04/08/2006
مجزرة قانا أيها الناس


 بقلم : د. عبدالإله بلقزيز
 

 مر النازيون من فوق سماء قانا، ألقوا عليها نظرة حقد، حددوا هدفهم وانتظروا ان يسدل الليل ليله فيخلد صيدهم البشري ل “النوم”. الواحدة ليلاً من فجر الثلاثين من يوليو/تموز ،2006 تنقض قذائف النازية على فريستها، تحول المبنى الذي “تحصن” فيه الخائفون على غدهم الى مدفن جماعي، خمس وخمسون جثة مزقتها الطائرات ودفنت معها ما ليس يحصى من الأيام والتفاصيل والذكريات.


 

من هنا مر الغزاة، وهنا تركوا ما يدل عليهم، وتركوا السؤال معلقاً في الأفواه: أي نوع من “البشر” يكونون؟ ومن أي نوع من الأرحام يخرجون. وأي نوع من التنشئة الاجتماعية والدينية والعسكرية يتلقون؟ يتركون خلفهم “بطولاتهم” الجوية في الدم اللبناني وعلى الارض يخسرون.


 

“ينتصرون” على الاطفال والنساء والعجز من السماء، وفي الميدان - أمام شباب المقاومة - يهربون.


 

قانا، مرة أخرى، تفضح عجزهم ويأسهم، قبل عشر سنوات من اليوم، وصلت قذائفهم الى قانا ومسحت وجود مائة من الجنوبيين جربوا - في لحظة خوف من جحيم النازية الجوي - أن يستجيروا بمركز لقوات المراقبين التابعة للامم المتحدة، لم يشفع لهم أنهم في العهدة الدولية، ولا منعت الاستجارة “اسرائيل” من كبح جماح جوع الطائرات للأجساد، يعاود النازي لعبته اليوم على المكان نفسه بعد ان أطلقت امريكا يده في الدم اللبناني، وأتته مهندسة سياستها “رايس” لتشهد على تفانيه في تطبيق التعاليم فتشرب معه أنخاب “النصر” على أهل قانا ودماء قانا.


 

بين قانا “عناقيد الغضب” في العام 1996 وقانا “ما بين الضائقتين في العام 2006 أوجه تشابه لا حصر لها: تعنون “اسرائيل” حروبها على لبنان بأسفار “العهد القديم”، فكأنما تتقصد ان تخاطب أهل القرآن والأناجيل من اللبنانيين بأنهم جميعاً سواء في القيمة - بل قل في ما دون القيمة - في منظور تعاليم “شعب الله المختار”. “كتاب” بني اسرائيل الأعلى وصحائفهم دونه مرتبة، وما تقوله الأسفار ينبغي ان يكون نافذاً على أتباع المسيح ومحمد. يتلقف صهاينة امريكا هذه التعاليم فينقلونها من الأسفار الى السياسة مرددينها بلا أدنى شعور بالخجل على نحو ما فعل المدعو جون بولتون  سفير جورج بوش في الأمم المتحدة  حين رفض المساواة بين شهداء لبنان وقتلى “اسرائيل” من المدنيين! وهل ثمة من مجال بعد الآن كي يبدي المرء استغرابه للمفارقة “الاسرائيلية” بين تسمية حربين صهيونيتين على لبنان بلغة توراتية (“عناقيد الغضب”، “ما بين الضائقتين”) وبين أن يكون اصحاب التسمية قادة صهاينة علمانيون غير متدينين (شمعون بيريز، إيهود أولمرت، عمير بيرتس)، ما دامت تلك سيرة قادة الحركة الصهيونية و”اسرائيل” منذ زعيمهم هرتزل وحاييم وايزمان الى ايهود أولمرت، مروراً ببن غوريون وموشي شاريت وجولدا مائير واسحق رابين وشمعون بيريز وايهود باراك وأرييل شارون؟!


 

ثم بين مجرزتي “قانا” شبه: التعبير “الاسرائيلي” الدراماتيكي عن اليأس في حسر المعركة ضد المقاومة، وتحويل اليأس الى سادية وحشية لا حدود لها في البربرية: توغل في دماء الاطفال والنساء وتمعن في تدفيعهم ثمن هزيمة مشروع حربها على لبنان، وثمن كسر كبرياء جنود الدولة اليهودية وتمريغ هيبتهم من لدن حفنة من المقاومين الابطال.


 

ثمة فروق طفيفة بين قانا العام 96 وقانا العام ،2006 في الأولى حمل السفاح اسم شيمون بيريز - الذي خلف سيده الصريع اسحق رابين على رأس حكومة “اسرائيل” اما في الثانية فحمل سفاحها اسم ايهود أولمرت محاطا بوصيفتيه الشريكين  في الجريمة: شيمون بيريز وعمير بيريتس. وفي قانا الأولى، كان رئيس أمريكا “بيل كلينتون” أكثر ذكاء من خلفه الذي لم يكد يعرف أين يوجد لبنان الا بعد ان قيل له انه في شمال “اسرائيل” (أقصد شمال فلسطين) وفي قانا الأولى، كان وزير خارجية أمريكا “وارن كريستوفر” أقل إصابة بعقدة النقص في أمريكيته وتجاه رئيسه من خليفته رايس. وفي قانا الأولى، كان لأمين عام الأمم المتحدة (بطرس غالي) بقية قليلة باقية من الكبرياء السياسي ليحتج على الجريمة “ويدفع ثمن احتجاجه حرمانا له من ولاية ثانية” أما في قانا الثانية، فما استطاع خلفه “كوفي أنان” ان يخرج من جبة الموظف الصغير المأمور بأوامر الخارجية الامريكية يقيم في نيويورك. لكن التعليمات تأتيه من واشنطن، وفي قانا الأولى، كان شيراك. شيراكا، وكان فيه بعض مما تبقى من روحية شارل ديجول. أما في قانا الثانية، فبات شريكاً في حلف الشرك بالله والعدالة والانسان: الذي يقوده زعيمه جورج بوش. وما تبقى شبه مستمر بين الجريمتين.. وسائر جرائم “اسرائيل”.


 

خمسون صاروخاً على رؤوس ثلاثة وستين نفراً من الناس في قانا ثلثاهم من الاطفال الباحثين عن أمان في حضن أمهات بحثن عن الأمان في الملجأ فأتاهم جميعاً حمام الموت من السماء.


 

خمسون صاروخاً على الضمير العالمي والأمم “المتحدة” والأمم المتفرقة وعلى القانون “الدولي” الذي لا تسري أحكامه على “اسرائيل”.


 

خمسون صاروخاً على رؤوس المستضعفين في الارض ممن لا أحد في الكون يكترث لما يعانون من ضيم وحيف في هذا العالم المحكوم بشريعة القوة والقتل والاستكبار، فيصمتون عما حاق بهم واستفحل أمره فيهم.


 

خمسون صاروخاً تؤثث كل نجمة من نجوم علم الولايات المتحدة الامريكية، وتنوب عنها في تأدية رسالة الانسان الابيض المتفوق في ارض “البرابرة المتوحشين”.


 

خمسون صاروخاً على رأس الحاكم العربي المتفرج على دماء اللبنانيين، وعلى شرف العرب أجمعين.


 

خمسون صاروخاً تمتحن الغث والسمين في الارض وتعيد إحياء معايير الخلقية الانسانية وامتحانها في المختبر الدموي اللبناني.


 

أيها الواقعون تحت أنقاض هذه الصواريخ - من غير الشهداء -: هذه قانا تفضحكم جميعاً، تهتك سر كبريائكم المصنوع. تقول لكم: وداعاً وداعاً.


 
التجديد العربي

إلى صفحة مقالات وأراء9