09/07/2006

لماذا غابت شمس أمريكا

 

  بقلم: نعوم تشومسكي

 

اختيار الموضوعات التي ينبغي ان تحتل مكانا عالياً في أجندة حقوق ومصالح الإنسان يعتبر موضوعاً ذاتياً لكن هناك خيارات قليلة لا يمكن تفاديها لانها ترتبط مباشرة ببقاء الجنس البشري ومن بينها على الأقل ثلاث هي الحرب النووية والكوارث البيئية وحقيقة ان حكومة أقوى دولة في العالم تتصرف بطريقة تزيد من احتمال حدوث هذه الكوارث وهذا يبرز موضوعاً رابعاً يثير قلق الأمريكيين والعالم وهو الانقسام الحاد بين الرأي العام والسياسة العامة، ومن أسباب هذا الخوف هو ان النظام الأمريكي بكامله يواجه مصاعب حقيقية وانه يسير في اتجاه سيؤدي إلى انهاء القيم التاريخية الأمريكية وهي الحرية والمساواة والديمقراطية الحقيقية.

النظام الأمريكي بدأ يكتسب بعض صفات الدول الفاشلة التي يمكننا تحديد بعضها مثل عدم قدرتها أو رغبتها في حماية شعبها من العنف أو التدمير وميلها لان تعتبر نفسها محصنة ضد القانون المحلي أو الدولي وبالتالي هي حرة في ممارسة العدوان أو العنف وإذا كان لديها اشكال ديمقراطية فإنها تعاني من اختلال يجردها من أي فعالية.

ومن الأشياء الأكثر صعوبة التي قد يفعلها الإنسان النظر بموضوعية في المرآة وإذا فعلنا ذلك فسنرى صفات الدولة الفاشلة هنا داخل أمريكا.

المأزق الرئيسي الذي يواجه صانعي السياسة يوجد احياناً في طرف الحمائم من الطيف السياسي كما وصفه روبرت باستور مستشار الأمن القومي للرئيس كارتر حيث اوضح لماذا اضطرت الإدارة الأمريكية إلى مساندة نظام سوموزا الفاسد في نيكاراجوا وعندما برهن هذا على أنه مستحيل عمدت إلى الحفاظ على الحرس الوطني الذي دربته بالرغم من انه نظم مذابح قتل فيها حوالي 000،40 مواطن، السبب كان واضحاً الولايات المتحدة لم ترد السيطرة على نيكاراجوا أو الدول الأخرى في المنطقة ولكنها ايضا لم ترد ان تخرج التطورات عن سيطرتها، كانت تريد من النيكاراجويين ان يتصرفوا باستقلالية شريطة الا يمس ذلك بمصالح الولايات المتحدة مآزق مماثلة واجهت مخططي إدارة الرئيس بوش بعد غزو العراق فهم يريدون العراقيين ان يتصرفوا باستقلالية شريطة الا يؤثر ذلك سلباً على مصالح الولايات المتحدة لذلك يجب ان تظل العراق دولة ديمقراطية وذات سيادة ولكن ضمن حدود معينة.

تحقيق الأهداف التقليدية في العراق برهن على صعوبته الفائقة بالرغم من الظروف المواتية مأزق الدمج بين قدر من الاستقلالية والسيطرة الحازمة برز بصورة جلية بعد وقت قصير من الاحتلال حيث ادت المعارضة غير العنيفة إلى ارغام المحتلين على قبول قدر أكبر من الحرية للعراقيين مما كانوا يتوقعون وكانت النتيجة سناريو كارثيا لعراق ديمقراطي ذي سيادة إلى حد ما ضمن تحالف شيعي يضم إيران والعراق الشيعي وربما المناطق الشيعية في السعودية ويسيطر على معظم موارد النفط العربية.

الوضع قد يصبح اسوأ إيران قد تتخلى عن الأمل في ان تصبح أوروبا مستقلة عن الولايات المحدة فتتجه شرقاً، المفاوضات النووية بين الاتحاد الأوروبي وإيران كانت تستند إلى صفقة لم يلتزم بها الأوروبيون بدفع من الولايات المتحدة، كانت الصفقة هي ان تجمد ايران تخصيب اليورانيوم وان يقدم الاتحاد الأوروبي ضمانات أمنية الضمانات الأمنية تشير إلى تهديدات الولايات المتحدة وإسرائيل بقصف إيران مثلما فعلت إسرائيل بتدمير مفاعل أو زيراك العراق في عام 1981 وأي محاولة لتنفيذ خطط مماثلة ضد إيران ستؤدي إلى أعمال عنف فورية وهي شيء تفهمه واشنطن جيداً.

وأثناء زيارة قام بها الزعيم الشيعي مقتدى الصدر إلى إيران حذر من ان ميليشياته سوف تدافع عن إيران في حالة تعرضها للهجوم وهذه اشارة إلى ان العراق سوف يصبح ميدان معركة في حالة اندلاع صراع بين إيران والغرب.

وبعكس أوروبا فإن الصين ترفض ان تنصاع لواشنطن وهذا سبب رئيسي في الخوف من الصين الذي يبديه المخططون الأمريكيون، الكثير من النفط الإيراني يذهب إلى الصين وتوفر الصين لإيران الاسلحة التي تعتبر رادعاً للولايات المتحدة المحلل الهندي ايجاز أحمد لاحظ ان إيران قد تصبح خلال العقد القادم حلقة الوصل في شبكة الطاقة الآسيوية التي سوف تكسر الاحتكار الغربي لامدادات الطاقة مما يؤمن الثورة الصناعية الآسيوية وقد تدخل في هذا المشروع كوريا الجنوبية ودول جنوب شرق آسيا وربما اليابان الاستخبارات الأمريكية ترى ان الولايات المتحدة التي تسيطر على نفط الشرق الأوسط لاسباب تاريخية سوف تعتمد أكثر على مصادر أكثر استقراراً في حوض المحيط الأطلسي (غرب افريقيا ونصف الكرة الغربي» حيث اصبحت السيطرة على نفط الشرق الأوسط غير مضمونة وهذه التوقعات ايضا مهددة بالتطورات في نصف الكرة الغربي وفي غضون ذلك فإن العلاقات بين كوبا وفنزويلا تتطور بسرعة وكل واحدة منهما تعتمد على الميزات التي تتمتع بها، فنزويلا توفر النفط الرخيص لكوبا بينما تنفذ كوبا في فنزويلا برامج للصحة ومحو الأمية حيث ترسل الآلاف من المهنيين المهرة مثل الأطباء والمعلمين الذين يعملون في افقر المناطق وأكثرها اهمالاً كما يفعلون في مناطق اخرى من العالم الثالث مشاريع كوبا وفنزويلا تمتد إلى اقطار البحر الكاريبي الاخرى حيث يوفر الاطباء الكوبيون العناية الصحية بينما توفر فنزويلا التمويل اللازم بعض المحللين يقترحون بان كوبا وفنزويلا قد يتحدان وهي خطوة نحو تكامل أمريكا اللاتينية لتشكيل كتلة تستطيع ان تكون أكثر استقلالاً من الولايات المتحدة.

وبالرغم من ان أمريكا الوسطى قد خضعت للسيطرة الأمريكية الناتجة عن العنف والإرهاب الذي فرض عليها اثناء فترة حكم الرئيس ريجان فان بقية نصف الكرة الغربي بدأ يخرج عن السيطرة الأمريكية في فنزويلا إلى الارجنتين، السكان الاصليون اصبحوا أكثر نشاطاً وتأثيراً خاصة في بوليفيا والاكوادور والاثنان من كبار منتجي الطاقة.

ومن بين النتائج المتوقعة ان اتباع إدارة الرئيس بوش لسياساتها التقليدية في مناوئة الديمقراطية سوف يواجه عقبات، حيث لم يعد من السهل اللجوء إلى الانقلابات العسكرية والارهاب الدولي لاسقاط الحكومات المنتخبة ديمقراطياً، كما تعلم مخططو إدارة بوش الدرس القاسي من فنزويلا في عام 2002، وبالرغم من انه من الطبيعي للأنظمة التسلطية ان تعمد إلى نشر التشاؤم واليأس فإن الحقيقة تختلف، لقد حدث تقدم كبير في السعي المستمر نحو العدالة والحرية في السنوات الأخيرة مما ترك تراثاً يمكن ان يرفع إلى مستوى أعلى من السابق فرص التعليم والتنظيم تتكاثر، وكما كان الحال في الماضي فإن الحقوق لا تمنح بواسطة السلطات الطيبة أو تحقق بواسطة الافعال المتقطعة، وكما حدث في الماضي فإن هذه المهام تتطلب العمل اليومي لخلق أو إعادة خلق القاعدة اللازمة لثقافة ديمقراطية عاملة يلعب فيها الشعب دوراً رئيسياً في تحديد السياسات ليس فقط في الحلبة السياسية بل ايضا في المجال الاقتصادي، هناك وسائل كثيرة لدعم الديمقراطية في الوطن ودفعها إلى ابعاد جديدة الفرص متوافرة والفشل في اقتناصها ستكون له نتائج وخيمة للبلد وللعالم والاجيال القادمة.

 

 عن صحيفة الشرق القطرية

إلى صفحة مقالات وأراء6