18/08/2006

 

قراءة أولية لنتائج انتصار المقاومة الوطنية اللبنانية

بقلم : سعد داود قرياقوس

في تجربة المقاومة الوطنية اللبنانية وصمودها البطولي، وما حققته من انتصاركبيرعلى قوات العدو الصهيوني الكثيرمن العناصرالايجابية التي لا يمكن الا الاشادة بها وتقييمها بشكل يتناسب مع سخاء المقاوميين وشجاعتهم .

اهم معطيات هذه التجربة تكمن في انها اضافت الى انتصارات رجال المقاومة العراقية انتصاراعربيا جديدا، وعضدت صمود شعبنا في فلسطين .انها وبكل بساطة قدمت للامة العربية الضلع الثالث لمثلث المقاومة العربية، وخلقت  مناخا يمكن استثماره لقيام وحدة المقاومة العربية كنواة لبناء المجتمع العربي الحر الموحد .

 

لنركن جانبا القلق المشروع الذي ابداه المتحفظون على قرارمجلس الامن 1701، الذي تضمنت فقراته عناصرخطرة، اهمها التغاضي عن مطالب لبنانية مشروعة، وفرضها شروطا مجحفة على الشعب اللبناني ومقاومته .   ولندع جانبا الخسائرالمادية والبشرية الكبيرة الناجمة عن العدوان الصهيوني على شعبنا في لبنان. ولنبتعد قليلا عن ضوضاء السفسطائيين ولغطهم حول

"تراجع"  قيادة حزب الله وتخليهاعن خيارالمقاومة، وقبولها في قرار مجلس الامن!، ولنتجاوز نظريات تحجيم انتصارالمقاومة البنانية، ونصرف النظرعن تلك التي بالغت في تقديرحجم تاثيرالمقاومة اللبنانية، وقدمت انجازاتها كمقدمة لانهيارالامبريالية العالمية وبداية تآكل اطرالنظام  الراسمالي!.

لندع النقاط اعلاه وغيرها مع اهميتها جانبا، ولنتوقف امام النتائج السياسية والعسكرية لصمود المقاومة العربية  في جنوب لبنان، ونجاحها في دحر العدوان الامريكي- الصهيوني، دون التقليل من امكانيات التحالف الامريكي –الصهيوني، وقدرته على مصادرة النصرفي المراحل اللاحقة، والثأرلهزيمته سواء عن طريق استخدام القوة العسكرية، اومن خلال آليات قرارمجلس الامن الاخير، او اصدارقرارات لاحقة مكملة للقرار الاخير. 

 

قد يكون من التسرع والعجالة تقديم  تحليل شامل لتبعات المنازلة الاخيرة مع العدو الصهيوني ونتائجها السياسية، الا ان تثبيت بعض الحقائق تبقى عملية ضرورية في هذه المرحلة . ما يهمنا في هذه المساهمة، هو التركيزعلى النتائج المباشرة للمنازلة، واهمها صدور قرارمجلس الامن 1701  دون الدخول في تفاصيل بنود القرار المذكوروفقراته على الرغم من اهميتها القصوى. في هذا الصدد يمكن تثبيت الملاحظات التالية :

 

اولا : دوافع صدورالقرارالاخير تختلف كليا عن تلك التي اوجبت صدور قرارات مجلس الامن السابقة المتعلقة بالنزاع العربي الصهيوني. فالقرار لم يصدر لتثبيت استحقاق سياسي " اسرائيلي " ناجم عن انتصار عسكري خاطف،  بل على العكس من ذلك تماما. فالقرارعلى الرغم من ثغراته جاء   ليوفرغطاء سياسيا للحكومة " الاسرائيلية "، وأعتراف واضح في فشل العدوالصهيوني في تحقيق اهدافه العسكرية المعلنة، وتحديد السيطرة العسكرية على جنوب لبنان و تصفية قواعد المقاومة ونزع سلاحها، وخلق منطقة عازلة خالية من السلاح توفرللكيان الصهيوني متطلبات الامن، وتتيح له الاستمرارفي ارهاب الشعب الفلسطيني ومصادرة الحق العربي. يضاف الى ذلك ان خسائرالعدو جراء المعارك الاخيرة تجاوزت كل خسائر حروبه السابقة، على الصعيدين العسكري والاقتصادي. 

 

ثانيا : صدورالقرارعكس تراجعا " امريكيا– اسرائيليا"  واضحا عن الموقف  الاولي المتعنت الذي اتخذته الادارة الامريكة والحكومة " الاسرائيلية" . فمنذ الساعات الاولى للعدوان تبلور موقف" امريكي – اسرائيلي" متعنت ورافض لاي مبادرة تقود الى وقف اطلاق النار،. تصريحات اركان الادارة الامريكية

في الايام الاولى للصراع عكست رفضا لا لبس فيه لفكرة وقف اطلاق النار قبل مرور اسابيع واشهر، وقبل سيطرة القوات الاسرائيلية على الاراضي اللبنانية جنوب الليطاني . ووضعت الادارة الامريكية ثوابت اساسية  منها، استحالة التفاوض مع حزب الله لكونه حزبا مصنفا من قبل الادارة  كحزب

" ارهابي "،  ومدرج في قائمة الحركات الارهابية، واستحالة العودة الى الوضع السائد قبل الثاني عشر من تموز، واستحالة الوصول الى ترتيبات ايقاف العمليات قبل حسم وتصفية حزب الله . فاصرت الادارة على تحقيق ما اطلقت عليه  "الحل الشامل"  و ربطت بين الحرب العدوانية الراهنة  وبين  حرب "بوش الثاني"  على الارهاب، وغالت وزيرة الخارجية الامريكية  في سذاجتها المعهودة، فطرحت بان من مخاض المعارك الجارية سيولد شرق اوسطها الجديد! . صمود المقاتلين والتفاف الشعب البناني الواسع حول قيادة المقاومة اجبر الادارة الامريكية على التراجع مرحليا على اقل تقديرعن  تلك الثوابت. فنصوص القرار 1701  تتعامل مع حزب الله كطرف اساس لتنفيذ القراروانجاحه  بشكل واضح ومباشر الامر الذي يشكل تراجعا امريكيا عن تحريم التعامل مع حزب الله . هذا التراجع لم يات كخيار حرا للادارة الامريكية، بل نتيجة لمازقها ومازق حلفائها جراء صمود مقاتلي المقاومة اللبنانية كما اسلفنا.  

 

ثالثا : انها المعركة الاولى التي حرمت نتائجها "الحكومة الاسرائيلية" من التمتع بنشوة النصرعلى العرب!، ولم تتح  لها فرصة تحقيق مكاسب سياسية داخلية وخارجية. الفشل العسكري والسياسي للعدو الصهيوني وضع الحكومة الاسرائيلية في حالة ارتباك  لم تالفها من قبل، وهنالك اكثرمن مؤشرعلى ان لنتائج هذه المعركة تبعات مستقبلية خطيرة على الصراع السياسي الداخلي ، وعلى مستقبل حكومة  " اولمرت "، فالمطالبات في ارسال الحكومة الحالية الى المقصلة بدات تحتل اعمدة الصحف الاسرائيلية حتى قبل الوصول الى قراروقف اطلاق النار .

 

رابعا: لا جدال في ان صدورهذا القراربالرغم من ثغراته  جاء نتيجة مباشرة  لتمسك المقاومة اللبنانية في خيارالصمود والمقاومة العسكرية، ورفضها الانصياع للمطالب "الاسرائيلة"، وثمرة لدعم واسناد شعب لبنان وقواه السياسية لمواقف  قيادة المقاومة، وجهود فصائلها. موقف اغلبية شعبنا في لبنان العروبة المساند لمقاومته  لعب دورا حاسما في توفير مستلزمات الصمود والنصر. انتصار المقاومة يشكل انتصار لشعب لبنان والامة العربية. 

 

خامسا : من البديهي ان تقود النتائج المشرفة للمقاومة الوطنية اللبنانية الى زيادة الرصيد الوطني لحزب الله وقيادته، الا انها  من جانب اخر تضع الحزب امام تحديات جديدة يتطلب تجاوزها ادخال تغييرات جذرية على مفردات الخطاب السياسي للحزب .  تحقيق هذا التغيير يفرض على قيادة الحزب مراجعة مواقفها السابقة من العديد من القضايا الوطنية والقومية في ضوء الدعم الكبير الذي قدمه الشعب العربي لفعاليتها،  ولا سيما تقييمها الخاطىء لهوية المقاومة الوطنية العراقية وشرعيتها. كما ان عليها ادراك حقيقة ان الشعب العربي يمثل العمق الاسترتيجي الوحيد لها، وان المرجعية العربية تشكل الضمانة الوحيدة لديمومة المقاومة الوطنية اللبنانية ونجاحها في تحقيق اهدافها الوطنية.

 

سادسا : من المسلم به ان نتائج المعركة الاخيرة عززت جدوى خيارالمقاومة  المسلحة والسياسية،  وبرهنت على امكانية تحقيق النصراذا ما توفرت مستلزماته الاساسية واهمها، توفرالارادة والعزيمة الثابته، الايمان بعدالة القضية، وتوفرقرارسياسي صادق في مقاومته . لقد برهنت معارك الشرف في فلسطين والعراق ولبنان، ولاسيما نجاح المقاومة العراقية في تعطيل مشروع احتلال العراق، والحاق الخسائر العسكرية في القوة الكونية الاعظم، على ان خيار المقاومة هو الخيار الوحيد القادرعلى الدفاع عن حقوق الامة وكرامتها.وان سياسات الخنوع والاستسلام لم تؤدي سوى الى المزيد من الكوارث السياسية والاجتماعية . انتصار المقاومين اللبنانيين وافشالهم لمخطط احتلال الجنوب اللبناني خلق بؤرة مقاومة فعالة اخرى، وزاد من حجم المازق الامريكي في المنطقة، وخلق ابعادا سياسية جديدة في معادلة الصراع العربي الاسرائيلي. اهم هذه الابعاد يتمثل في تجديد ثقة الشعب العربي في خيار  المقاومة، وتقريب موعد اعلان وفاة سياسة التطبيع، وهزيمة خيارالاستسلام  والهزيمة.

 اب 2006

إلى صفحة مقالات وأراء10