09/07/2006

هل أتاكَ حديثُ جبر؟*..

مشاهد حيّة لما تمارسهُ الفرق التنصيرية في العراق

 

جبر دلف ال(..*..) أب لتسعة أفواه , من زوجتين , في العقد الرابع من عمره , كان يعمل سائقا في مصنع نسيج الحلة , تركه بعد أن تسبب الاحتلال في نهب محتوياته وإحراقه ؛ هذا ال(جبر) ما زال شابا فتوة الرجال , وبساطة أبناء الريف العراقي وشهامتهم , إلا أن الفقر سحق فيه كل شيء وهو يرى أطفاله يتضورون جوعا وطفله (حيدر) ذي السنتين في غيبوبة تتناوبه ولا يستطيع عرضه على طبيب لضيق ذات اليد .
التقاه يوما أحد معارفه , وتبادلا أطراف الحديث , فعلم جبر أن صاحبه يعمل لدى إحدى (الشركات) الأجنبية وأنها لا دخل لها بالاحتلال فهي (شركة مدنية) وبحاجة إلى من يعمل فيها من أهل المنطقة ؛ وبعد أيام كان جبر قد استلم مفتاح سيارة (باترول نيسان) كسائق فيها وكان واجبه ينحصر في خدمة الدكتور وارنر الذي كان يسميه جبر (تختور وانر) والدكتورة إيمي التي كان يسميها (عمة أمي) وكانت تتكلم اللهجة اللبنانية بوضوح , كما كانت كثيرة الأسئلة بحيث دخلت إلى كل تفاصيل حياة جبر وعندما شكى لها يوما ثقل مسؤوليته العائلية عرضت عليه أن يبيعها اثنين من أولاده الصغار بالثمن الذي يحدده لكنه رفض واهتز شاربه واحتقن وجهه , ثم عرضت عليه معالجة طفله المريض( على حسابها) فوافق , وزودته برسالة إلى طبيب يعمل في (شركة) أيضا في بغداد , وهناك لقي كل عناية واهتمام لدى هذا الطبيب , واستلم الدواء من الطبيب نفسه مع ورقة مالية (100دولار) ليشتري بها ملابس لطفله المريض .. (أي كرم بعد هذا الكرم).
وعاد جبر إلى عمته إيمي وكلماته تتحشرج في صدره , والدمعة قد تحجرت في عينيه لا يعرف كيف يشكرها على هذا الصنيع .
علمته العمة إيمي أن يقول عندما يأتي صباحا لكنه لم يتمكن من لفظها رغم إلحاحها عليه ليتعلمها فكان يقول (دك مورني) فتضحك إيمي بعمق , وفي بعض الأحيان كانت تطلب منه أن يكررها أكثر من مرة لتضحك أكثر .

ثم استخدمت هذه( العمة الكريمة) أسلوبا جديدا مع جبر لتختبره ولترى هل يمكن لها أن تستمر مع هذه الضحية إلى حيث تريد أم أنها محاولات لا طائل منها , فقالت له يوما :
اسمع يا جبر , نحن في بلادنا عندما يقابل الرجل سيدة ويريد أن يعبر عن احترامه لها فإنه يجب أن يقبل يدها , وإنها لا تريد ذلك لكي تذله بل خوفا من أن تجد (الشركة) فيه غلظة وعدم احترام للسيدات فتصرفه من العمل , فقال لها بذهول : كيف ؟! إن الذين تقولينه صعب علي تماما ؛ فقالت له : جرب , جرب .
ثم مضت لتتركه لهواجسه وأفكاره , هل يعود ثانية إلى التسكع والفقر بعد أن تحركت الدولارات في جيبه بحرية و(نغنغة) أم ؟!
وأمضى ليلة ليلاء قرر عند انبلاج فجرها أن يجرب كما قالت له العمة إيمي ؛ ذهب إلى (الشركة) فوجدها تشرب القهوة مع وارنر في صالة الاستقبال , تردد في الدخول عليهما , لكنه في لحظة لا وعي مبهمة بصق فيها كل رجولته وعنفوانه ولم يجد نفسه إلا وهو يقبل يدا متيبسة كأنها يد ميت ويقول معها (دك مورني) فضحكت بعمق واستهتار وتمتمت بكلام موجه إلى وارنر لم يفهمه جبر , فوجد وارنر يسحبه من يده مشيرا له بالجلوس وأمر له بفنجان قهوة .
ولكي تمعن في إذلاله وتدجنه كما ينبغي وكما خططت هي وغيرها فلقد استخدمت معه فيما بعد أسلوب (حيوانات السيرك) فما أن يقبل يدها اليمنى حتى تمد له اليد اليسرى لتناوله ورقة (فئة 10 دولار) قائلة له : إذهب يا جبر وتناول فطورك في مطعم الشركة واشتري لك علبة دخان , ثم تعال إلى مكتبي ؛ وهناك تبدأ باستجوابه عن أمور لا يعرف مراميها ولا يجد لها مبررا .. زوجاتك , أبناؤك .. أهلك .. وأخيرا .. ألا تحتاج شيئا يا جبر؟ وقبل أن يجيبها شاكرا تقول له إذهب إلى آدم في المخزن فيذهب إليه ليجد آدم قد هيأ له عددا من الكارتونات الملأى بالزيت والمعلبات وأنواع البسكويت وحيث يساعده آدم في وضعها في السيارة آمرا إياه أن ينقلها إلى بيته وعياله فيأخذها وهو في حالة من الدهشة والانشداه رحماك يا ربي , من أين أرسلت لي هذه العمة الطيبة التي انتشلتني وعيالي من الفاقة والعوز ؟
الشيء الذي كان يشغل جبرا في هذه الشركة , انه لم يجد فيها نشاطا يشير إلى أنها شركة مقاولات كما قيل له , فالغرف كانت ملأى بالكتب والصور والمطبوعات والعلب الملونة المزركشة , وكانت جدران (الشركة) تزدان بصور لم ير مثلها من قبل , حتى أنه وفي (لحظة أنس) سأل عمته: هذه الصور لمن؟
فقالت له: أو لا تدري ؟ إنها صورة(يسوع الرب) المخلص, الذي سينقذ العالم من كل الشرور والآثام .
- وهذه الصورة يا عمتي؟
- هذا هو الصليب الذي سمروه عليه , لقد افتدانا يا جبر وضحى من أجلنا , وسيأتي اليوم الذي يأتي فيه ليخلصنا ويفتدينا من جديد , أنظر إلينا يا جبر نحن أتباع المسيح كم نحن سعداء ومنظمون وانظر إلى حالكم وبؤسكم وما انتم فيه ؟ ألم تسأل نفسك يا جبر لماذا نحن هكذا وأنتم ما أنتم ؟
قال: لا
قالت له: ببساطة يا جبر لأن الدين المسيحي يقوم على الحب والتسامح والتعاون , ودينكم يقوم على الدم والقتل والتدمير , لا تفكر كثيرا.. أنظر إلى بلدك مثلا ؛ وهذا المستنقع الكبير من الدم الذي تغرقون فيه.. إنكم تقاتلوننا يا جبر ونحن الذين جئنا بأمر من المخلص يسوع لننهض بكم ونشيع بينكم الحب والألفة والمن وإشباع البطون ..!
هذا هو ديننا , وهذا هو دينكم , فقل لي بربك ماذا قدم لكم دينكم؟!
وذهل جبر وهو يسمع كلاما لم يسمع مثله من قبل , ولم يتجرأ أحد على قوله , وقبل أن يسألها عن شيء خطر على باله قالت له :
أريد أن أزورك في بيتك يا جبر فهلا جئتني عصرا لتأخذني إلى بيتك ؟

كان يوما من ابهى الأيام التي مرت ببيت جبر , فالعمة إيمي تتصور وهي واقفة بين زوجتي جبر, أو وهي جالسة على بساط رث وأطفاله يحيطون بها إحاطة السوار بالمعصم بين مقبل لها أو مطوق لجيدها, أو محتضن لها, وجبر يضحك يمليء شدقيه وكاميرات التصوير تدور هنا وهناك لتصور كل شيء ..
غنى الأطفال , وصفق الكبار وتمنى جبر لو أن بيده بندقية لأطلق بعض رشقات تعبيرا عن حفاوته بالعمة الغالية , لكنه انتبه في سره من أن هذه الفكرة سخيفة ولا يمكن أن توافق عليها العمة الطيبة .

وطافت العمة إيمي في أرجاء البيت فدخلت في غرفتي الزوجتين وعلقت عند سرير كل واحدة منهن صليبا عليه صورة المسيح , وعندما سألنها من هذا ؟ قالت لهن هذا هو الرب المسيح الذي سيبارك لكن في كل شيء , وما هذه البركة التي حلت عليكم إلا منه , ثم تناولت صورا وبوسترات وملصقات وطلبت من الصغار إلصاقها في كل مكان حتى على كراريسهم المدرسية كما ينشر المخلص في نفوسهم وقلوبهم الغضة بركاته وأمنه , ثم خرجت كما تخرج العروس من بيت أبيها إلى مخدع زوجها.

وفيما كانت تجلس إلى جانبه في السيارة وهو عائد بها إلى (الشركة) قالت له : حتى أنت يا جبر يجب أن تحصن نفسك ببركات المسيح ولا تغفل عن تقديسه وتعظيمه , وهذا لن يتم إلا بعد أن تعلق هذا الصليب في عنقك ليلتصق بصدرك فيبعث في قلبك الأمن والسلام والرزق الوفير ؛ خذ يا جبر علقه الآن أمامي قبل أن أنزل من السيارة فتناوله وهو غارق في ذهوله وأنزله في عنقه , فقالت له مداعبة : قف قليلا ثم وجه المرآة على صدرك لترى كم أن صدرك أصبح جميلا وهو يتزين بهذا الصليب .. ثم دست كفها المتيبس لتعديله ولتطمئن على استقراره فوق صدر جبر, نزلت بعدها من السيارة وهي تكاد تطير فرحا لما حققته في هذا اليوم المبارك .
في اليوم التالي ما أن قال جبر (دك مورني) حتى بادرته إيمي : أين الصليب ؟ ففتح زر القميص وأخرجه , فقالت له : لم تخفيه تحت القميص ؟ ثم أردفت بثقة وكلمات آمرة : إنني أريد أن يراك كل الناس , كما أنني أتمنى أن تساعدني لنضعه على صدر كل إنسان , إنه المخلص يا جبر , إنه يسوع الذي تنعم ببركات فضله , أفلا يحق لك بعد هذا أن تجهر بهذا الصليب ؟ أليس حريّ بك أن تتخلى عن دينك الذي لم يصنع يوما لقمة في بطن طفل من أطفال الجوعى ؟ ماذا يريد منك الناس ؟ ألست حرا في اختيار دينك وعقيدتك ؟ لم أتينا هنا ؟ أليس لتحريركم ؟ لقد عرفتك يا جبر شجاعا فلم هذا التردد في الإفصاح عن دينك الجديد ؟ أريدك أن تخرج إلى الناس فتقول بكل جرأة وثبات لقد أصبحت مسيحيا ؟ ألا تستطيع ذلك ؟ قل لي .. قل لي ..
وأحس جبر بكلماتها وكأنها مطارق تهوي على رأسه وغشاوة أسدلت أمامه فلم يعد يرى أو يسمع شيئا ووجد نفسه يركب السيارة ويندفع بها بشكل جنوني وهو ذاهل محطم لا يلوي على شيء حتى توقف أمام داره فوجد ابن عمه حميد صنوة , ورفيق عمره الذي صعق وهو يرى الصليب متدليا في عنق جبر؛ ما هذا؟ يبدو أنك قد تنصرت يا جبر ؟ فقال باستسلام وخنوع أردفه بانفعال مفتعل : نعم.
وماذا ستقول لعشيرتك وأهلك بعد أن تخليت عن دينك وشرفك وبعد أن ..
لكن جبر تركه دالفا إلى بيته
بعد برهة من الوقت جاءه اثنين من أبناء عمومته بعد أن سمعوا بالخبر علّهم يثنوه عما أقدم عليه وهالهم ما رأوا من صور وتماثيل مذيلة بختم (الجمعية الكاثوليكية التبشيرية) وكأنهم في كنيسة مسيحية.

 

صعد الدم في رأسيهما ودون أن يسألا جبرا كان رصاص مسدسيهما قد إخترم جسده.
وعندما هرع الناس لاستجلاء الخبر وجدوا رجلين خارجين من دار جبر قالا لمن تجمعوا: لاشيء لقد غسلنا عارنا؛ ثم ذهبا بعيدا .

* * *

تعليق الرابطة: إنتهت مأساة جبر ولكن هناك آلافاً مثلهُ يعانون معاناتهُ, تركوا هم وعوائلهم ما بين مطرقة الظلم وسندان الاحتلال وبطانته وفرقه التبشيرية والتنصيرية التي تجوب العراق, بينما العمم السوداء تحثو المال حثواً وتسرق عمر العراقي وقوته من نفطهِ وثروات وطنهِ وهو يتضوّر جوعاً, بل لم يكتفوا بشلالات الدماء التي تسيل كل يوم على أيد هذا المنقذ الأمريكي بل فاقوه اجراماً واستباحوا بيوت الله ومزق أتباعهم المصاحف وفجروا المساجد ويمعنون بالتهجير والتفتيت والشرذمة واذلال العراقي بكلّ لحظة واراقة دماءه الطاهرة ارضاءً لساداتهم وحاخاماتهم الفرس.. وبعد كل طامة يعلقون جرمهم الفاضح وطائفيتهم النتنة وخيانتهم العظمى على فلول النظام السابق كشماعة لما يقترفونه من جرمهم الطائفي المشهود الذي لن يتناساه العراقيون أبد الدهر.. واللهم إننا مغلوبون فانتصر..

*
لم نذكر لقب عائلة جبر احتراماً وإجلالاً لهذه العشيرة العربية الأصيلة المسلمة .

 الرابطة العراقية - 2006-06-28

 

إلى صفحة مقالات وأراء8