09/07/2006

 

هذا الزمن العربي الرديء

 

 بقلم : د. سليم الحص

 

 قطر عربي كبير، العراق، احتلّته الدولة العظمى بذرائع ثَبُت بطلانها كلياً، مع ذلك ليس بين المسؤولين العرب مَن يتجرأ على النطق بلفظة الاحتلال. كأن شيئاً لم يكن. وقوات الاحتلال في الإعلام الرسمي العربي هي قوات التحالف والائتلاف.

وفي فلسطين حصار خانِق تفرضه الدولة العظمى، ومعها دول أوروبا الطَيعَة، على الشعب جزاء تعبيره عن إرادته الحرّة في انتخابات شهد الجميع بنزاهتها وسلامتها، فانتخب من لا يُجاري أمريكا و”إسرائيل” ولا يحابيهما. أمريكا وحلفاؤها كانوا يُلحّون على إدخال الديمقراطية إلى فلسطين، وما كانوا يَرون من الديمقراطية سِوى صندوقة اقتِراع. وعندما أفرزت من النتائج ما لم يكن على مزاجهم، أقاموا الدنيا ولم يقعدوها ولم يتورعوا عن محاصرة الشعب الفلسطيني حتى التجويع. إنهم يحارِبونه بلقمة عيشه. يا لخزي ديمقراطيتهم.

ولم يعد بين المسؤولين العرب من لا يعلم، ومع ذلك فهو يتجاهل، أنّ الدولة العظمى تعتزِم رسم خريطة جديدة لمنطقتنا، أين منها إتّفاقية سايكس بيكو المشؤومَة. المشروع يسمّى الشرق الأوسط الكبير، وخريطة الطريق إليه تسمّى الفوضى البنّاءة أو الخلاّقة. كان هذا سرّ الاحتلال الأمريكي للعراق في حَقيقة الأمر. هكذا أطلقت شرارة الفوضى الهدّامة بأبشع صورها، فإذا بالقطر العربي المنيع يستحيل بين ليلة وضحاها ساحة مكشوفة للفِتن المذهبية والإثنية، ومسرحاً للمجازر الرهيبة التي تحصد يومياً عشرات الضحايا من الآمنين العزّل، وفيهم الشيخ والطفل والمرأة والعاجز. مع ذلك، لا حِراك بين المسؤولين العرب، لا في مسعى لإصلاح ذات البَين بين أطراف الشعب الواحد وتحصين وحدة البلد ولا في مسعى لتحرير البلد من الاحتلال. المسؤولون العرب، لا شكّ، واعون (ولو أنّهم لا

يبدون حِراكاً) أنّ الفِتنة الفئوية إن أفلتت من عقالها، لا قدّر الله، في العراق فلن يَسلم من تداعياتها بلد من بلدان المشرق العربي. وستكون الحصيلَة، والعياذ بالله، شرذمة وتفتيت شعوب المنطقة على الوجه الذي يسهل معه لَمّ الشِتات في الكيان المراد إنشاؤه تحت عنوان الشرق الأوسط الكبير، تكون فيه “إسرائيل” الكيان المتماسك الوحيد فلا تجد صعوبة في بسط هيمنتها على المنطقة برمّتها.

والسودان يشهد مِحنَة إنسانية مُمضّة في منطقة دارفور حيث الفِتنة تدور رحاها بِلا انقطاع. وتستغل قوى دولية هذه المِحنة للضغط على حكومة السودان في اتّجاهات معينة، غير متورّعة عن التدخّل غير المشروع في شؤون القطر العربي الشقيق الداخلية.

وأقطار الخليج العربي تعيش همّاً كبيراً، وبات المثقّفون فيها لا يخفون قلقهم الشديد على المستقبل والمصير. إنّك لتسمع من هؤلاء هاجِساً محوره واقع بلغته تلك المجتمعات إذ بات عدد المقيمين الأجانب فيها يُساوي أضعاف عدد السكان الأصليين من أبناء الخليج العربي.

ويزيد في هذا الهاجِس كَون الجاليات الأجنبية آخِذة في تنظيم وجودها، فبات الخوف حقيقياً من أن تعمد هذه الجاليات في لحظةٍ من اللحظات إلى القِيام بمبادرات جماعية فتفرض إرادتها على أهل البلاد في شؤون تتعلّق بإقامتهم، مثلاً، أو برواتبهم أو تعويضاتهم. وماذا لو خطر لهم يوماً أن يطلقوا حركة جماعية للمطالبة بالتجنّس بحيث يكتسبون صِفة المواطنين في حقوقهم وواجباتهم بالمساواة مع المواطنين الأصليين؟ وماذا لو أفلحوا في استدراج المجتمع الدولي لدعمهم في مطلبهم بحجّة أنّ ذلك يندرِج في إطار حقوق الإنسان؟ ماذا سيحِلّ بالمواطنين العرب على أرضهم عند ذاك بعد أن يضحوا أقليّة في أوطانهم؟

ولا يسعنا أن نتحدث عن الخليج العربي من دون التطرّق إلى جملة قضايا تتعلّق بالثروة النفطية. إنّ دول الخليج تنعم بفوائض مالية هائلة سنوياً بفضل صناعة النفط، فأضحى الإنتاج النفطي مصدر حياة تلك الدول الأوّل ويكاد يكون الوحيد. ولكن مخزون النفط يبقى عرضة للنفاد ولو بعد سنوات طويلة، فما هو مستقبل الأجيال المقبلة في هذه البلدان؟ ثم إن الدعوات إلى استبدال النفط كمصدر للطاقَة بمصادِر بديلَة متجددة، كالطاقة النوويّة أو الكهربائية وخلافهما، آخذة في التصاعُد سياسياً وإعلامياً في الدول الصناعية مع تصاعُد سعر برميل النفط دولياً. وقد يأتي وقت يتحوّل فيه الطلب

على النفط، أو شطر كبير منه، إلى مصادر بديلة للطاقة. فماذا سيحلّ باقتصادات أقطار الخليج العربي عند ذاك؟

ولقد ارتفع سعر برميل النفط الخام خلال الآونة الأخيرة إلى أضعاف ما كان عليه قبل بضعة أشهر. بذلك ازدادت الفوائض المالية التي تجنيها دول الخليج من صادراتها النفطية. هذه الفوائض تَجد طريقها إلى شتى أبواب التوظيف في العالم، ومعظمها في أمريكا وأوروبا، وبعضها يودع في المصارف، وبعضها يوظّف في سندات خزينة صادرة عن دول مختلفة، وبعضها يوظّف في أسهُم وسندات تجارية، وبعضها يُستثمر في ممتلكات عقارية، وبعضها يوظّف في مشاريع إنمائية داخل القطر الخليجي.

المشاريع الإنمائية التي توظّف فيها هذه الفوائض داخل القطر المُنتج للنفط محكومَة بأولويات مُغايرة لأولويات التنمية العربية، التي تتركز على التصدّي لقضايا الفقر والبطالة وتطوير القِطاع التربوي والثقافي وإعادة توزيع الدخل بين فِئات الشعب ومعالجة مشكلة العجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات وما إلى ذلك. لا بُد والحال هذه أن يكون التخطيط الإنمائي على المستوى القومي بحيث تُراعى الأولويات الحيويّة على الصعيد العربي العام، ومن المفترض أن تُسهِم دول الخليج النفطية في تمويل المخطّط القومي.

ولكن أكثر ما يُؤلِم ما شهدنا ونشهد من تخَلٍ عربي عام عن فلسطين منذ الانتخابات التي أسفرت عن فوز حركة “حماس” التي تعتبرها الدولة العظمى، أمريكا، ومعها دول كبرى أخرى، حركة إرهابية. كانت أمريكا ومعها دول أوروبا هي التي كانت تُطالِب بنشر الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط، وما كانت ترى من الديمقراطية سوى صندوق اقتراع. جرت انتخابات في فلسطين فشهد العالم أجمع بنزاهتها وسلامتها، ولكن النتيجة جاءت خِلافاً لتوقّعات الإدارة الأمريكية وتمنّياتها، فأعلنت أمريكا الحصار المالي الخانق على السلطة الفلسطينية، وجاراها في ذلك معظم الدول الأوروبية. فبلغ الحصار حدود التجويع للشعب الفلسطيني إذ آل إلى حجب الرواتِب عن موظّفي السلطة الفلسطينية ومؤسساتها.

والفاجِع حقّاً أن سائر البلدان العربية لم تنهض إلى خرق الحِصار بإمداد السلطة الفلسطينية بما تحتاجه لسداد المتوجّب عليها من الرواتب والأُجور. فلقد جبُنت الدول العربية عن تحدّي القرار الأمريكي الجائر، فصمّت آذانها عن صرخات الجائعين ومُناشدات السلطة الفلسطينية المُرتبِكة، فتركت الساحة الفلسطينية مكشوفَة على

أسوأ الاحتِمالات بما في ذلك احتِمال اشتِعال ثورة الجِيّاع ونشوب فِتنة تُطيح بالسلطة الفلسطينية المنتخِبة ديمقراطياً، وهذا هو المطلوب.

إنّ قضيّة فلسطين، التي شغلت عبر عقود من الزمن موقِع “قضيّة العرب المركزيّة” بتسليم من العرب أجمَعين حكاماً وشعوباً، هي الآن مهمَلة عربياً. فلا إمداد مالياً لفلسطين حيث الدعم بات في مُنتهى الحيوية، والساحة مكشوفة على القلاقِل بين الفصائل الفلسطينية بِدفع خارجي من “إسرائيل” وأمريكا تحديداً، الأمر الذي يضع فلسطين، والعياذُ بالله، على شفير حرب أهلية، ومع ذلك تقِف الدول العربية موقِف المتفرج وكأنها غير معنيّة. وبعض الحكّام العرب يبنون أمجادهم على القِيام بدور الوَسيط المُحايِد بين العدو والشقيق الفلسطيني. وتطرح مشاريع للتسوِية مع “إسرائيل”، تسمّى مشاريع سلام، وهي كلّها لا تؤمّن الحَد الأدنى من شروط الحِفاظ على الحقوق العربية، ومنها المبادرة العربية التي أعلنتها القمّة المنعقدة في بيروت عام ،2002 وكذلك خريطة الطريق التي تبنّتها رباعية أمريكا وروسيا والاتّحاد الأوروبي والأمم المتحدة. كِلا المشروعين لا يضمن الحَد الأدنى من الحقوق العربية والفلسطينية.

وبَلدي لبنان تتقاذفه أهواء شرقية وغربية، عبر ولاءات شعبه المتعارِضة، وبين لبنان والجارة الأقرب سوريا أزمات متفاقِمة، ومع ذلك لا مُبادرات عربية ولا مشاريع لتصحيح الوضع في شقّيه الداخلي والخارجي.

هذا هو الزمن العربي الرَديء، والكيانات العربية دول ذات سيادة. ولكن الواضِح أنّ قرارات المَصير على المستوى العربي تتّخذها الدولة العظمى، وكثيراً ما تضفي عليها شرعية دولية بتأمين صدورها عن الأمم المتحدة ومؤسساتها. والدول العربية أضعف وأجبن من أن تتصدّى لهذه القرارات بموقف عربي جماعي يحفظ الحَقّ العربي. القمّم العربية قلّما تلتئم، وإذا ما إلتأمت فبِغِياب ملحوظ لحكّام عرب بارزين، وإذا صدرت قرارات عن القمم فلا تصدُر إلا بشق الأنفس ثم لا يكون لها مفعول عَملي مشهود على مستوى التطبيق.

هذا ليل الزمن الرديء، فمتى يبزُغ الفجر المُرتجى؟ لا أمل يُرتجى من الأنظمة العربية والحكّام: الأمل مَعقود على هَبّة شعبيّة في طول الوطن العربي وعرضه، ولا يَعيق هذه الهَبّة سوى القمع الذي تمارسه السلطات من جهة، وانشِغال الجماهير العربية من جهة أخرى بمشكلاتها الحياتيّة عن قضاياها القومية، وتسمّى هذه

الظاهِرة ظُلماً: الهجعة العربية.

 

قلنا ونَقول: إنّ التخلّف واقع يتميّز بقوة الاستمرار إلى ما لا نِهاية، ما لم تخترقه فتبدّل مساره قوّة اعتِراضية تتجسد إما بقيادة تاريخية خارِقة أو بِهبة شعبية جارِفة، ولا مردّ للتغيير الأمثل في حال تقاطُع الظاهرتين.

 

إلى صفحة مقالات وأراء6