20/08/2006

 

حتى لا ننسى (1)

الذكرى السابعة والثلاثون لجريمة إحراق المسجد الأقصى:

محطة من محطات الإرهاب الصهيوني ضد الفلسطينيين وأراضيهم ودور عباداتهم

 

 بقلم : محمود كعوش*

منذ أن وقع الشطر الشرقي من مدينة القدس تحت وطأة الاحتلال الغاشم في أعقاب عدوان الخامس من يونيو/حزيران 1967 والإسرائيليون ماضون في غيهم وسعيهم المحموم لتغيير معالم المدينة المقدسة والعبث بتراثها الحضاري، في تحد سافر لمشاعر أبنائها من الديانتين الإسلامية والمسيحية بشكل خاص والعالمين العربي والإسلامي بشكل عام بغية إلغاء هويتها العربية وتهويدها.

وكان هذا الأمر ولا يزال موضع استنكار دولي صارخ عبرت عنه سلسلة من القرارات الدولية المتلاحقة التي صدرت عن منظمة الأمم المتحدة وبيانات الشجب والإدانة التي أطلقها قادة عالميون، إلى جانب الرفض العربي والإسلامي وبالأخص الفلسطيني، الذي ما برح يعبر عن ذاته بشتى الصور والوسائل بما فيها المقاومة التي تمثلت بالعديد من الانتفاضات الشعبية العارمة، والتي كان آخرها انتفاضة الأقصى المباركة التي تفجرت في 28 سبتمبر/أيلول 2000 واستطاعت أن تدحر الاحتلال وتفرض عليه الانكفاء عن قطاع غزة في 17 أغسطس/آب 2005.

وكان المسجد الأقصى الشريف، أولى القبلتين وثالث الحرمين من أولويات أهداف التغيير بالنسبة "للإسرائيليين"، بذريعة وجود جبل الهيكل اليهودي تحت أرضه. وقد اتخذ التغيير أشكالاً مختلفة مثل العبث بمحيطه وأساساته والتحدي السافر لرواده وعمليات الاقتحام المتتالية التي مارسها "الإسرائيليون" ولا زالوا بشكل مجنون وأحمق حتى يومنا هذا. فمنذ سقوط القدس في قبضة الاحتلال بعد يوم واحد من عدوان الخامس من يونيو/حزيران1967 أي قبل 38 عاماً، تعمد "الإسرائيليون" اقتحام ساحة المسجد بين الحين والآخر وتدنيسها من خلال إقامة حفلات الغناء والرقص والمجون والخلاعة بداخلها.

ولعل اقتحام الإرهابي آرئيل شارون ونفر من أعوانه الأشرار في 28 سبتمبر/أيلول 2000 ساحة المسجد بتسهيلاتٍ وحمايةٍ من حكومة حزب العمل برئاسة أيهود باراك آنذاك ، كان الأسوأ من نوعه في تحدي مشاعر العرب والمسلمين عامة والفلسطينيين خاصة . وقد شكل ذلك الاقتحام الهمجي للمسجد الشرارة التي أشعلت فتيل الانتفاضة الشعبية الكبرى الثانية .

 بدأت حملات "إسرائيل" التغيرية والتهويدية المسعورة للمسجد الأقصى مع الاحتلال في يونيو/حزيران

1967، واستمرت في ظل اتفاقية أوسلو العاثرة وما أعقبها من مفاوضات وتفاهمات عقيمة بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين" تارة برعاية أميركية منحازة وطوراً برعاية رباعية منحازة أيضاً، وتصاعدت وتيرتها في ظل حرب الإبادة الجماعية المستمرة التي يشنها جنودها بلا هوادة ضد الفلسطينيين منذ حوالي 6 سنوات دون توقف. وحصلت تلك الحملات قبل البدء ببناء جدار الفصل العنصري، واستمرت في خضم بنائه، ولا يبدو أن لها نهاية أو مستقراً طالما أن المطامع "الإسرائيلية" التوسعية قائمة في ظل انحياز أميركي سافر وتماهي أوروبي أرعن واستكانة عربية رسمية كاملة للاملاءات الأميركية ـ "الإسرائيلية" المشتركة.

وقد لبِست تلك الحملات العديد من الوجوه والأقنعة، وتم التعبير عنها بشتى السبل والوسائل الشريرة ومن خلال العديد من الحلقات والمحطات التي تركت آثارها المؤلمة والموجعة على العرب والمسلمين عامة وبالأخص الفلسطينيين وبأخص الخصوص المقدسيين، بحيث يصعب محوها من الذاكرة. ولربما كان من أبرزها محاولة الإجهاز على المسجد الأقصى المبارك عن طريق الحرق في 21 أغسطس/آب 1969 والتي تتصادف ذكراها السابعة والثلاثون هذا الشهر. تلك المحاولة الدنيئة التي وقف وراءها نفر من المتطرفين "الإسرائيليين" الذين ما أبطنوا ولا أظهروا غير الحقد والكراهية للعرب والمسلمين، جرت بإيعاز وتشجيع من الدوائر السياسية والأمنية "الإسرائيلية" الرسمية.

في ذلك اليوم المشؤوم أحرق المتطرفون "الإسرائيليون" المسجد بطريقة لا يمكن لسلطات الاحتلال أن تكون بمنأى أو معزل عنها. فقد قامت هذه السلطات بقطع المياه عن منطقة الحرم فور ظهور الحريق، وحاولت منع المقدسيين وسيارات الإطفاء التي هرعت من البلديات العربية من الوصول إلى المنطقة والقيام بعملية الإطفاء. وكاد الحريق أن يلتهم قبة المسجد المبارك لولا استماتة هؤلاء الأبرار في عملية الإطفاء، إذ اندفعوا اندفاعة الأبطال عبر النطاق الذي ضربته قوات الاحتلال "الإسرائيلية" حتى تمكنوا من إكمال مهمتهم، لكن بعد أن أتى على منبر المسجد وسقوف ثلاثة من أروقته وجزءٍ كبير من سطحه الجنوبي.

 يومها ادعت "إسرائيل" أن "تماساً كهربائياً تسبب في الحريق"، إلا أن تقارير المهندسين الفلسطينيين دحضت ذلك الإدعاء ، وأكدت أنه تم بفعل أيد مجرمة أقدمت على تلك الفعلة الشنيعة عن سابق إصرار وتصميم وترصد، الأمر الذي أجبر قادة العدو على التراجع عن ادعائهم وتحويل الشبهة إلى شاب أسترالي يدعى دينيس مايكل وليام موهان. اعتقلت "إسرائيل" ذلك الشاب، وكان يهودياً أسترالياً، وتظاهرت بأنها ستقدمه للمحاكمة في عملية احتيالية لامتصاص غضبة الفلسطينيين وإدانة العرب والمسلمين والالتفاف على المنظمة الدولية، إلا أنها بدل أن تفعل ذلك أطلقت سراحه متذرعة بأنه كان "معتوهاً". وهكذا قيدت "إسرائيل" جريمتها الإرهابية النكراء تلك ضد معتوه، كعادتها بعد كل جريمة إرهابية يرتكبها جنودها ومواطنوها بحق الفلسطينيين وأملاكهم وأوقافهم الإسلامية والمسيحية.

 جريمة حرق المسجد الأقصى ومعالجتها بتلك الطريقة الاستفزازية أثارا هياجاً كبيراً في الأوساط العربية والإسلامية بما فيها الفلسطينية بالطبع لما يمثله المسجد كمكان ديني مقدس وواحد من أبرز معالم الحضارة الإنسانية، الأمر الذي فرض على مجلس الأمن إصدار قراره الشهير الذي حمل الرقم 271. في ذلك القرار أدان المجلس "إسرائيل" لتدنيسها المسجد، ودعاها إلى إلغاء جميع التدابير التي من شأنها المساس بوضعية المدينة المقدسة. وعبر القرار عن حزن المجلس للضرر الفادح الذي ألحقه الحريق بالمسجد في ظل الاحتلال العسكري "الإسرائيلي" الغاشم. وبعد أن استذكر القرار جميع القرارات الدولية السابقة التي أكدت بطلان إجراءات "إسرائيل" التي استهدفت التغيير في القدس المحتلة، دعاها إلى التقيد بنصوص اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الذي ينظم الاحتلال العسكري. كما دعاها إلى الامتناع عن إعاقة عمل المجلس الإسلامي في المدينة المعني بصيانة وإصلاح وترميم الأماكن المقدسة الإسلامية. وصدر القرار الدولي بأغلبية 11 دولة وامتناع أربع دول عن التصويت من ضمنها الولايات المتحدة بالطبع.

حريق المسجد الأقصى مثل محطة من محطات الإرهاب "الإسرائيلي" وحلقة من حلقات مسلسل الممارسات اللاأخلاقية واللاإنسانية التي مارسها "الإسرائيليون" بحق الفلسطينيين وأملاكهم وأوقافهم ودرة عباداتهم الإسلامية والمسيحية تحت سمع وبصر العالم أجمع، بما فيه النظام الرسمي العربي الذي فرض على نفسه أن يظل نزيل غرفة الإنعاش بمشيئة أميركية ـ "إسرائيلية" مشتركة حتى إشعار آخر !!.

فمنذ احتلال القدس إلى الآن ، لم يوقف "الإسرائيليون" مجازرهم الإجرامية بحق المصلين في المسجد الأقصى الشريف ولم يكفوا عن محاولات اقتحامه الآثمة والتهديدات بهدمه ونسفه بالمتفجرات وضربه بالصواريخ لإقامة هيكلهم المزعوم فوق أنقاضه. وكانت مجزرة عام 1990 واحدة من المجازر البربرية التي ارتكبها هؤلاء الأشرار بحق من اعتادوا على التواصل مع الله من خلال الصلوات في المسجد الأقصى من منطلق إيماني وحرص أمين ومخلص على تأكيد هوية الأقصى العربية والإسلامية. في تلك المجزرة هدر "الإسرائيليون" دم 22 فلسطينياً غيلة وغدراً وهم في لحظات التضرع إلى رب العالمين. ولم يوقف "الإسرائيليون" الحفريات حول المسجد المبارك وفي باطن أرضه وفي الأماكن المحيطة به لحظة واحدة. فقد تواصلت الحفريات بشكل مسعور ومحموم بذريعة البحث والتنقيب عن آثار هيكل سليمان وذرائع أخرى واهية. ولم تستثنٍ الحفريات بيتاً عربياً أو مدرسة أو دار علم يملكها عربي. وبموازاة ذلك فهم ماضون منذ عام 1968 بحفر الأنفاق تحت الحرم القدسي الشريف. ففي ذلك العام بدأوا بحفر نفق عميق وطويل أدخلوا إليه سٍفر التوراة وأنشأوا في داخله كنيساً يهودياً. وبلغت عملية حفر الأنفاق ذروتها في سبتمبر/أيلول 1996، عندما أقدموا على حفر نفق يمر أسفل السور العربي للمسجد ويربط بين حائط البراق وطريق الآلام، الأمر الذي أثار في حينه حفيظة المقدسيين وأشعل موجة من المواجهات المسلحة التي اتسعت رقعتها لتشمل جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأسفرت تلك المواجهات عن سقوط 65 فلسطينياً و 15 جندياً إسرائيلياً. وقد حصل كل ذلك في ظل تنامي الحديث عن السلام الكاذب الذي تواتر على خلفيته مؤتمر مدريد المشؤوم  واتفاقية أوسلو اللعينة.

وفي ظل احتفال الفلسطينيين بتحرير قطاع غزة في مثل هذه الأيام من العام الماضي ، تعالت أصوات "إسرائيلية" منكرة من هنا وهناك مهددة بقصف المسجد الأقصى بالصواريخ من الجو والبر أو اقتحامه وتدميره. ففي 6 يونيو/حزيران 2005 ، حيث توافقت الذكرى ألـ 38 لاحتلال مدينة القدس ، فشلت مجموعات يهودية متطرفة مدعومة بحاخامات ونواب "إسرائيليين" يمينيين وشخصيات "إسرائيلية" شعبية في اقتحام المسجد بشكل جماعي عبر باب الأسباط بعد أن تصدى لها حراسه والمرابطون بداخله ومن وحوله. وليلة التاسع من أغسطس / آب من ذات العام تكررت المحاولة عبر بابي حطة والسلسلة، إلا أنها منيت بالفشل أيضاً. ومنذ الرابع عشر من ذات الشهر والعام الذي توافق مع ذكرى ما يسمونه "خراب الهيكل الثاني"، استأنف المتطرفون اليهود محاولات اقتحام المسجد جماعياً وفردياً. وفي واحدة من تلك المحاولات الإجرامية، ألقت الشرطة "الإسرائيلية" القبض على متطرفين حاولا الدخول إليه عبر بابين مختلفين . وهذا العام تكررت ذات المحاولات في ذات المناسبات و في مناسبات أخرى عدة !!  

وبينما كانت انتفاضة الأقصى المجيدة لم تزل في أوج توقدها في كل من الضفة والقطاع، تمحورت المخاوف  الفلسطينية بصورة خاصة حول القدس والمخاطر المحدقة بها والمستقبل المظلم الذي يتهددها، وذلك لأن "الإسرائيليين" كانوا يعملون على إعادة رسم جغرافيتها بالكيفية التي تلائم طموحاتهم التهويدية والاستيطانية التوسعية. ولطالما تساءلنا حول ما ستؤول إليه الأوضاع في المدينة المقدسة، وما سيؤول إليه مصير المسجد الأقصى في ظل استهداف المتطرفين اليهود الدائم له.

واليوم وغداً وفي الحادي والعشرين من الشهر الجاري وفي كل يوم وساعة ودقيقة وثانية نتساءل حول ما ستؤول إليه الأوضاع في المدينة المقدسة وبصورة خاصة أوضاع المسجد الأقصى !!

إلى صفحة مقالات وأراء10