04/08/2006

غازي الموسوي يروي ذكرياته في صفوف البعث :

تعرفت في الجامعة بمصر على شاب اسمه صدام حسين

بشكل ما، وجد غازي نفسه من غير قصد، من دون تعمد وفي عفوية من القدر، محاطاً بالكتب وأحاديث الشعر والأدب والثقافة والفكر و زخم الاحداث السياسية الجسام التي أدركها ووعاها الطفل الصغير في بيت والده من خمسينيات القرن الفائت، كان الطفل غازي يسترق النظر جائلاً ببصره ناحية ''ليوان''منزلهم فيما عبدالرحمن الباكر والشملان وصاحبهما العليوات مع نفر من قيادات هيئة الاتحاد الوطني تنبجس من بينهم قامة حسن الجشي الفارعة، يجدّون المسير الى حيث سينعقد إجتماع مهمً للهيئة، ومن أمامهم ذراع رضي الموسوي تنبسط مرحبة بكرم وأريحية فيّاضة .. ''عشنا في بيت أدب وعلم وثقافة وانفتاح'' ذلك ما ندّت عنه شفة غازي وأخرجته الذاكرة من عتمة الماضي السحيق وهو يتحدث بحنين عن تلك الايام الخوالي.. غازي رضي الموسوي، من أولئك الذين تشكل حياتهم جزءاً من دراما عاشها وطن واشترك في صناعة أحداثها فتية وجدوا ضالتهم في شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية.. التجربة طويلة والأحداث تفيض بها الذاكرة، غير ان حديثنا مع الموسوي كان ضرورياً ليس لانه سيعطي ''كل شهادته'' على الاحداث، لكن حديثه حتماً سيسهم في اضاءة الكثير من مناطق الظل ونقاط الغموض القائم حول تاريخ البعث العربي الاشتراكي في بلدنا، ونمط الاستجابة البحرينية لتأثيرات هذا الحزب الذي ولد في أربعينيات القرن الفائت حينما كان الاستعمار مطبق على الارض العربية، ورغم أن 20 عاماً من الغياب له بعد أن ألمّ به عارض صحي كاد معه ان يودع الدنيا، الا ان ذاكرته موّارة وجزء مما يريد قوله حاضر في الذهن، طلّ الموسوي بعد انزياح غيوم وسُحب المرحلة الكئيبة بعد خروج البلاد من عنق زجاجة أحداث المرحلة التسعينية وبزوغ المشروع الاصلاحي في فبراير 2001  حين تشكلت جمعية التجمع القومي الديمقراطي دخل الموسوي في التجمع  على استحياء وان ظل أحد أبرز شخصيات الجيل الثاني من البعثيين في البحرين. و هنا الحلقة الأولى من شهادة الموسوي :


ولدت في نوفمبر 1946 في المستشفى الامريكي، أنا اصغر من شقيقي فيصل (وزير الصحة الاسبق رئيس مجلس الشورى الحالي) بسنتين ونصف السنة. لقد عشت زخم الحركة الوطنية في سنة      1956 وكان خالي حسن الجشي من رجالات الهيئة ووالدي شاعر من شعراء الهيئة، والدي كان قد تلقى تعليمه الديني ولكنه اختار ان يكون أحد رجال التعليم فصار معلماً للغة العربية. كان والدي صاحب آراء في الدين تجنح الى التحرر، إذ كان يرى ان وظيفة رجل الدين ليس لها مبرر في الاسلام، ورغم أنه كان من الممكن ان يضع العمامة فوق رأسه الا انه آثر ميدان التعليم، نحن تربينا في بيت أدب وعلم وتحرر من الناحية الاجتماعية، وكان الوالد مواظباً على الصلاة والصوم والشعائر الدينية بشكل دقيق جداً الا انه لم يكن مثلاً يرى أن ''الحجاب'' لازماً من الناحية الدينية وكانت له الكثير من الآراء التي تتسم بالجرأة والانفتاح، آراؤه تلك هي التي دفعته الى الهجرة من منطقة البلاد القديم الى المنامة، فهو كان من منطقة البلاد لكنه لم يستطع ان يتواءم مع البيئة الاجتماعية لقرية مثل البلاد لذلك اختار الاقامة في المنامة، والدتي ايضاً كانت من البلاد القديم من بيت الجشي، وهاجرت الى المنامة ويبدوا أن الهجرة كانت سائدة وقتها فمن العائلات التي هاجرت من منطقة البلاد القديم الى العاصمة ''بيت بن رقية'' و ''بيت الجشي'' و''بيت بن غانم''، و بيت بن غانم كان من أغنى أغنياء منطقة البلاد، وممن ينحدر من عائلة بيت الغانم أمي وأم محافظ المنطقة الشمالية اليوم أحمد بن سلوم.
شهد التعليم بداياته الاولى وتحمس الوالد لدخول هذا المجال الواعد هو مع الاستاذ حسن الجشي، وهكذا قضى رضي الموسوي عمره في مجال التربية والتعليم، ورغم انفتاحه كان والدي متديناً جداً وكان قومياً بالفطرة حتى النخاع، ناصري حتى النخاع الى ان توفي رحمه الله.

تأثرت بالفكر القومي من التيار القومي الذي كان سائداً تلك الفترة، وقد تربينا في بيت حسن الجشي والوالد، ونحن أطفال صغار كنا نرى عبدالعزيز الشملان وعبدالرحمن الباكر وعبدعلي العليوات يدخلون البيت ويجتمعون، وحينما كنت في العراق ادرس في الجامعة طيلة ثلاث سنوات كنت أتناول وجبة الغداء من كل خميس في منزل عبدعلي العليوات، كان العليوات كوالدي وكان يترفق بي ويعاملني كولده، كان يأتمنني على أسراره وأموره الخاصة وأنا طالب، كانت مجموعة قيادات هيئة الاتحاد الوطني اصدقاء حميمين لوالدي، وعرفت أول ما عرفت وانا طفل صغير قيادات الاتحاد الوطني كلها، حينما كانوا يأتون باستمرار الى بيت الوالد أو بيت جدي لامي (بيت الجشي)، كنت اذهب الى مكتبة ابراهيم المؤيد التي كانت توزع أهم الصحف حينها مثل ''القافلة'' و''الوطن'' والصحف الاخرى، وقد تعرفت على علي سيار وأنا طالب في الثانوية ومحمود المردي وهم كانوا أعمدة الصحافة البحرينية وقتها كما تعرفت على علي محمد علي التاجر (ابن المؤرخ محمد علي التاجر صاحب كتاب عقد اللال في تاريخ أوال) والذي توفي قبل مدة قصيرة، وعلي التاجر هو من الاشخاص الذين لم يقدّروا حق قدرهم، رغم أن دوره كان كبيراً في الحركة الفكرية والادبية في البحرين، وكان الأستاذ علي التاجر أحد فلتات الدهر..

تعلمت وأنا صبي أن أقرأ إذ كان والدي يحثني كثيراً على القراءة ولازال جزء كبير من مكتبته اضافة الى مكتبة الخال الاستاذ حسن الجشي التي تشكل شطر اً اساسياً من مكتبتي الشخصية، ومن طبيعة حسن الجشي أنه كان معلماً حتى وهو في البيت، كان يتصرف معنا في البيت كمعلم لديه رسالة في الحياة، وقد قرأت أول مرة صحيفة البعث الناطقة باسم الحزب في غرفة خالي ماجد الجشي، تربيت في هذا الوسط وبعدها درست في مصر وأخذت شهادة الثانوية العامة منها.

في صحبة الرفيق صدام حسين

لقد بدأ وعيي السياسي في البحرين وتأثرت بالتيار البعثي وانا طالب في الثاني ثانوي في البحرين، كان ذلك في بداية عقد الستينات 60-1965م لكني لم أدخل العمل السياسي الا وانا طالب في القاهرة، دخلت القاهرة وأنا في الصف تعرفت على شاب أكبر مني بعشر سنوات وهو شاب عراقي جاء من بغداد وعرّفنا بنفسه أنه ''صدام حسين''، كان معي في الصف وكان يدرس في القسم العلمي في مدرسة السعيدية في منطقة الجيزة . وفي آخر السنة نجحت ودخلت اختصاصاً لايناسبني وهو اختصاص ''الزراعة'' ولم يكن التخصص يناسبني بأي شكل من الاشكال، فاتجاهي كان منصباً على مادتي الرياضيات والهندسة، فيما التحق صدام حسين بكلية الحقوق وظلت علاقتي به نحو عامين حتى انتقل العراق، وحين ذهبت العراق ودرست في كلية التجارة للدراسة في مصر التقيت به هناك، وكان حينها ''المجرم الفار'' اذ كان مطارداً من السلطات في محاولة 5 سبتمبر 1963م، وكنت قد ذهبت أواخر سنة 63 والتحقت بكلية التجارة.

كان ذلك قبل انقلاب 18 تشرين الثاني 1963 بأيام، الانقلاب الذي نفذه عبد السلام عارف على البعث وصدر قراراً بحل الحزب، ثم حدث حل الحزب في سنة 1964 أيام عبدالسلام عارف، وكانت المرة الاولى التي يصدر فيها قرار بحل الحزب أيام عبدالكريم قاسم، في أيام نوري السعيد لم يكن الحزب يعمل بطريقة قانونية اذ كان حركة سرية، وعندما وصل قاسم الى الحكم عمد الى وضع ''القانون'' الاول لاجتثاث البعث وبعد 3 سنوات من حكمه أزيح بانقلاب عسكري لينتهي القانون باستلام البعث  السلطة في شباط 1963م. وأتصور ان من يقرأ تاريخ العراق الحديث يرى ان اجتثاث البعث هو وهم وغباء فهو انما يزيد الحزب قوة وتجّذراً ولا يقضي عليه بالمرة، فالفكر لايزيله قرار اداري.

وشهادة للتاريخ أقولها أن صدام حسين كما عرفته، رجل نبيل بكل معنى الكلمة، عالي الخلق، دمث متواضع، ومستمع جيد، كنا نجلس سوية في الصف مع مجموعة من الطلبة للحديث كما كان يتردد على رابطة طلبة البحرين في القاهرة، وكان يسكن على مقربة من مقر الرابطة، وكان يجلس مع اصدقائه البحرينيين العديدين، فكثير من رجالات البحرين اليوم من الذين كانوا في القاهرة مطلع الستينات من 61-63 يعرفونه جيداً ويعرفهم جيداً بالاسم، وكان يسأل عنهم و من هؤلاء : عبدالله المحرقي وعلي ابراهيم المحروس وعلي صالح الصالح، كان يأتي الى الرابطة ويسأل بهدوء ''شلونكم'' وكان يضحك من غير قهقة، وكان رجلا هادئاً رغم أنه معروف بعصبيته ومن هناك عرفته. والذي فهمته منه مباشرة أنه ذهب الى المدرسة وهو ابن التاسعة وكان ابيه توفي وقد أراده عمه (زوج أمه) أن يكون فلاحاً فذهب للعيش عند خاله خير الله طلفاح ودخل المدرسة، كان يتحدث عن هذه الامور حين يُسأل عنها لكنه لم يكن يبادر من تلقاء نفسه للحديث عن هذه الامور الشخصية، وهو بالمناسبة ليس من الصنف الذي يحب الاكثار من الحديث، كان مع مجموعة من الطلبة العراقيين وكان بارزاً بقوة شخصيته، وكان يحظى بسمعة طيبة في الوسط الطلابي، كان محكوماً بالاعدام وقتها بتهمة الاشتراك في عملية اغتيال عبدالكريم قاسم المعروفة.

كان صدام من الوجوه الصدامية العليا، ثم أنه كان رجلاً مشهوراً عنه ان يقرأ بنهم وله اطلاع واسع، وكان لايوجد كتاب يصل الى مكتبة مدبولي التي كانت وقتها عبارة عن كشك صغير في ميدان سليمان الا ويقرأه، وكنا دائماً نلتقيه يقرأ ويبحث، وكان في ذلك الوقت يقرأ كثيراً لسارتر كما اتذكر. والشيء الملاحظ عليه وهو طالب هو التزامه بالصلاة والصيام في رمضان. وبعدها في العراق حينما كنت طالباً كنت اتسقط اخباره في الجرائد وكان مسجوناً .. طبعاً في التنظيم البعثي انت اينما تكون تنخرط في التنظيم بشكل اعتيادي وتلقائي، فحين تكون في العراق تعمل وحين تكون في السعودية او مصر فأنت ايضاً جزء من العمل التنظيمي .. انا على سبيل المثال لا أعرف عن التنظيم البحريني البعثي معلومات وافية لان كل نشاطي انصب في التنظيم العراقي ..

فقد كان الدكتور علي فخرو عضو قيادة قطر لبنان في الخمسينات وهو طالب في الجامعة الامريكية في بيروت .. ليس هناك هذا النوع من التقسيم القائم على الانتماء الجغرافي للعضو أبداً، انت عربي وانتماؤك يجب ان يكون باتساع وشمولية الوطن العربي.

قد يكون في البحرين قيادة فرقة وليس فرعاً نظراً لمحدودية عدد الاعضاء في هذا البلد، والتقسيم من الادنى الى الاعلى يكون كالتالي : فرقة ثم شعبة ثم فرع ثم قُطر، وهذا يعتمد على حجم الانتشار في أي موقع، فلا يصح على سبيل المثال المقارنة او القول بأن فرع بغداد يشابه فرع المنامة .. أنت هنا تتحدث عن قطرة ماء وتقارنها ببحر متلاطم الامواج.

سمعت - ولا استطيع ان أقطع بصحة ذلك -  أن هناك من وصل من البحرينيين الى عضوية القيادة القومية ومنهم قيادة قطر لبنان، كما أن هناك عديوين ممن كانوا أعضاء في قيادة فرع القاهرة ولكني لا استطيع البوح بأسماء ربما لايرتضي أصحابها الافصاح عن انتماءاتهم السابقة أو الحالية.
وقد قرأت في كتاب اصدره الدكتور الياس فرح عن تاريخ البعث وهو كتاب ضخم يقع في 15 جزءاً ويذكر شئياً عن علي فخرو مثلاً كما كان شقيقه جاسم فخرو مديراً لمكتب الاتصال القومي أي بدرجة مدير مكتب الامين العام للاستاذ ميشيل عفلق، وكل صلات الامين العام بالمنظمات الحزبية داخل الوطن العربي والمنظمات الطلابية العربية في الخارج والجاليات العربية في الخارج تتم عن طريق مكتب الاتصال القومي، فهو منصب  لايقل - في أهميته- عن منصب عضو القيادة القومية. هذا الرجل توفي واستطيع ان اتكلم عنه بكل حرية وقد جرت أحاديث بيني وبينه وعرفت منه هذا الحقائق.
بداية الانضمام

تنظيمياً لم يكن لي اتصال بالبعث أثناء تواجدي في البحرين قبل الحصول على الثانوية العامة، كنت وقتها متأثراً   بالفكر البعثي لكن صلتي التنظيمية به بدأت في مصر.

كان الوضع العام في البحرين مسيساً، وكان المد القومي الناصري يتسيد المشهد العربي بالكامل، وقد استمر هذا الوضع لغاية سنة ,59 هناك فرق بين البعثي والناصري رغم أنهما يشتركان في انهما حركتان قوميتان، كانت البحرين تعيش أصداء ما يجري من حولها فقد كان الصراع الدائر بين البعث وتيار عبدالكريم قاسم وصل الى الشارع البحريني وكان الناس للتو خرجوا من مواجهات وأحداث سنة 54 مع الانجليز وما تلاها من افرازات على الحركة الوطنية في الداخل، كنا مسيسين تماماً، حتى ان استقالة الوزراء الستة من الحكومة السورية التي كان منها أكرم الحوراني ومجموعته ثم انفصال البعثيين عن عبدالناصر كل هذه الاحداث كانت تجد صداها في الشارع البحريني، وحين ذهبت الى القاهرة لاحظت ان المخابرات المصرية تتعامل بكثير من الخشونة مع الرابطات الطلابية التي كان يسيطر عليها البعثيون، و كانت الرابطة الطلابية البحرينية في القاهرة تمثل احداها الى جوار رابطة طلبة الاردن والعراق، كانت المخابرات تفض اجتماعاتنا وتدخل المقار عنوة وتسلط علينا عيونها لمراقبتنا، وهذه المضايقات جعلت ايماني بقضية البعث يكبر ويترسخ .. وقبل هذا كانت قد جرت لي حادثة لازلت أتذكرها تماماً، كان جمال عبدالناصر قد جاء من مقر الامم المتحدة وقد جيء بحافلات لطلبة المدارس لاستقبال الرئيس عبدالناصر في المطار، وقد لاحظت ان الطالب تعطيه الدولة »رهش« مع قطعة »صمونة« ليأكلها الطلاب، ولكن ما لاحظته أننا وفي طريق العودة تم اعطاء كل طالب شارك في حفل الاستقبال ربع جنيه مصري، وهذه الحادثة حزّت في نفسي كثيراً وجعلتني أشعر بأن كل هذه البهرجة والمهرجان الاحتفالي لاستقبال الرئيس هي بأجر مدفوع الثمن، ومنذ تلك اللحظة اتخذت قراراً بعدم المشاركة في المناسبات العامة، كما عقدت العزم على الالتحاق بتنظيم حزب البعث الذي كان يحظى بانتشار واسع في الوسط الطلابي العربي، كان ذلك في عام 60-1961م، وكان عمري حينها بين 14-15 سنة وكنت في الثانوية العامة.

كانت الرابطة الطلابية لطلبة البحرين في القاهرة كانت بحرينية بالكامل وكان رئيس الرابطة وقتها القيادي البعثي حسين قاسم عبدالرسول، وقد اعتقل في البحرين 11 شهراً في زنزانة انفرادية حوالى سنة 1966 وقد خرج من السجن وهو متعب نفسياً وعصبياً الى ان استعاد عافيته ولله الحمد، كما كان لعبدالعزيز ابراهيم عبدالهادي دور كبير في تنظيم البعث في القاهرة في الستينات، وهو يعيش ويعمل اليوم في دولة الامارات.

 شبكة البصرة

إلى صفحة مقالات وأراء9