09/07/2006

كل يوم يأتي نقول : سقى الله البارحة !

 بقلم: عبد النبي حجازي

anhijazi@aloola.sy


ياقوم . دعوا الفضائيات تنقل الحدث من مكان الحدث . دعوها تحلّل تفصّل ، تقاتل عنا ... فما نحن إلا صمٌّ بكمٌ عميٌ لا يفقهون . دعوا وزير خارجية

عربي يعتز بصداقة اسرائيل ويذبّل عينيه قائلاً معتدّاً : "اتصلت بوزيرة الخارجية فما رضيت"

أمهلوا الرئيس حسني مبارك لعله يأتينا منهم بقبس وتعالوا أقص بدايةً هذه الحكايا :

(من كليلة ودمنة) : انعقدت صداقة بين حمامتين وسلحفاة يلتقين ويتسامرن يومياً . فأصيب مرتع السلحفاة بالجفاف وتعرضت للهلاك . جاءت

الحمامتان بعود ووضعت كل منهما طرفه في فمها وقالتا : " ضعيه في فمك من وسطه واقبضي عليه جيداً وسنطير بك ننقلك إلى مكان خصيب .

ولكن احذري أن تفتحي فمك وأنت في الجوّ " وحلَّقتا بها في الأعالي . شاهدها مجموعة من الأطفال فقال أحدهما للآخر مستغرباً: "انظر . سلحفاة

طائرة" ففتحت السلحفاة فمها لتسخر منه , وإذا بها تتهاوى على الأرض وتلقى حتفها"

(حكاية شعبية) : أمر السلطان العثماني عبد الحميد بجمع التنابل ووضعهم في بناء واسع (قاووش) ومنحهم الفرص أن يعدّوا طعامهم بأنفسهم لكن

أحداً منهم لم يتحرك . قطعوا عنهم الطعام والشراب فلم يتحركوا . قال السلطان هاتوا كمية من التبن وأحرقوها في زاوية (القاووش) . أحرقوها

فملأ الدخان المكان سحائب تتشابك بسحائب ، فأُرغم التنابل عى السعال العنيف ولم يتحركوا. قال السلطان : دعوهم حتى يختنقوا"

(حكاية شعبية) : زوجان لايملكان سوى الخبز اليابس . وحان موعد العشاء . فأخذ كل منهما يلحّ على الآخر أن يبلّ الخبز ليأكلا , بلا جدوى .

فتراهنا على الصمت ومن يتكلم أولاً "عليه البلّ" ولبثا فترة حتى أخذت الحجارة تتراشق على البيت . ظلا راكنين صامتين . سمعا وقع أقدام في

باحة البيت فظلا راكنين صامتين .

فخلع اللص باب الغرفة واقتحمها . فصاحت المرأة : "حرامي حرامي" قال الرجل باعتداد وانتصار: "عليك البلّ"

واليهود يمزقون فلسطين . يستبيحونها . يدمرون البيوت فوق رؤوس أصحابها يقتلون النساء والأطفال والشيوخ . حكمو على الضفة والقطاع

بالفناء . و... خطفوا ثمانية وزراء ! وأربعة وعشرين نائباً !كل هذا من أجل جندي . فلو كان عريفاً,رقيباً, ضابطاً .. ماذا كانوا سيفعلون ؟ ولو كان

جنرالاً أيلقون علينا القنبلة الذرية ؟

وماذا بعد ؟ هل ننتظر أن يناموا مع نسائنا وينجبوا الأطفال عنا ليقول بعضنا لبعض : "عليك البل"

وصرخت هدى ، وصرخ والد محمد الدرة ، وصرخت الأرامل واليتامى ، وزُجَّ عشرات الآلاف من الأسرى في السجون ولم يقل أحد "عليك البلّ" .

دمروا العراق ، وسخّروا الخونة والجواسيس والعملاء ؛ نصبوا بعضهم مسؤولين وبعضهم الآخر ينتظر , وأذلّوا الشعب ، واستباحوا النساء ،

وبكى الرجال.. ولم يقل أحد : "عليك البلّ"

واستخفّتْ إسرائيل بمشروع السلام الذي تقدَّمت به القمة العربية في بيروت ، ولم تُعِرْهُ أدنى اهتمام . وحاصروا بعضنا وهددوا الآخرين . واحتقرونا

، ووصمونا جميعاً بالإرهابيين وقرروا إذلالنا وإفناءنا . ولم يقل أحد منا نحن الـ (312) مليونا من الناس حسب الإحصاءات !!! : "عليك البل"

 وماذا بعد ؟

هل نركع ضارعين للآنسة كونداليزا رايس ، وديك تشيني ، ووليام رامزفيلد نسألهم أن يتوسّطوا دبليو بوش عساه يطلق علينا رصاصة الرحمة ؟

 تُرى .. هل في العالم شعب واحد يحترم خنوعنا ، وانهيار نفوسنا بعد , ونحن نملك أكبر احتياطي بترولي في العالم ، ونملك الثروات الطبيعية

والزراعية ، والأسواق الاستهلاكية , وأكبر ثروة سياحية في العالم , والفائض من العمالة ؟

لمن نخبئ (كامب ديفيد) و (وادي عربة) و(أوسلو) ؟ لآخرتنا ؟ فنخسر آخرتنا كما خسرنا أولانا ؟

وهل منحت أمريكا هذه (الاتفاقيات) لمَن مَنَحتْ (بخشيشاً) ؟

أتُرانا آثرنا الصمت متعّظين بما أصاب سلحفاة ابن المقفع فلا يجرؤ أحدٌ فينا أن يقول "عليك البلّ" ؟ أم آثرنا السعال فالاختناق أسوة بتنابل السلطان

عبد الحميد ؟

أم ينتظر كلٌ منا أن يضع رأسه في المقصلة مسلِّماً بقضاء الله وقدره لعلّه جلّ وعلا يقول : "يانار كوني برداً وسلاماً" ؟

ألا نعلم أن كلّ يوم يأتي نقول : "سقى الله البارحة" ونتحدّر نتحدّر ...حتى يأتي يوم تنعقد فيه ألسنتنا عن قولها ، ونُلقى في البحر أو مهاجرين إلى

القرن الأفريقي مثلاً ؟

أين تُرانا نخبّئ : العزة العربية ، والنخوة ، والكرامة ، وما تفوه به إذاعاتنا ، وما نصبّ به من حبر على صحفنا ، فَنَسِمُ مسؤولينا بألقاب العظمة ،

ونرفعهم فوق السحاب حتى أصبح لكل منا إلاهان واحد أحدٌ في السماء وواحد مصنّعٌ في الأرض استعرنا صفاته من آلهة الإغريق ، وصبغناه بها

وكلما نبست الآنسة رايس ببنت شفة ارتعدت أوصاله ، فأسقط رعبه على (رعاياه) صبه عليهم نقمة ، والرعايا يسقطونها على نسائهم ، والنساء

يسقطونها على ذراريهم والذراري ينشأون على القمع والقهر .

ألا ترفعون الحصار ، والقمع , وعقدة الألسن عن شعوبكم لعل فيهم من يقول : "عليك البل" وتبرَّأوا منهم ؟

أَوَكلما ارتفع صوتٌ ينذر ويحذِّر تفور إسرائيل وتغلي وتدرج أمريكا صاحب في قائمة (الشرّ) ورعاة الإرهاب . ويغضب المسؤولون العرب

يستنكرون ويَعُدّونه (أزعر) متهوراً ، ويعلنون (الولاء المطلق) لأمريكا ويبتسمون لإسرائيل كما يبتسم الحَشَمُ لابن (البك) متباهين بنجابته وبهائه ،

وبالصلب الذي أنجبه ؟

بربِّكم ماذا ينتظر التاريخ والضمير العربي منا : مسؤولين طَغَوْا وبَغَوْا وشعوباً رقَدَتْ كما يرقدُ الرضيع في حجر أمه ؟

بربكم كم مرةً يموت الإنسان ؟ هل هي إلا ميتةٌ واحدة ؟ وياعجبي كم نموت كل يوم ، كل ساعة ، كل ثانية !.. نموت ولا نشبع من موت ولا من موات

. وما قصورنا وأكواخنا وما بينهما إلا رموس توارتْ فيها أجسادنا ، وهامت أرواحنا في الفضاء .

 بتنا كالفراش ماإن يرَ بؤرة نور حتى يتهافت عليها ، وتحرقنا النار ، وتنضج أجنحتنا ، ونعود لنتهاوى ونحترق من جديد لعلّ صرخة حقٍ تعلو ، ويدَ

 طفلٍ تحمل حجراً ... لا يجهضها نكوصٌ كما أجهضتها اتفاقية أوسلو التي عُقدَت بذكائنا ! وحصافة بني إسرائيل ، وقضتْ نحبها بولادة قيصرية . وما

نزال نقرأ الفواتح على جثمانها لعلّ الله يبعثها من جديد .

فيا حماس دعوا الكراسي فما أنتم أهلٌ للنفاق والمتاجرة ، وعودوا إلى خنادقكم .

 وياقوم دعوا الشعب الفلسطينيّ (الشقيق) وحده فما نحن إلا عربٌ بائدة .



 

إلى صفحة مقالات وأراء8