10/08/2006

 

المضحك المبكي في السياسة الخارجية الأمريكية

  بقلم : الدكتور عبد الواحد الجصاني

نشر السفير الأمريكي السابق لدى كرواتيا السيد بيتر غالبريث هذا العام كتابا عنوانه (نهاية العراق : كيف خلقت عدم أهلية أمريكا حربا بلا نهاية في العراق) ركز فيه على حقيقة أن الإدارة الأمريكية كانت تعرف القليل عن  طبيعة المجتمع العراقي والمشاكل التي قد تواجهها إذا إحتلت العراق. وضرب السفير غالبريث مثالا على ذلك من لقاء الرئيس بوش عام 2002 مع ثلاثة من العراقيين حاملي الجنسية الأمريكية (من بينهم السيدة رند فرانكول النجفية المتزوجة من يهودي والتي عينت بعد الإحتلال سفيرة العراق في واشنطن). يقول السفير غالبريث إن اللقاء بدأ بإستعراض ضيوف بوش الثلاثة  توقعاتهم حول ما سيكون عليه الوضع السياسي في العراق بعد الإحتلال. وكان جل حديثهم منصبا على السنة والشيعة وما يمكن أن تحصل عليه كل  طائفة منهما بعد الإحتلال. وكان الرئيس بوش يستمع بإستغراب، حيث يبدو أنها المرة الأولى التي يسمع فيها بالسنة والشيعة وتصور أنها ديانات من غير الإسلام . وبعد أن أنهى الثلآثة حديثهم علّق بوش قائلا : كنت أظن إن العراقيين مسلمون!

ويعلق السفير غالبريث على ضعف معلومات الإدارة الأمريكية عن العراق بإنها تعكس ثقافة العنجهية وتجاهل الحقائق، حيث تصورت الإدارة الأمريكية أنها بمجرد إحتلالها للعراق ستقيم النظام الذي ترغب وتواصل تحقيق أهدافها في الشرق الأوسط ومن بينها هدف إضعاف إيران، بينما ما حصل هو أن إحتلال العراق أشاع عدم الإستقرار في الشرق الأوسط  كله وحقق لإيران أعظم إنتصار لها خلال العقود الأربعة الأخيرة وأصبح العراق يحكم من حلفاء إيران وتحولت القوات الأمريكية في العراق الى رهائن لدى إيران ولدى حلفاء إيران في العراق. ويخلص السفير غالبريث الى أن أمريكا خسرت الحرب يوم دخولها بغداد .

 

إن ما ذكره السفير غالبريث هو تأكيد من داخل المؤسسة السياسية الأمريكية  على زيف الصورة التي سعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة وآلتها الإعلامية الهائلة لخلقها عن قدراتها الخارقة على صنع أوالتأثير على كل ما يجري في العالم. هذه الثقافة المضللة إنطلت، للأسف، على كثير من النخب السياسية والثقافية في الوطن العربي وعلى أغلب الحكام العرب، لكنها لم تنطلي على المقاومة العراقية الباسلة التي مرغت هيبة أمريكا في الوحل .

 

إن جهل الرئيس بوش بحقيقة أن السنة والشيعة هم مسلمون لا يختلف كثيرا عن جهل موظفي الخارجية الأمريكية بالفرق بين موريشيوس وموريتانيا. وهذه قصة أخرى عن المضحك المبكي في السياسة الأمريكية من المناسب أن نعرج عليها .

 

فقد ذكر هنري كيسنجر في الصفحة 72 من كتابه الموسوم (سنوات التجديد)  المطبوع عام 1999 أن رئيس وزراء دولة موريشيوس زار واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي نيكسون. وموريشيوس جزيرة شبه مدارية واقعة في المحيط الهندي مقابل سواحل جنوب أفريقيا، وهي تتمتع بمناخ مطير وزراعة  كثيفة وتربطها بالولايات المتحدة علاقات ممتازة.  والعادة هي أن يعدّ موظفو مكتب وزير الخارجية نقاط حديث للرئيس نيكسون حول العلاقة بين أمريكا وموريشيوس وآفاق تقدمها ويقدموها الى وزير الخارجية الذي يقدمها للرئيس نيكسون ليتحدث بموجبها خلال اللقاء. وذكر كيسنجر إن موظفي مكتبه خلطوا بين موريشيوس وموريتانيا وقدموا نقاط حديث عن موريتانيا  الدولة الصحراوية الجافة الواقعة في غرب أفريقيا والتي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة بعد حرب عام 1967 تضامنا مع شقيقاتها الدول الإسلامية الأخرى (يقصد العربية).

وأضاف كيسنجر قائلا بالنص ((أن سوء الفهم هذا خلق حوارا عجيبا بين نيكسون وضيفه. فبدأ نيكسون الحديث بالقول ان الوقت قد حان لعودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وإن إستئناف العلاقات الدبلوماسية سيسمح بإستئناف المساعدات الأمريكية وبالذات في مجال الزراعة الجافة حيث تملك الولايات المتحدة تقنيات متطورة. أدهشت هذه الملاحظة الضيف القادم من بلد يشكو من كثرة  المطر وحاول تغيير موضوع الحديث الى العلاقات الطيبة التي تربط بلده بأمريكا، وتوجه بالسؤال الى الرئيس نيكسون إن كان راضيا عن عمل المحطة الأمريكية التي أنشأت في بلده للإتصال ومتابعة الأقمار الصناعية. وهنا جاء الدور على نيكسون ليبدو مندهشا من نقاط الحديث التي أمامه وإستلّ ورقة كتب لي عليها ملاحظة تقول : لماذا بحق الجحيم نضع محطة إتصالات فضائية في دولة لا علاقات دبلوماسية لنا معها)).

 

قد لا يندهش أحدنا لو كانت هذه الحادثة منسوبة الى رئيس جمهورية فانواتو (جزيرة في المحيط الهادي عدد سكانها تسعة عشر ألف نسمة وأصبحت عضوا في الأمم المتحدة عام 1994). فكيف يخلط مكتب وزير الخارجية الأمريكية بين دولتين بسبب أن كلاهما تبدآن بحرف الميم  رغم إن إحداهما لا تملك أصلا علاقات دبلوماسية مع الولايات المتحدة. ثم كيف يقدم وزير الخارجية (كيسنجر) نقاط الحديث عن الدولة الخطأ الى رئيسه (نيكسون) ثم يواصل الرئيس حديثه بموجبها مع إنه ووزير خارجيته وجدا أمامهما وفدا لا شيء في مظهره أو حديثه ما يدل على  أنهم من موريتانيا الدولة العربية (سكان موريشيوس من أصول هندية).

 

هذا جزء من المضحك المبكي، وإذا شكك المبهورون بالسياسة الأمريكية بذلك فليراجعوا كتابي كيسنجر وغالبريث، أو فليتعضوا!

7 آب 2006

إلى صفحة مقالات وأراء9