16/05/2006

الحنين إلى صدام

 

  بقلم: مصطفى بكري

أصبح العراق واحة مستباحة، أعمال القتل لا تتوقف، الذبح يجري على الهوية، والموت ينتظر الأطفال والنساء والرجال والشيوخ.. الثروة تنهب، والبنية دمرت، وهناك صراع حثيث لتدمير القيم وسلخ العراق عن عروبته وعقيدته.
بين الحين والآخر يزورني كثير من العراقيين فى مكتبي وسط القاهرة.. الحسرة تبدو على الوجوه والألم يعتري النفوس، والكل يسأل: أين هي أيام صدام حسين؟.. أكثر من ثلاث سنوات مرت على الغزو الانجلو ساكسوني للعراق.. لا يكاد يوم يمر دون قتل العشرات من الأبرياء.. فرق الموت تنتشر في كل مكان، تخطف الناس من بيوتهم، تعذبهم وتقتلهم وتشوه وجوههم، ثم يلقون بهم على نواصي الطرق وتبث الفضائيات أخبارها التي لا تنتهي..
«جثث مجهولة» هذا هو العنوان الأهم لعملية القتل المنظم التي تجري على أرض العراق، حرب عرقية وطائفية تشنها قلوب لا تعرف سوى لغة القسوة والعمالة، تدفع بآلاف الأسر إلى الهجرة والفرار بعيداً عن أرض العراق.
إذن هذه هي الديمقراطية التي وعد بها السيد جورج بوش شعب العراق، ديمقراطية مغموسة بالدم والدمار ديمقراطية لا تعرف الطريق إلى الحوار وتداول السلطة، لكن طريقها المباشر هو إقصاء كل من يقول «لا» للاحتلال، و»لا» للتقسيم عبر المقصلة أو الموت بالسيارات المفخخة.
كانوا ثلاثة منهم: الأستاذ الجامعي والمحامي والضابط السابق، كان الحنين قد أخذهم إلى هناك، إلى أيام كان فيها العراق ينعم بالاستقرار والأمان ولقمة العيش الكريمة.
كان ينعم فيها الإنسان العراقي بالعزة والكرامة والحرية.. كان جزءاً من كيان أكبر يفخر به، ويعمل لأجل وحدته ورفعته، كان هناك هدف يسعى لأجله ويناضل من أجل تحقيقه، كانت فلسطين دوماً في القلب، وكان الأمن القومي العربي هو العنوان.
كان اسم صدام يتردد بقوة، كانت العيون تبرق، والقلب يهفو، والحنين يبدو طاغياً وأين هي أيام «أبو عدي»؟.. قالها الأستاذ الجامعي الذي كان يتحدث بحسرة على زملائه الذين يقتلون الواحد تلو الآخر وفقاً لخطة تقوم على تنفيذها فرق الموت العميلة.
قد تختلف أو تتفق مع صدام حسين لكنه كان قائداً وزعيماًً وطنياً.. كان يقول: لا لا لأمريكا بكل قوة، وكان يتحدى العدو الصهيوني ويعمل لأجل اللحظة القادمة، كان عروبياً وحدوياً أمنيته هي أن يرى هذه الأمة قد وحدت جهودها وقواهاحتى تستطيع أن تواجه التحديات المفروضة عليها.
لقد أسقطوا صدام حسين بمؤامرة مكشوفة للعيان، كان الكل يدرك أبعادها، ومع ذلك هناك من صمت، وهناك من تواطأ، لكن الأيام تكشف الآن أن المؤامرة كانت أبعد من هذه الادعاءات الكاذبة حول امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل أو غير ذلك من المبررات. لقد سقطت كل الرهانات الكاذبة، وظهر صدام بصورة الفارس الأصيل الذي يرفض الصفقات المشبوهة، يتحدى الجبروت ويرفض الهروب ويتمسك بالمقاومة، لم يبرح الأرض، ولم يستسلم ويقبل الخنوع، بل ظل قوياً حتى وهو في قفص الأسر.
هذا الحنين الطاغي وهذا الإعجاب الكبير بشخصية صدام حسين مرده إلى الحسرة على زمن مضى وواقع مؤلم بعد المؤامرة.. الذين اتفقوا والذين اختلفوا الكل يسأل بعلو الصوت وأين هي أيام الرئيس صدام؟!
لاتزال صور صدام حسين تزين بيوت العراقيين، ومع كل يوم يمضي يزداد الحنين إليه، بينما يزداد السخط في المقابل ضد هؤلاء الذين باعوا الوطن وقبلوا أن يحكموا من على ظهور الدبابات الأمريكية.
ما يحدث في العراق درس كبير يجب أن تعيه الشعوب في مواجهة هؤلاء الذين يروجون دوماً للإصلاح على الطريقة الأمريكية ولو كشف «الماسك» الذي يرتدونه على وجوههم لأدركت أنها ليست سوى وجوه أحمد الجلبي وإياد علاوي وهلم جرا.

إلى صفحة مقالات وأراء5