رايس.. مبعوثة الشيطان.. خادمة الصهاينة

  بقلم السيد زهرة

 

  *  عنصرية صليبية.. مهووسة بحلم تدمير الدول العربية

  *  أسرار التآمر الأمريكي مع العدو في التخطيط للعدوان

  *  هذه هي رؤيتها الشيطانية لـ«الشرق الأوسط الجديد»

  *  رسالة أمريكا لكل مواطن عربي: الطاعة أو الموت

  *  لم يخطر ببالهم أبدا أن المقاومة يمكن أن تنتصر

 

عندما زارت وزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس بيروت في الأسبوع الماضي، وبعد ان انتهت زيارتها اكتشفت شيئا عجيبا. اكتشفت انها في كل المحادثات التي اجرتها لم تأت بذكر ولا بكلمة واحدة على موضوع الجنديين الاسرائيليين الاسيرين لدى حزب الله. وبحسب المصادر اللبنانبة تذكرت رايس هذا فقط قبل ان تستقل الطائرة في طريق المغادرة، فاتصلت بنبيه بري وقالت له: «لا تنس قضية الجنديين الاسرائيليين».
 

بالطبع، كان لابد ان تنسى موضوع الاسيرين، فهي لم تذهب الى بيروت وتأتي الى المنطقة من اجلهما، ولا من اجل البحث عن تسوية. اتت كي تتأكد ان الدمار للبنان سوف يستمر وان ذبح الشعب اللبناني لن يتوقف. اتت رايس الى المنطقة كي تبحث وسط بحر دماء الشهداء في لبنان ووسط انقاض الخراب والدمار عن «الشرق الاوسط الجديد» الذي قالت انه يولد الان مع العدوان.
 

السؤال المهم الذي من المفروض ان نكون قد انشغلنا به، وانشغلت به حكوماتنا العربية، هو: ما معنى ما قالته رايس بالضبط؟ ما الذي قصدته تحديدا عندما تحدثت عن «شرق اوسط جديد» يولد مع العدوان وانه لا عودة الى الشرق الاوسط القديم؟
 

القضية هنا ليست فقط ان مشروع «الشرق الاوسط الجديد» هو مشروع صهيوني امريكي قديم معروفة ابعاده. وليست فقط ان الهدف النهائي لهذا المشروع هو الهيمنة الصهيونية الامريكية الكاملة على كامل مقدرات العربي دولا وشعوبا. فهذه امور معروفة منذ زمن وليست بحاجة الى طول شرح او تفصيل.
 

السؤال الآن: اي افكار ومخططات شيطانية شريرة تكمن بالضبط وراء كلام رايس هذا؟ ما هو المخطط الذي يستهدف الدول العربية بالضبط، الذي قصدته رايس بحديثها عن العدوان كانطلاقة ميلاد لشرق اوسط جديد؟

***

 افكارها الشيطانية
 

بعد ادلاء رايس بتصريحاتها هذه عن «الشرق الاوسط الجديد» الذي يولد، عكفت في الايام القليلة الماضية على اعادة قراءة عدد هائل من محاضراتها المطولة التي القتها في جامعات ومراكز ابحاث في العالم في العامين الماضيين، ومراجعة عدد كبير من مقالاتها واحاديثها الصحفية. فعلت هذا للوصول الى اجابة عن سؤال محدد: ما هي الافكار التي تحملها في ذهنها بالضبط عن الدول والشعوب العربية حاضرها ومستقبلها؟ وما هو بالتالي هذا الشرق الاوسط الجديد كما تتصوره؟ الاجابة عن السؤال مهمة لاسباب كثيرة. فرايس عندما تطرح افكارا بهذا الخصوص فهي بالطبع لا تعبر عن قناعاتها الشخصية فقط، وانما تعبر عن الادارة الامريكية بصفة عامة، والتي بدورها تعبر عن افكار وتتبنى تصورات صهيونية في جوهرها وابعادها. وغير هذا، معروف ما لدى رايس من تاثير كبير على الرئيس الامريكي شخصيا.
 

المهم، من المراجعة التي قمت بها لمحاضرات رايس وكتاباتها واحاديثها، وجدت ان لديها رؤية واضحة متكاملة لحاضر الدول العربية ومستقبلها الذي يجب ان تكون عليه بحسب التصور الامريكي الصهيوني. هذه الرؤية تقوم على افكار حاكمة محددة تلح عليها رايس في كل محاضراتها واحاديثها، وفي اغلب الاحيان بنفس العبارات بالنص.
 

تتلخص هذه الافكار في أربعة بصفة أساسية:
 

اولا: ان الدول العربية هي منبع الارهاب والشر والخطر الارهابي الذي يتهدد امريكا والعالم كله. وان هذا المنبع يكمن بالذات فيما سمته رايس مرة بـ «ايديولوجية الشر»، ومرة بـ «ايديولوجية الكراهية والحقد»، ومرات بـ «ايديولوجية الارهاب». بالطبع، هي تقصد هنا الايديولوجية العربية الاسلامية والثقافة العربية الاسلامية عموما. ولهذا، لم يكن غريبا ان نجد الرئيس الامريكي في كثير من خطاباته المكتوبة يربط بين الايديولوجية الاسلامية وبين الفاشية والنازية. بحديثها على هذا النحو عن ايديولوجية الشر والحقد، فهي بالطبع تدعو الى العمل على استئصالها من جذورها. ومثلا، في خطاب القته في جامعة بريستون في 30 سبتمبر 2005م قالت: «اذا كنتم تؤمنون مثلي ومثل الرئيس بوش بأن جذور واسباب هجمات سبتمبر تكمن في ايديولوجية متطرفة متجذرة في الشرق الاوسط، فان معنى هذا ان علينا ان نزيل هذه الاسباب من جذورها بتغيير هذه المنطقة جذريا».
 

ثانيا: ان النظم العربية القائمة حاليا هي في مجملها نظم استبدادية هي التي تحمي ايديولوجية «الشر والكراهية» وان هذه النظم لا تستحق البقاء، ويجب ان تغيرها امريكا. ومفهوم طبعا انه مطلوب ان يحل محل هذه النظم نظم اخرى تابعة لامريكا وعميلة لها. ومثلا، في خطاب طويل القته في معهد السياسة الخارجية « شاتام هاوس» في بريطانيا في 31 مارس الماضي، قالت: «من يستطيع ان يدافع اليوم بصدق عن النزعة الاستبدادية العربية التي تثير حالة من اليأس الشديد تغذي ايديولوجية الحقد التي تدفع الناس الى لف اجسادهم بالقنابل او الى مهاجمة مباني بطائرات؟ ان الانظمة الاستبدادية اغلقت لعقود الافاق السياسية في دولها».
 

ثالثا: انه ليس هناك اي معنى للحديث عن استقرار وامن في الدول العربية. هذا الاستقرار والامن آن له ان يتقوض. رايس هنا لديها فكرة جوهرية ترددها في كل محاضراتها واحاديثها بلا استثناء، وهي ان الادارات الامريكية المتعاقبة ارتكبت خطأ استراتيجيا فادحا عبر العقود الماضية عندما احجمت عن تغيير النظم وتغيير المنطقة جذريا تحت دعوى ضرورات الحفاظ على الامن والاستقرار في المنطقة. وفي محاضرة شهيرة القتها في الجامعة الامريكية في القاهرة في يونيو 2005م، عبرت عن ذلك بوضوح عندما قالت: «لمدة ستين عاما، فضلت الولايات المتحدة الاستقرار على حساب الديمقراطية في الشرق الاوسط، وانتهى بنا الامر الى اننا لم نحصل على اي منهما. الآن لدينا نهج وطريق مختلف».
 

رابعا: انه في سبيل تحقيق هذه الاهداف وفي سبيل تغيير المنطقة جذريا، فان كل الوسائل مباحة بما فيها استخدام القوة العسكرية. وعلى سبيل المثال، في المحاضرة التي القتها في جامعة بريستون، قالت انه في سبيل تغيير المنطقة «يجب استخدام كل وسائل القوة في كل صورها السياسية والاقتصادية والثقافية وايضا العسكرية».
 

هذه، بأشد ما يكون الاختصار هي رؤية رايس وتصوراتها هي واسيادها الصهاينة لمستقبل الدول العربية، او ما تسميه بــ «الشرق الاوسط الجديد». تتصور عروشا ونظما عربية تتهاوى وتسقط.. دولا غارقة في الفوضى بلا استقرار ولا امن.. حربا مفتوحة على الثقافة العربية والاسلامية.. وفي المحصلة النهائية دول عربية خاضعة تماما للهيمنة الامريكية الصهيونية.

بعبارة اخرى، رايس كما نرى، كارهة للاسلام والعرب والمسلمين، مهووسة بحلم تدمير الدول العربية والنظم العربية. ولكن كيف؟ ماذا كانت الحسابات قبل عدوان لبنان لتحقيق هذه الرؤية الشيطانية لمستقبل الدول العربية؟

***

 حسابات خابت


 بطبيعة الحال، حين كانت رايس تطرح هذه الأفكار الأساسية التي اشرت اليها، كانت تطرحها تحت لافتة عامة خادعة هي الديمقراطية وضرورة نشرها في الدول العربية. كان وراء ذلك حسابات وتصورات معينة لتطورات يمكن ان تحدث على ساحة الدول العربية وتقود في نهاية المطاف الى تحقيق هذا المخطط.
 

كان التصور بداية هو ان الشعوب العربية سوف تنخدع باحاديث امريكا عن الحرية والديمقراطية وسوف تتبنى الخطاب الامريكي وتحتضن القوى والجماعات التابعة لامريكا والموالية لها في اي انتخابات تجري. ولهذا السبب، انفقت امريكا اموالا طائلة على ما سمتها «حملة كسب القلوب والعقول» وعلى شراء وتجنيد التابعين والعملاء في مختلف الدول العربية. كان التصور ان الانتخابات عندما تجري في اي بلد عربي، فانها سوف تأتي الى مقاعد السلطة بالقوى التابعة والعميلة لامريكا والتي ستتولى بعد ذلك تنفيذ الاجندة الامريكية في الدول العربية بكاملها. كان الرهان كبيرا جدا مثلا في لبنان على القوى الموالية لامريكا المسماة « قوى 14 آذار» في انها بعد الانسحاب السوري وبعد الانتخابات التي جرت سوف تتمكن من تنفيذ الاجندة الامريكية الاسرائيلية بنزع سلاح المقاومة واقامة نظام موال في لبنان.
 

لكن رايس، وكل اركان الادارة الامريكية فوجئوا بأن هذه الحسابات خابت. فوجئوا بأن حملتهم لخداع الشعوب العربية بخطاب الحرية الامريكي لم تخدع احدا الا الزمرة التي اشتروها مباشرة.
 

وفوجئوا الى حد الهلع بان اي انتخابانت عربية تجري تأتي بالمعارضين والرافضين للمشروع الامريكي الصهيوني. وكانت الضربة القاصمة بالنسبة لهم هي فوز حركة حماس الكاسح في الانتخابات الفلسطينية، ثم الفشل الذريع لحرب التجويع والحصار الاجرامية التي فرضوها على الشعب الفلسطيني على امل ان تقود لسقوط الحكومة الفلسطينية.

وفوجئوا بان العراق الذي ظنوا انه سيكون انطلافا لحملتهم على العالم العربي، تحول الى كابوس لا تبدو في الافق نهاية له وايضا بسبب المقاومة.
 

اذن، حسابات امريكا بامكانية تطويع واخضاع الدول العربية للهيمنة عن «الطريق الديمقراطي» خابت وانهارت. فماذا كانت نتيجة ذلك؟ كانت نتيجة ذلك حدوث تحول اساسي في التفكير الاستراتيجي الامريكي فيما يتعلق بمستقبل المنطقة. تحول جوهره ثلاثة جوانب:

الجانب الاول: التخلي عن اوهام كسب عقول وقلوب الشعوب العربية والتخلي عن اوهام تغيير المنطقة وخلق «الشرق الاوسط الجديد» عن طريق الانتخابات.
 

والجانب الثاني: ادراك ان العقبة الكبرى الكأداء في مواجهة مشروع الهيمنة هو جماعات المقاومة وبالاخص حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان، وروح المقاومة والرفض بصفة عامة في الدول العربية. وبالتالي استقر التفكير الامريكي على انه ما من سبيل للمضي قدما في مشروع الهيمنة قبل تصفية جماعات المقاومة هذه نهائيا.
 

والجانب الثالث: انه ان الاوان للانتقال الى استخدام اقصى القوة والعنف والارهاب لتحقيق هذه الاهداف والانتقال بعد ذلك الى الخطوات التالية. في هذا الاطار بالضبط، اتى العدوان الهمجي على لبنان، واتى حديث رايس عن «ميلاد الشرق الاوسط الجديد».. كيف؟

***

 المخطط الاجرامي
 

حين اعتبرت رايس ان ما يجرى في لبنان من ذبح وابادة هو ايذان بميلاد «شرق اوسط جديد»، فانها بالاضافة الى ما كشفت عنه من همجية امريكية وعن مشاركة فعلية في الجرائم التي يرتكبها العدو ضد لبنان وشعبه، فانها كشفت من حيث لا تقصد او تقصد عن جانب اخر. كشفت عن ان هذا العدوان الهمجي تم التخطيط والاعداد له اصلا ومنذ وقت طويل من جانب امريكا والعدو معا. فالاعداد لـ «ميلاد شرق اوسط جديد» لن يظهر او تكتشفه رايس هكذا فجأة ومن دون مقدمات طويلة.
 

تانيا راينهارت استاذة اسرائيلية بجامعة تل ابيب. نشرت امس دراسة تحت عنوان «الشرق الاوسط الاسرائيلي الجديد». في دراستها كشفت عن جوهر التفكير الامريكي الذي يقف وراء التآمر مع العدو في شن العدوان على لبنان. الذي طرحته في الدراسة يتلخص، وانقل هنا عنها بالنص، فيما يلي:


اولا: انه بالنسبة للولايات المتحدة يعتبر الشرق الاوسط حقلا للعبة استراتيجية كبرى. هدف هذه اللعبة هو تحقيق الهيمنة الامريكية الكاملة. وامريكا تسيطر بالفعل على افغانستان والعراق، وفي نفس الوقت تعتبر بعض الدول العربية ، دولا بها نظم صديقة متعاونة مستعدة للسير في الركاب الامريكي.

ثانيا: لكن على الرغم من كل هذا النفوذ والوجود الامريكي المكثف، تعتبر امريكا ان هيمنتها في المنطقة هي ابعد ما تكون عن التحقق. والسبب انه في كل انحاء العالم العربي، وحتى في الدول التي تعتبر نظمها نظما صديقة يغلي الشارع العربي بالغضب ضد امريكا بسبب احتلال العراق والقمع الوحشي للشعب الفلسطيني والتأييد الامريكي الاعمى لاسرائيل. والشعوب العربية تنظر الى حماس وحزب الله باعتبارهما حركات مقاومة تتصدى للمخططات الامريكية والاسرائيلية وتسعى لتحقيق التحرر العربي.


ثالثا: بالنسبة للرئيس الامريكي بوش فانه امامه عامان فقط لتحقيق هدفه بالهيمنة الكاملة على مقدرات الشرق الاوسط. ولكي يتحقق هذا، فلابد ابتداء من اقتلاع اي بذور للمقاومة العربية.. يجب ان يتم تصفية جماعات المقاومة باقصى قدر من العنف والقوة، وبحيث تكون هذه رسالة لكل مواطن عربي بانه ليس امامه من خيار سوى الطاعة الكاملة للسيد الامريكي اذا كان يريد ان يبقى على قيد الحياة اصلا.

رابعا: طالما ان اسرائيل على استعداد لان تقوم بهذه المهمة، اي على استعداد ليس فقط لسحق المقاومة في فلسطين وانما في لبنان ايضا بالقضاء على حزب الله، فان هذا هو عين المطلوب بالنسبة لامريكا المنهكة اصلا في العراق.

تقول الاستاذة الاسرائيلية انه في هذا الاطار بالضبط يندرج ما قالته رايس عن «ميلاد الشرق الاوسط الجديد» واضافت انه يجب ان يؤخذ في الاعتبار ان حلم الهيمنة عبر ما يسمى بـ «الشرق الاوسط الجديد» هو اصلا حلم اسرائيلي.

اذن، بحسب التحليل الذي قدمته الاستاذة الاسرائيلية، وبحسب القراءة العامة التي قدمناها لافكار رايس ومخططات الادارة الامريكية، فقد كان المخطط الصهيوني الامريكي في الاعداد للعدوان على لبنان يقوم على ان هذا العدوان سوف ينجح ابتداء في القضاء على المقاومة وتوجيه ضربات قاصمة لها لا تقوم لها بعد ذلك قائمة، وان هذا بحد ذاته سوف يكون ردعا وارهابا لاي عربي يفكر في تحدي الهيمنة الصهيونية الامريكية. وكان المخطط هو ان ينتهي العدوان باعادة فعلية لاحتلال لبنان عن طريق القوة الدولية المقترحة التي تتولى بالنيابة عن امريكا واسرائيل تصفية ما يتبقى من سلاح المقاومة.
 

وكان المخطط هو ان ينتهي العدوان بتنصيب نظام عميل في لبنان يأتمر بأمر امريكا واسرائيل ويحول لبنان الى قاعدة انطلاق للهجمة الكبرى على العالم العربي وصولا الى «الشرق الاوسط الجديد» الذي تحدثت عنه رايس.

***

شيء واحد لم يخطر ابدا ببال وحسابات رايس والادارة الصهيونية الامريكية، ولا في حسابات العدو، ولا طبعا في حسابات الدول العربية التي اتخذت موقفا مخزيا من العدوان.


 لم يخطر ببالهم ولا في حساباتهم ابدا ان المقاومة الباسلة من الممكن ان تصمد ومن الممكن ان تلحق بالعدو كل هذه الهزائم. ولم يخطر ببالهم كل هذا الالتفاف الشعبي العربي حول المقاومة.
 

حقيقة الامر ان رايس الصليبية مبعوثة الشيطان الاكبر خادمة الصهاينة تسرعت كثيرا جدا في حديثها عن «الشرق الاوسط الجديد» الذي ظنت انه يولد.

 

 حقيقة الامر ان الذي يولد اليوم هو شيء اخر تماما غير الذي خططوا له وتآمروا من اجله. وهذا حديث طويل آخر سنعود اليه.

تاريخ الماده:- 2006-07-31

 

التجديد العربي

إلى صفحة مقالات وأراء9