20/08/2006

 

من يُنقذ الشيعة ؟؟!

 بقلم د. أمير البياتي

 دعونا أولاً نتفق على بعض الثوابت، أولها: أننا نجبر أحيانا على استخدام التقسيمات الطائفية التي نمقتها، ونود التخلص منها... لكننا لا يمكن ان نتخلص منها او نقلل من تأثيرها بتجاهلها او الادعاء بعدم وجودها فقط. واستخدامنا هنا للشيعة والسنة إنما هو اضطرار وليس اختياراً، وانما هو محاولة متواضعة لإيضاح بعض الأمور ودق جرس الإنذار أمام آذان شريحة واسعة من المجتمع العراقي وربما العربي، شريحة تغط الكثرة الغالبة منها في نوم عميق وتمني نفسها بالمستقبل المشرق وتحلم أحلام اليقظة والمنام بالحصص النفطية والخدمية التي ستتراكم في خزائنهم وبيوتهم.

وثانيها: أن العراقيين كلهم يعانون ويعانون ويعانون، وان البعض انما يعاني اكثر من الآخر، كما ان البعض يتعرض للابادة والتقتيل والتهجيراكثر من غيرهم... وعلينا ان نتفق ايضاً ان من ساهم في ذبح العراق وتسليمه الى المحتل هم كثير ممن يحملون الجنسية العراقية او يدعون بأنهم عراقيين وان منهم الشيعة والسنة والعرب والاكراد، وان كانت النسب تختلف بين شريحة واخرى، ولكن اياً منهم لم يساهم في الجريمة بناءً على انتماءه القومي او العرقي او المذهبي، وان كل الذين تعاونوا ويتعاونون مع الغاصب المحتل انما يفعلون ذلك انطلاقاً اما من اطماع ذاتية دنيئة او من ارتباطات مسبقة بجهات مشبوهة، وفي قليل من الاحيان بناءً على حسابات خاطئة وقصر نظر وغباء سياسي.

اذاً، وبعد ان اتفقنا على ذلك، يمكننا ان نقول: ان في جريمة العصر المتمثلة باحتلال العراق وتدمير مركز الاشعاع العربي والانساني الذي كان يمثله، ان في هذه الجريمة بعض الخاسرين الصغاروكثير من الخاسرين الكبار! فمن هم الخاسرون الصغار؟ ومن هم الخاسرون الكبار؟

ان الخاسرين الصغار كثيرون، ولن ندخل في تفاصيل تعدادهم ، ولكننا سنتحدث عن الذين خسروا كثيراً وفي تصورنا انهم ثلاثة مرتبين حسب حجم خسارتهم: الكويتيون والاكراد والشيعة! ويمثل شيعة العراق اكبر الخاسرين!

كيف ولماذا؟

 كيف يكون الكويتيون خاسرين وهم لم يخفوا تواطئهم مع الجيوش الغازية ولاشماتتهم بالخراب والدمار الذي حل بالعراق، ولافرحتهم بل ومساهمتهم في كل مايؤذي العراق والعراقيين؟

 

وكيف يخسرالكويتيون وهم كانوا ومازالوا يسرقون النفط العراقي ويساهمون في تخريب الاقتصاد العراقي ويعيثون في جنوب البلاد فساداً دون حسيب او رقيب؟

وكيف يخسر الاكراد وهم يثبتون يومياً  اركان " فدراليتهم" ويمهدون السبل للانفصال وتكوين البذرة الاولى للدولة الحلم: دولة كردستان الكبرى التي ستضم اكراد العراق وايران وتركيا وسوريا وباقي الاكراد في دول المنطقة الاخرى؟

وكيف يخسر الاكراد وهم يضيفون كل يوم مكسباً جديداً الى مكاسبهم الوزارية والبرلمانية والدستورية؟

وكيف يخسر الاكراد وكردستان العراق اليوم هي واحة الاستقرار والديمقراطية والبناء في عراق  ينزف كل يوم  دماً غزيراً طاهراً ويصطبغ فجره باللون الاحمر القاني؟  

وهل يعتبر الشيعة خاسرين وهم يستولون على اهم المناصب السيادية في "العراق الجديد"؟

وكيف يكونوا خاسرين وهم يؤسسون فضائياتهم ويمتلكون صحفاً خاصة بهم واعلاماً يروج "لمظلوميتهم" التاريخية؟

وهل هم خاسرون وهم يمارسون شعائرهم الخاصة باللطم والتطبير والبكاء على مدار السنة وعلى مرأى من الناس دون ان يمارس " النظام" عليهم اي ضغط او منع؟

وهل هم خاسرون وهم يمتلكون " الاغلبية" في برلمان "العراق الحر الديمقراطي"؟

كل هذه اسئلة وغيرها كثير ... وهي كلها اسئلة مشروعة وكلها تشير الى ان الكويتيين والاكراد والشيعة هم المستفيد الاكبر من احتلال العراق! فكيف يكونون هم الخاسرين؟؟!

من المؤكد ان ظرف الاحتلال هو ظرف مؤقت، وان عمره بمشيئة الله وهمة الابطال المقاومين هو اقصر مما يتصور الكثيرون، وان كل ماجاء به الاحتلال باطل وزائل، وان كل التشكيلات " الدستورية" و" الجعرافية" وكل " التشريعات" التي رافقت هذا الاحتلال هي مؤقتة ويرتبط بقاؤها ببقاء المحتل... كما ان من المؤكد إن  قوانين الجغرافية لن تتبدل، وان الاكراد والشيعة، وكذا كل اطياف الشعب العراقي الاخرى باقية في العراق الى ان يشاء الله، وان الكويت ستبقى جارة للعراق، فلا العراق متحول عن مكانه ولا الكويت ذاهبة الى مكان آخرغير حضن الوطن الام... كما ان من المؤكد ان مصالح الدول العظمى الاستراتيجية ثابتة وان مصالحها التكتيكية متحولة مادامت رياح التغييرات تواصل هبوبها على المعمورة.

 

وهذا يعني ان الاحتلال اذا زال، وهو زائل لامحالة،  فلن يكون في اجندته حماية العملاء الذين سيخلفهم ورائه ولا الحفاظ على تشكيلات وتقسيمات "ادارية ودستورية" وضعها لخدمة اهداف آنية وتكتيكية مرحلية، ولا الحفاظ على مصالح دول استنفذت دورها وانتهى تاريخ صلاحيتها، ولن يكون في اجندته او في وسعه الدفاع عن " فيدراليات" يمكن ان تكون نواة لدولة يتعارض قيامها مع المصالح والاهداف الاستراتيجية لدولة الاحتلال والدول العظمى الاخرى، فقيام الدولة الكردية "الحلم" لايمكن تحقيقه حتى في ظل " الشرق الاوسط الجديد" ، فوجود هذه الدولة يتناقض مع مصالح دول مهمة واعضاء في الاتحاد الاوروبي، ودول حليفة وحيوية في خدمة السياسة الامريكية في المنطقة، واهميتها تفوق كثيراً اهمية " حق تقرير المصير" الذي تتاجر به القيادات الامريكية علناً وتدوس عليه وتستخف به عندما يتعارض مع مصالحها.

ومصيبة الاكراد على مر تاريخ صراعهم الطويل مع الانظمة المتعاقبة في العراق خصوصاً والمنطقة عموماً، انهم لم يدركوا بعد- اوانهم ادركوا ولكنهم يتمسكون بقشة الغريق- انهم انما ادوات تتلاعب بهم قياداتهم الفاسدة ، ورأس الحربة في تنفيذ المخططات الخبيثة للصهاينة والامريكان... وان تطابقت مصالح الاكراد مؤقتاً مع المصالح الامبريالية في المنطقة فأن دوام الحال من المحال...وسياتي اليوم الذي يكون زوال "الفدرالية" الكردية ووجودها سيان في حساب المصالح الاجنبية، وعندها سيجد الاكراد كتابهم منشوراً امامهم ليقرأوا فيه اخطائهم وخطياهم وليدفعوا غاليا ثمن قصر النظر الذي وقعت فيه القيادات الكردية الشريفة وثمن عمالة العملاء منهم. وعندها سيندمون على المكاسب التي كانوا يتمتعون بها في زمن الحكم الذاتي تحت قيادة البعث وسيكون اعادة عجلة التاريخ الى الوراء مستحيلاً.

ومصيبة الكويتين انهم جار للعراق، وان العراقيين لن ينسون مافعله جارهم العزيز وشقيقهم بهم قبل الحصار واثناء الحصار وبعد الحصار، وقبل الاحتلال واثناءه. كما ان العراقيين لن يتنازلوا عن حقهم في استعادة جزء مهم من اجزاء الوطن الغالي... وعندما تفقد الكويت اهميتها الاقتصادية وتعجز عن لعب دورها التآمري على العراق- ولن يستغرق هذا طويلاً، سيترك الامريكان الكويت لتسوية مشاكلها المعلقة مع العراقيين "بالمباحثات الثنائية" مع العراق... وسيكون الحساب عسيراً وعسيراً جداً... ذلك ان "الاخوة" الكويتين لم يتركوا وسيلة إيذاء يمكن ان تستعمل الا وسلطوها على العراقيين، ولم يدخروا جهداً "خيراً" الا وبذلوه في سبيل "إسعاد الاخوة العراقيين" ومساعدتهم بشتى الوسائل المتاحة المشروعة وغير المشروعة، ولم يألوا جهداً في خدمة السيد الامريكي حتى دون ان يطلب منهم سيدهم ذلك! لذا سيكون يوم الحساب مشهوداً  وسيترحم الكويتيون على كرم صدام حسين ومواقفه الاخوية الشريفة ولات ساعة مندم ولن ينفع وقتها الهرب الى الاشقاء السعوديين الذين لن يستقبلوهم، ولن ينعقد مجلس الامن لاستصدار القرارات الدولية التي تناصرهم.

أما شيعة العراق فمصيبتهم اكبر!!! وقبل الاسترسال في الموضوع ننبه الى ان المقصود هنا  هي الاحزاب التي تتستر بالمذهب الشيعي وتتاجر بما يسمى ب"المظلومية الشيعية" ، ولكن المصيبة ستكون مصيبة كل الشيعة... ذلك ان تلك الاحزاب لم تجعل بينها وبين جماهير الشيعة فاصلاً، ولا مّيز السواد الاعظم من الشيعة انفسهم عن المسارالمظلم الذي سارت به تلك الاحزاب، الا من رحم ربك وهم الشرفاء الواعون الذين ناصروا المقاومة او انضموا اليها او كانوا ومازالوا اشواكاً في حلقوم الاحتلال واعوانه... فهذه الاحزاب خانت الوطن- وهل بعد الخيانة من ذنب؟ وهذه الاحزاب ساهمت وبشكل فعال في ذبح الوطن- وهل اكبر جريمة من ذبح وطن؟ وهذه الاحزاب اساءت الى تاريخ العراقيين الناصع الابيض- وهل اعظم من هذه اساءة؟ وهذه الاحزاب زورت التاريخ وكذبت وكذبت وكذبت- وهل اقبح من الكذب من صفة؟ وهذه الاحزاب خانت الامانة التي حملتها لها جماهيرها- وهي جماهير غير واعية في معظم الاحيان- وقادتها الى النار كما قاد فرعون قومه اليها- فهل هناك اسوء من هذه النهاية... وفوق كل هذا وذاك فقد اساءت هذه الاحزاب الى المذهب الذي تتاجر به- واساءت الى تاريخ الشيعة الزاخر بمقاومة المحتلين- وهذه جريمة تاريخية اخرى.

لقد تاسست الاحزاب الشيعية على أسس العمالة لايران! فحزب الدعوة رضع الحليب الايراني منذ اول نشاته، وعندما كان في مرحلة " التثقيف أوالتبشير" كانت منشوراته تطبع في مطابع المخابرات الايرانية، وحالما انتقل الى مرحلة " التنظيم" كانت تعليماته تصدر من طهران، وعندما تحول اخيراً الى مرحلة " العمل المسلح" كانت ايران تزوده بالسلاح... فكيف تريدون من هذا الحزب الا يخدم المصالح الصفوية وكيف نريده ان يحافظ على وحدة وعروبة العراق... لقد كانت كوادر هذا الحزب تتآمر على العراق وقيادته بينما كان العراق مشغولاً بالدفاع عن أرضه وكرامته وحرائره ووحدة ترابه، وكانت تنظيمات الحزب العميل تنفذ عمليات القتل وتفجير السيارات المفخخة في بغداد بينما أبطال العراق يصدون الحقد الفارسي الاصفر على حدود الوطن الغالي... فكيف نرجو خيراً من هذا الحزب؟

وما قلناه عن حزب الدعوة يمكن قوله عن الاحزاب الاخرى التي نشأت وترعرت في احضان المخابرات الايرانية مثل المجلس الاعلى والفضيلة وغيرهما، وساهمت بنفس الدرجة في تدمير العراق وشق وحدته وتمزيق نسيجه الاجتماعي المترابط على مر العصور... وحتى التيار الصدري الذي خدع بعض حسني النية ومازال وهو يتاجر بشعارات "طرد الاحتلال" ، لكنه في واقع يساهم من موقعه في جريمة العصر الكبرى، وينفذ اعمال القتل البشعة بحق المواطنين الابرياء.

نقول بعد كل هذا ماذا جنى المواطن الشيعي العادي؟ وانا أعتذر ثانية عن استعمال هذه التعابير الطائفية لكنني اجد نفسي مضطراً لذلك في سياق الموضوع. نقول ماهي المكاسب التى حصل عليها هذا المواطن؟؟؟ فمعاناة العراقيين واحدة وان كانت بدرجات ولكن ازمات الخدمات والكهرباء والماء والوقود تشمل كل العراقيين، وليس صحيحاً مايشاع عن تمتع المحافظات الجنوبية وحرمان غيرها. والقتل الطائفي الذي تنفذه عصابات بدر وجيش المهدي وغيرهما يطال ابناء كل الطوائف العراقية، والمفخخات لاتميز بين احد وتترك احداً، والبطالة تنتشر ربما بين " الشيعة" اكثر من غيرهم ولاسباب اجتماعية معروفة. وكل ماحصلوا عليه هو حق " اللطم" وحق "المشي" الى زيارة الامام الحسين عليه السلام... وهي افعال سيكتشفون قريباً انها لاتستحق الثمن الذي يدفعونه يومياً- ان لم يكون الكثير منهم قد وصل الى هذه القناعة الان...

ولكن الاخطر من هذا هو ان المذهب الشيعي الان قد ارتبط – وللاسف- بالعمالة وخيانة الاوطان وخدمة المحتل، فما عاد يذكر الشيعة الا وذكرت العمالة وخيانة الاوطان وخدمة الاجنبي!!! كما ارتبط المذهب الشيعي- وهو براء من ذلك- بطقوس البكاء ولطم الصدور وجلد الظهور وتطبير الرؤوس، وما عاد المذهب يعرف بطروحاته الفقهية ولا ارائه في التشريع والتفسير والتطبيق، وانما بات يعرف بأحتفالاته البكائية المتطرفة- فالاحتفال بولادة الامام او وفاته سيان فهي طقوس لطم وبكاء- وماعاد الشيعة يذكرون من تضحية الحسين عليه السلام غير الجانب المأساوي ويشفعون ذلك بالبكاء والتطبير- وينسون ان الامام الحسين انما استشهد دفاعاً عن مبادئ الاسلام الحقيقي وثار على الظلم- وهم يهادنون الظالم ويحمونه ويروجون لطروحاته ويخدمونه دون ان يسأل المواطن الشيعي نفسه: ايهما افضل ان ابكي الحسين عليه السلام ام اقارع المحتل الظالم؟ وهل لو كان الامام حياً هل كان سيتواطئ مع المحتل أم كان قاومه وقاتله؟ ولو كان عليه السلام موجوداً هل كان سيأمر اتباعه بالبكاء واللطم على سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام، أم كان سيأمرهم ببناء الوطن وتحريره والحفاظ على وحدته وشرف حرائره؟ ولو كان سيد الشهداء موجوداً هل كان سيجلس على طاولة الامريكان ذليلاً خانعاً- حاشاه- يتلقى تعليمات السيد الامريكي؟ أم كان سيقود مقاومة شعبية شاملة لاخراج المحتل؟

 

لقد حولت الاحزاب الشيعية العميلة المذهب الشيعي الى مطّية للمحتل واصبح الشيعة الحقيقيون يخجلون من انتمائهم للمذهب!!! واصبحوا يدافعون عن انتماء مذهبي دفاعاً سياسياً  ويدرؤون شبهة العمالة والخيانة عن انفسهم دون ذنب سوى انهم شيعة!!!

 إن جريمة الاحزاب المتسترة بالمذهب الشيعي جريمة مضاعفة، فهي قد اجرمت بحق وطنها واجرمت بحق شعبها واجرمت بحق مذهبها واجرمت بحق الشيعة انفسهم. وجريمة الجماهير التي ركبت موجتها هي جريمة كبرى بحق كل ماتقدم... ولايعفي المضللين قولُهم اننا لم نكن نعلم، فالتاريخ لن يرحم المغفلين، ويوم الحساب بات قريباً وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون...

إذاً من ينقذ الشيعة؟؟؟ لن ينقذهم احد اذا حان الحساب، ولكن ينقذهم مسارعتهم في كشف العملاء والتخلي عنهم والبدء بتضييق الخناق على المحتل المجرم... وربما تنقذهم توبتهم الى الله توبة نصوحاً، ولن يشفع آل البيت الاطهار لهم، فخيانة الوطن وخدمة المحتل الكافر جريمة لاتحل معها شفاعة احد من الخلق، ولن يغفرالله والتاريخ مواقفهم المخزية هذه، والله يهدي لسواء السبيل.

إلى صفحة مقالات وأراء10