات الاستشهادية في الحالة الفلسطينية هدفا لا وسيلة وهل حقا انصب الحرص الفلسطيني على تسجيل المواقف دون تحقيق الأهداف؟ هذا هو الإدعاء الذي أدهشني، من حيث أنني وجدت فيه ظلما بينا وتسفيها غير مبرر، وتهوينا من شأن التضحيات الغالية التي يقدم عليها المجاهدون الفلسطينيون بجسارة نادرة.

 

إن أي باحث عادي في العلوم الاجتماعية يعرف أن الأهداف درجات، منها ما هو مرحلي ومنها ما هو نهائي، فتحرير الأرض المحتلة في فلسطين هدف نهائي، لكن إقلاق راحة العدو وإقناعه بأن بقاءه في الأرض المحتلة يحمله كلفة باهظة لا قبل له بها، وكذلك مقاطعته وإشعاره بأنه مرفوض ومنبوذ طالما استمر في احتلاله، مثل هذه الأساليب أو الوسائل تحقق أهدافا مرحلية، من شأن استمرارها أن يقرب الخطى نحو الهدف النهائي، بعضه أو كله، أو قل إنه بغيرها يتعذر الوصول إلى الهدف النهائي.

 

إذا اتفقنا على ذلك المعيار، وحاولنا تنزيله على أرض الواقع فسنجد أن العمليات الاستشهادية وليس المفاوضات حققت ما يلي:

 

* ضربت نظرية الأمن الإسرائيلي من حيث إنها أوصلت إلى كافة الإسرائيليين رسالة أبلغتهم فيها أنهم لن يستطيعوا أن ينعموا بالأمان طالما ظل الفلسطينيون تحت الاحتلال وهذه هي الحجة التي استخدمها بنيامين نتنياهو في مناظرته الشهيرة مع شمعون بيريز حين نافسه على رئاسة الحكومة بعد مقتل رابين إذ تحدث بيريز عن الاختراقات الإسرائيلية الدبلوماسية للعديد من عواصم العالم العربي والإسلامي، فرد عليه نتنياهو قائلا: ما قيمة ذلك كله إذا ظل المواطن الإسرائيلي مفتقدا للأمان في بلاده، وكانت تلك هي الضربة القاضية التي أجهزت على بيريز وأخرجته من السباق.

 

* أوقفت تطلعات دعاة إقامة إسرائيل الكبرى، وأجبرت القيادة الإسرائيلية على التراجع النسبي، بعد أن دأبت على مواصلة التوسع بعد عام 67 وما الانسحاب أحادي الجانب من غزة وإخلاء مستوطناتها وطرح الانسحاب الجزئي من الضفة إلا دليل على ذلك.

 

* اضطرت إسرائيل إلى محاولة التحصين وراء الجدار العازل لتوقف هجمات المقاومة ورغم أن الجدار استخدم لابتلاع مزيد من الأرض ومن ثم زاد من معاناة الفلسطينيين، إلا أن ذلك لا ينفي عنصر الخوف الإسرائيلي في مشروعه.

 

* أن شارون حين أعلن وهو على رأس الحكومة الإسرائيلية أن حرب 48 لم تنته، فأنه كان يعبر عن إدراك الإسرائيليين بأن الشعور بالاستقرار والأمن لم يتوافر لهم بعد، رغم إقامة الدولة ورغم كل أسباب القوة والاستعلاء التي تستعرضها أمام الملأ بين الحين والآخر.

 

ان الاستشهاديين في فلسطين ليسوا هواة انتحار ولا دعاة موت كما يصورهم خطاب الاستسلام والهزيمة ولكنهم يقدمون أرواحهم كي تظل هذه الأمة مرتفعة الرأس، وكي يبقى حلمها في الحياة الكريمة متجددا ومتوهجا، ومن المشين والمخزي حقا أن نطالع أصواتا تسفه تضحياتهم النبيلة، متضامنة في ذلك مع الساعين إلى إجهاض الحلم ومن ثم كسر إرادة الأمة وتركيعها.

 

1

 إلى صفحة مقالات واراء5