09/07/2006

المرأة طريق الغرب المحبب لمحاربة الإسلام

 بقلم : د. محمد يحيى

منذ سنوات طويلة وقع في يدي كتاب مدرسي للتاريخ صادر في بريطانيا في مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين وهو موجّه لتلاميذ بعض المدارس المتوسطة. وفي فصول الكتاب المبسطة وعند الحديث عن الإمبراطورية العثمانية كما يسميها المؤلف وردت عبارة منسوبة لدبلوماسي فرنسي في اسطنبول يوجه فيها النصح لحكومته بخصوص التعامل مع رجل أوروبا المريض فقال [وقد وردت العبارة في الكتاب بالفرنسية] 'افتحوا المرأة وأغلقوا القرآن'. وبصرف النظر عن طبيعة السياق الذي وردت فيه هذه العبارة ناهيك عن عدم دقتها إلا أن الحوادث التي دارت على مدى ما يزيد عن القرن تؤكد أنها تكمن كمبدأ عام خلف مواقف الغرب من العالم الإسلامي من عهد الاستعمار القديم والجديد إلى عهد العولمة والرأسمالية الحديثة. ذكرتني بهذه العبارة أخبار متعددة قرأتها من مصادر مختلفة في يوم واحد تقريباً تنم كلها عن مظاهر الهجمة على الإسلام من خلال استهداف المرأة المسلمة. في برنامج أذاعته المحطة العالمية لهيئة الإذاعة البريطانية في 25 أبريل تحت عنوان 'المعركة من أجل الإسلام' راح معد البرنامج يشير إلى أصوات نسائية في ماليزيا وإندونيسيا ويمتدحها باعتبارها نقطة انطلاق إلى تحديث الإسلام وعصرنته. وعندما عرض البرنامج لمحات من أفكار هذه الأصوات تبيّن أنها نفس القضايا البالية المستهلكة حول تعدد الزوجات والطلاق وتفرغ الزوجة لبيتها وأسرتها. وهذه هي نفسها الأفكار التي تتردد منذ أكثر من القرن في إطار عملية 'فتح المرأة' بمعنى إبعادها عن قيمها الإسلامية وإغلاق القرآن بمعنى إبعاد هداية الشريعة عن مجال الحياة الإسلامية العامة والأسرية. وفي اليوم ذاته أقرأ في صحف مصرية أخباراً حول التشريع برفع سن الزواج للفتيات وبدء حملة شاملة يوظف فيها علماء المسلمين لمحاربة ختان الإناث استجابة لتقرير وضعه، لمنظمة اليونسكو، شخص غير مسلم، ثم حول حملة جديدة في مجال ما يسمى بالتمكين الاقتصادي للمرأة تدور حول تحويل وتخصيص الموارد الطائلة لمشروعات ووظائف وخدمات تعليمية موجهة للنساء وحدهن. وأخيرا حول دعوات متسارعة ومتصاعدة لتعديل آخر في قانون الأحوال الشخصية يراد به إعطاء المزيد من الحقوق [كما تسمى] للمرأة إضافة إلى ما حصلت عليه في تعديلات سابقة. والغريب أن هذه الأخبار تصب إذا ما فسرناها في نفس الفكرة القديمة التي أطلقها الدبلوماسي الفرنسي. فالغرب ومن خلال مؤسساته العاملة في ميدان المرأة يتصور أن وضع العوائق أمام الزواج المبكر مع الإلحاح على مطاردة عملية ختان الإناث التي يفترض أن لها أثراً مخففاً للشهوة الجامحة والخارجة عن السيطرة سوف يؤدي إلى حالة عارمة من الانفلات الإباحي في أوساط المسلمين لاسيما في وضع عام يقوم فيه الإعلام بشتى أدواته بإشعال وإلهاب الغرائز لدى الجنسين ليل نهار بما يستحيل معه التحكم في الشهوة والابتعاد بها عن مواطن الحرام. وإذا كان إشعال الشهوة الغريزية يتم في أوساط الجنسين إلا أن مخطط فتح المرأة الغربي ينطلق من مبدأ غير معلن، ويناقض ما يصرّحون به من أقوال حول المساواة، يرى أن المرأة هي الحلقة الأضعف وأنها سوف تنكسر بسرعة وتنفتح أمام طوفان الانحلال مع التنسيق بين تيار إلهاب الشهوة من ناحية والتوجه نحو إعاقة بل وحتى منع سبل الزواج كحل للمشكلة الجنسية.

 

أما سير التحركات صوب ما يسمى بتمكين المرأة اقتصادياً واجتماعياً بمعنى منحها الثروة المادية والاستقلال الاقتصادي والسلطة في وضع القرار وتنفيذه بمفردها داخل الأسرة بجانب إعطائها السلطة المجتمعية عموماً، فهذا أيضاً يصب في قضية فتح المرأة. فالذين يفكرون في هذا التمكين بأشكاله لا يريدون منه مصلحة للمرأة [كحمايتها مثلاً من أن تتعرض للاستغلال بسبب فقرها وقلة حيلتها] وإنما ينظرون إليه باعتباره إطلاق لروح التمرد والرغبة في التسلط لدى النساء ضد قيم الأسرة وعادات وتقاليد المجتمع المستمدة من الإسلام. ومرة أخرى نجد أن دعاة نصر المرأة ينظرون إليها في الحقيقة ككائن تسيره الغرائز والعواطف ولا تحكمه القيم بحيث يمكن أن ينساق وراء تلك المشاعر اللاعقلانية بمجرد أن يتيح له التمكين الاقتصادي والاجتماعي فرصة الانسلاخ من القيم الأسرية السائدة [وهي إسلامية في أصولها] مع توفر عنصر المال وعنصر الاستقلالية الفردية. ونجد أن مقصد حكاية التمكين كما يدل عليه الإمعان في الإلحاح عليه ونشره كسياسة عامة شاملة والتوسل إليها بكل السبل الممكنة ليس هو مقصد معالجة مشكلة اجتماعية معينة ومعالجتها في سياق القيم الدينية والشريعة وإنما هو مقصد إحداث تغيير جذري في بنية المجتمع المسلم في شقه النسائي وليس أدل على ذلك من أن سياسة التمكين لا تنصب إلا على المرأة ولا تطول الرجال، وكأن رجال الأمة قد أصبحوا جميعاً من الأغنياء أصحاب السلطة، بينما واقع الحال يؤكد أن الجميع يرزحون تحت نير الفقر والطغيان. كذلك فمن الدلائل الكاشفة أن دعوات تأخير سن الزواج وفك التمسك بالقيم الأخلاقية والأسرية أو التمرد عليها لا توجه لنساء الأقليات الدينية التي تعيش وسط بلاد المسلمين حيث يترك هؤلاء لسيطرة وقيادة وتوجيه هيئاتهم الدينية وتقاليد طوائفهم الخاصة.

 

إن هذه الدعوات المنتشرة وراء شعارات التحرير والمساواة والتقدم والعصرية وما أشبه ليست سوى ترجمة لتلك الدعوة القديمة في فتح المرأة المسلمة أي إخراجها من تعاليم وقيم دينها ومجتمعها الأصيل، وهي دعوى تتطابق وتتكامل مع دعاوى أخرى لفتح الرجال والشباب بإخراجهم من نفس المجال الديني تحت وطأة حملات متنوعة من التبشير والانحلال والعلمنة والتغريب. ولا بد أن نتذكر أن الدبلوماسي الفرنسي قرن فتح المرأة بإغلاق القرآن كما أسماه كسبيل للتغلغل إلى الدولة العثمانية ومنها إلى سائر الأمة الإسلامية فهذا وحده يوضح أن مسألة المرأة التي يجري عليها الإلحاح الآن بصورة جنونية لا تقصد لذاتها أو لحل مشاكل وأوضاع خاصة بالمرأة وإنما هي مقصودة في إطار الهجمة العامة على الإسلام وفي إطار محاولة ضرب آخر دول الإسلام الكبرى المستقلة. إن سياسة الغرب واحدة ومستقرة ضد الإسلام منذ أكثر من قرن ولا تقتصر على ما أشيع مؤخراً حول صراع الحضارات.

 

إلى صفحة مقالات وأراء8