09/07/2006

هكذا ربانا صدام حسين على عدم الاساءة لعراقي:
 شهادة ابن مسئول عراقي سابق

الاخوة الكرام

استثارت ملاحظة قصيرة كتبها الاستاذ فيصل الجنيدي عن لؤي خيرالله طلفاح خانة من ذكريات كنت اعتقد انها طويت بالنسيان. فالاستاذ الجنيدي تحدث عن كسر ذراع (وليس يد بالمناسبة) لؤي بعد اعتدائه على احد اساتذة الجامعة.

عدت بالذاكرة الى يومين تحديدا وكم كنت فيها غاضبا من الرئيس صدام حسين.

***

اليوم الاول (صيف 1983): جُمعنا، نحن ابناء واخوة المسؤولين العراقيين (من احمد عزة ابراهيم الدوري مرورا بابناء اعضاء مجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية وصولا لابناء الوزراء ومن هم بدرجة وزير). ماذا يريد الرئيس منا؟ سألت نفسي.

التجمع كان في استعلامات المجلس الوطني (كانت اول مرة ادخل للبناية). جاء ضابط من حماية الرئيس يبدو انه مهم وطلب من الجميع ركوب حافلات اعدت لهم. وبعد دقائق كنا داخل بناية القصر الجمهوري (وهي المرة الاولى والاخيرة التي ادخل فيها تلك البناية). وفي قاعة السينما للقصر (كما اعتقد) كانت تتربع شاشة تلفزيون كبيرة وجهاز فيديو بدا غير متناسبا مع حجم الشاشة.

دخل رئيس الديوان في ذلك الحين طارق حمد العبدالله وهو رجل دمث الخلق كان من الواضح انه قد كلف بمهمة لا تتناسب مع امكاناته.

بدأ بالكلام بنبرة فيها الكثير من العنف قائلا ان الرئيس صدام حسين يريدكم ان تشاهدوا الفيلم التالي وانه (العبدالله) سيتحدث الينا بعد انتهائه.

بدأ الفيلم. اقل ما يقال عنه انه مرعب. تحقيق مع ثلاثة رجال وشاب. عرفنا الشاب فورا. كان لؤي خيرالله طلفاح: ابن خال الرئيس واخو زوجته (خال الشهيدين عدي وقصي) واخو وزير الدفاع في حينها عدنان خيرالله.

شاهدت لؤي في اكثر من مناسبة من قبل. كان شابا في التاسعة عشر من عمره. مغرور ويريد ان يقول لكل العالم من هو. ولكن لم يكن كثيرون يعيرونه اهمية. كان في عمر مقارب جدا من ابني اخته عدي وقصي، فمن يعيره اهمية وابنا الرئيس عادة ما يتواجدان في نفس مناطق تواجده (على الرغم مما كان يقال، فان المتنفسات الوحيدة في بغداد الثمانينات لم تكن تزيد على ناديي الصيد والعلوية ومدينة الحبانية السياحية القريبة و3 فنادق في قلب العاصمة – بالطبع كان التواجد في أي منها يعد رفاهية ما بعدها رفاهية بالمقارنة مع بقية ابناء الشعب).

فهمنا من التحقيق ان لؤي كان قد تسبب بازمة مع استاذ في كلية الهندسة قرر طرده من قاعة الامتحان لانه تغيب عن المحاضرات بنسبة تزيد على 10%. كانت كلية الهندسة في العراق تتعامل في هذا الشأن مثلها مثل المدارس الثانوية.

اراد لؤي الانتقام من الاستاذ الذي طرده (غير عابئ بمركزه المفترض) من الامتحان معتبرا انه رسب بسبب الغياب. في نفس يوم الطرد او بعده (لا اعرف)، اقتاد لؤي وثلاثة من حراسه او حراس ابيه او اخيه (لا اعرف) الاستاذ المسكين الى طريق فرعي واوسعوه ضربا ودفعوه على الارض مما ادى الى كسر ذراعه وتركوه.

حمل الاستاذ نفسه بعد العلقة ورفض التوجه الى مستشفى اليرموك القريب، واصر الى التوجه الى استعلامات القصر الجمهوري طالبا مقابلة الرئيس وهو يحمل ذراعه المكسورة.

لا نعرف ما قاله الرئيس صدام حسين للاستاذ الذي اهدرت كرامته. لكننا شاهدنا عقابه للؤي وعصبته. شيء فظيع. صدقوني.

وضع كل واحد منهم بين اربعة او خمسة رجال من اضخم حماية الرئيس جسدا يحملون انابيب مطاطية (صوندات باللهجة العراقية). وانهال هؤلاء على كل واحد منهم ضربا لا يمكن تصوره حتى اشك ان بقعة من اجسادهم نجت من الجلد المبرح. بقوا يصرخون ويستغيثون طلبا للرحمة.

تعالى صراخ بعض الجالسين من المشهد. كان يفوق الاحتمال لكثيرين خصوصا ان اغلب الموجودين كانوا بين اعمار 15 و25 سنة.

كانت البداية فقط. فبعد انتهاء الجلد، جاء دور كسر عظم الذراع (بالضبط نفس الذراع وفي نفس المكان الذي كسرت فيه ذراع الاستاذ الضحية). اثنان من الحراس يمسكان لؤي (الذي كان قد فقد القدرة على الحراك من قسوة الجلد). يتقدم الثالث وهو يحمل هراوة غليظة (توثية باللهجة العراقية). يضربه. لا تنكسر الذراع من اول ضربة. يفحصها طبيب موجود. تعاد الكرة وهذه المرة تنكسر. ويتكرر العقاب للثلاثة الاخرين.

انتهى المشهد. العبدالله ينهال علينا بالتقريع ويقول اننا لا نفهم ان الرئيس صدام حسين لن يتساهل مع منْ يسيء لاي من ابناء الشعب وان هذا مصيره ايا كان.

قلت في نفسي: وما دخلي انا ولم امد يدي على بعوضة.

من يومها لم نعد نسمع عن لؤي طلفاح.

***

اليوم الثاني (شتاء 1984): جاء سائق الوالد الى الكلية مسرعا. انا واخوتي كنا في كليات متقاربة. وضعنا في السيارة وانطلق سريعا. عرفنا ان القضية مهمة جدا هذه المرة. وفي بناية المجلس الوطني جلسنا في قاعة الانتظار. لم نكن لوحدنا، بل شاهدنا عددا من الوزراء.

تحولنا الى القاعة الرئيسية للمجلس الوطني مع تعليمات بترك الصفوف الثلاث الاولية. جلسنا، ثم دخل الوزراء وبعدهم اعضاء القيادات العليا في الحزب. ثم دخل الرئيس صدام فقمنا جميعا احتراما له.

بدأ الرئيس صدام حديثه. قال "يبدو انكم لم تتعظوا من الدرس السابق وها انتم تكررونه. من يسيء الى أي مواطن عراقي فهو يسيء الى صدام حسين."

تحسست ذراعي اودع استقامتها. فالدرس السابق ما يزال طريا في ذاكرتي. "ولكني لم افعل شيئا" قلت بيني وبين نفسي. كل من حولي اصفرت وجوههم. هل هي عقوبة جماعية. اكيد، والا لماذا استدعوا اباءنا معنا.

قال الرئيس "ساحدثكم بعد مشاهدة الشريط." واتى حسين كامل بالشريط ووضعه في جهاز الفيديو وبدأ المشهد على الشاشة.

مفاجأة. انه قصي صدام حسين. وضعه حراس الرئيس وسطهم وانهالوا عليه ضربا بقصب خيزران. بعد ضربات كثيرة، تكسر فيها عدد كبير من العصي، سقط قصي ارضا واستمر الحراس بضربه. لم يقل "آه". كيف كان يحتمل كل هذا الضرب؟ لا ادري؟

امر الضابط المشرف بايقاف الضرب لان قصي كان بين الوعي والاغماء.

تحركت الكاميرا. واذا بها تتجه الى ركن الغرفة. كان الرئيس واقفا يشرف بنفسه على عقاب ابنه. قال لحراسه "عفارم (كلمة تشجيع دارجة في العراق ربما من اصل فارسي او تركي)! اطعتم الاوامر حتى وان كانت بحق ابن الرئيس. احسن من دربكم. اشكركم".

حمل قصي على نقالة، وعرفنا لاحقا انه قضى اكثر من شهر في مستشفى ابن سينا لكي يتعافى. واختفى عن الحياة العامة لسنوات بعد تلك الحادثة ولم اشاهده ثانية الا عام 1986 وهو يقود سيارة في الكرادة ببغداد من دون مرافق او حراسة.

قال الرئيس معقبا "شاهدتم ما حل بقصي. اقسم ان اساء احدكم لاي عراقي فان مصيره سيكون مشابها. وها انا اتحدث امام ابائكم لكي لا يقولون لاحقا انني لم ابلغهم."

عرفنا ان السبب كان بعيدا بعض الشيء عن قصي. احد اصدقائه وبحضوره "تحرش" بزوجة ضابط عراقي صغير كان قد اتى في اجازة من جهة الحرب مع ايران. يبدو ان الامر كان اساءة ادب، لكن الضابط حمّل ابن الرئيس المسؤولية لان صديقه ما كان ليجرؤ على فعلته لولا احساسه بالحماية. ذهب مشتكيا الى استعلامات القصر الجمهوري.

عاقب الرئيس ابنه على فعلة صديقه.

***

غضبي كان كبيرا. كنت شابا يافعا واعتبرت التحذيرات والتنبيهات اهانة لم استحقها شخصيا لاني واغلب الحاضرين من ابناء المسؤولين كنا نقول "يا رب الستر. الستر من غضب ابائنا اولا قبل غضب الرئيس." والدي ذلك اليوم كسب حليفا اخرا وحجة جديدة لكي يضيق علينا.

اليوم افهم رسالة الرئيس صدام حسين واضحة. حتى عندما ظهرت صورة لؤي على التلفزيون اثناء شهادته في محاكمة الرئيس صدام حسين، لم ترتبط بذهني صورة لؤي الشاب النزق بصورة لؤي الاسير، لولا ملاحظة الاستاذ الجنيدي. تلك العقوبة مسحت صورته من ذاكرتي تماما ولم يعد يرتبط بصورة الشاب الذي اساء لاستاذه. لقد دفع فاتورة الاساءة كاملة يومها: تربى كما يقول العراقيون.

ومع ما حدث للؤي وقصي تربينا اكثر. اصبحنا نعرف ما هي حدودنا حتى وان لم يكن كثير منا قد تجاوزها. بقيت اساءات تبرز هنا وهناك واستطيع الجزم بان نسبتها لا تتجاوز معدل الاساءات التي يشهدها أي شارع في أي مدينة عراقية. عركة هناك وسباب هنا، ولكنها ضمن "نشاطات الشباب". لكن اساءة وتعديا وتجاوزا: لا. فمنْ يجرؤ. وحتى من تجاوز الحد (سمعت عن سجن زياد طارق عزيز واحد ابناء سعدون حمادي بامر من الرئيس)، فان العقاب كان لا يوفر احدا.

سمعت لاحقا عن عقوبات مرعبة حلت بعدي صدام حسين، ولكني كنت قد ابتعدت عن نادي ابناء المسؤولين ولم تتح لي فرصة مشاهدة فيلم مماثل (لا اعرف ان كان ثمة فيلم اصلا) ولم اعد في حاجة الى توجيه من هذا النوع.

***

لا اعرف من وسيلة أوصل بها الاعتذار للرئيس الأسير صدام حسين. لم اعد غاضبا منه. فقد كنت على خطأ وهو على صواب.

 

ابن مسؤول سابق

إلى صفحة مقالات وأراء6