09/07/2006

الرمادي.. مدينة المشاكسات في العراق الجديد :
حشود
أمريكية ومقاومة تتسلح بذكاء

 

هل دقت طبول الحرب على مدينة الرمادي العراقية؟ وهل بات أهلها على موعد مع "فلوجة جديدة"؟، وهل حانت ساعة الصفر؟ أسئلة يرددها معظم سكان المدينة القلقة، وسط مخاوف تساورهم حول مصير مدينتهم، التي لم تذق طعم الراحة والاستقرار منذ أعوام الاحتلال الثلاثة العجاف.

عائلاتٌ حملت حقائبها بعد أن حزمت أمرها بمغادرة المدينة، وأخرى قررت المكوث إلى أن تحين لحظة "الصفر"، وأخرى لجأت إلى أماكن أكثر أمنا، على أمل أن تنجح جهود بعض القوى السياسية في ثني القوات الأمريكية من تنفيذ هجومها الواسع.

وعلى الرغم من الجهود المبذولة حاليا من قبل بعض القوى العراقية السنية، من أجل إبعاد شبح الحرب على الرمادي، وتهديدهم بالانسحاب من مناصبهم وتقديم استقالاتهم، إلا أن كثيرا من المراقبين يؤكدون أن القوات الأمريكية لا تعبأ كثيرا بتلويح قوى السنة، لقناعتها أن مصلحتها في الاستمرار في حربها على ما يسمى بالإرهاب، تحكمه استراتيجية طويلة المدى في المنطقة، أبعد من أن يقف أمامها تلويحات من هذا النوع.

الرمادي، وبحسب مصادر محلية، لم تشهد هدوءا منذ ما يقارب الأربعة أشهر، فالاشتباكات باتت السمة اليومية لهذه المدينة، ولا يكاد يمر يومٌ دون أن تكون هناك مواجهات وهجمات يشنها عناصر المقاومة على المواقع الأمريكية، حتى بات مبنى محافظة الأنبار، الذي تتمركز بداخله القوات الأمريكية، هدفا مفضلا للمقاومين، الذين حولوا جزءا كبيرا منه إلى خراب، بفعل هجماتهم الصاروخية المستمرة.

وإلى جانب ذلك فإن الاستهداف اليومي، عبر العبوات الناسف، للعربات الأمريكية التي تسلك الطرق الواصلة إلى مركز المدينة، لم يتوقف، وفي المقابل فإن القوات الأمريكية تواصل هي الأخرى، حملات الاعتقال والتفتيش داخل أحياء وسط المدينة.

بعض هذه الاعتقالات والمداهمات تأتي ردا على هجمات المقاومين، ولكن أغلبها، كما يقول الأهالي، يأتي كنوع من العقاب على سياساتهم المتساهلة مع رجال المقاومة، وتعاطفهم معها، كما يزعم الأمريكيون.

يقول عبد الستار الدليمي، وهو ضابط سابق في الجيش العراقي، لمراسل وكالة "قدس برس"، إن القوات الأمريكية لجأت إلى تنفيذ عدد من الخطط العسكرية من أجل السيطرة على المدينة، إلا أنها "فشلت في ذلك"، على حد تعبيره.

وأضاف: "إن التهديد بتكرار ما حصل في الفلوجة، لن يجد في التعامل مع المدينة التي ترفض الانصياع، وقد وصل الأمر بأحد ضباط الجيش العراقي الموالي للقوات الأمريكية، بأن يهدد أهالي الرمادي بمجزرة أبشع من تلك التي حصلت في الفلوجة، ومع ذلك لا تزال المدينة ترفض الرضوخ".

وبحسب مصادر عسكرية، فإن القوات الأمريكية استقدمت كتيبتين من قوات الاحتياط الموجودة في الكويت، خصيصا لحشد معركتها مع محافظة الأنبار، في حين تواصل تلك القوات استعداداتها اللوجستية والعسكرية من أجل شن هجوم واسع.

 

تصرفات الجنود تثير الأهالي

ولا تزال أنباء حوادث القتل الجماعية التي يرتكبها جنود أمريكيون مستمرة، وقد أبلغ عدد من أهالي حي العزيزية، الواقع وسط مدينة الرمادي، أن القوات الأمريكية أعدمت بطريقة "مبتكرة" أب وابنته. وذلك بربطهما في أحد شبابيك المنازل المتروكة، والإذن لطائراتها بقصف المنزل، مما أدى إلى تمزيق الجسدين إلى أشلاء.

ويقول أحمد جاسم من سكان الحي نفسه، إن عددا من الأسر هاجرت الحي، عقب تلك الحادثة، ويضيف: "إنهم يتصرفون بمنتهى الوحشية من أجل إجبارنا على ترك منازلنا".

لكن تصرفات الجيش الأمريكي المتواصلة في الرمادي، دفعت البعض، فيما يبدوا، إلى التمسك بالبقاء، والتهديد بـ "الانتقام من الجنود الأمريكيين"، إذا دخلوا المدينة، وبينما راح البعض يستعد للقتال بطريقته الخاصة، قرر عدد من شباب نقل أهلهم إلى أماكن آمنة خارج حدود الصراع، والعودة من أجل الانضمام إلى صفوف المقاومة العراقية.

يقول "صالح"، وهو طالب جامعي: "إن الأهالي يعتبرون ما تقوم به القوات الأمريكية من تصرفات همجية، وقتل متعمد للمدنيين، يمثل جزءا من الغباء الأمريكي في التعامل مع أهالي الرمادي، لأن هذه التصرفات دفعت عشرات الشباب إلى التطوع في صفوف المقاومة العراقية، وسجلوا أنفسهم ليسوا كمقاتلين حسب، وإنما كاستشهاديين أيضا".


المقاومون يستعدون..

المقاومة العراقية الموجودة بقوة في المدينة، وعلى الرغم من إعلانها بأنها تمكنت من مغادرة الأنبار "بسلام"، إلا أنها وبحسب مصادر مقربة منها، باتت اليوم على أهبة الاستعداد لبدء المعركة.

ويكشف المصدر بأن الرجال المسلحون، باتوا اليوم على خبرة عالية من الكفاءة وحسن التدريب، وبأيديهم أنواع متطورة جدا من السلاح المستعمل، بل إنهم يملكون مناظر ليلية ستمكنهم من اصطياد القوات العراقية والأمريكية بسهولة في ظلمة الليل المطبق، وسط صحراء لا تسمع فيها سوى أصوات الذئاب والكلاب المتوحشة.

ويضيف المصدر: "إن المقاومة التي تقاتل في الرمادي، هي ذاتها التي قاتلت في الفلوجة، ولكن الاستراتيجية والوضع اختلفا الآن، فهي لن تصر على الإمساك بالأرض، كما فعلت سابقا، ولكنها ستعتمد على خطط عسكرية، مبنية على قواعد حرب العصابات، وكر وفر مستمرين، وهجوم مفتوح فوق أرض مكشوفة، يخرجون منها ثم ما يلبثون ويختفون كالأشباح"، على حد وصفه.

ويستبعد خبير عسكري سابق، لـ "قدس برس"، أن تكون معركة الرمادي مشابهة للفلوجة، فطبيعة المدينة، حسب قوله، من الناحية الجغرافية تختلف، فهي أكبر مساحة، وليست منطقة محصورة يسهل على القوات المهاجمة تطويقها، ومنع الدخول أو الخروج إليها، والمقاومة وعلى رأسها "مجلس شورى المجاهدين" يسيطر على مساحات شاسعة منها، ومن الواضح أنه يوزع المناطق على فصائل المنطوية تحته بانتظام لمنع الاختراقات، حتى بات أهالي المدينة يعرفون الفصيل المسؤول أمنيا على المساحة الجغرافية لمناطقهم، كما إنه يسهل الاتصال بين المقاتلين في المعركة.

أما القوات الأمريكية، وبحسب الخبير السابق، فإنها سوف تعتمد على القوات العراقية إلى حد كبير، وخاصة "لواء الأنبار" الذي شكلته الحكومة، وبمساندة بعض عشائر الأنبار التي تقف على عداء مع المسلحين.

"ولواء الأنبار"، فصيل تم تشكيله من أجل مطاردة عناصر القاعدة، لكن الأهالي يقولون إنه تحول إلى لواء مكون من "قطاع طرق"، تنصب نقاط التفتيش على الطريق الدولي، من أجل المال، وذلك بعد فشله في ملاحقة الزرقاوي وجماعته المسلحة.

كما نفذ، اللواء السابق، بحسب قولهم، عشرات من عمليات الاختطاف من أجل المال، ويتوقع أن يلعب هذا اللواء، كون عناصره من أبناء عشائر الأنبار العدوة للمقاومة، دورا لوجستيا مهما، في مساندة القوات الأمريكية بمعلومات حول أسماء القبائل والعشائر الموالية أو التي تقف ضدهم، ومناطق نشاط المقاومين.

الرمادي.. المدينة "الأكثر مشاكسة" في العراق الجديد، كما وصفها، الجنرال الأمريكي كارتر هام، نائب مدير العمليات الإقليمية برئاسة هيئة الأركان المشتركة، تنام وتصحو اليوم على قرع طبول معركة شرسة، لا شك أنها ستكلف الجانبين كثيرا من الخسائر.. لكن خسارة الوطن والمواطنين الأبرياء ستكون أكبر بكثير.

 الرمادي - العراق - خدمة قدس برس – 8/6/2006

إلى صفحة مقالات وأراء6