04/08/2006

كي تقرأ "مبادرة الصلح" على حقيقتها
اقرأ هذا السرّ الذي يعود لربع قرن... وأكثر...

التفاصيل الخفيّة لاتفاق بوش الأب مع الموساد
على "تدمير قوة العراق"

 

 بقلم : نبيل أبو جعفر - باريس

أي ساذج يمكن أن يُصدّق أن المالكي وأركان وزارته العراقية الجديدة هم الذين يقرّرون اطلاق "مبادرة" صلح أو وفاق مع الأطراف الأخرى؟!
هؤلاء لا يمونون على أنفسهم، وكل الأحزاب التي ينتمون اليها لا تخرج عن هذا السياق، وهم في باطنهم ضد أي وفاق أو انفتاح – حقيقي أم مزيف – مع أي جهة أخرى غير "الترويكه" المُنَصَّبة من قبل الاحتلال، لأن الوضع الحالي وحده يضمن لهم الاستمرارية مع استمراره، وهو الذي يحقّق لهم احتكار التبعية التي يعتبرونها مكسباً، ويرون فيها أقصر طريق لتحقيق أهدافهم المصلحية.
بمعنى، أن أي حديث عن حوار أو وفاق أو ما شابه لا يمكن أن يطرحه أحد أو يتبنّاه، ما لم يكن بإيعاز من الأميركان، وما لم يُحقّق مصالح محدّدة بالنسبة لهم، وليس لغيرهم. ولكن السؤال: لماذا يلجأ الأميركان الآن الى هذه المبادرة، وهل هم أكثر حرصاً ممّن نَصّبوهم على وحدة العراق ووفاق شعبه، خصوصاً وأن أي وفاق حقيقي يتطلب بالدرجة الأولى زوال الاحتلال وأتباعه، وكل الذين تعاملوا معهم، مع كل ما يجب أن يترافق مع ذلك من خطوات باتجاه إعادة الوضع الشرعي الى ما كان عليه قبل الغزو. فهل الأميركان على استعداد لكل ذلك صراحة مهما بلغت درجة اندحارهم، وهل يمكن أن يتخلّوا عن العراق الذي خططوا وزوّروا واتبعوا كل الوسائل – منذ ربع قرن من الزمن – من أجل ضربه واحتلاله واستمرار التحكّم فيه – وهو ما سنأتي على ذكر أبرز أسراره؟! ... وحتى لو أرادوا أن يهربوا بجلدهم من الجحيم الذي وقعوا فيه، فليس بهذه الطريقة يمكن أن يستسلموا علناً، وهم الذين يصرّون في معظم تصريحاتهم على البقاء "الى أن تنتهي المهمة"!
إذن ماذا وراء طرح هذه "المبادرة" في هذه الأيام؟!

 

"شرعنة الباطل"

بداية لا يحتاج المرء لأي جهد كي يثبت أن أدوات الأميركان كالأميركان، وأنهم مثلهم يُزوّرون ويكذبون ويتناقضون في تصريحاتهم بين ساعة وأخرى، فبعد أن أعلنوا – مثلاُ- عن "قبول" 7 فصائل "أساسية" من المقاومة لمبادرة "الوفاق الوطني" تبين أن لا أحد من "الأساسيين" قد وافق عليها، واتّضح للعيان أن هذا الإعلان ليس إلا نسخة منقّحة لما روّج له مراراً جلال الطالباني، وأوْهم البعض أن فصائل المقاومة تقف بـ"الطابور" لأجل أن تطلب ودّه وتتحاور معه!
هذا بالنسبة للداخل العراقي، أما بالنسبة للخارج والعرب فقد كان لافتاً أن جولة المالكي الأولى التي اختار تخصيصها للسّعودية ودول الخليج لعرض ما أسماه "مشروع المصالحة الوطنية"، ومناقشة "طويلي العمر" حول مساهمتهم في دعمه وإنجاحه وإعادة الاستقرار الى البلاد – حسبما قال - ، قد أتت أُكُلُها سريعاً، ولقيت تجاوباً سعودياً باسم باقي الخليجيين، وهو أمر طبيعي ومنتظر حتى قبل أن تبدأ جولته، لأن من أوعزوا للمالكي أن يخصّ "طويلي العمر" بدور المساعدة على التصالح في ظل وجود الاحتلال – أي في ظل انعدام الإرادة السياسية والاستقلال – فإنهم يدركون أي مصالحة يمكن أن يُساعد عليها هؤلاء، وأي دعم يمكن أن يقدّموه، وهم مثلهم مثل حكومة المالكي، يجلسون في نفس الحضن ويتنفسّون من نفس الرئة!
طبعاً لا يمكن أن يخطر ببال أحد في الدنيا أن يقوموا بدعم المقاومة الحقيقية المناهضة للاحتلال، وأن يساهموا في استعادة العراق لإرادته ووضعه الشرعي، لأنهم – بكل بداهة – في الخندق الآخر، دون الحاجة الى سرد قائمة الأسباب "الجوهرية" الأخرى.
الدور المطلوب منهم، والذي رحّبوا به ينحصر في دعم الأحجار الأميركية المرتبة على رقعة الشطرنج العراقي، بمعنى إبقاء الوضع على حاله ورموزه، أي باختصار "شرعنة"الباطل وتحويله الى حق، ووضع الشرعية والحق والنضال الحقيقي في خانة الباطل!!
ولا حاجة للتأكيد هنا أن أي دور آخر مناقض يستوجب نسف كل الموجود بمن أوجده من الأساس، فالكل يعرف أن العراقيين لم يكونوا منقسمين أيام "النظام السابق" بين ميليشيات طائفية وعرقية، ولم تكن جثثهم تُلقى على قارعة الطريق، أو تُقتحم بيوتهم من قبل عصابات الموت والقتل على الهوية. لذا فان العودة للماضي الخالي من كل هذه الجرائم يفرض ازالة أسبابها ومسببيها بإرادة الشعب وطليعته المقاومة، لا بإرادة الاحتلال وأعوانه و"مساعدة طويلي العمر"، لأن هؤلاء هم الذين حموا وغذّوا هذه الظواهر، وما زالوا ينفخون في نارها كل يوم. فكيف يمكن أن يحققوا المصالحة، وأي مصالحة ممكنة بين الجزّار والضحية، بين الاحتلال وأعوانه والمقاومة وكل حلفائها غير تلك التي عبّروا عنها بالقول "طي صفحة الماضي والتوجه نحو المستقبل"، أي أن تبيع المقاومة نضالاتها وتنفض أيديها من قيادتها الشرعية وتضعها في أيدي الاحتلال وافرازاته؟!
.. وحتى يُهوِّن الأميركان وحلفاؤهم هذه المهمّة على المطلوبة منهم فقد بادروا الى الاعتراف ببعض ما ارتكبوه من أخطاء وتجاوزات، على لسان كل من بوش وبلير وكوندليزا وغيرهم، لكن أحداً منهم لم يعترف بعدم شرعية الجريمة الأساس التي ارتكبوها وهي الحرب والاحتلال، واكتفى الرئيس الأميركي بـ "طمأنة" العالم أنه تعلّم في السنين الثلاث الماضية كيف يتعامل بنضج مع القضايا المستعصية، كقضية العراق!!
يجدر القول هنا أن هذا الاستكلاب الأميركي على التمسك باحتلال العراق لابقائه ضعيفاً، مقسماً، متصارعاً، لا يعود فقط الى أن تورّطهم فيه قد كلّفهم ما لم يتصوّروه مالاً وخسائر بشرية وسمعة، بل لأن هدفهم من كل ما فعلوه بالعراق من حرب "تحرير الكويت" الى سنوات الحصار الطويلة فالغزو فالاحتلال كان مخططاً له منذ العام 1980، وقد وضع لبناته الأساسية جورج بوش الأب ، يوم كان الساعد الأيمن للمرشح الجمهوري رونالد ريغان في آخر ولاية جيمي كارتر.
وإذا كانت تفاصيل هذه القضية التي ترافقت مع فضيحة "ايران غيت" وكانت إحدى صفحاتها قد بقيت طي الكتمان طيلة سنوات بعد ذلك، إلا انها انكشفت هي الأخرى في العام 1989، وتحديداً مساء الأحد 2 تموز/يوليو عندما عرضت محطة التلفزيون الألمانية الأولى "
ARD" تحقيقاً مصوراً حول الموضوع أعدّه يورغن يوث، وقد تضمن مقابلات مع كبار المسؤولين وعناصر من المخابرات الأميركية والفرنسية والاسرائيلية، بالاضافة الى بعض من عايشوا الحدث وقد أوردوا شهادات ومعلومات مذهلة بالأسماء والوقائع.

 

ربع قرن الى الوراء

تبدأ القصة – حسبما هو معروف – انطلاقاً من فكرة جهنمية لبعض قادة الجمهوريين أواخر أيام ولاية الرئيس كارتر الذي كان يستعد لخوض معركة اعادة انتخابه ضد المرشح الجمهوري ريغان، وتقضي بأن يجري استغلال قضية الرهائن الأميركيين في طهران، الذين كانوا على وشك الافراج عنهم، للحؤول دون انتخاب كارتر للمرة الثانية، وكانت الفكرة تدفع باتجاه العمل –بأي شكل – على تأجيل اطلاق سراحهم لما بعد الانتهاء من معركة الانتخابات.
وهكذا تمّ ترتيب عدة لقاءات سرّية أميركية – ايرانية عن طريق تاجر السلاح الدولي هوشائك لافي – حسبما ورد على لسان جيري سيك مستشار الرئيس كارتر، الذي قال للمحطة الألمانية أن فرص اعادة انتخاب كارتر كانت متقدمة كثيراً على منافسه الجمهوري ريغان. وكانت البداية بمبادرة من لافي الذي اتصل مع الساعد الأيمن لريغان – وقتها – جورج بوش (الأب) ، بعد تعثّر مفاوضات سرّية كانت قد تمّت بين الدكتور صادق طباطبائي مع ممثل المخابرات الأميركية كريستوف على خلفية رفض رئيس الوزراء الإيراني أبو الحسن بني صدر الالتقاء بالمفاوضين الرسميين الأميركان سراً.
هنا التقط الجمهوريون "النداء"، وبدأوا سلسلة من المباحثات السرّية (غير الرسمية!) في العاصمة الفرنسية باريس وكان مكانها فندق "رافائيل"، مع أن المشاركين الكبار فيها كانوا ينزلون في فنادق أخرى وهو ما كشفه تحقيق التلفزيون الألماني.
فقد ورد على لسان قائد الطائرة الأميركية ويدعى روب – الذي قام بعدة رحلات سرية الى باريس – أن أبرز من حملهم معه كان وليم كيسي، رئيس المخابرات، والرئيس جورج بوش، وكذلك البروفيسور تشارك برينكه، العميل السري للسي آي إي الذي أكّد في مقابلة أخرى ضمن التحقيق مكان انعقاد المباحثات وأنها دامت طوال شهر تشرين الأول من العام 1980، كما كشف أن وليم كيسي الذي كان ينزل في فندق هيلتون كان هناك بصفته أستاذا بجامعة كمبردج، وكذلك الأمر بالنسبة لاقامة هنري كيسنجر الذي شارك هو الآخر بجانب منها ، لكن الصفحة التي تشير الى إقامتهم قد نُزِعت من سجل نزلاء الهيلتون، هذا على الأقل ما قاله مدير الفندق في التحقيق المصور معه!
المهم أن سلسلة من المباحثات قد دارت بين الأميركيين والإيرانيين شملت ثلاثة مواضيع: الرهائن، وموضوع الأموال الإيرانية المجمدة في الولايات المتحدة ، ثم صفقة السلاح الأميركي لإيران الذي كانت الأخيرة بحاجة ملحّة لها إثر اندلاع الحرب مع العراق. وعلى ذمة "روب" فان أحمد الخميني كان الشخص الرئيس في المباحثات التمهيدية التي عقدت في مدينة لوكسمبورغ قبل باريس مع جورج بوش. أما بني صدر فقد قال في الحديث معه أن الطرف الإيراني في المباحثات كان يحركه بشكل أساسي كل من رافسنجاني وبهشتى، وأكد تعليقاً على هذه المباحثات أنه أسرع لمقابلة "الإمام الخميني" محذّرا من قدوم ريغان لأنه أكثر عدائية من كارتر، لكنه فوجئ بقول الخميني له: " أن قدوم ريغان أفضل لنا، لأنه كلّما تأزمت الأوضاع أكثر كان ذلك لصالحنا"!

 

"وجهة نظر"الموساد!

وعلى ذمّة الاسرائيلي أرون موشيل الذي وُصف في التحقيق التلفزيوني بأنه مقرّب من الموساد، فان كلاً من أحمد الخميني وطباطبائي وجورج بوش (الأب) هم الذين وضعوا أسس الاتفاق في اجتماعات موازية عقدت بلوكسمبورغ وحضرها عناصر من الموساد (لكنه لم يذكر بأي صفة تواجدوا أو أي جنسية)، وقد تكللت باعتماد الأميركان "وجهة نظر إسرائيل" التي ستقوم هي – وفق اتفاق سرّي بينهما – بتوريد السلاح الى إيران باسم الولايات المتحدة.
أما وجهة النظر هذه التي "بصم" عليها بوش بعد أن نالت موافقة أصحاب فكرة استغلال موضوع الرهائن من الجمهوريين، فقد تمحورت بالتالي أيضاً:
- ضرورة تدمير قوة العراق بالدرجة الأولى.
- أهمية الحفاظ على صداقات اسرائيل وعلاقاتها مع بعض الجماعات الايرانية المتنفذة.
- قناعتها بأن المساهمة في انجاح ريغان عن طريق قيام اسرائيل بمهمة الأميركان في موضوع السلاح سَيَدْعَمْ مسيرة التحالف مع الجمهوريين (لأنهم سيكونون مدينين لها بهذا الموقف).
- وحتى لا يتساءل البعض: ولكن من يُثبت أن هذا الاتفاق قد نُفّذ فعلاً وكيف، تنتقل عدسة التلفزيون الألماني "
ARD" الى قاعدة "أرشا فنبوغ" الأميركية من ألمانيا لنستمع الى شهادة أحد مسؤولي المخابرات الأميركية يقول: " من هنا شُحنت قطع الغيار والمواد الاحتياطية للدبابات والدروع والطائرات المقاتلة، أما الأسلحة المطلوبة فقد شُحنت من اسرائيل تحت اشراف وزير الدفاع الكسندر هيج".

 

سرّ قدوم الأب و.. الابن

يبقى القول أن هذا الاتفاق الذي توصل اليه بوش بقي صفحة مطويّة في ملف الفضيحة الأساس "إيران غيت"، لكن المحافظين احترموه ونفّذوه. فبعد أن أجّل الإيرانيون إطلاق الرهائن لما بعد الانتخابات، حيث أفرج عنهم في 22 كانون الثاني 1981، قامت إدارة ريغان بتنفيذ ما تعهّدت به بعد ثلاثة شهور من ذلك حتى لا تنكشف الفضيحة التي انفضحت لاحقاً.
ولكن الأخطر من كل ما سبق أن جورج بوش الاب احترم هو الآخر "بصمته" عندما أصبح رئيساً، وكذلك ابنه من بعده. وكان هذا هو سرّ تسمية الأب كنائب للرئيس ريغان "مكافأة له على النجاح في ابرام هذا الاتفاق، والتمهيد لقدومه رئيساً بعد ذلك". وهذه العبارة ليست لنا، بل لجيري سيك، مستشار الرئيس كارتر كما وردت بالكلمة والصورة معاً.
هل اتّضحت الصورة الآن، بعد أن حقق بوش الأب الجزء الأول من المهمّة، وجاء ابنه ليحقق الجزء الثاني منها باحتلال العراق؟!
من لا يُصدق هذا الكلام يمكنه أن يعود الى أرشيف الوثائق لمحطة التلفزيون الألماني ويسألها، فان البرنامج معروف وكذلك مُعدّه، واليوم الذي أُذيع فيه: الأحد 2 تموز 1989... (للتذكير)
... لعله ينفع التذكير!

إلى صفحة مقالات وأراء9