09/07/2006

 

سامحيـنا يا «هـدى»

 بقلم: محسن الهاجري

 

في الوقت الذي يستمتع فيه العالم بأسره - ومعه دول العالم العربي والإسلامي - بمشاهدة مباريات كأس العالم لكرة القدم في ألمانيا منشغلين بهجمات وضربات وفنون للكرة على مسطح أخضر، يتمتع أهلنا وإخوتنا في فلسطين وفي غزة تحديداً بنصيبهم من الغارات والهجمات والضربات الجوية التي تسقط من القنابل ما لا يستطيع أحد أن يوقفها أو أن يصدها وعلى امتداد رقعة وطنهم الحزين الذي لا يجد من ينصره وسط هذا "الانفراد" بالهدف الذي أودى بحياة إخوتنا هناك.

 

بعدما قامت القوات الإسرائيلية بهجمتها الأخيرة والشهيرة وسط أنظار العالم بأسره رأت نفسها بأنها فُضحت علناً أمام عدسات المصورين، وكم هي تخشى تلك العدسات التي تحاول جاهدة أن تتجنبها كي تقتل وتسحق وتدمر كل شيء فلسطيني، تماماً كما فُضحت بنقل مباشر في حادثة مقتل الطفل (محمد الدرة) فكانت ردود الفعل حينها قد جلبت المتاعب لها من خلال تصاعد حدة المقاومة باتجاهها، ولعلها قد استرجعت ردة الفعل تلك فتوقعت بأنها بصدد مواجهة موجة من الغضب العربي والإسلامي لذا سارع وزير الدفاع الإسرائيلي "بالاعتذار" عن تلك الهجمات "غير المقصودة" وكأن لسان حاله يقول إن أحد طيارينا كان يلهو ببعض القنابل التي تحملها طائرته العسكرية أو أنه استاء من ثقلها فتخلص منها لتقع على أسرة فلسطينية بريئة لا ذنب لها إلا أنها ذهبت لتستنشق الهواء النقي في أرضهم - السليبة - بجانب بحر غزة - المغتصب - حيث لم يتبق غير الهواء الذي لم تستطع &"إسرائيل" أن تقسمه إلى جانب فلسطيني وآخر إسرائيلي، ولو أن بمقدورها حيازته لمنعته من الدخول في رئة كل فلسطيني وعربي ومسلم على وجه الأرض.

 

وعندما وجدت أن ردة الفعل تلك لم تكن كما توقعتها ورأت أن عدوها قد انشغل بمباريات كأس العالم وغيرها من تفاهات الدنيا، إذا بها بين لحظة وأخرى تسحب اعتذارها، فلا داعي أن تعتذر طالما لم تخطئ في حق أحد، فنفاجأ بتصريحات إسرائيلية تنفي وتكذب تلك الغارة وتزعم بأنها لم تقم بذلك على الرغم من اعتذار وزير دفاعهم عن ذلك قبلها بيوم أو أكثر!!.

 

يالها من إهانة كبرى حينما تغتال "إسرائيل" في وضح النهار أسرة بريئة لا ذنب لها ولا وزر لها إلا أنها خرجت تتنـزه وسط حياة تخنقها "إسرائيل" يومياً بمعابرها وحواجزها وأسوارها وجنودها وجرافاتها وطائراتها وصواريخها مما يجعل الحياة أقرب إلى الموت في كثير من الأوقات والأحيان.

 

لقد قتلت "إسرائيل" أسرة فلسطينية بأسرها ممثلة في أب وأم وثلاثة أطفال فلم يتبق منها غير ابنتهم (هدى) التي فجعت برؤية أسرتها تذهب عنها في لمح البصر فإذا بوسائل الإعلام تتناقل صورتها وهي تبحث عن والديها وتضرب وجهها وتصرخ طالبة الغوث من أحد... ولكن لا أحد ينصرها ولا أحد يداوي جراحها التي لن تندمل أبداً.

 

إننا نعيش إحدى تلك الإهانات والصفعات التي نتجرعها يومياً على يد "إسرائيل" التي لم ترتدع ولم تخف يوماً لا من سلطة فلسطينية ولا من مسؤول فلسطيني وإنما خافت - في يوم ما - من فتى فلسطيني يحمل حجارة ويطارد دبابة إسرائيلية وخافت من شبان يصعدون من هجماتهم ضدها بل وخافت من شعب بأسره ينتفض مطالباً بأرضه بالقوة لا عن طريق المفاوضات، وخافت من عالم عربي وإسلامي يقف وراء أخيه الفلسطيني ويسانده، ولكنها أيام مضت وتلاشت وسط هذا التفرق والتمزق والصراع الفلسطيني الفلسطيني، فتعساً لهذه الأيام التي أصبحت حياة الآمنين والأبرياء فيها لعبة في يد "إسرائيل".

 

سامحينا يا "هدى" فمهما فعلنا لكي ولأمثالك من أطفال العرب والمسلمين الذين ساهمنا بشكل مباشر أحياناً وبشكل غير مباشر في أحيان كثيرة في يتمك وضياع مستقبلك وتشريدك.. مهما فعلنا فلن نستطيع أن نعيد الابتسامة إليك من جديد لأننا وبكل بساطة.. (نحن الذين شردناك وضيعناك ويتمناك) قبل أن تفعل "إسرائيل" بأسرتك ما فعلت.. ولكن هنيئاً لأهلك الجنة "شهداء في جنة الخلد".. وهنيئاً لمن تخاذل وانهزم من العرب والمسلمين.. هنيئاً له الدنيا الفانية بأسرها عندما لا يجد له مكاناً يستقبله في جنة الخلد وملك لا يفنى.. ولا حول ولا قوة إلا بالله. 

1

إلى صفحة مقالات وأراء7