23/08/2006

 نهاية المطاف.. إسرائيل مشروع فاشل

 بقلم : علي الصراف

قبل ان يسحب أى أحد اعترافه بـ حق إسرائيل فى الوجود ، فقد فعل هذا الكيان المزيّف ما يكفى للقول انه مشروع عسكرى وسياسى واقتصادى وجغرافى واستراتيجى فاشل، وانه هو نفسه، أكثر من عدائيات أى أحد آخر، بدد آخر الفرص لكى يكون له مكان فى هذه المنطقة.

الاسرائيليون لا يقدسون جيشهم او يخلعون عليه هالة أسطورية لمجرد انه خاض العديد من الحروب الناجحة ضد دول الجوار، وليس لانه متفوق الى حد انه يستطيع هزيمة كل جيوش المنطقة دفعة واحدة، بل لسبب آخر أهم وأعمق. ففى حين ان جميع أمم خلق الله هى التى تصنع جيوشها، فان الجيش الاسرائيلي، ابتداء من عصابات الهاغانا والشتيرن، كان هو الذى صنع أمته.

الأمة الاسرائيلية "اذا كان لهذا المفهوم أى وجود أصلا" ليست سوى أمة-جنود ، ومجتمعها ليس سوى مجتمع-ثكنة . ولهذا السبب، فبدلا من ان تخلع الأمة قيمها وأخلاقياتها على جيشها، فقد كان من سوء حظ يهود السفارديم والاشكناز معا، ان خلع عليهم جيشهم أخلاقيات العنف والغطرسة و التفوق و القوّة ؛ أخلاقيات الابادة الجماعية والدمار الشامل والتعسف الكلى ضد الآخرين. وفى حين ان المجتمعات الانسانية الأخرى تستطيع ان تنعم بالسلام وتملى على جيوشها مقدارا معقولا من الاسترخاء، فان مجتمع-الثكنة، لا يمكنه ان يتعرف على نفسه ما لم يكن فى حالة حرب دائمة. من ناحية، لان الجيش هو مصدر شعور الأمة بوجودها. ومن ناحية أخري، لان هذا الجيش هو الذى يحدد جرعات ومعدلات الشعور بالطمأنينة والخطر لاسباب تتعلق بمبررات وجوده هو.

العيش فى حلقة الموت المفرغة هذه، او العيش فى دبابة هو الذى يدفع مجتمع-الثكنة الى الرد بعنف بلا حدود على كل تهديد. وما يراه الناس الطبيعيون ردا غير متناسب او مبالغا فيه على بعض التهديدات، انما يمثل بالنسبة للاسرائيليين لغة غير مفهومة على الاطلاق. فالخطر، عندهم، خطر ماحق دائما، وكل تهديد، مهما كان صغيرا، هو تهديد مباشر لوجودهم كله.

ومثلما ينظر الاسرائيلى الى نفسه على انه جندى منذ لحظة ولادته، ويظل جنديا "احتياطيا" طوال حياته، فانه عندما يقتل أطفالا او شيوخا فى ملجأ، فانه ينظر اليهم، فى المرآة التى يرى فيها نفسه، ليجد انهم جنود وان قتلهم عمل من أعمال الدفاع عن النفس .

الاسرائيلى لا يستطيع، ثقافيا، ان يميز الفرق بين الجندى والطفل. أرييل شارون تصرف كجندى عندما دفع لقتل أطفال ونساء وشيوخ عزل فى مخيمى صبرا وشاتيلا عام 2891 فى بيروت. وفعل شمعون بيريز وايهود باراك وبنيامين نتانياهو وايهود أولمرت الشيء نفسه فى كل مجزرة من مجازرهم ضد الأطفال فى فلسطين ولبنان.

وكأى جيش آخر، فان القوّة هى المقوّم الأساسى والمعيار الوحيد للوجود ولتحديد الفارق بين النصر والهزيمة. وإذ يقول الاسرائيليون انهم لا يستطيعون تحمل هزيمة واحدة ، فلأنهم يعرفون ان المعيار والمقوّم الوحيد لوجودهم هو القوّة. وانهم من دون هذه القوّة لا يمثلون شيئا ولا يعود هناك معنى لوجودهم برمته.
حسنا. الآن وقد أثبتت الحرب ضد لبنان ان قوّة إسرائيل ليست سوى روث ثور ، وانها مشروع فاشل، أفلا يكون من المنطقى بالنسبة لمجتمع لا يملك غير هذا المعيار لبقائه أن يبحث عن مكان آخر. ألم يقرر هذا المجتمع، بنفسه لنفسه، انه لا يستحق الوجود؟

***

اذا كان يحق للجريمة ان تدافع عن نفسها، فلسوف يحق لاسرائيل ان تدافع عن نفسها أيضا.

هذا الكيان ليس سوى كيان-جريمة قام على العنف، واختار لنفسه الطريقة التى سيزول بها: العنف.

ما كان لأى مسعى من مساعى السلام ان ينجح مع اسرائيل. وما أحد على وجه الأرض يصلح من وجهة نظر اسرائيل ان يكون شريكا للسلام. وما من سلطة فلسطينية إلا وكانت غير ذات صلة فى نظر الاسرائيليين، ومهما كانت التنازلات التى يقدمها ضحايا عنفهم من اجل السلام، فان الاسرائيليين لن يجدوا انفسهم قادرين على الأخذ به او قبوله. لماذا؟

لان ثقافة العنف لا تستطيع تحمل تقديم تنازلات مقابلة. ولان القوّة لا تستطيع ان تساوم على قوّتها. وهى تفقد معناها وتهدد وجودها إذا فعلت.

لهذا السبب فان السحق و جلب الفلسطينيين زحفا على الركب كان هو المنطق الوحيد الذى يمنح القوّة شعورها الاسطورى بانها قوّة.

الفلسطينيون، لانهم شعب يملك أشياء كثيرة غير العنف، ويستطيع ان يرى نفسه فى مرآة التاريخ والثقافة لا فى مرآة القوّة، فقد كان قادرا على التراضى مع نفسه بالسماح للاسرائيليين ان يشاركوه الأرض بل وان يتقاسموا معه علاقات جوار ومصالح، انما من اجل أن يبقى شيء من بيّارات الزيتون وشيء من رائحة البرتقال والكثير من محمود درويش وحصة الأغلبية من سميح القاسم وأميل حبيبي، وكل المدى الواصل الى أرض كنعان والعماليق،.. وهكذا، عبر سلسلة مُصالحات تُلقى بنظرةٍ الى التاريخ، شغوفةٍ بحكمة التاريخ، ومُترعةٍ بعقلانيته القادرة على تسوية جميع نتوءات الجريمة واعادة انتاج البقاء.

الاسرائيليون لا يستطيعون ان يفعلوا هذا. لأنهم هم مَنْ حوّلوا نتوء الجريمة الى سلاح من أسلحة البقاء وبالتالى الى هوية سياسية، وهم من جعلوا أعمال القتل والتعذيب والسحق والمحق أدوات التواصل الوحيدة مع الكيان الاجتماعى الذى كان يريد ان يتقاسم معهم رغيف الأرض.

الاستعلاء العنصرى وخدعة التفوق التى منحت الاسرائيلين كل الشعور بالرضا، لم تجلب لهم سوى الكراهية من جانب مئات الملايين من البشر الذين يحيطون بهم فى هذا المكان.

حملة اسرائيل الوحشية على لبنان، قد تكون كشفت بوضوح كم ان هذا الكيان يغطس فى أحقاده وشغفه المرضى بالقتل ومعاقبة الآخرين، الا انها كشفت أيضا ان الاسرائيليين يعيشون فى صندوق لا يستطيعون الخروج منه الى المنطقة التى يعسكرون فيها كما لا يستطيعون البقاء فى داخله أيضا.

السجن الجماعى الذى يُحيطون الفلسطينيين به من كل جانب، صار فى الواقع سجنهم هم أيضا، اذا امكن النظر اليه من الخارج، حيث يطوقهم محيط معادٍ لا يجد غضاضة فى التشفى بهم وبالصواريخ التى تقع على رؤوسهم.

السجّان سجين بدوره من ناحية فلسفية، ولكن سجن الاسرائيليين لانفسهم ليس كأى سجن آخر. انه مقبرة خوف أيضا. وكلما أمعن الاسرائيليون فى تحويله الى كابوس، كلما كان ذلك أفضل. فهناك سيدفنون انفسهم بثقافة القتل والكراهية التى بفضلها يعيشون . ومثلما كانت عنجهيتهم هى السبب فى ظهور المقاومة اللبنانية، ومثلما كانوا هم الذين علّموا الجوار كيف يلتف على قوّتهم باللجوء الى الصواريخ، فانهم هم الذين سيعلمون هذا الجوار كيف يدفعهم الى الحفرة التى حفروها لأنفسهم.

كلُّ تجربة قوّةٍ، فى التاريخ، فعلت الشيء نفسه. والتاريخ لا يخطئ.

وما لم تكن إسرائيل مشفى للمجانين، فمن حق المرء ان يسأل: مَنْ هو العاقل الذى يستطيع ان يجد متعة فى العيش فى مكان موبوء بالعنف، محاط بالكراهية كهذا؟ وما هو مبرر العيش فى صندوق؟

اسرائيل، أسوأ من ذلك كله، تريد من أولئك الذين تقتلهم وتدمر منازلهم وتقتل أطفالهم، ان يعترفوا بحقها فى الوجود.

هل عرفت البشرية، فى أى وقت من الأوقات، حقارةً أحقر من هذه؟
***
ربما تكون اسرائيل أثبتت للولايات المتحدة انها حليف لا يستطيع ان يدافع عن نفسه كما لا يستطيع ان يكون أداة لتنفيذ استراتيجيات اقليمية كبري، وربما تكون اسرائيل تعرفت بوضوح على مدى ضآلتها الجغرافية حيال صواريخ تستطيع حتى معامل الخردة انتاجها، وربما تكون اسرائيل تدرك سلفا انها مشروع إقتصادى بلا أفق ويعيش على المساعدات، وربما تكون اسرائيل اكتشفت حدود قوتها ، وانها ستظل عرضة دائمة لخطر لا تمكن مواجهته ولا التصالح معه، ولكن هل سيكون بوسعها ان تلاحظ ان بقاءها منوطٌ بمفارقة مفزعة هى انها لا تعيش على قوّتها الخاصة بمقدار ما تعيش على تواطؤ زعماء ومأجورين فى الجوار يحولون دون تحوّل المقاومة الى حركة تحرير شعبية ويجعلون من سلطاتهم جدارا لحماية أمنها، وفى الوقت نفسه، فانها لا تقدم لهم شيئا يجعلهم محترمين؟

تحتاج اسرائيل لكى تبقى ان تقدم تنازلا جوهريا، هو ان تعترف بالآخرين، بحقهم فى الوجود، وبحصتهم من رغيف الأرض. ولكنها ستنهار اذا فعلت.

ستنهار، ليس لانها ستكون مضطرة للتنازل عن شبر هنا وشبر هناك، ولكن لانها ستضطر للبحث عن ثقافة أخرى غير ثقافة السحق والمحق. ولانها ستضطر الى البحث عن عقيدة اجتماعية سياسية غير عقيدة الثكنة. ولانها ستضطر الى كسر مرآة هوية التفوق العنصرى لترى نفسها فى مرآة مختلفة تماما.
السؤال بالاحري: كم صهيونيّا سيبقى فى إسرائيل فى ذلك الحين؟

لن نحتاج، بهذا المعني، ان نهدد هذا الكيان بقنبلةٍ نوويةٍ أو اثنتين لغسل عاره الثقافى والسياسى وازالته من المنطقة.

القنبلة ألقيت منذ ان أصبح كل مواطن جنديا وكل جندى مواطنا. ومنذ ان أصبح قتل الأطفال دفاعا مشروعا عن النفس . ومنذ ان أصبح زرع الموت والدمار هو دليل البقاء الوحيد ومصدر الشعور الرئيسى بالطمأنينة.

كيان كهذا، كانتون عنصرى مغلق كهذا، لن يفعل سوى ان يدمر نفسه،
1- عندما يكتشف كم انه كان مشروعا لا قيمة له ولا معني،
2- عندما يكتشف كم انه كان إهانة لقيم الانسانية واعتباراتها الأخلاقية،
3- وعندما يكتشف انه قام، فى الأصل، على معيار الوجود الخطأ، وجاء ليؤدى الدور الخطأ، ويستخدم الوسائل الخطأ، ويوفر الحماية الخطأ، ويعيش فى المكان الخطأ.

 

إلى صفحة مقالات وأراء10