07/08/2006

جبهة مقاومة جديدة في لبنان .....

 بقلم : عوني قلمجي

حين انهت القوات الامريكية احتلالها للعراق، لم يكن هناك من راوده الحلم او الامل بان تقوم للامة العربية بعد الان قائمة. فالعراق كان القوة العربية المتبقية لهذه الامة على الرغم من الحصار الذي كان مفروضا عليه منذ اكثر من عقد من السنين. فمصر قد خرجت نهائيا من ساحة الصراع العربي الصهيوني، واصبح رئيسها حسني مبارك سمسار الولايات المتحدة في المنطقة، ومنظمة التحرير الفلسطينية التي كانت راس الحربة في حركة التحرر الوطني العربية، غرقت في تسويات مذلة كان ابرزها تسوية اوسلو. والدول العربية الاخرى اخذت تتنافس مع بعضها للاعتراف باسرائيل او التطبيع معها.و سوريا الني ادعت الصمود والتصدي ضاعت بين الارجل، فلا هي قادرة على استعادة الجولان مقابل الاعتراف بالكيان الصهيوني او التطبيع معه، ولا هي قادرة على ان تجابه السياسة العدوانية الامريكية او الصهيونية بمفردها ففضلت الانكفاء الى داخلها، وحتى الامل الذي شكلته الانتفاضة الفلسطينية وحماس وحزب الله الذي تمكن من اجبار الجيش الصهيوني على الانسحاب من الجنوب اللبناني، فهو لم يغير من ميزان قوى الصراع لصالح العرب درجة واحدة، حيث ظل الكيان الصهيوني الحاكم المطلق في المنطقة دون منازع. لكن ظهور المقاومة العراقية ضد قوات الاحتلال الامريكي الغاشم، وتمكنها من تحقيق انتصارات بينة في وقت قصير، اعاد لهذه الامة املها بالحياة، بل اعاد الامل لشعوب العالم المقهورة لان هذه الشعوب ادركت بان هزيمة امريكا في العراق، تعني هزيمة المشروع الامريكي العدواني ضد البشرية جمعاء، وهذه حقيقة ليس باستطاعة كائن من كان التنكر لها.

ومن اهم ميزات المقاومة العراقية التي تحققت على وجه السرعة، هي انها كسرت حاجز الخوف الذي سيطر على عقول الجماهير العربية من المحيط الاطلسي الى الخليج العربي، بعد ان سرت روح وثقافة الاستسلام للامر الواقع، والقبول بما تفرضه الولايات المتحدة من حلول مذلة وفق مقولة نصف الخسارة او جزءا ضئيلا منها ربح. حيث انهت المقاومة العراقية الباسلة والى الابد نظرية القوة الامريكية التي لا تقهر، بل ومرغت انف هذه القوة بالتراب على مراى ومسمع من العالم، وهذه هي المرة الاولى التي تهان فيها القوة العسكرية الامريكية بهذا الشكل بعد هزيمتها في فييتنام. واليوم والمقاومة العراقية وهي تحقق الانتصار تلو الاخر، وتضع امريكا بجلالة قدرها وعظمتها في مازق حرج يصعب الخروج منه سوى باعلان الهزيمة، قررت المقاومة اللبنانية وحزب الله التصدي للعدوان الصهيوني الامريكي الذي يتعرض له لبنان وبكل الوسائل والاسلحة المتاحة، على الرغم من ان هذا العدوان قد دمر جميع البنى التحتية للبنان وقتل وجرح الالاف من المدنيين الابرياء، وهذا يفرض علينا من موقع المسؤولية الوطنية والقومية، ان ندع جانبا ما لدينا من مآخذ عن حزب الله، وخاصة موقفه السيء بالنسبة للمقاومة العراقية ونقف الى جانبه وجانب الشعب اللبناني. لان هذا الكيان الصهيوني الصهيوني ليس عدو الشعب اللبناني وحده ، وانما هو عدوا للامة العربية مثلما هي الولايات المتحدة الامريكية، وان عدوانه على لبنان الذي يشبه حرب الابادة التي تشنها امريكا والكيان الصهيوني ضد شعب العراق وضد الشعب العربي الفلسطيني، قد تم الاعداد له مسبقا ليدخل ضمن اطار المخطط الامريكي الصهيوني الشامل والذي يهدف فيما يهدف، الى تركيع الامة العربية وفرض حالة الاستسلام الكامل عليها، ليجري لاحقا تفكيك خارطة المنطقة واعادة رسمها من جديد، بما يؤمن بالكامل مصالح امريكا الحيوية ويحمي امن وسلامة الكيان الصهيوني، بما يسمح له بتصفية الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني تصفية كاملة. ومما يؤكد ذلك ما نشرته صحيفة معاريف بهذا الخصوص، حيث ذكرت بان "خطة الحرب ضد لبنان كانت موضوعة في الدرج الاسرائيلي منذ خمسة اشهر"، كما ابلغ فيلتمان الجهات اللبنانية منذ شهر اذار الماضي "بان اميركا تمنحهم فرصة خمسة اشهر لنزع سلاح حزب الله، فان فشلوا تولت المهمة بنفسها" . بل ان ديفيد وولكر مساعد وزيرة الخارجية الامريكية قالها بالفم المليان وعلى رؤوس الاشهاد : "اذا لم ينجح لبنان في تنفيذ القرار 1559 اي نزع سلاح حزب الله فان اسرائيل ستفعل ذلك" . وهذا ما يفسر رفض بوش ووزيرة خارجيته وقف اطلاق النار ومنع الاوربيين من التحرك الا تحت سقفهم، مثلما منعوا مجلس الامن من اتخاذ قرارمشابه. وهذا كله يدحض الادعاء الذي يشيعه النظام العربي واعلامه الرسمي، من ان هذا العدوان جاء كرد فعل لاسر حزب الله جنديين اسرائيليين. فلقد سبق وان اسر نفس الحزب ثلاثة جنود اسرائيليين وبقى هذا الكيان هادئا، ووافق على عملية تبادل للاسرى فيما بعد. ناهيك عن ان الكيان الصهيوني لا يحتاج الى ذريعة للقيام بالعدوان وبامكانه افتعال العديد منها عند الحاجة. وتعتقد اسرائيل وامريكا ان اهم وسائل العدوان التي توصلهم الى تحقيق نصر عسكري، هو ترويع وقتل المدنيين وتدمير البنى التحتية للبلاد وحرمان الاحياء منهم من ابسط مقومات الحياة. وعلى الرغم من ان هذا الاسلوب مرفوض سياسيا وقانونيا واخلاقيا، فان مندوب امريكا في الأمم المتحدة المدعو جون بولتون، قد افتى باجازته حيث قال : "بان قتل المدنيين اللبنانيين مشروع لانهم يسقطون جراء أعمال عسكرية يفرضها مبدأ الدفاع عن النفس بينما الذين يسقطون في اسرائيل فهم ضحايا الارهاب ".

يبدو ان الهجوم الصهيوني الوحشي على لبنان لازال في بدايته، على الرغم من حجم الدمار الذي خلفه في كافة ارجاء لبنان. فهو يعد الان الى هجوم بري واسع النطاق يستهدف اجتياح جنوب لبنان او لبنان كله، بعد ان تاكد له بان الحاق الهزيمة بالمقاومة اللبنانية وبحزب الله لن يتحقق لا من الجو ولا من البحر. وبالفعل فان كل المعلومات تشير الى ان قوات هذا الكيان العسكرية قد اخذت مواقع لها داخل الاراضي اللبنانية بعد ان تم استدعاء 3 آلاف جندي من قوات الاحتياط. بالمقابل يصر حزب الله والمقاومة اللبنانية على مواجهة القوات الاسرائيلية، خاصة وان معظم الحركة الوطنية اللبنانية قد انضمت الى المقاومة اضافة الى ان الجيش اللبناني قد استلم الاوامر من حكومته للدفاع عن الوطن، في وجه أي غزو شامل قد تقوم به “إسرائيل” للبنان. وهذا يعني اننا امام معركة ضارية قد تطول عدة اسابيع عدة او عدة اشهر.

ترى هل يجوز لنا كعرب ان نقف متفرجون على هذه المقاومة وهي تقاتل اعتى واقوى قوة عسكرية في المنطقة وهي اسرائيل ومدعومة من اكبر قوة عسكرية في العالم وهي امريكا؟ او نكتفي ببيانات الادانة والاستنكار او في التظاهرات او تقديم المساعدات للمنكوبين وكاننا جمعيات خيرية؟ ام ان المطلوب من الجماهير العربية وقواها الحية، الشروع وعلى الفور في المشاركة الفعلية في المعارك الدائرة في لبنان وفلسطين والاهم من ذلك في المعركة الرئيسية في العراق وبكل الوسائل المتاحة لديها؟

الحلف الامريكي الصهيوني يمثل ترسانة عسكرية مدمرة مدعوما من بعض الانظمة العربية وهذا الحلف تربطه مصالح استراتيجية مشتركة الى حد التماهي ان لم نقل واحدة، وهذا الحلف غير المقدس لا يتورع بل وله الاستعداد الكامل من اجل تحقيق هذه المصالح الاستراتيجية، لتدمير المدن على رؤوس ساكينها كما جرى ويجري الان في لبنان وقبله في العراق على مدى السنوات الثلاث الماضية، وحتى اذا تطلب الامر استخدام الاسلحة الذرية او المحرمة دوليا. ومن هنا فان المقاومة المسلحة التي تجري على ارض العراق وفلسطين المحتلة ولبنان، لابد وان تكون مقاومة واحدة وتعبر عن ارادة الأمة في مقاومة الغزاة البرابرة، وقد اثبتت المقاومة العراقية ان حلفا كهذا وبهذه المواصفات لا يمكن هزيمته الا عبر المقاومة المسلحة، وهذه المقاومة ولكي تنجز مهامتها بنجاح وباقل الخسائر سواءا في العراق او فلسطسن او لبنان، لابد وان تحظى بكافة اشكال الدعم والاسناد من قبل الجماهير العربية وقواها واحزابها الوطنية.

ان اول متطلبات هذه المشاركة ان تنزع الجماهير العربية ما تبقى في نفوسها حالة الياس والخنوع التي اشاعها العدو والاعلام الرسمي للانظمة العربية، ومغادرة المفاهيم الوافدة من الغرب والتي حاولت اقناعنا من ان استعادة الحقوق والارض، يمكن ان يتم عبر اللجوء الى الحوارات السياسية او المفاوضات او اللجوء الى المجتمع الدولي وهيئاته كالامم المتحدة ومجلس الامن، لان الاصطدام حسب هذه المفاهيم الوافدة مع القوى العظمى سيؤدي الانتحار، ليجري الوصول وعلى وجه السرعة الى اتباع او اعتماد نهج المقاومة المسلحة، عبر القيام باعمال جهادية في عموم الساحة العربية، تبدا بضرب المصالح الامريكية والصهيونية، الى العمل من اجل اسقاط هذه الانظمة العميلة. ولانجاح هذا الجهد وجعله اكثر فاعلية وتاثير، فانه يستدعي منا تنظيم وحشد كل القوى الشعبية العربية وتصعيد فعالياتها وتوسيع جغرافية المواجهة من بغداد والقدس وبيروت، الى القاهرة والرياض وعمان وبقية العواصم والمدن العربية.وان اي هروب من هذه المسؤولية تحت ذريعة الخوف من اجهزة القمع الرسمية، يعد تنصلا من المسؤولية الوطنية والقومية، فها هي المقاومة المسلحة في العراق قد دحرت اكبر الة قمع عرفها التاريخ والمقصود بالطبع القوات الامريكية، وها هي المقاومة الفلسطينة تتصدى لاكبر قوة عسكرية في الشرق الاوسط، وها هي المقاومة اللبنانية تكبد الحلف الصهيوني الامريكية خسائر جسيمة في الاوراح والمعدات. ان الخروج في مظاهرات مهما كان حجمها كما حدث خلال الايام الماضية ويحدث اليوم في ارجاء واسعة من الوطن العربي تاييدا للشعب اللبناني، او تقديم التبرعات للمنكوبين على اهميتها لا تليق بالشعب العربي الذي هو جزء من المعركة الا اذا تحولت هذه المظاهرات الى انتفاضات شعبية ضد الحكام الخونة، الذين يساندون هذا الحلف في السر والعلن واسقاطهم واقامات حكومات وطنية ديمقراطية على انقاضهم.

ان ما يتعرض له العراق وفلسطسن المحتلة ولبنان، هو حرب شاملة مفتوحة، وأمتنا ليس عندها ما تخسره غير الأصفاد التي كبلها بها هؤلاء الحكام الخونة سماسرة الصهيونية والامبريالية، لابد وان ناخذ بأستراتيجية المواجهة الشاملة والمنظمة والمستمرة، ضد الوجود الصهيوني والامبريالي في منطقتنا ومن دون السير في هذا الطريق فان امتنا العربية لن تجد لها مكانا يليق بها بين الامم.
 

إلى صفحة مقالات وأراء9