09/07/2006

عروض التذاكي الموسوية في محكمة الرئيس صدام

 

 بقلم : حمدان حمدان

 

مع اقتراب محاكمة الرئيس صدام حسين في مسألة الدجيل، من نهايتها تتضح صورة المشهد العراقي من زاوية الأهداف غير المعلنة للغزو الأمريكي، أي بطريقة التحديد بالاستبعاد، وأن سلسلة الأكاذيب التي انطلقت قبل الغزو وأثناءه وبعده، لم تعد بحاجة إلى تكرار، وأن الأهداف غير المعلنة في السيطرة على موقع العراق ونفط العراق وضمان أمن اسرائيل، ينقصها هدف غير معلن آخر، هو الانتقام من رئيس خارج على الطاعة .

وليس أدل على هذه الحقيقة، من وقائع مرصودة خاصة في الجلسات الأخيرة لمحاكمة الدجيل، حين يتخذ السيد رئيس المحكمة القاضي رؤوف، من صلاحياته سيفاً مسلطاً على رؤوس شهود الدفاع، بل وعلى رؤوس محامي الدفاع،، وبفظاظة عز نظيرها، في محاكم مهندسة بهدف الحكم المسبق، لا بهدف العدالة، التي هي في عراق اليوم، أشبه بوجود النخيل في سيبيريا !..

وتبدأ المهزلة منذ اللحظات الأولى، لطرد محامية الدفاع، السيدة بشرى الخليل، من المحكمة، من غير سبب قانوني أو منطقي أو حتى أخلاقي مفهوم، فالصلاحية، كما يفهمها رئيس المحكمة، هي استخدام مادة قانونية تبيح له الطرد، حتى لو أن المحامي – موضوع الطرد – لم يبدأ كلامه بعد، وفي الحقيقة، فإن المحامية اللبنانية المناضلة، بشرى الخليل، كانت قد طردت بشكل تعسفي صريح، وهو ما يدل على تبييت الطرد، قبل النطق به، ولسنا على دراية تامة، فيما إذا كان هذا الاجراء المخزي من رئيس المحكمة قد تم بفعل ارادي ذاتي منه، أم أنه اجراء موصى به من قبل السادة الأصليين في تشكيل المحكمة وإدارة جلساتها بطريقة خفيّة .

ففي مؤتمر صحفي للسيدة المحامية خليل، عقدته في مقر الصحافة في بيروت، يوم الثلاثاء 6 حزيران 2006، تؤكد أن (فريقاً من رجال القانون الأمريكيين يشارك في حضور جميع الجلسات، وهو يوجه عملياً رئاسة المحكمة ويعطي التعليمات من شرفة في أعلى القاعة، محاطة بزجاج حاجب للرؤية) ثم تضيف السيدة المحامية (لقد تأكد لي بوسائلي الخاصة، وجود قانونيين يهود مع الفريق الأمريكي.. وأنا أتحمل كامل المسؤولية عن تصريحي هذا) .

وبمسؤولية أو بدونها، فإن العالم كله، يعلم حق العلم بأن محاكمة الرئيس صدام وصحبه على هذا النحو، إنما هي إدارة أمريكية – صهيونية، بهدف الانتقام، وليس بهدف اظهار الحقائق التاريخية، وشاهد الطعن في هذه المحاكمة، هو أن الإدارة الأمريكية سبق لها أن فاوضت الرئيس صدام (في سجنه) بواسطة شخصيتين كبيرتين في الإدارة (رامسفيلد أولاً ثم كونداليزا رايس ثانياً) لاقناعه بتوجيه خطاب للمقاومة والالتحاق بالعملية السياسية الجارية، في مقابل اطلاق سراحه وجميع أقاربه ليختار أي بلد أوروبي يريده (مع ضمان معاملة دائمة على مستوى رئاسي رفيع) (من محاضرات للدكتور خير الدين حسيب في نيسان 2006، بجامعة جورج تاون في واشنطن) .

فإذا كان اطلاق السراح والمعاملة الرئاسية بمقابل مخاطبة المقاومة بإلقاء السلاح       ،

إذن فأين تقع مقاصد العدالة في (جرائم) الدجيل، وحلبجة والأنفال وألوان اللطم على المقابر الجماعية ؟!

فمن الواضح أن بقاء الرئيس صدام في السجن حتى الآن، إنما يعود لاستهزائه بالعرض الأمريكي، بدليل قوله الختامي للسيدة كوندا (التي كانت تخاطبه بسيدي الرئيس) : (إنني عراقي ولدت في العراق وسأموت فيه).

وبمقابل هذا الجبل العربي الأشم، نعود إلى هيئة الطحالب في محكمة صدام، فمن أجل ربط الصورة بالصوت، فإننا نذهب إلى لقطات في سير المحكمة، لاهي من روح القانون، ولا هي في منطق العقل الانساني على الإجمال، فالقاضي رؤوف يأمر، أو (لعلّه يدعي الأمر من تلقاء نفسه) باعتقال أربعة شهود من الدفاع، أو بلغةٍ قانونية جنتلمانية، التحفظ عليهم .

أما العلة القانونية، فهي شهادة الزور التي أدّوها فهل يجوز لقاضٍ سجن الشاهد في مثل هذه الحالة والعجالة، دون تحقيق مفصّل، أو أدلة دامغة أو حكم محكمة ؟ فمن أجل جميع هذه الإجراءات، للوصول إلى حقيقة وقوع شهادة الزور، فإن مدة زمنية لازمة للتحقق، وفي هذه الحالة، يحاكم الشاهد (المتهم بقول الزور)، طليقاً لا سجيناً، لأن المتهم برئ ما لم تثبت ادانته، أما تأويل رئيس المحكمة، فهو العذر الأقبح من ذنب، إذ أنه لا يستطيع اطلاق سراح الشهود السجناء، في أحوال أمنية مضطربة (ثم ليضيعوا في مجاهل تكريت !..) ويضيف (من هي الجهة التي تستطيع احضارهم في مثل هذه الحالة !..)

ووفق هذا المنطق.. فإن على الشاهد أن يبقى سجيناً، حتى يبت القضاء (الرؤوفي) بشأنه!..

فكل المشكلة التي من أجلها اعتقل الشهود، هي أن المدعي العام السيد جعفر الموسوي كان من أحد حضور(الإحتفال) بالذكرى السنوية الثانية والعشرين لمأساة الدجيل (أي 8 –7- 2004) وقد صادف أن شبيهاً للسيد جعفر كان هو المقصود في صورة الإحتفال، ولم يتسن للشهود أن يقولوا كلمتهم في الشبيه المقصود، إن كان هو ما يعنوه، أم أن جعفراً كان في مكان آخر، ومع ذلك، فإن رئيس المحكمة التقط الفرصة، ليرمي الشهود بتهمة الزور، ثم ليأمر بالقاء القبض عليهم، وإلقائهم في السجون الأمريكية في العراق .

وهنا نصل إلى الجوهر، فهل كانت واقعة وجود أو عدم وجود المدعي العام الموسوي، في احتفال الدجيل، هي شهادة محورية في القضية، وماذا يقدم أو يؤخر، أن يكون الموسوي في الدجيل، أو النجف أو طهران ؟.. فقد تجاهلت المحكمة أن شاهداً أساسياً من شهود الاتهام، ظل ينوح ويبكي (على ما فعله نظام صدام بعائلته الدجيلية)، وهو يقسم بأغلظ  الإيمان، بأن ما كان يجري في الدجيل يومها إنما هو مجرد احتفال أهلي، ولم يكن محاولة اغتيال، فيما يٌظهر شريط التصوير، هذا الشاهد نفسه، وهو يلقي خطبة عصماء في حشد المناسبة (أي 8-7-2004 ذاتها)، يتباهى فيها، بمحاولة قتل الرئيس العراقي أثناء مروره في الدجيل .. بينما لم تعتبره المحكمة من شهود الزور !..

ويلفت النظر، أن القاضي رؤوف، لا يلتقط التعليق على الشهادة عند صدورها، بل لعله (يحمَّل) بالتعليق عليها في جلسة لاحقة، ففي قول الشهود السجناء، أن هناك ما يقارب عشرين اسماً على قائمة الإعدام، إنما هم على قيد الحياة في الدجيل أو جوارها، أو أن وفاتهم كانت إما على جبهات القتال مع ايران، أو أنها حصلت في أعوام لاحقة على قرار الاعدام وتنفيذه، ويستنتج القاضي رؤوف، بأن محاكمات السيد البندر (رئيس محكمة الثورة) كانت فوضوية ومستعجلة .. بدليل أن البندر، لا يعرف مَن تم بحقه تنفيذ الحكم من عدَمه، ثم ليوجه النصح لهيئة الدفاع (ليس من مصلحتكم ادعاء وجود أحياء . فهذا يشير إلى مدى الإرتجال في محاكماتكم السابقة .. ونوايا التلفيق في الأحكام ..) لكن عقل القاضي رؤوف، لم يستدرك صدقية القائمة المنفردة، التي قدمها المدعي العام الموسوي، على أنها تشتمل على مئة وثمانية وأربعين اسماً، جرى بحقهم تنفيذ حكم الإعدام، فإذا كانت هذه القائمة من أصل الإضبارة الأساس، التي تشتمل على مئات الأوراق لمجريات المحاكمة، فإن صدقيتها تبرز من خلال المطابقة مع أصل الاضبارة المخفية، إذ كيف يتم العثور على قائمة من اضبارة، ولا يمكن استحضار الاضبارة بكاملها، فيما يتعلل القاضي رؤوف، بأن احضار الاضبارة من واجبات هيئة الدفاع، وأنه (لا يتعامل مع الأمريكيين) بل فقط مع الحكومة العراقية، فمن المعروف بداهة، أن الاحتلال الأمريكي، حافظ بعد احتلال بغداد، على وزارتي النفط والداخلية، وما يتعلق باجراءات القضاء زمن الرئيس صدام، وإلا من أين لهذه المحكمة، وقبلها محكمة التحقيق الجوحيّة، أن تلتقط آلاف الوثائق، لتجري عليها مونتاجات وتوقيعات وتعليقات .. هذه بتوقيع الرئيس وتعليقه، وثانية باسم برزان وأخرى باسم سبعاوي أو البندر ؟! فقد جيء بهذه الوثائق منزوعة عن أصولها، بقصد الاسقاط عليها، وهي عملية فنية ممكنة وعلى درجة من الاتقان تختلط على صاحبها، كما قال الرئيس صدام في الجلسة الأخيرة للمحكمة .

وإضافة إلى ذلك، فقد قال الرئيس صدام شيئاً آخر :

(لقد طالبنا بعرض أوراق الادعاء العام، على جهة دولية محايدة، لفحص الخطوط والتواقيع والهوامش .. مقارنة بالأصل، وقد مضى على طلبنا أشهر، ومع ذلك لا جواب) .

إلا جواب القاضي رؤوف وهو مازال يردد (اطمئنوا لعدالة المحكمة !..) .

وهناك مشكلة مصطنعة، تكمن في ادعاء رؤوف لعنفوانه العراقي، خاصة عندما يتحدث السادة برزان ورمضان والبندر، فهو يتكهرب من سيرة الأمريكيين، فيما هو يعلم بأنه يجلس في محكمة أسسها الأمريكيون، بقوانين أقل ما يقال فيها، أنها تتعارض تماماً مع اتفاقيات لاهاي الدولية فالمادة 43 من هذه الاتفاقات (تحظر قطعياً المساس في قانون أساسي مثل دستور دولة في مسار احتلال محارب) وقد استشهد بذلك استاذ القانون الدولي فرنسيس بويل، في جامعة ايلنوي الأمريكية في محاضرته : الولايات المتحدة كمحتل للعراق 23 ك1 2005 .

فالسيد رؤوف، يثور لكرامته العراقية، حين يكون الحديث عن الأمريكيين وما فعلوه في العراق، لأن في ذلك محاضرة سياسية لا دخل له بها ! .. وهو لا يثور لمحكمته الأمريكية بالمنطقة الخضراء، بحراسة أمريكية وتحرك أمريكي وإشارات أمريكية في الصغيرة والكبيرة، بما في ذلك الأذن لمتهم بالذهاب إلى دار خلاء .. إنه لا يثور لمحكمة جنائية خالية من عَلَم العراق وكتب السماء من قرآن وانجيل .. حسب تقاليد موروثة مع الوصيّة العُمرية .

أما إذا كان القاضي رؤوف لا يحفل وركبه القضائي بعَلَم العراق أو قرآن الإسلام، فهي دلالة إضافية، على أمركة المحكمة وصهيونيتها، إذ حتى الشكليات الاجرائية فإنها تقع في محظورات المحرمات، فالإسلام ينتسب إلى القرآن الذي تحرص أمريكا على محاربته وعدم التذكير به، أما عَلَم العراق، فيذكّر بالمرحلة الصدامية التي لا تتوافق مكونات العراق الاثنية والطائفية إلا على كراهيتها، بدليل أن مكونات المحكمة، هي من ذات النسيج، إذ لماذا يكون الرئيس كردياً وطاقم الادعاء شيعياً، وهل من قبيل الصدفة السعيدة، ألا يشتمل جلوس المنبر القضائي على سنّي عربي واحد ؟!.

سيقول قائلهم بأن في هذا إثارة للنعرات الطائفية، وما كان لنا أن نخطّ سطراً واحداً في هذا المضمار، لولا أن العراق كله بات يسبح في بحيرات دم، طائفية واثنية ! .. أما المشهد فيتمثل في صورة المدعي العام، التي تحمل ميلاً صريحاً للتشفي والانتقام، ومن اللافت، أن السيد جعفر (المدعي العام نفسه)، هو الآمر الناهي في ادارة المحكمة، إذ رغم اظهاره التبجيل لمقام (المحكمة الموقرة)، إلا انه هو الذي أشار إلى حبس شهود الدفاع، من موقف شخصي أصيب به من غير بقية القضاة، وهو بذاته مَن وجهت له الاتهامات المتكررة، بلعب دور سمسرة المساومة مع المعتقلين الآخرين، بتحويل المتهم إلى شاهد أو بتهديد تحويل الشاهد إلى مُتّهم، ويبدو بجلاء لا حيادية المحكمة في موقفها من محامي الدفاع وشهوده، مقارنة بالموقف من هيئة الادعاء وشهود الاثبات، ففيما يتم القطع والاعتراض وحتى السخرية بطاقم الدفاع وشهوده، فإن الوقت كله يمنح بسخاء لشاهد زور يقسم يميناً مغلظة بأن ما جرى في الدجيل، كان احتفالاً شعبياً، ولم يكن محاولة لاغتيال الرئيس .

بقي أن ننظر وعود القاضي رؤوف الوردية، بترك المسائل كلها ..لعدالة المحكمة!..  

 

إلى صفحة مقالات وأراء6