09/07/2006

 

اقرؤوا قرارات منتدى دافوس الاقتصادي/ الشرق أوسطي في شرم الشيخ.. واحكموا بأنفسكم!
 

طغى الإسرائيليون على70% "فقط" من ندوات الحوار حول الإرهاب والمياه

والشرق الأوسط الكبير ودور الشباب في عملية التطبيع!

 

 بقلم : ناجح علي أسعد

 

 انفضّ منتدى دافوس الاقتصادي الشرق أوسطي في شرم الشيخ، وسط كلام بدأ بالتركيز على الارهاب وانتهى بكيل المديح الزائد لقدرة الأمن المصري، والتّوق نحو "السلام" والتطبيع. وكانت أقلّ اهتماماته الحقيقية بحث موضوع الاقتصاد الهادف الى تحسين أوضاع الشعوب وظروف معيشتهم، ومكافحة الفقر والمرض والبطالة بشكل عملي، وليس عبر سطور كلامية يردّدها كل عام "كارتل" أصحاب رؤوس الأموال ورجال الأعمال مع "كارتل" أصحاب القرار في الدول الكبرى، ولا يعيدون تكرارها إلا في منتدى العام التالي!
الصحف المصرية التي أفردت صفحاتها قبل انعقاد المنتدى بأيام للحديث عنه وعن تاريخه منذ أنشئ في العام 1973 بسويسرا، والتعريف بمدينة "دافوس" الصغيرة التي لا يزيد عدد سكانها عن عشرة آلاف نسمة إلا بقليل، ركّزت سلفاً على حقيقته غير المعلنة بحماس وانحياز واضح لها، وهي أنه ليس منتدىً اقتصادياً فحسب، بل لقاء سياسياً، اجتماعيا، انسانياً، ينبذ الحروب ويعمل على تحقيق السلام والتطبيع "العولمي" بين الجميع!
 وفي ضوء هذا الاعتراف كان أكثر من طبيعي أن تتحول شرم الشيخ الى ثكنة عسكرية مغلقة على الجميع، باستثناء الأعضاء المشاركين في المنتدى والموظفين الرسميين الذين يحملون ترخيصات خاصة (مهما علت مراتبهم)، وأن تنتشر وحدات كبيرة من الشرطة وقوات الأمن والحرس الجمهوري – بخوذهم الزرقاء- في كل الطرق، وأن يفرضوا اجراءات تفتيش صارمة جداً على الحافلات والأشخاص والهويات، فضلاً عن تسجيل أسماء كل داخل وخارج من "الشرم" بعد التدقيق في أوراقه الشخصية. وأكثر من ذلك، أن تتسع دائرة التحوّط والرقابة على الموانئ الشراعية المجاورة لمكان انعقاد المنتدى، وأن يجري إقفالها، ويتم نقل المراكب الموجودة فيها الى أبعد نقطة عن مركز الاجتماعات، بالاضافة الى منع سائر زوار الفنادق والمناطق السياحية القريبة من ارتيادها، ومنع حتى سوّاق السيارات الرسمية من الدخول الى المنطقة، إلا بإذن خاص.

سيطرة إسرائيلية على الندوات

تحت هذه السيطرة الأمنية المحكمة، والنفَس العولمي الواضح الأهداف، سارت أعمال هذا المنتدى الذي انبثق عنه حوالي خمسين ورشة عمل سياسية وليست اقتصادية، شارك الإسرائيليون بفعالية طاغية في 70% منها، أي في 35 ورشة عمل "فقط!"، مع تركيزهم على "ورشات" الإرهاب، والمياه، والشرق الأوسط الكبير، ودور الشباب في عملية السلام " بحضور وزيرة الخارجية تسيبي ليفني، ونائب رئيس الوزراء بيريز، ووزير المستوطنات هرتسوغ، ووزير الخارجية السابق سلفان شالوم، فضلاً عن رهط آخر من المتخصصين المهمين في "كل المجالات"!
وبالتأكيد، لم يتوقّف أحد من المشاركين- كما طالعتنا وقائع كل الورش أمام ظاهرة الاعتراض الشعبي الذي يعمّ العالم مع انعقاد هذا المنتدى كل سنة، ولم يسأل أحد: هل شعوب العالم غبية الى حدّ العمل ضد مصالحها ورفاهيتها ومستقبلها، واقتصاد بلادها، أم انها تُعبّر عمّا في نفوسها من قهر الكبار ورؤوس أموالهم وعولمتهم تحت شعارات للاستهلاك ليس إلاّ!إذا عدنا قليلاً الى الوراء واستعرضنا بعض ما قيل في آخر ندوة عقدت على ضفاف البحر الميت بالأردن العام الماضي، سوف يلفت انتباهنا دعوة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير المؤتمرين الى القيام بجهد قوي من أجل القضاء على الفقر وانقاذ أفريقيا من الأمراض والجوع، وزيادة المساعدات لها، وتخفيض الديون المترتبة عليها.. الخ، وسوف يلفت انتباهنا أيضاً انتقاد الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون لخلفه بوش الحالي، في جملة مؤثرة بقوله: " ان تخصيص جزء ولو يسير من الثمانين مليار دولار التي تنفقها الادارة الأميركية على دعم الحرب في العراق، سوف يُخفّف كثيراً من مآسي أفريقيا وعذاباتها.
وفي مقابل ذلك سنرى بالعين المجرّدة أن أفريقيا موضوع حديث كلينتون وبلير سارت الى وضع أسوأ من السابق فانتشرت فيها الأمراض أكثر، وعانت مزيداً من الجوع، بينما كبار العالم يتنافسون على كيفية تقاسم الأدوار فيها والتحكم بخيراتها أكثر، حتى لو ماتت شعوبها جوعاً ومرضا!
إذن، ما فائدة الكلام الممجوج عن دعم الشعوب وتنمية اقتصادياتها.. ولماذا تستمر هذه المسرحية المتوالية فصولاً في عالم الاقتصاد والسياسة؟
إذا كان منتدى "دافوس" قد أُنشئ في الأساس من أجل تحقيق أهداف نبيلة، تسعى الى خير البشرية كما هو مفترض- فلا شكّ أنه تحوّل مع السنين، وبفعل طغيان القوى الكبرى – من سياسية ومالية – الى مصاص دماء للشعوب، تحت ضجيج اسطوانة مشروخة تتغنى بأهداف مثالية لا يهتم بتنفيذها أحد من المنادين لفظياً بها.
والذي يقرأ الصحف الرسمية المصرية (مقر انعقاد المنتدى الأخير) يلمس الاعتراف الصريح بهذه الحقيقة والرضى بها. وفي تغطية شاملة له قبل انعقاده قالت "الأهرام" – على سبيل المثال – في عددها الصادر يوم 14أيار "ان نظرة سريعة على تجمع دافوس الشرق أوسطي توجب الاشارة الى أن السلام كان دائماً هو المحور الرئيس للمناقشات والمبادرات الصادرة عن اجتماعات المشاركين، على اعتبار أنه لا مجال للحديث عن التنمية والاستثمار والاقتصاد في هذه المنطقة بدون الاستقرار والأمن والسلام، ولذلك فان اختيار شرم الشيخ بعد الأحداث الارهابية في مدينة دهب سيجعل قضية الارهاب على رأس الموضوعات التي سيطرحها المنتدى"!
وبكلام لافت للانتباه أكثر قالت الأهرام ".. ومن ثم سيغدو من المتوقع ألا يتناول منتدى شرم الشيخ القضية من زاوية البحث عن مسببات الارهاب، وانما في التأتيراث المدمّرة له".
ورغم هذا الاعتراف الصريح والمتحمّس للنهج الحقيقي لمنتدى "دافوس" استغرب أكثر من مسؤول مصري أن تتنادى أحزاب المعارضة وجمعيات حقوق الانسان، ومناهضة التطبيع والصهيونية، الى مؤتمر شعبي ضد هذا التحرك السنوي المعادي لتطلعات الشعوب، وأن يحذّروا من مخاطر السعي لدمج الكيان الصهيوني في الجسم العربي، واستخدام هذا المنتدى معبراً لترويج مشروع الشرق الأوسط الكبير وترويض المقاومة العربية في فلسطين والعراق، ووقف كافة أشكال الدعم لها. كما استغربت أكثر من "شخصية" من أهل الحكم تنديد المجموعة المصرية المناهضة للعولمة بمحاولات الشركات العالمية تحديد مسار الاقتصاد العالمي بما يخدم مصالح الدول الكبرى.
وكان أبرز ما سمعناه في النهاية "اتفاق المؤتمرين على تبني الحوار الهادف الى خلق مجتمعات مسالمة مع دول الجوار، وتركيزهم على مستقبل الشرق الأوسط الكبير، لا سيما "التوتر القائم بين الفلسطينيين وإسرائيل، وبحثهم سبل دعم أسواق المال والعلاقات السياسية مع اسرائيل، والقضايا الإعلامية والتعليمية في المنطقة"!!
 إقرأو – رجاءً – هذا الكلام المنقول حرفياً عمّا صدر عن المنتدى وتمعّنوا في أبعاده ومعانيه جيداً، واحكموا بأنفسكم: هل هذا منتدى اقتصادي أم ... ماذا؟!

 

إلى صفحة مقالات وأراء6