04/08/2006

مثلث المقاومة العربية وقلق شمعون بيريز

 

 بقلم :سعد داود قرياقوس

عندما يعبر شمعون بيريز عن قلقه من مجريات المعركة الراهنة بين قوات المقاومةالوطنية اللبنانية وقوات الغزو الصهيوني، ويصفها بمعركة حياة او موت "للشعب الاسرائيلي"، فان لهذا الطرح مدلولات ومبررات جوهرية .

اضطرار شخصية صهيونية محنكة ومسؤول سياسي من طراز بيريز لاستخدام هذه العبارة المثيرة لقلق الشارع "الاسرائيلي" لا يرجع الى مخاطر القدرات التسليحية للمقاومة اللبنانية،ا وامكانيات حزب الله العسكرية تحديدا، مع تقديرنا الكبير للثقل المعنوي للمقاومين اللبنانين واستعداهم القتالي، وتقديرنا لانتصارهم الكبير سواء إبان مرحلة التحرير او المعركة الحالية، الا انها تبقى قدرات لا يمكن لها كما ونوعا، وفي ظل الفوق العسكري للعدو ان تشكل تهديدا مصيريا للدولة العبرية.

 

مع اننا لسنا من المؤمنين بنظرية الجيش الذي لا يقهر، ولا من المبشرين باستحالة هزيمة جيش العدو الصهيوني، الا ان الحقيقة الموضوعية تفرض علينا الاعتراف في اختلال ميزان القوة العسكرية لصالح العدو كما ونوعا لاسباب ليست محور اهتمام هذه المساهمة. قلق بيريز على مصير دولته العنصرية لا يعود اذن لقدرات المقاومة الوطنية اللبنانية التسليحية بل لتبنيهم نهج المقاومة المسلحة بديلا لصيغ المساومة والاستسلام، واحلالهم ثقافة الرفض عوضا عن ثقافة الرضوخ. هذا التغيير الجوهري في ديناميكية الصراع العربي الصهيوني يهدد الاسس السياسية والعسكرية التي يرتكز عليها التفوق "الاسرائيلي"، ويلغي كل ضمانات ديمومة الدولة العنصرية، ويعلن بداية النهاية لمشروع تجزئة الوطن العربي.

 

لقد نجح الكيان العنصري خلال العقود الست المنصرمة في الحفاظ على ديمومته معتمدا على معادلة سياسية - عسكرية تستند الى توفيرعدة مستلزمات، وتحديدا الى : التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الامريكية والغطاء السياسي الدولي الواسع، عرقلة نمو التطور الاقتصادي والاجتماعي العربي، زرع ثقافة اليأس والاستسلام في شعب المنطقة عبر سلسسلة من الهزائم العسكرية والسياسية، عقيدة عسكرية معتمدة على معارك خاطفة تلحق اكبر قدرا من الخسائر العسكرية بالجيوش العربية، تليها اتفاقات سلام تضمن تحقيق اهداف توسعية صهيونية.

  

انتصار المقاومة الوطنية اللبنانية الى جانب انتصار المقاومة العراقية، وصمود الشعب الفلسطيني يلغي ثقافة الحلول الاستسلامية، وينسف المبدأ الاساس للعقيدة العسكرية، وبالتالي يهدد ديمومة الدولة العنصرية. خيار المقاومة اذن يشكل التهديد الاكثر خطورة على مستقبل الكيان الصهيوني، ومن هنا فان العدوان الراهن ليس عدوانا على حزب الله لفرض قرار مجلس الامن، بل حربا على خيار المقاومة.

 

بيريزوحلفاؤه في واشنطن ولندن يعون تماما بان صمود وانتصارالمقاومة اللبنانية يساهم في تعزيز ثقافة المقاومة، ويفتح ملفات لا طاقة للانظمة العربية الموالية لواشنطن بالتعامل مع مفرداتها. شيوع المقاومة وبكل بساطة سينهي فعالية خطاب "دي امريكا" و"دي اسرائيل" الانهزامي، ويرجح خطاب "دي المقاومة".

 

لقد برهنت التجربة التاريخية للامة العربية بالرغم من التراجعات التي عانى منها مشروع النهظة القومية، بان هوية الامة مسلمة لا تقبل المساومة، وان عزيمة الشعب العربي على  تحقيق اهداف الامة لن تثنيها مشاريع تغييرالهوية ومصادرة الثروات. فبعد ست عقود من الاضطهاد والارهاب ومحاولات طمس الهوية الوطنية والقومية، لم ينجح اعداء الامة في تطويع شعبنا في فلسطين واغتيال حلمه ومصادرة حقوقه الانسانية .

 

وبات من الواضح حتى لاكثر وعاظ المحتلين مغالطة، بان مشروع السيطرة على بحيرات العراق النفطية يقترب من نهايته على الرغم من انفاق الادارة الامريكية مبلغ تجاوز(350) مليار دولار، واكثر من خمسين الف اصابة في صفوف قوات الغزو الامريكي، ناهيك عن تكاليف وخسائر حلفاء الادارة الاخرين المشاركين في الغزو، وبعد ان جربوا كل ما في جعبتهم من مشاريع سياسية وفي قوائمهم من عملاء دون جدوى . فشل مشروع احتلال العراق لم ياتي ثمرة مباحثات في غرف خلفية، او نتيجة مبادرات سياسية، بل حققه جهد المقاتلين وتضحياتهم وانتصاراتهم العسكرية الكبيرة، واصرارهم على الاستمرارفي نهج المقاومة .

 بعد اكثر من ثلاثة اسابيع على بداية العدوان الصهيوني الهمجي على شعب لبنان، عجز "الجيش الذي لا يقهر"، عن الحاق خسائر فعلية في هيكل المقاومة الوطنية اللبنانية، او التاثير سلبا على معنويات المقاومين وصلابة موقفهم السياسي، ولا الحد من هجمات المقاومين على مواقع العدو ومدنه .  

 هذا الصمود البطولي افشل اعتماد العدو على خيار القوة المطلقة والتفوق العسكري في فرض هدفه السياسي على الجانب العربي، ومن هنا فان قبول اسرائيل وقف اطلاق النار وتبادل الاسرى يعني بكل تاكيد انتصار للمقاومة، ويؤشر اول انتصار عربي على العدو الصهيوني بعد سلسلة من الهزائم، انتصار تم تحقيقة عن طريق الصمود والمقاومة، انتصارا يعزز انتصار المقاومة العراقية وصمود شعبنا الفلسطيني ومقاومته التاريخية، ويقود الى بلورة ملامح مثلث مقاومة عربية قابل للتوسع في منطقة هيئتها عوامل الفقر والاضهاد للانفجار. بروز هذا المثلث يعلن انتصار خيار المقاومة، وهزيمة لغة الاستسلام، واندحار المشروع التوسعي الاستعماري، ونهاية الحلم التوراتي.

 وهذا ما يقلق شمعون بيريز

إلى صفحة مقالات وأراء9