10/08/2006

ثورة 17- 30 تموز.. ثورة التحديات والانجازات الوطنية الكبرى
(الجزء الأول)

 

 بقلم :سعد داود قرياقوس

 مقدمة

لم يأتي اصدار سلطة الاحتلال الامريكي لـ "قانون اجتثاث البعث" سي الصيت, كنتيجة طبيعية لحق الطرف المنتصر في الحرب على فرض شروطه على الطرف الاخر!، اوتلبية لاستحقاقات سياسية محلية, بل تنفيذا لقراراتخذه مجلس ساسيات الدفاع التابع لوزارة الدفاع الامريكية في مراحل الاعداد الاولية لخطة احتلال العراق وادارته, كما تبرهن على ذلك الادبيات والوثائق السياسية الامريكية، واخرها يوميات "جيروم بريمر" الصادرة مؤخرا . والحقيقة ان المؤسسات السياسية والاستخبارية الامريكية ليست الطرف الوحيد المهوس في "اجتثاث فكر البعث", بل ان تصفية فكرالحزب وتنظيماته حدد هدفا, واتخذ نهجا لجميع القوى المعادية للامة العربية خلال العقود الخمس الماضية .  

 

وارتفع مستوى التآمروحدته منذ اقدام قيادة الحزب والثورة على تحريرالاقتصاد العراقي, وانهاء هيمنةالشركات الاحتكارية على مقدراته, بتأميم ثروته الوطنية, والاصرار على بناء قاعدة صناعية, وتجاوزالقيادة العراقية كل الخطوط الغيرمسموح لقيادة دولة نامية في تجاوزها, فسعت الادارات الامريكية المتعاقبة الى انهاء تجربة الحزب في العراق متبنية كل اساليب التآمروالتضيق الاقتصادي والسياسي، وتفعيل الأزمات الداخلية, واثارة النعرات العنصرية والطائفية, بالاضافة الى الاعتداءات العسكرية المباشرة .

 

ان بناء "عراق جديد"  كنقطة شروع في مخطط اعادة رسم الخريطة السياسية للوطن العربي وفقا لتصورات المحافظين الجدد, واحكام هيمنة الشركات الامريكية على ثروة العراق والمنطقة النفطية، تطلب ازالة عائق حزب البعث العربي الاشتراكي, والقضاء على الحكومة الوطنية في القطرالعراقي لما شكلته من تهديد جدي للمصالح الراسمالية الامريكية خلال العقود الثلاث الماضية . فمشروع بناء "الشرق الاوسط الجديد" كان من الصعب انجازه مع وجود " عراق صدام حسين" كما صرحت به مؤخرا وزيرة الخارجية الامريكية كوندا ليزا رايز.

 

 لقد شكل المشروع الوطني/ القومي الذي طرحته قيادة الحزب, والانجازات التي حققتها في مجال بناء نموذج وطني متطور، والخروج عن معادلات تقسيم العمل الدولي،استفزازا وتحديا جديا للمصالح الامريكية, وحلفائها في المنطقة . ازاء هذا الاستفزاز، كان من الطبيعي ان يشكل هدف معادات الحزب وانهاء تجربته, وتصفية تنظيماته قاسما مشتركا للعديد من القوى الكبرى ومؤسساتها، وللعديد من الهياكل السياسية العربية منها والاقليمية. فسعت جاهدة الى القضاء على الثورة, وعرقلة برامجها مستخدمة كل صيغ التآمر والعدوان المباشرة منها وغير المباشرة، فاستخدموا خيارالمؤمرات والانقلابات العسكرية وفشلوا، واستخدموا الخيارت الاقتصادية وخابوا, وتبنوا الورقة الطائفية والعدوان العنصري الايراني وهزموا, وشنوا عدوانا شاركت فيه اكثر من ثلاثين دولة، اعقبته صفحة من اكثرصفحات الغدر الوطني قذارة وخسروا, وفرضوا حصارا جائرا انهكوا فيه هيكل الاقتصاد العراقي ونسيجه الاجتماعي ولم ينجحوا, فاضطروا الى عقد تحالفا شريرا وشاذا التقت فيه مصالح تل ابيب والمصالح الراسمالية والنفطية للشيطان الاكبر، مع المشروع التوسعي لقادة " المستضعفين " من حكام قم وطهران, وامتيازات الانظمة الرجعية الخليجية الذليلة, وشنوا حربا عدوانية اخرى على شعب العراق, واحتلوا ارضه عسكريا, وانهوا تجربة البناء والصمود التي قادها حزب البعث العربي الاشتراكي في القطر العراق بكل حكمة وشجاعة، نعم, انهوا تجربة وطنية رائعة, لتبدا مرحلة جديدة من مراحل نضال البعث اكثر عنفوانا وروعة وعطاء من تجربة المرحلة المنصرمة.

 

ان تجربة البناء الوطني وتحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي التي تبنتها قيادة الحزب والثورة في القطر العراق وابتداء من السابع عشر- الثلاثين من تموز 1968، ولغاية احتلال العراق,

على الرغم من كل ما رافقتها من اخطاء واخفاقات وسلبيات, تبقى تجربة رائدة وفريدة وفقا لكل المعاييرالتاريخية والموضوعية، تجربة تستحق التامل والدراسة, وتستحق الاعجاب والثناء, وقطعا تستحق ان يفتخر بها البعثيين والعراقيون المخلصين لتربتهم وانتمائهم الوطني والقومي .

  

تهدف هذه المساهمة الى تقديم عرضا موجزا للمنجزات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي حققها حزب البعث العربي الاشتراكي منذ استلامه مسؤولية قيادة الدولة والمجتمع في العراق عام 1968, ولغاية الاحتلال الامريكي - الايراني المزدوج للعراق ربيع عام 2003، بالاضافة الى التوقف امام المهمات النضالية الجديدة التي فرضها الاحتلال, والدور الكبير للحزب ومقاتليه في المقاومة والتحرير. وقبل الدخول في صلب الموضوع نرى من المفيد تثبيت النقاط التالية:

 

1. ان المساهمة بصيغتها الحالية تمثل مسودة اولية لمشروع بحثي مستقبلي اوسع حول تجربة الحزب في العراق، وهي بكل تاكيد مسودة ناقصة تتطلب التطويروالتنقيح والاضافة.

 

2. ان التراكم الكمي لمنجزات الحزب, وامتداد تجربته لفترة زمنية طويلة نسبيا، اقتضت تجزئة التجربة الى مرحلتين تاريخيتين. الاولى, وتستعرض تجربة الحزب ومنجزاته خلال الفترة الممتدة منذ قيام الثورة عام 1968، الى بداية العدوان الايراني على العراق في الرابع من ايلول 1980 .

 اما المرحلة الثانية فتغطي تجربة الحزب خلال الفترة من بدء العدوان الايراني على العراق عام 1980, الى تاريخ دخول قوات الاحتلال الامريكي بغداد وانهاء ادارة حزب البعث للدولة . محاورهذه المرحلة تتضمن مقدمة موجزة للتحديات المصيرية التي واجهها شعب العراق, وتصدي قيادة الحزب لتلك التحديات ودحرها. اهم تلك التحديات ؛ الحرب العدوانية التي فرضها ملالي طهران وقم, التآمر الامريكي- الكويتي على شعب العراق, العدوان الثلاثيني, الاثار المدمرة للحصار الاقتصادي والسياسي, مرحلة التصعيد والتمهيد لعدوان جديد على شعب العراق,واخيرا الحرب العدوانية التي شنتها الادارة الامريكية وحلفائها على شعب العراق واحتلاله . كما وسنقدم تحليلا لدورالحزب في المقاومة الوطنية المسلحة لقوات الاحتلال، والتي لاشك في انها اكثر مواقف الحزب تعبيرا عن مصداقية شعاراته, ومبدئية نهجه الوطني والقومي.

 

3. مع ان المساهمة تركزعلى المنجزات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وعلى الجوانب الايجابية لتجربة قيادة قطرالعراق لحزب البعث العربي الاشتراكي, الا ان التركيزعلى المنجزات لا يعني باي شكل من الاشكال نفيا لارتكاب قيادة الحزب والدولة اخطاء, وتحملها مسؤوليةالعديد من الاخفاقات, وعلى مختلف المستويات, كما ولا يعني احجاما من كاتب المساهمة عن عرض تلك الاخطاء واسبابها, لكننا ارتاينا عدم الخوض في عرض تلك الاخطاء للعديد من الاسباب. اول تلك الاسباب واهمها تكمن في ان الضرورة الوطنية خلال هذه المرحلة تتطلب توجيه جميع الجهود والامكانيات الوطنية، ولاسيما امكانيات قوة ذي قاعدة شعبية واسعة وفاعلة كحزب البعث العربي الاشتراكي باتجاه مجابهة الاحتلال ودحره. هذا لايعني مصادرة حق الاخرين في ممارسة حقهم المشروع في ممارسة الهلوسة الفكرية, والتهرب من اتخاذ المواقف الوطنية الواضحة عبر مهاجمة الاطراف الوطنية المناهضة للاحتلال على ساحة المواجهة الحقيقية، ارض العراق,  فلهم الحق في هدر طاقاتهم، وطاقات الحركات السياسية التي ينتمون اليها في اثارة قضايا ثانوية لايخدم طرحها سوى مشروع احتلال العراق. كما وان الاخطاء التي ارتكبتها قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي في تقديرنا تبقى اخطاء فنية تعود اسبابها الى نقص التجربة العملية للحزب، والخلل في آليات اتخاذ القرار، وحجم التحديات التي واجههتا قيادة الحزب والدولة، بالاضافة الى اسباب تاريخية واجتماعية عديدة. ثم ان الممارسات القيادة الخاطئة لا ترقي الى مستوى الاخطاء المفرطة بالسيادة والمصالح الوطنية وفي حدة شعب العراق, قياسا باخطاء اعدائها سواء اللذين شاركوا في تقديم العون المباشر لقوات الاحتلال لاستباحة البلد, اواللذين ينتظرون دورهم متخفين في اردية الوطنية وشعارات دعم المقاومة وغيرها من الاساليب المكشوفة .

 

المرحلة الاولى 1968- 1980

تتناول هذه المرحلة اهم المنجزات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي حققها قيادة  الحزب والثورة خلال الفترة الممتدة منذ انطلاق الثورة في 17-30 تموز1968، الى بداية العدون الايراني التوسعي على شعب العراق في الرابع من ايلول1980 . وسنقدم تلك الانجازات عبراربع محاوراساسية بالاضافة الى علاقات العراق العربية والدولية. هنا لا بد من الاشارة الى ان الاحصائيات المعتمدة في تحليل تلك الانجازات تشمل لاسباب فنية سيتم معالجتها لاحقا الارقام الخاصة في عام 1981.

 

لقد استلم الحزب مسئولية قيادة الدولة والمجتمع في العراق في ضل ضروف محلية واقليمية ودولية بالغة التعقيد والخطورة، ودون امتلاك برنامجا سياسيا شاملا, وخبرة عملية مسبقة في ادارة الدولة والمجتمع بشكل يمكنها من معالجة المعظلات السياسية والاقتصادية لدولة مهمة كالعراق ومجتمع ذي خصوصية كالمجتمع العراقي. فالمنطلقات النظرية للحزب, وعلى الرغم من عمقها وشموليتها وانطلاقها من رحم الامة العربية، وتعبيرها عن معاناة الامة وتطلعاتها, لم تتضمن آليات تفصيلية لعمليات ادارة الدولة والمجتمع. هذا النقص في الجوانب النظرية والخبرة العملية وضع قيادة الحزب امام خيارات صعبة ومعقدة من جانب, وفرض عليها من جانب اخر, العمل على ايجاد اطار نظري ومنهاج عملي وطني واضح وشامل, فنجح الحزب في تطوير نظرية "العمل", وتقديم برنامج ذي خصوصية وطنية دون التفريط بالاعتبارات القومية. برنامج قاد الى تقديم منجزات وطنية رائعة لم تتمكن اي قيادة عراقية اوعربية من تقديمها من قبل.

 سنقدم في هذا الجزء من البحث عرضا موجزا لاهم المنجزات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لقيادة الحزب والدولة خلال المرحلة المذكور،مع تقديم عرضا تاريخيا سريعا للجوانب المذكورة خلال للفترة التي سبقت الثورة .

 

اولا : التحديات والانجازات الا قتصادية

ان تجربة البناء الاقتصادي التي تبنتها قيادة الحزب والثورة, والانجازات المتحققة على هذا الصعيد، تعتبر تجربة نموذجية رائدة على صعيد تجارب الشعوب النامية، خاض الحزب خلالها العديد من المعارك الاقتصادية الكبرى, اهم تلك المعارك بكل تاكيد، معركة تاميم النفط التي انتصرت فيها ارادة شعب العراق، وقادت الى انهاء مرحلة التبعية الاقتصادية والانتقال الى مرحلة الاستقلال الاقتصادي الكامل.

انتصار العراق في هذه المعركة الى جانب الانجازات الوطنية الاخرى, وتصميم القيادة العراقية على بناء قاعدة صناعية وطنية، صعدت من حجم العداء الاستعماري للعراق, وعززت اصرا ر القوى المعادية لشعب العراق والامة العربية على عرقلة وانهاء تجربة العراق الرائدة.

ان تقدير حجم المنجزات الاقتصادية التي حققتها الثورة وابعادها يتطلب منا اولا فهم التطور التاريخي للاقتصاد العراقي .

 

ملامح الاقتصاد العراقي قبل الثورة

ورثت قيادة الحزب تركة اقتصادية ثقيلة, واقتصادا منهكا غير متوازنا, ويعاني من عدة معظلات مزمنة حالت دون تطورالمجتمع العراقي، وابقاءه اسيرعلاقات اقتصادية متخلفة . وواجهت تحديات اقتصادية متراكمة خلفتها السياسات الخاطئة للحكومات العراقية السابقة، ولا سيما حكومات "الاخوين عارف" التي حرفت عددا من الانجازات الوطنية التي حققتها ثورة 14 تموز 1958، واثقلت الاقتصاد العراق في تأميمات عاني من تبعاتها السلبية لعقود تلت تلك التجربة الخاطئة.

فكان على الحزب ان يواجه تلك التحديات في ضروف دولية وعربية وداخلية بالغة التعقيد, تشابك فيها التامر الاستعماري على الامة العربية مع ابعاد المشروع الصهيوني, مع مصالح القوى الرجعية العربية، بالاضافة الى مخاطرالامنية للمشكلة الكردية، والتآمرالمستمر لنظام شاه ايران.

 

الاقتصاد العراقي قبل ثورة الرابع عشر من تموز1958

اتسم الاقتصاد العراقي قبل ثورة الرابع عشرمن تموز بكونه اقتصادا متخلفا يعاني من كل الازمات التقليدية للاقتصاديات المتخلفة، وتسوده انماط العلاقات المعوقة للتنمية على صعيدي الانتاج والتوزيع. خلال الفترة المذكورة مر الاقتصاد العراقي في مراحل متعددة انسجمت مع التحولات الاجتماعية التي شهدها القطر. وجرت عدة محاولات لتطويره, الا انها بقت عاجزة عن الوصول الى التطورالاقتصادي المطلوب .

على صعيد القطاع الزراعي, تميز القطاع بسيادة علاقات اقطاعية متجذرة ومتنامية الى جانب وجود قطاع راسمالي صغير، وتداخل مصلحي بين الطبقة البرجوازية والاقطاعية، بالاضافة الى انخفاض شديد في الانتاجية الزراعية للارض والفلاح, وعدم الاستغلال الامثل للاراضي الصالحة للزراعة, وفجوة كبيرة في توزيع الدخل الناجم عن النشاط الزراعي بشكل مجحف للطبقة الفلاحية, غياب التقنية والمككنة الحديثة واستخدام اساليب شبه بدائية في الزراعة، وافتقارالقطاع لراس المال الاستثماري المطلوب لتطويره .

ابرزالتطورات التي شهدها القطاع خلال المرحلة تمثلت في اتساع رقعة الاراضي المزروعة بشكل كبير، ولا سيما اثر تأسيس مجلس الاعمارعام 1950, الا ان حجم الانتاج الزراعي لم يرتقي لمستوى ينسجم والزيادة الحاصلة في مساحة الاراضي المزروعة.  

 

ولم يكن اداء القطاع الصناعي بافضل حالا من اداءالقطاع الزراعي, فقد عاني القطاع الصناعي الوطني من غياب الصناعات الثقيلة والمتوسطة، وانخفاض معدلات الاستثمار الصناعي، وانخفاض مساهمة القطاع في الناتج القومي الاجمالي, وانخفاض معدلات انتاجية اليد العاملة وراس المال .

 لقد ظهرت بوادر قيام صناعات وطنية في نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي, تركزت في انشطة محددة كالصناعات الاستهلاكية والنسيجية والانشائية, وشهد القطاع زيادة ملحوضة في حجمه وتركيبته بعد انشاء مجلس الاعمار، وساعدت زيادة حصة الدولة العراقية من عائدات النفط عام 1952، في توسيع الطاقة الانتاجية للصناعات القائمة, وانشاء مصانع جديدة لا نتاج السكر ومنتجات الالبان والقطن الطبي, وتم انشاء مصفى الدورة.

 

الارقام تشيرالى ان زيادة انتاج النفط, وارتفاع حصة العراق من ايرادات النفط عام 1952,ساعدت على اتاحة الموارد المالية اللازمة لتنفيذ عدد من المشاريع الضرورية لتطويرالاقتصاد العراقي، ولا سيما المشاريع الاروائية والصناعية. فخصص جزء كبير من العائدات النفطية لتمويل مشاريع المجلس, الا ان تلك المشاريع لم تحقق اي تقدم اقتصادي ملحوظ، ولم ترفع المستوى المعاشي للفرد العراقي، لان تلك المشاريع كانت قد صممت لخدمة مصالح ملاكي الاراضي والطبقة المسيطرة على القطاع الصناعي والتجاري.

 ولم تنجح السياسات الاقتصادية التي اعتمدتها الحكومات العراقية آبان العهد الملكي في تطوير الاقتصاد العراق وايجاد حلولا لازماته، فبقى الاقتصاد يعاني من تبعية كبيرة للاقتصاد الراسمالي العالمي وللاقتصاد البريطاني بشكل خاص، والاعتماد على الثروة النفطية المسيطر عليها من قبل الشركات الاحتكارية الاجنبية كمصدر اساسي للدخل القومي، بالاظافة الى هيمنة الجانب الاستهلاكي، وارتباط الانفاق الحكومي في مصالح الملاكين ووكلاء الشركات الاجنبية، وانخفاض مستوى الانفاق الحكومي المخصص للخدمات الصحية والتعليمية, وارتفاع مستوى الضرائب المباشرة وغير المباشرة.

 

التطور الاقتصادي بعد ثورة الرابع عشر من تموز

في فجر الرابع عشر من تموز 1958 تمكن تحالف القوى السياسية الوطنية ومجموعة الضباط الاحرار في الجيش العراقي من اسقاط النظام الملكي الرجعي واعلان الجمهورية العراقية.

وحددت قيادة الثورة في بيانها الاول وبياناتها اللاحقة اهدافها السياسية والاقتصادية, واهمها  تحريرالقطرمن الهيمنة الاستعمارية، واقامة نظام حكم ديمقراطي يؤمن للشعب حقوقه الاساسية.

وحددت تطويرالاقتصاد الوطني وبناء مجتمع متطور ومرفه اهدافا جوهرية للثورة.

وعلى الرغم من جميع الاشكالات والاخفاقات والسياسات الخاطئة التي اتبعتها قيادة العراق السياسية خلال الفترة من 1958 الى عام 1963, الا انها استطاعت من تحقيق منجزات نوعية على صعيد تمنية الاقتصاد العراقي، وتطوير قطاعاته الاساسية, وتحقيق توزيعا اكثرعدالة للدخل القومي ولوسائل الانتاج, وتوفير الخدمات الاساسية لابناء الشعب .

 

فعلي صعيد القطاع الزراعي, نجحت الثورة في تحقيق جانبا من اهدافها المعلنة، واستطاعت تغيير نمط العلاقات الاقطاعية الاستبدادية السائدة قبل الثورة, وتحسين الموقع الاجتماعي والسياسي للفلاح العراقي، بالاضافة الى محاولاتها المستمرة في تطوير القطاع الزراعي. ابرز تلك الانجازات يعكسها اصدارقانون الاصلاح الزراعي الذي احدث تطورا كبيرا, وان لم يكن جذريا في معادلات تمليك الاراضي الزراعية. اهم فقرات القانون المذكور :

ا. تحديد الحد الاعلى للملكية الزراعية والاستيلاء على المساحات التي تزيد عن تلك الحدود لقاء تعويضات مالية. فحددت الحدود العليا للملكية بـ 1000 دونم للاراضي المروية, وبـ 2000 دونم للاراضي الديمية.

ب. توزيع الاراضي الزراعية على الفلاحين مقابل بدل مالي .

ج. الابقاء على نظام المحاصصة مع ادخال بعض التعديلات على آلية توزيع المحاصيل الزراعية.

د. تحديد الحدود الدنيا لاجورالعمال الزراعيين وتشجيع قيام التعاونيات الزراعية بعد توزيع الاراضي.

لا شك في ان للقانون العديد من المزايا، وفي مقدمتها انهاء الممارسات التعسفية للاقطاعين، الا انه تضمن ايضا ثغرات كبيرة حالت دون معالجته للعديد من اشكالات القطاع الزراعي. فالقانون اغفل عوامل التفاوت في خصوبة الارض، والتفاوت في نوع المحاصيل المزروعة، وفي مقادير المياه التي تحصل عليها كل ملكية . كذلك اعطى القانون للمالك الذي زادت مساحة ملكيته عن الحد الاعلى حق اختيارموقع الملكية, مماد ادى الى استحواذ الاقطاعيين على اكثرالاراضي خصوبتة وقربا من مصادرالمياه ومن طرق النقل والمواصلات, وترك الاراضي الاقل خصوبة الى الفلاحين. بالاضافة الى ثغرات واشكالات اخرى عملت الحكومة على تلافيها لاحقا في القانون رقم 60 لسنة 1961 الذي عالج الكثير من ثغرات قانون عام 1958، وتحديدا تثبيت اسعارالاراضي الموزعة, واحتساب بدل الارض الواجب دفعه من قبل الفلاحين, بالاضافة الى اعادة تصنيف الاراضي الزراعية الى عشرة اصناف وفقا لدرجة خصوبتها وموقعها من الخط المطري، ونوع الارواء, ونوعية المنتج الزراعي.

وعلى الرغم من ان التشريعات الايجابية التي قدمتها الحكومة العراقية وسياساتها الزراعية الطموحة, فان القطاع الزراعي لم يشهد تطورا منسجما مع النموالسكاني، وارتفاع حجم الطلب الاستهلاكي على المواد الغذائية. فبقت قيمة الانتاج على مستوياتها السابقة, ولم ترتفع معدلات انتاج المحاصيل الزراعية, وتقلصت مساحة الاراضي المزروعة,. ولعبت عوامل عديدة اخرى ادوارا مختلفة في عدم تطورالقطاع الزراعي لعل اهمها، الابقاء على السبل المتخلفة في الانتاج، النقص الكبير في الخدمات البيطرية والارشاد الزراعي والحيواني، عدم كفاءة نظام الري, هجرة الفلاحين المستمرة الى المناطق الحضرية, بالاضافة الى الظروف السياسية التي اثرت على تطورالاقتصاد العراقي، وبشكل خاص العصيان الكردي المسلح شمال الوطن الذي استنزف الكثير من موادرالدولة وطاقاتها.

اما على صعيد القطاع الصناعي, فلقد اولت حكومة 14 تموز العراقية هذا القطاع اهتماما استثنائيا, واولوية استثمارية، فباشرت في تطوير القطاع بشكل جدي ابتداء من اطلاقها الخطة الاقتصادية التفصيلية عام 1961, حيث خصصت 30% من مجموع التخصيصات الاستثمارية المخصصة لخطة التطوير الاقتصادي الى القطاع الصناعي .

 

الانجازات التي قدمتها الحكومة العراقية على صعيد القطاع يمكن حصرها بالاتي:

* توفيرالتشريعات اللازمة لتطوير القطاع الصناعي، وخاصة قوانين التنمية الصناعية وتوفيرالحماية للصناعات الناشئة، واعفائها من الرسوم الكمركية والضرائب. ففي عام 1959 تم اعفاء 37 مشروعا صناعيا اعفاء كاملا اوموقتا, في حين بلغ العدد 167 مشروعا عام 1962.

 

* تطوير ودعم المصرف الصناعي وزيادة راسماله المدفوع الى عشرة ملايين دينار .هذا الدعم النوعي مكن المصرف من المساهمة بمبلغ مليوني دينار في انشاء مشاريع صناعية جديدة، ورفع من حجم قروضه للصناعات القائمة بمبلغ تجاوز ثلاثة ملايين دينار وباسعارفائدة تشجيعية.

 

* عقد اتفاقيات التعاون الاقتصادي والفني مع الدول الصديقة لتطويرالقطاع الصناعي، فتم توقيع اتفاقية تعاون اقتصادي وفني مع الاتحاد السوفياتي عام 1959 نصت على منح العراق قرضا بمبلغ 65 مليون دينارعراقي, وانشاء ثمانية وعشرون مشروعا صناعيا كبيرا .

 

* زيادة حجم الاستثمارات المخصصة للقطاع الصناعي لتبلغ 38 مليون دينار من مجموع الاستثمارت الكلية البالغة 160 مليون دينار.

 

لقد نصت اهداف ثورة الرابع عشر من تموز 1958 على تحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي, وفعلا فان حكومة الثورة اتخذت خطوات مهمة لتحقيق تلك الاهداف, فتم فك ارتباط العراق بالمنطقة الاسترلينية، وعقدت الحكومة اتفاقيات التبادل التجاري والعلمي مع الدول الاشتراكية, وخفض حجم الاستيرادت الاستهلاكية, الا انها عجزت ولاسباب عديد لا يسع المجال الخوض في تفاصيلها، على تحرير الثروة النفطية من هيمنة الاحتكارات الاجنبية .  

لقد ادركت الحكومة العراقية ان هيمنة الشركات النفطية الاجنبية وتحكمها في معدلات نموالاقتصاد العراقي وافاقه, تشكل التهديد الاكثر خطورة للامن الاقتصادي . فاستقلالية الاقتصاد الوطني من دون السيطرة الوطنية على الثروة النفطية يبقى استقلالا ناقصا. وانطلاقا من فهم هذه المسلمة، فان الحكومة العراقية طالبت الشركات الاجنبية في اعادة التفاوض على عدة قضايا مهمة ولايجاد آليات جديدة لاحتساب كلف الانتاج, بالاضافة الى اعادة النظر في معادلة احتساب الاسعار, والغاء الخصم الذي كانت تمنحه الشركات لنفسها, وبحث سيطرة الشركات الاحتكارية على الاراضي العراقية غير المستثمرة, والعديد من النقاط الاخرى التي كانت موضوع خلاف بين الحكومة العراقية والشركات الاجنبية.

ونتيجة لاستمرارضغط الحكومة العراقية , وتايد الشعب لمطالبها, رضخت الشركات لمطلب اعادة فتح الملف النفطي, فدخل الطرفين في مفاوضات طويلة استمرت لفترة زادت عن الثلاث سنوات دون التوصل الى نتائج ايجابية للجانب العراقي, ودون ان ان تلبي الشركات الاجنبية المطالب المشروعة لشعب العراق، الامرالذي دفع الحكومة العراقية الى اصدار القانون رقم 80 في 29-9- 1961. الذي استرجعت الدولة العراقية بموجبه جميع الاراضي غير المستثمرة من قبل الشركات, وعلى حصر النشاطات الاستثمارية الاجنبية في المناطق المستغلة فعلا من قبلها قبل صدورالقانون .

 

ان هذا القرار الوطني على الرغم مما تضمنه من ثغرات, شكل اول خطوة وطنية ايجابية نحو تقليص هيمنة الاحتكارات الاجنبية, خطوة شجعت العديد من الدول المصدرة للنفط على تحدي الشركات الاجنبية، والشروع في مطالبة الشركات الاجنبية في حقوقها الوطنية.

 

تاسيسا على ما تقدم , فان الاقتصاد العراقي شهدا تطورا اقتصاديا ملحوضا بعد ثورة 14 تموز 1958، الا ان ما حققته الثورة لم يرتقي لمستوى التغيرات الجذرية، ولم تنجح في تطوير الاقتصاد العراقي وتحسين المستوى المعاشي المتدهور للمواطن العراقي ولاسباب عديدة في مقدمتها, استمرار هيمنة الشركات النفطية الاجنبية على مقدرات الاقتصاد العراقي.

 

ولم تشهد المرحلة ما بين شباط 1963 ومنتصف عام 1964 اي تغيرات اقتصادية يمكن الاشارة اليها بسبب الاضطراب السياسي الذي عاشه الوطن، وارتكاب قيادة ثورة 8 شباط اخطاء سياسية واجتماعية كبيرة. الا ان المرحلة ما بين منتصف عام 1964 وتموز 1968 شهدت العديد من الاحداث الاقتصادية التي لابد من تقديمها حتى تكتمل صورة الوضع الاقتصادي قبل ثورة 17- 30 تموز 1968.

 

في العام 1964 اجرت الحكومة العراقية تعديلا مشبوها على القانون رقم 80 اعادت بموجبه سيطرت الشركات النفطية على الاراضي غير المستثمرة فعلا, بالاضافة الى حصولها على حقوق الاستثمار في حقول جديدة اهمها حقل الرميلة الشمالي .

ونجحت الشركات الاجنبية عام 1965 في دفع حكومة "طاهر يحيى"  لتوقيع اتفاقية سرية اطلق عليها اتفاقية, عارف- يحيى- الوتاري، تضمنت فقرات خطرة على حقوق شعب العراق، لعل اخطرها تلك التي تنص على انشاء "شركة نفط بغداد", تساهم شركة النفط الوطنية بـ 33.3 %  من قيمة راسمالها، وعلى ان تساهم الشركات الاجنبية بالنسبة المتبقية. كما ونصت الاتفاقية على منح الشركة الجديدة حق الاستثمار في اراض تبلغ مساحتها 32 الف كيلومتر مربع . الا ان بنود هذه الاتفاقية المشبوهة لم تنفذ بعد ان علم شعب العراق وقواه الوطنية وفي مقدمتهم حزب البعث العربي الاشتراكي في تفاصيلها المجحفة واعلنوا مواقفهم الرافظة لها.

 

لعل اهم الاحداث الاقتصادية التي شهدها القطر خلال الفترة المذكورة تكمن في قرارت التأميم الارتجالية التي اتخذتها الحكومة العراقية. ففي الرابع عشر من تموز عام 1964, اصدرت الحكومة العراقية عددا من القرارات التي اممت بموجبها 30 شركة صناعية وتجارية وطنية, بالاظافة الى تأميم جميع البنوك التجارية الخاصة، العراقية منها والاجنبية, وحصرت حق استيراد السلع والبضائع الاساسية, وحق الاتجار الداخلي بها بالقطاع العام . كذلك نصت القوانين المذكورة على تحويل الشركات المحدودة التي يبلغ راسمالها المدفوع 70 الف دينار فاكثرالى شركات مساهمة .

وانشأت الحكومة استنادا للقرارات المشاراليها العديد من المؤسسات الاقتصادية لغرض ادارة  الشركات المؤممة .

ولسنا هنا في صدد تقديم تقييم شامل لتلك القرارات, الا ان من الضروري ان نثبت بان تلك القرارات وان حملت بعض الجوانب الايجابية ابرزها توسيع اهمية القطاع العام، ورفع حجم مساهمته في الناتج القومي الاجمالي, الا انها سببت العديد من الاختلالات الهيكلية التي عانى منها الاقتصاد العراقي لاكثرمن عقدين .

في ضوء ما تقدم فاننا نستطيع ان نثبت بان قيادة الحزب والثورة قد ورثت اقتصادا ضعيفا يعاني من العديد من الازمات الجدية والاختلالات الهيكلية اهمها ؛ انخفاض مستوى الدخل القومي ومعدل الدخل الفردي، شحة الموارد المالية والعجز الدائم في الميزانية الحكومية، انخفاض معدلات الانتاجية في جميع القطاعات الاقتصادية، انخفاض معدلات الاستهلاك والاستثمار، تخلف الوسائل التقنية المستخدمة في الانتاج الصناعي والزراعي، ارتفاع معدل البطالة والبطالة المقنعة, عجزفي الميزان التجاري، سيطرة الشركات الاجنبية على الثروة النفطي، وغياب السياسات الاقتصادية والخطط التنموية المستندة على اهداف وطنية قابلة للتحقيق.

 

الاهداف الاقتصادية, الاهداف التنموية للثورة

استندت السياسة الاقتصادية والتنموية للثورة على المنظور العقائدي للحزب واهدافه الاشتراكية، وايمان قيادته في اهمية التحول الاشتراكي كضرورة ملزمة لتحقيق طموحات الامة العربية، وعلى فهمها لطبيعة وحجم التحديات الاقتصادية التي يواجهها شعب العراق. فجوهرالاشتراكية التي يؤمن بها الحزب يقوم على اهمية الغاء الاستغلال الانساني بكل اشكاله وصيغه، وبناء المجتمع الحر المزدهرر القادرعلى ضمان عدالة توزيع الموارد الاقتصادية، ووسائل الانتاج.

وانطلاقا من هذا الفهم فان السياسات الاقتصادية التي تبنتها قيادة الحزب والثورة تضمنت تحقيق الاهداف التنموية التالية:

1. تحقيق الاستقلال الاقتصادي, وانهاء التبعية للاقتصاد الدولي، وتحريرالثروات الوطنية من هيمنة الاحتكارات الامبريالية واستخدامها في تطويرالمجتمع وتحقيق الازدهار الاقتصادي.

2.اتباع سياسة نفطية تتيح للعراق مرونة كبيرة في التصرف في ثرواته النفطية وتحقيق اهدافه السياسية.

3. زيادة الثروة الوطنية وزيادة معدلات وحجم الانتاج الصناعي والزراعي.

4. توجيه الخدمات العامة لتحقيق اهداف التنمية القومية والتحول الاشتراكي.

5. خفض معدلات البطالة وتسخير الامكانيات البشرية والاقتصادية لبناء تجربة اقتصادية قومية رائدة.

6. توسيع القطاع العام في جميع القطاعات الاقتصادية وجعله قطاعا رائد يؤمن اقامة علاقات الانتاجية الاشتراكية وخاصة في القطاعين الزراعي والصناعي.

7. تحقيق تطورمادي في القطاعات الاقتصادية الرئيسية من خلال تبني فكرة خيار الاستثمارات الكبيرة وتحقيق معدلات نمو جيدة لقيمة الانتاج والناتج الكلي.

8. السيطرة على التجارة الخارجية والداخلية بصورة مركزية

بالاضافة الى تحقيق العديد من الاهداف الاقتصادية الاخرى.

يتبع .....

إلى صفحة مقالات وأراء9