20/08/2006

 

فلنقرأ جيدا ما جرى .... وإلا.. فإلى دورات محو الأمية السياسية

 بقلم : معن بشور

غالب الظن ان المرحلة التي بدأت مع الاحتلال الامريكي للعراق في 9 نيسان 2003 قد انتهت مع الانتصار اللبناني في 14 آب 2006.

لقد ارادت واشنطن، ومعها حلفاؤها وادواتها، من خلال احتلال العراق ان تدخل المنطقة العربية والاسلامية باسرها في العصر الامبراطوري الامريكي، حيث لا قرار إلا القرار الامريكي، ولا سيد الا السيد الامريكي، ولا نفوذ الا النفوذ الامريكي، وبالطبع حين نتحدث عن السياسة الامريكية فان العدو الصهيوني هو في القلب منها توجيها وتأثيراً.

ولم يكن الجنود الامريكيون، ومعهم ادواتهم والمتعاونون معهم، هم وحدهم حماة هذا العصر الامبراطوري الامريكي ومشروعه الشرق اوسطي الكبير، بل كانت هناك منظومات سياسية وفكرية وثقافية وتربوبة واعلامية واقتصادية على امتداد المنطقة تتناغم مع هذا المشروع تروج له، وتهاجم مقاوميه، "تشيطن" اعداءه (أي تصورهم كشياطين)، مستخدمة دون شك شعارات "براقة كالحرية" و "حقوق الانسان" ومستفيدة الى ابعد الحدود من نقمة الجماهير على واقع القهر والفقر والعوز الذي تعيشه، ومن حلف الاستبداد والفساد الذي يمسك بخناقها.

وظن كثيرون ان هذا "الواقع الامريكي" الجديد بات قدراُ لا يمكن مواجهته، وان مواقع المقاومة والممانعة في الامة من كابول الى بغداد ودمشق وبيروت وصولا الى فلسطين، ستسقط تباعاً اذ لا مكان لهذه المواقع في ظل النظام الامريكي العالمي الجديد... وبالتالي بدأ كثيرون يتكيفون مع هذا الواقع، ويهاجمون من يرفض ان "يتكيف".

لكن الرياح لم تجر كما تشتهي سفن واشنطن وتل ابيب ومن لف لفهما، فالمقاومة بدأت من حيث بدأ هؤلاء في مشروعهما للسيطرة، فلم تربك المقاومة العراقية الاحتلال الامريكي وحده، بل اربكت مشروعه في المنطقة كلها ، واربكت خصوصاً دعاويه "الفكرية والسياسية" حين سقطت شعاراته في الحرية وحقوق الانسان في وحول المجازر المتنقلة على امتداد العراق، وفي مستنقع معسكرات التعذيب الوحشي واقبيته في ابي غريب وملاجئ الداخلية وغيرها وغيرها..

حاول اصحاب هذا المشروع "استنهاضه" بقوة دفع اخرى من خلال القرار الدولي 1559 في مثل هذه الايام قبل عامين، والذي قال عنه اغلبية اللبنانيون يومذاك  انه مشروع فتنة ستراق على جانبيه دماء كثيرة، فالقرار "عنوانه" لبنان ومقاومته، لكن "مفاعيله" تشمل ايضاً الفلسطينيين وحقهم في الدفاع عن انفسهم وفي النضال من اجل العودة الى بلادهم، وتشمل ايضاً سوريا التي تجرأ رئيسها على رفض الاذعان لقائمة المطالب التي قدمها اليها في ايار/مايو 2003 وزير خارجية امريكا  كولن باول ممثل الادارة الامريكية التي ظنت انه اذا سقطت بغداد بالحرب والعدوان، فدمشق ستسقط بالسياسة والتهديد.

ولما اكتشف "السيد" الامريكي ان لبنان استوعب الصدمة الاولى الناجمة عن مفاعيل 1559، وان اللبنانيين ذكروا بان هناك قرارات دولية لم ينفذها العدو الصهيوني، جاء زلزال اغتيال الرئيس رفيق الحريري ليعطي الصدمة الاولى دفعة جديدة، وجرى ما جرى من انسحاب للقوات السورية ومن محاولة الانتقال بلبنان من موقع الى أخر حيث ظن كثيرون ان عهد "القناصل" و "المندوبين الساميين" قد عاد الى لبنان.

ورغم بشاعة جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وبشاعة استغلالها فيما بعد للانحطاط بالخطاب السياسي الى ادنى المستويات، نجح الوطنيون اللبنانيون وفي مقدمهم "سيد المقاومة" في استيعاب الصدمة الجديدة، وفي محاصرة اجواء الفتنة المصاحبة لها، والتي لم يخف اصحابها رغبتهم او مخططهم لكي يصبح لبنان عراقاً ثانياً، ، تغطي احداثه الدامية الفشل الامريكي في العراق، وتستكمل "فتنته" المذهبية" تلك "الفتنة" التي يسهر المحتل على رعايتها وتغذيتها في بلاد الرافدين، بل تشكل الام مخاضه ولادة شرق اوسط جديد، بعد ان شكل احتلال بغداد مناسبة لاعلان "الشرق الاوسط" الكبير.

والى جانب خط الهجوم  على العراق ولبنان وسوريا،  كان يجري خط هجوم مواز في فلسطين ايضاً فجرى أولاً "التخلص" من رئيسها ورمز نضالها ابي عمار، كما وعد شارون حين اعاد اجتياح مدن الضفة الغربية وحاصر الرئيس الفلسطيني في المقاطعة في ربيع 2002 وبعد ساعات من اعلان المبادرة العربية في قمة بيروت.

لم تختلف عناوين ذاك الهجوم في فلسطين، عن بقية دول المنطقة، فالاحتلال هناك ايضاً يغذي الفتنة، والفتنة مهمتها ان تطيل امد الاحتلال، اما الانتفاضة والمقاومة فلا مكان لهما في ظل المشاريع الهادفة الى تصفية قضية فلسطين.

ولكن الشعب  الفلسطيني العظيم استوعب الهجوم الجديد، فحول "الورقة الديمقراطية" من شعار امريكي بوجه المقاومة الى آليات تشرع نهجها وخطها، واسقط ورقة  الاقتتال عبر التمسك بالوحدة  وصونها بالحكمة، وانتقل عبر عملية "الوهم المتبدد" المجيدة في قطاع غزة الى الهجوم الاستراتيجي فيما ظن كثيرون انه يعيش حالات من الانكفاء والتراجع.

هنا ادرك اصحاب المخطط الصهيو – امريكي انه في  وجه المقاومة، المتمردة والمتنامية على موازين القوى الحالي في المنطقة، لا بد من استخدام المزيد من القوة في فلسطين، واشعال الحرب في لبنان، وكان شهر تموز باكمله ( مع ايام من حزيران واخرى من آب) شاهدا على تلك العربدة الصهيونية في غزة ولبنان التي كان "نجاحها" الوحيد اضافة كمية جديدة من المجازر في سجلها الارهابي، واضافة اعداد كبيرة من الشهداء في "انجازاتها" الاجرامية.

وجاء الانتصار اللبناني المدويّ ليفتح صفحة جديدة في الصراع... نأمل ان يقرأها الجميع بدقة...

فلا املاءات امريكية بعد اليوم... ولا اشتراطات صهيونية بعد اليوم ... فلقد دخلنا عصر الشعب المؤمن المقاوم المقتدر... الذي سيصنع النصر في بغداد بسلاحي الوحدة والمقاومة، وفي فلسطين بالسلاحين معا، وفي لبنان سيصون الشعب نصره ويطوره بالوحدة والمقاومة جناحي كل انتصار.

ومن لم يقرأ هذه الحقائق الجديدة .. وهذه المتغيرات الجديدة التي تلف العالم كله من أمريكا اللاتينية، حيث شافيز ومواقفه الرائعة، إلى أقاصي آسيا حيث طوت واشنطن تهديداتها ضد كوريا الشمالية، بل من داخل المجتمع الأمريكي إلى عمق الوجدان الأوروبي، يحتاج مع الأسف، إلى الالتحاق بإحدى دورات محو الأمية السياسية.

16/8/2006

إلى صفحة مقالات وأراء10