23/08/2006

 

حلبجة .....والسلاح الكيماوي الإيراني

 

 بقلم د.عبد الفتاح الفلاح

بعد النكسة التي منيت بها الادارة الامريكية في موضوع تسويغ وتبرير الحرب العدوانية لاحتلال العراق فيما يخص اسلحة الدمار الشامل والتعاون مع القاعدة , هذه النكسة التي افصحت عنها الدوائر الامريكية الرسمية ذاتها بعد ان اثبتت ان العراق خال تماما من اسلحة الدمار الشامل ,ولم تثبت كل التحقيقات المتواصلة والدقيقة والمعتمة بان للقيادة العراقية علاقة بتنظيمات القاعدة , بل على العكس فقد اثبتت تلك التحقيقات بان القيادة العراقية ابعد ما يمكن عن القاعدة للتناقض العقائدي والايدولوجي والسياسي الحاد بينهما

بعد هذه النكسة عادت ابواق الاعلام الامريكي تزعق بما يسهل لها النفاذ من ثغرة جديدة , تخلقها وتخرقها لاعطاء مبرر بديل عن تلك المبررات الزائفة التي سقطت من ايدي بوش وهو يخوض معترك الانتخابات الرئاسية

ان الثغرة الجديدة التي تسعى الادارة الامريكية لتاجيجها مجددا تدق على وتر استخدام الاسلحة الكيمياوية على حلبجة من قبل القيادة العراقية او ما يسمى باستخدام صدام حسين السلاح الكيمياوي ضد شعبه

وفي هذا المقال وبعيدا عن كل الدعايات والادعاءات الاعلامية , لابد من ايضاح الحقيقة التاريخية عن هذا الحدث الخطير الذي راح ضحيته الالاف من ابناء الشعب العراقي , اطفالا وشيوخا ونساءا ورجال  في واحدة من اكبر الجرائم الانسانية  بشاعة على شعب فقير امن في بلدته المتواضعة

ولعل السوال الذي يفرض نفسه مبدئيا لماذا تستخدم القيادة العراقية السلاح الكيمياوي ضد الاكراد في عام 1988؟ وما هو المبرر المنطقي او الموضوعي لهذه الجريمة؟

واذا ما رجعنا الى ذلك العام والاعوام التي لحقته في نظرة تاريخية لوجدنا الصورة التالية

لم تكن اية مشاكل في العام 1988 بين القيادة العراقية والاحزاب الكردية , لا بل ان كردستان العراق لم يكن فيها خلال الحرب العراقية الايرانية وخاصة في تلك المرحلة الا قطعات عسكرية قليلة حيث لم تكن هذه الجبهة من القتال ساخنة وبالرغم من محدودية القوات العراقية في تلك المنطقة فلم تسجل اي عملية استهداف لها من قبل اي جهة كردية . بل ان لوائين من الحرس الجمهوري العراقي الخاص كان من القومية الكردية بقصد اثبات ان الشباب الكردي كانوا منخرطين في الخدمة العسكرية ويقاتلون الى جانب اشقائهم من القومية العربية في القوات المسلحة خلال الحرب العراقية الايرانية , لا بل ان الكثير من قادة الفرق والالوية والكتائب في الجيش العراقي كانوا من الاكراد , ومنهم من كان يشار له بالبنان في قدراته لادارة العمليات العسكرية الناجحة ضمن قاطع مسؤوليته

ومن هذه الصورة الموجزة الاولية يمكن طرح التساؤل هل ان من مصلحة القيادة العراقية وهي تخوض حرب ضروس مع الايرانيين وكثير من اراضيها محتلة من الطرف الايراني ان تقوم بمثل هذا الهجوم على عوائل امنة من الشعب الكردي في حلبجة؟ وماذا تحقق في ذلك غير الجانب الانعكاسي السلبي المضاد والمضاف لهمومها؟

وقبل الدخول ايضا في حيثيات ما جرى في حلبجة علينا ان نقفز بالزمن الى المرحلة التي تلت هذا الحدث الذي حدث في اذار عام 1988 . فبعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية في اب /اغسطس من نفس العام اي بعد خمسة شهور فقط , ونظرا للاجواء الصيفية الحارة في مناطق العراق الوسطى والجنوبية , فقد انطلق معظم ابناء الشعب العراقي بمختلف شرائحهم وبضمنهم المسؤولين السياسيين والعسكريين وغيرهم الى منطقة كردستان ومصايفها الجميلة واجوائها العذبة , وطبيعتها الخلابة للاستمتاع بها وقضاء وقت من الاستراحة والاستجمام . ولعل النقطة التي احب ان اركز عليها هنا ان هذه المنطقة في تلك المرحلة لم تشهد ايضا اي استهداف او عمليات مضادة للقيادة العراقية او مؤسساتها او رموزها على طريق الانتقام مما حدث في حلبجة بالرغم من ان اوقات متاخرة في الليل ولنقل حتى الصباح كان الناس يجوبون المصايف الشمالية في المناطق النائية . والقوات العراقية ومراكز الشرطة محدودة العدد تنتشر بشكل بسيط هنا وهناك . ولو كان الاكراد مقتنعين بان الذي قام بضرب حلبجة هو القيادة العراقية لكانت لهم فرصة ذهبية للانتقام . ولعلنا هنا نذكر بتلك المظاهرة العارمة التي خرجت من حلبجة من قبل اهاليها بعد يومين من القصف الكيمياوي منددة بايران لما اقترفته من جريمة وحشية ضد ابناءهم.

ولندخل الان في الحيثيات الميدانية العسكرية التي حدثت

العراق وايران كانا يمتلكان الاسلحة الكيمياوية ويتبادلانها بالحرب الدائرة بينهم بين الحين والاخر . والعراق كان يمتلك سلاحي(السارين والخردل) اما ايران فكانت تمتلك (السيانيد والخردل) ..ولمعلومات القارئ نعطي صورة موجزة عن هذه الاسلحة . فالسارين والسيانيد هما من عوامل (الاعصاب) اما الخردل فهو من عوامل ( الفقاعات ) . والسارين والسيانيد تسميان بالعوامل المتطايرة التي ينتهي مفعول تاثيرها بعد استخدامها بساعات قلائل قد لا تتجاوز الساعة او الساعتين اما الخردل فيسمى بالعوامل الثابتة الذي يبقى على الارض كسائل يبعث ابخرته لفترة طويلة قد تتجاوز الايام الاربعة او الخمسة , ومن ناحية العمليات العسكرية , فقد شنت ايران هجوما واسعا بقوات الحرس الثوري والبسيج  على القاطع الشمالي من الجبهة (العراقية - الايرانية) ضمن منطقة كردستان مستهدفة احتلال حلبجة باتجاه السليمانية مستغلة محدودية القوات المسلحة العراقية في ذلك القاطع ومحققة المباغتة والسرعة في الاختراق في منتصف شهر اذار/مارس عام 1988

وهنا نتوقف قليلا ونعطي الاحتمال الافتراضيين اولهما ان العراق هو الذي استخدم السلاح الكيمياوي على حلبجة والافتراض الثاني ايران هي التي استخدمته

في الافتراض الاول , لو ان العراق هو الذي استخدمها , فانه ووفقا للمعطيات التي ذكرناها انفا يفترض ان تقوم القوات العراقية باستخدام السلاح الكيمياوي من نوع السارين وهو من عوامل الاعصاب المتطايرة بعد دخول القوات الايرانية الى حلبجة من اجل ايقاع الخسائر الكبيرة في صفوفها , لكي تقوم بعد ذلك بساعة او ساعتين (اي بعد انتهاء مفعول الغاز السام) بالهجوم بالقطعات البرية لاستعادة حلبجة من ايدي القوات الايرانية التي احتلتها

وبالطبع فانه لو قام العراق بهذه العمليات العسكرية فان ذلك يعني ان الخسائر بالقوات الايرانية كبيرة جدا خاصة وان القوات الايرانية هي من قوات الحرس الثوري والبسيج والتي اعتمدت (اطلاق الذقن) وفق فتوى خميني . وبالطبع فان من يطلق ذقنه لا يتمكن من ارتداء قناع الوقاية مما يفضي الى وقوع الخسائر المميتة الكبيرة .. ولكن واقع الحال في هذا الافتراض اكد عدم وقوع خسائر في صفوف القوات الايرانية . فهل يعقل ان تقوم القيادة العراقية بضرب حلبجة قبل دخول القوات الايرانية اليها بعوامل كيمياوية متطايرة من نوع الاعصاب السارين لتقتل اهلها!!ولو كان الامر كذلك ووفق كل الحسابات وفي اسوا الاحتمالات فانها يفترض ان تضربها بعوامل الفقاعات من نوع الخردل لكي يبقى في الارض لفترة طويلة ويمنع القوات الايرانية من دخول المدينة

وللمعلومات فان الكلية الحربية الامريكية سبق وان كلفت من قبل البنتاغون للتحقيق والتدقيق في عملية حلبجة . وبعد الزيارات الميدانية والكشوفات التحليلية الموقعية والدراسات المعمقة توصلت الى نوع العامل الكيميائي المستخدم وهو من نوع السيانيد المتطاير الذي تملكه ايران . وهناك دراسات امريكية ووثائق عديدة لا مجال لذكرها تؤكد هذه الحقيقة

وفي الافتراض الثاني , فان ايران وقبل دخولها الى مدينة حلبجة ,استخدمت السلاح الكيمياوي من نوع السيانيد سريع التاثر وسريع التطاير حيث ينتهي مفعوله بعد مرور (1-2) ساعة . ومن ثم دخلت المدينة وصورت القتلى من الاكراد لتحقق الهدف العسكري اولا في احتلال مدينة حلبجة بامان وضمان , وبغية استغلال صور القتلى بالاسلحة الكيمياوية في اوسع حملة اعلامية ضد القيادة العراقية

هذا هو الواقع الحقيقي والتاريخي , والله سبحانه الذي يمهل ولا يهمل سيكشف ذلك وسينال المعتدي قصاصه العادل في الدنيا والاخرة

إلى صفحة مقالات وأراء10

 شبكة البصرة