09/07/2006

مصطفى قصي ... الموت رجولة

 بقلم : وليد عبد الجابر نور

 مصطفى قصي .. غلام صغير لا يتجاوز عمره 14 عامًا ولد في القصور ورُبي في النعيم، ومع ذلك أشادت به صحف الغرب؛ لأنه ظل يقاوم قوات الاحتلال ست ساعات متواصلة.مصطفى قصي .. حفيد صدام حسين، ليس يشغلنا والده وجده وعمه: ماذا فعلوا؟ وماذا جنوا؟لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى،لا يهمنا إن كان ابن لطغاة أو عدول، ولكن الذي يشدنا ويخلب عقولنا هذه البطولة، وهذه الرجولة التي جعلته يقاوم قوات الاحتلال الأمريكية وهو الفتى الصغير، هذه الرجولة التي جعلته يرى أباه وعمه يسقطان أمام عينيه، فلا يبكى، ولا يستسلم بل يظل يقاوم حتى يعجز قوات الاحتلال الأمريكية.كلما شاهدت صور البناية التي حوصر فيها ابني صدام حسين وحفيده،ورأيت حجم الدمارالذي لحق بها أدركت أنها كانت حقًا معركة حامية تدور حول هذه البناية ..وقتها تساءلت: ترى كيف تحمل هذا الفتى الصغير أصوات الرشاشات والمدافع والمروحيات طيلة ست ساعات متواصلة حتى فاضت روحه؟!عندما رأيت صور جثتي عدى وقصي، وعلمت أن جسد كل واحد منهما تلقى ما لا يقل عن عشرين طلقة؛ تساءلت: كيف إذن يكون شكل جسد مصطفى قصي الذي ظل يقاوم حتى سقط صريعًا.لماذا؟منذ أن قرأت قصة مصطفى قصي وقصته لا تفارق عقلي وسؤال واحد يتردد دومًا .. لماذا؟ لماذا ثبت مصطفى، ولم يستسلم؟لماذا صمد مصطفى ولم ينهار؟ .. لماذا ...؟ لأننا لا نعلم ما اعتمل في نفسه، فبالتأكيد أننا لا نملك إجابات  كافية على هذا السؤال، ولكن أظن أن هناك إجابة تكمن وراء موقف مصطفى .. إنها الرجولة .. نعم الرجولة .. الرجولة التي افتقدها بنو إسرائيل عندما قالوا لموسى عليه السلام:  {قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ }[24]} [سورة المائدة].افتقد بنو إسرائيل الرجولة فلم تنفع مواعظ موسى عليه السلام، و لا نصائح الصالحين ولا الحكماء.افتقد بنو إسرائيل الرجولة لما عاشوا سنين طوال تحت ذل فرعون واستعباده حتى استمرءوا الذل ورضوه بديلاً عن العزة والجهاد .. فكان علاجهم .. التيه:{ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ... [26]} [سورة المائدة]. حتى نشأ جيل جديد لم يستمرئ الذل، ولم يعش على الخنوع.لقد كان مصطفى على صغر سنه رجلاً في صورة طفل .. فقاوم حتى النهاية فمات ميتة قلَّ من يمتلكها اليوم.لقد فجرت ميتة مصطفى قصي في ذهني وروحي انفعالات ومعان كثيرة .. وكلها تدور حول معنى واحد: الرجولة.الرجولة .. التي افتقدتها الأمة اليوم فوصلت إلى ما فيه اليوم من حالة مزرية.غياب الرجولة، أو ما نسميه بالقابلية للذل والاستعباد قياسًا على مصطلح الأستاذ مالكين نبي القابلية للاستعمار .. هذه المصطلحات وغيرها تدور حول معنى واحد هو: غياب معاني الرجولة والنخوة والكرامة، فتؤدى إلى تدجين الإنسان وتجعله يقبل الذل والخضوع والخنوع، وهي أمور يأباها الإسلام، ويأباها العرب الذي جاء الإسلام متممًا لمكارم أخلاقهم الذي منها ولاشك الرجولة والكرامة.إِذَا مَا الَملْكُ سَامَ الْنَّاسَ خَسْفًا أَبَيْنا أَنْ نُقِرَّ الذُّلَّ فينا إنها  معاني هامة وعظيمة غفلنا أن نربي أبناءنا عليها في الوقت الذي سارع فيه الغرب وأعوانه إلى تربيتنا على الذل والخضوع والخنوع، وأخذوا يحولون الشعوب إلى جماهير تائهة لا هم لها إلا بطنها وفرجها .. مشغولة بلقمة العيش ولا تجدها إلا بعد تعب وعناء في الوصول إليها فلا تفيق أبدًا.ولكن هذا العناء والذل أمر سهل ميسور علاجه إذا كان أمرًا خارجيًا .. ولكن الكارثة يوم أن يصبح هذا الذل سجية من سجايا الإنسان وخلق من أخلاقه عندها نقول على الأمة السلام كما يقول الأستاذ عبد الوهاب عزام في شوارده: ' ... إن الإنسان بفطرته نفور من الذل، آب من الحيف، ولكن تحيط بالناس أحوال، وتتوالى عليهم حادثات، فيراضون على الخضوع حينًا بعد حين، ويسكنون إلى الخنوع حالاً بعد حال، حتى يدربوا عليه،كما يستأنس السبع، ويؤلف الوحش، ولكن يبقى في النفس ذرات من الكرامة، وفي الدماء شذرات من الجمر، فإذا دعا الداعي إلى العزة، وأذن بالحرية، وأيقظ الوجدان النائم، وحرك الشعور الهاجد، نبضت الكرامة في النفس، وبصت الجمرة في الرماد، وأفاقت في الإنسان إنسانيته، فأبى وجاهد، ورأى كل ما يلقى أهون من العبودية، وأحسن من هذه البهيمية.كل ذل يصيب الإنسان من غيره، ويناله من ظاهره؛ قريب شفاؤه، ويسير إزالته، فإذا نبع الذل من النفس، وانبثق من القلب فهو الداء الدوي، والموت الخفي. ولذلك عمد الطغاة المستعبدين إلى أن يشربوا الناس الذل بالتعليم الذليل والتأديب المهين، وتنشئة الناشئة عليه بوسائل شتى، ليميتوا الهمة، ويخمدوا الحمية، وإذا بيدهم العصا والزمام.إن أمر الرجولة أمر عظيم، ويجب أن نضع في أولوياتنا عند تربية الأمة أن نربيها على الرجولة والكرامة والوسائل إلى ذلك كثيرة.ونختم هذه المقالة بأبيات شعر رائعة تجسد معنى الرجولة والبطولة.أقول لها وقد طــارت شعاعًا من الأبطال ويحــــــك لن تراعـي فإنك لو سألت بقاء يــــوم على الأجــــــل الذي لك لن تطاعي فصبرا في مجال الموت صبرًا فما نيـــل الخلـود بمســــتطاع وما طول الحياة بثوب مجــد فيطوي عن أخي الخنع الـيـــــراع سبيل الموت غاية كــل حي وداعيــــــه إلـــى الأرض داع ومــن لا يعتبط يسأم ويهرم وتسلمه المنـــــــون إلى انقطاع وما للمرء خـــير في حياة إذا عــــد مـــن سقط المتـــاع .

 عن مفكرة الإسلام

إلى صفحة مقالات وأراء8