04/08/2006

مع الأحداث 62 (تبّا لك يا مقتدى، طرِدوا أباك من الجنة!)

 

 بقلم : د  نوري المرادي

 قد اشتد ضيقها، فسنتفرج!

 يلدغ المتعتيون ويبكون آل البيت!

 لا تُخلط السياسة بالرؤى والأحلام، غير هذه المرة!

 اصمدوا يا فتيان لبنان، هذه آخر رفسة لصهيون المحتضر!

 ما كنت أحسب جوانح التلمود والصفويين مجللة بالإجرام إلى هذا الحد!

 

يستجمع البصيص طاقته ويومض ومضة اليأس ويهفت. وينتفض المحتضر بشدة ويموت. ولكل شيء أجل محدود ولا يبقى سوى وجه الله ذو الجلال والإكرام. أما إن كان الشيء شاذا خارج السياق أصلا، فموته أعجل ورفسته أقوى وومضته أشد. ومن الأحداث المحزنة أن قد أعدم قبل أيام أربعة دبلوماسيون روس بخطأ ما، ولازال المعنيون يحاولون معالجة آثاره. وقد نشر " الكادر " رسالة إلى السيد سرجي لافروف وزير خارجية روسيا بهذا الصدد، وبعثها إليه بالبريد المسجل، وعساها تصل.

هذا وقد أخبرني أخ طيار أنك لا تستطيع المناورة كثيرا أثناء الهبوط بالطائرة، بينما لا مجال لأية مناورة أثناء الإقلاع، حيث كل الأجهزة تقريبا تعمل بكامل طاقتها ووظيفتها. وإذ نراقب الأحداث في العراق وأفغانستان وفلسطين ولبنان، نلاحظ عليها الشدة والتفاقم بل والهستيريا غالبا. فلأية نهاية ستؤول؟! أو هل لمثل هذه الحالات غير هكذا سلوك؟!

 لنر!

 

 أولا

عبر عشرة مقاتلين من حزب الله الحدود الإسرائيلية بكل تحصيناتها الإلكترونية والعسكرية، وهاجموا ثكنة إسرائيلية فقتلوا 8 عساكر بينهم ضابطين برتبة رفيعة وجرحوا 21 واسروا 2 عادوا بهم إلى قواعدهم سالمين. والمعطيات من راديوا إسرائيل. بينما تشير الدلائل إلى أرقام أعلى قليلا للخسائر. وإثرها قال قائل إن ما قام به حزب الله في هذه، ضمن سياق العلاقة المتأرجحة بين طهران وواشنطن. وقال آخر بأنه لعبة لخلط الأوراق وقد ضاقت على حزب الله السبل تحت ضغط من يسمون أنفسهم بجماعة آذار. وهو بهذه الضربة أعاد الجدل إلى مربع الصفر. وقال ثالث إن العملية تحريكية ومقدمة لتسوية كحرب تشرين 1973. وقال آخر غير هذا.

ولست بصدد التفضيل بين الأقاويل وأنا صاحب القول: "إن الحقيقة كالكعبة، يمكن استقبالها من اتجاهات متعاكسة". ثم إن الأحداث متشابكة الأصول والمشروطيات وقد يخدم حدث ما أو ينتج حالة لم تكن بالحسبان، أو يعطي عدة نتائج كل يراها حسب منظاره أو حاجته.

وحقيقة فالمرء لا يرى بما أتاه حزب الله سوى " ضربة معلم " أعطت عدة نتائج باهرة في آن، وتتدرج في خطورتها على الساحة الدولية. فهو أبر بوعده في قضية تحرير الأسرى. كما انتصر إلى إخوته في فلسطين وفتح للعدو المتغطرس جبهة ثانية. والأخطر من هذا أنه سحب المبادرة من النظام الرسمي العربي المتعاون مع الأنجلوصهيون. حيث كانت الأنظمة العميلة في الأردن ومصر ومن لف لفها سابقا تنسج المؤامرات أو تمررها لصالح الأنجلوصهيون، فتنشغل قوى التحرر العربي لاحقا بمعالجة آثارها أو تجعلها تقع ضحيتها. بينما جعلت هذه الضربة الأنظمة العملية هي المشغولة بالنتائج والمعالجة، أما خوفا على عروشها أو خوف سوط من سيدها. وقد لاحظنا كيف أُخِذ حسني وعبدالله وعباس وغيرهم بالضربة، بينما كانوا سابقا هم الآخذون. وقبل الضربة بيومين فقط رفض هؤلاء الخونة استقبال وزير خارجية فلسطين وطالبوا بفك أسر الجندي الإسرائيلي ونسوا أن آلاف الفلسطينيين في الأسر. الأمر الذي يذكرنا بمؤتمر شرم الشيخ الأول الذي جمع به كلنتون على عجالة خصيانه في المنطقة قبيل عملية "عناقيد الغضب" ضد حزب الله ذاته. وأكاد أجزم أن النار بدأت حقيقة تقترب من أقدام رؤوس هذه الأنظمة وبالأخص حسني مبارك. وليس بالضرورة من الشعوب، إنما من أمريكا ذاتها التي رأت أن فائدة هذه الأنظمة صارت " زي ئلتها " ولابد من تغيير للوجوه، بانقلاب أو اغتيال.

أما النتيجة الفائقة الخطورة لضربة حزب الله هذه فهي نهاية أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وذوبان حاجز الوهم الذي بنته الدعاية الصهيونية على مدى القرن العشرين كله. فحين يدخل عشرة مقاتلين، وبتغطية بسيطة ويفعلون هكذا فعلة ويعودون دون حتى أدنى خدش، فضباط وجنود الثكنة الإسرائيلية إذن، سوى خراف لم تكف فسحة الوقت لأسرهم جميعا.

أما النتيجة أو التبعة الأخطر على الإطلاق، فهي إن حزب الله وبكل بساطة رقا بنفسه وبجدارة إلى مصاف القوة الغريم لقوة ودولة إسرائيل ولكل جبروتها (الذي كان). وها هو يضرب ويرد الصاع مؤلما بحيث بدأ حكماء صهيون يقترحون الهدنة عبر طرقهم السرية، في حين يطلقون التهديدات عن ضرب سوريا وإيران وغيرها. وكأن في ضرب سوريا شيء جديد، أو كأن إسرائيل لا تدري أن فتيان الشام على أكمل الاستعداد للمقاومة الشعبية المسلحة. أما أضحك ما هدد به الإسرائيليون فهو قولهم إن حسن نصر الله قد تحدد مصيره بعد هذه العملية وسيعملون على اغتياله. وكأنهم سابقا كانوا يتعففون عن محاولة قتله.

ولرب خبر مر عابرا قبيل ضربة حزب الله هذه. وهو تظلم من وزير خارجية إسرائيل، أعلن فيه عن اختراق خطير للغاية قام به تقنيو حزب الله لشبكة الاتصالات الإلكترونية وحواسيب الموساد والجيش وسرق أسرارا مهمة. وحين يصف مسؤول إسرائيلي دبلوماسي هذه الأسرار بالمهمة، فهي إذن خطيرة للغاية!

المعنى، إن حزب الله وضع نفسه، وبعد تراجعات كثيرة لوحظت على سياسته ومواقفه خلال النصف عام المنصرم، وخصوصا بالشأن العراقي، هذا الحزب رقا بنفسه مجددا إلى موقعه الأصل، وفرض نفسه القوة المقابلة لكل قوة وكيان إسرائيل، بدليل هذه الهستيريا التي يتصرف بها الإسرائيليون، ليعكسوا إلى العالم مدى الجرح الذي طال كبرياءهم، أو هكذا يفترضون. وبدليل أنهم ينتصرون لكبريائهم هذه بضرب المدنيين بينما حزب الله يضرب معسكراتهم، وبدليل هذه الغصة الهستيرية التي صبغت تحليلات وتصريحات الأبواق الصهيونية في الإعلام العربي كفضائية المأفون عبدالرحمن الراشد "العربية"، وغيرها من اعتاد الانحطاط أو صنعوه لأجل الإحباط.   

إنما على حزب الله ومنذ الحظة عدم التصريح بالنوايا! فحين هدد بضرب حيفا، اتخذ العدو حيطته ليخفف من الخسائر. لذا لابد من المخاترة والغيلة والخداع! وهي أعراف الحروب، ولا مجال للفروسية طالما العدو لا يعترف بها أو لا يعرفها أساسا!

 

 ثانيا

شاهدت مقابلة لمقتدى مع فضائية العراقية، قال فيها إنه لم يستطع تحسين صورة المذهب الشيعي بأعين آل سعود والوهابيين والنواصب عامة، فآل سعود لا يعرفون أين يقع البقيع كما يقول. كما نسب المساوئ التي يأتيها جيشه وجلاوزة آل الحكيم للاحتلال، ثم أعلن نيته للقيام بمسيرة مليونية إلى سامراء لإعادة بناء الضريح العسكري.

وحقيقة لا أدري أحدا ضد مبدأ التشيع ولا ضد آل البيت بين العالمين. أما إن عنى مقتدى بالتشيع ملة التلمودوصفويين التي يتبعها هو وآل الحكيم ومستنقع حوزة سستاني، فلا أظن أحدا يجرؤ على القول بكلمة طيبة بحق هؤلاء بعد ما أظهروه من خيانة وإجرام، آخره أن يبول قائد مقتدى المدعو أبو درع على القرآن إمعنا في إغاظة الخليفة عثمان بن عفان(!!). أما تظلم مقتدى من موقف آل سعود، فالعتب ليس عليه، إنما عليهم وقد جالسوا ولدا صغيرا بليدا مثله. ولد بليد لدرجة أنه لم يفهم أن تساءلهم عن موقع البقيع من باب التهكم وليس الجهل. وهو حين زارهم منحوه 200 مليون دولار، افترضها ثمنا لشراء رضاه وخوفا من لسانه. ومن هنا، ربما، عاد ليشتمهم بهذه المقابلة فيستدعوه ويهبوه 200 مليون أخرى.

هذا، وقد صار العراقيون يتوسلون الله أن لو كان في الاعتقال أو الموت من بد فعلى يد الأمريكان وليس على يد هؤلاء التابعين(!!) لآل البيت. وفي هذا دلالة كبيرة لو علم مقتدى، وفيه أيضا بواطن ثأر تقشعر من وقعه الجبال. أما المسيرة المقترحة، فهي مذبحة ينويها مقتدى لأهل سامراء ليسكن جماعته بدلهم فتتغير الديمغرافيا وتنظم سامراء إلى مملكة " لطمستان " كما يتخيلون.

الطريف أن رؤيا طافت أحدهم بدا فيها الصدر الأب (والد مقتدى) بالخمسين من عمره وبدشداشة (ثوب) وسترة، وغترة (يشماغ) كلها بيضاء متسخة عديمة الهندام ممزقة في بعض جوانبها. والثوب قصير يظهر الساقين والسترة هي الأخرى قصيرة لا تغطي العجز. وقد جلس على نهاية جدول صغير جاف متآكل الجوانب وفي أرض قفر محروثة جرداء خشنة جدا. وهو يجلس وظهره إلى شروق الشمس ويسند رأسه بيديه ويغطي وجهه بالغترة ولا ينظر إلى أحد إلا لماما ولكن بشعور أسى وذنب وهموم ثم يعود ليطرق بنظره إلى الأسفل. وكان حليق الوجه سمينا غير بدين خشن وأزرق اللحم وتكاد عروقه تظهر على جلده وبشكل قبيح. وكأنه يعاني من مرض عضال سيودي بحياته عن قريب.

وحسب التعبير، فهذه الرؤيا تدل على أن أبا مقتدى قد فقد كل ما بناه في دنياه. فالأرض الخشنة الجرداء خُسران، والملابس الخلقة التي لا تستر، تدل على أن حرمته انتهكت. والجدول عموما هو معين الحسنات التي تأتي الميت من ذكراه وخلفته التي تركها في دنياه. وحيث الجدول في هذه الرؤيا جاف متآكل الجوانب فقد نضب المعين واستحال أو صعب إصلاحه. أي لا شريف بأتباع المهدي يمكن أن تأتي الصدر بسببه حسنة. والغروب عكس الإشراق ورفعة المنزلة، وازرقاق لحم الميت وورمه وميله إلى النتانة هو هموم وشدة وطء وكابوس عليه في برزخه. والإعراض عن الناس مثلما الإطراق إلى الأسفل شعور بالذنب. والوحدة في الرؤيا وفي الحالة التي ظهر عليها الصدر أبو مقتدى، تدل على المنبوذية أو الخروج من جمع أو دار مترفة ،،،الخ.

ولو تركنا الرؤيا وأعرافها ومعاييرها جانبا، فالصرح الوطني الذي بناه أبو مقتدى تخرب، وتحول تياره إلى مجموعة لصوص قتلة لا يوفروا جريمة وجريرة ألا أتوها. وقديما قيل: " تلدغ العقرب وتصيء ". إلا أنه مثل بات أقل دلالة على معناه لو قارناه بما يأتيه هؤلاء التلمودوصفويين من جرائم وشرور، بعد كل واحدة منها ينعون الزهراء وعليا والطف ويلطمون الصدور والخدود ويشقون الجيوب، باكين ظلما لا يدري أحد شكله ولا أين جرى وعلى من. ويشهد الله والعالمين أن التشيع وعلي وفاطمة وآل البيت أكثر براءة منهم واشد بغضا. إنما هم خريجو مدرسة مصاصي الدماء وقوت الشعوب في التاريخ والذين كلما نقص المخزون عندهم خرجوا ونعوا لاسامية العالمين وبكوا ظليمة وطنهم الخرافي وعداوة الناس لهم، فابتزوا وشربوا من الدماء حتى يرتوون، أو يخرج لهم نبوخذنصر أو محمد فيخرجهم من التاريخ لإلف عام أو يزيد.

وقد سبق وتناول المعنيون تصحيفات وسلوك هذه المدرسة في الشروع والأصول والفروع حتى خرجت بدين آخر لا علاقة له بالمعروف من الأديان ما بالك الإسلام. وأشك أن أحد توقع أن تكون جوانح أشباه البشر هؤلاء مجللة بالجوانح والإجرام والسفالة إلى هذا الحد. وأشك جدا أن شعبا ما في المستقبل سيقبلهم بين ظهرانيه.

الطريف أن مقتدى طالب طرفا ما بتوقيع وثيقة لإعدام الرئيس صدام حسين. وحين وافقته الطرف شريطة أن تحتوي الوثيقة نصا على إعدام كل من يثبت أنه تسبب بقتل الشعب العراقي، رفض مقتدى وأعتبر هذا طلبا ناصبيا. وكأن أحدا لا يعرف أن مقتدى مأمور من إيران ليعمل المستحيل كي يعدم رئيس العراق، لتستفرد إيران بالأدلة عن حرب الخليج الأولى فتطالب بالتعويضات عن الحرب، والتي سبق لأبن الزنيم الحكيم وحددها بمئة مليارد دولار.

وقد يكون ما أتاه قائد جيش المهدي المسمى أبو درع وحده كفيل بأن يخرج الإمام علي من الجنة وكل آل البيت لو كان مقتدى من محبي آل البيت حقا. وقد يكون ما أتاه مقتدى وآل الحكيم وحوزتهم سوى جزء يسير مما كانوا يضمرون لشعب العراق الجريح. لكن مع ذلك لا جديد عندهم، وكل ما فعلوه ويضمروه سوى رفسة ما قبل الهفوت. أما استعادة تسميات كالنواصب والروافض فمن المهازل وحسب.

 

 ثالثا

وبقدر ما استطلعت من أراء عن الانقلاب المزمع، عدت إلى مربع البدء وبات جزمي السابق بحدوثه في ىب عرضة للشكوك.

فصحيح أن الشهواني بدأ بتصفية الوجود الإيراني في مؤسسته التي قيل أنها ستتحمل العبء الأكبر من الانقلاب. كما أبدى عليوي بعض التصرفات التي تشير إلى قلة اكتراثه بالوضع الحالي واعتماده على وضع مستقبلي يعيده إلى مكان الصدارة. مثلما نشط سيد وعلى جبهة لندن هذه المرة، إيمانا منه بوقوع الانقلاب، لذا حاول جمع شمل نفسه استعدادا له. والتقى برهط في لندن، إن لم يكشف لهم ما يضمره، فلا أظنهم سوى واعين للحالة العامة ويعرفون خفاياها. وهم إن جاملوه فلضرورات وليس على محاذير. وسيد آخر نشط في السويد، وغيره في مكان آخر. كما إن الفئة التي لهثت وراء ما أسمته بالاشتراك في العملية السياسية عادت إلى رشدها، أو مجرد انتبهت أنها أنما تشارك فقط بإمرار قرارات الإجرام بحق العراق وشعبه وليس لها من الكعكة سوى الاسم ومبعث الصغارة بأعين الشعب العراقي. أما هذا المشهداني، فقصته قصة عجيبة، حين يختطف الزبانية ابنة عمه وينتهكون عرضها، ومع ذلك يجالسهم في قبة خرفان البرلمان ويذهب إلى إيران، التي تقف أصلا وراء الخاطفين، ويعود بحفنة من الدراهم، يحسبها تغطي هذا العار العظيم. ولا أدري كم من العراقيين سيجرؤ ويتزوج من عائلة للمئة سنة القادمة! وعموم الحال في العراق منهارة ولا شيء يوحي بدولة أو سلطة ولا أمن، والقتل على الهوية والفقر يفتك بالألوف ولا سبيل بغير نقلة نوعية، إن لم تخدر الوعي العام وتجعله يحلم بتغيير، فستجبر المقاومة الوطنية على إعادة النظر بخططها وتنشغل عن العمل القتالي فتحصل قوات الاحتلال ولو على أيام من الراحة، أو هكذا يفترضون. كما ومن بين المؤشرات على الانقلاب العسكري، تقييم وصلني عن الفريق نزار الخزرجي، الذي ورد اسمه كأحد القادة المحتملين لهذا الانقلاب. إلا أن سيادة الفريق نزار وبحسب ما نقله أخ موثوق عنه لي شخصيا، يرى أن أي انقلاب في هذه الفترة هو إنقاذ للمحتلين أو على الأقل حفاظ لماء وجوههم. وهو من جانبه لا ولن يشترك بشيء ينقذ الأمريكان من ورطتهم الماثلة، وليس هو من يدعم المحتلين. وعموما ليس لضابط وطني كالفريق نزار أن يشترك بما يدعم المحتلين أو يخفف عنهم الوطء. لكن قناعة الفريق هذه، تشير بلا أدنى شكوك إلى أنه هو الآخر مثله مثل غيره يتوقع الانقلاب. مثلما يتوقعه إخوة لنا في " الكادر " من قادة الجيش العراقي لم نراهم أخفقوا بشيء توقعوه على الساحة ولم يحصل.

بينما انفرد من بين الجميع الأستاذ حمد الشريدة، الذي يرى أن الانقلاب دعاية أمريكية إيرانية متفق عليها مسبقا.

فالأستاذ حمد يقول أن الانقلاب دعاية أمريكوإيرانية للاستهلاك العراقي فقط، وبعد أن أفلتت الأمور من يديهما وعاثت الميليشيات التي تتبع كل منهما على الساحة العراقية تدميرا وفسادا بأكثر من الدور المرسوم لها مسبقا. وهم يهددونهم بهذا الانقلاب، عساهم يكفوا أو يرعووا. وهو أيضا يرى أن إيران وأمريكا لا ولن تختلفا على الحالة العراقية، وأن أمريكا حصرا من سيقف بوجه أي إجراء ضد الملف النووي الإيراني، وعبر مسالك ودروب مستترة كي لا تحرج أمام ربيبتها إسرائيل التي أصبح الملف النووي الإيراني واحدا من بعابعها.

المهم إن الشريدة أعادنا إلى نقطة البدء عند الحديث عن الانقلاب، من جانب، لكنه يقول بأن الدعاية له لعبة أمريكوإيرانية. وإن فكرنا قليلا، لاكتشفنا أن الانقلاب أو دعايته، ورقة دفعتها أمريكا إلى الساحة عساها تنقذها من الورطة المتفاقمة. وفي هذا الصدد ربما أعيد إلى الأذهان ما قد قلته يوما ما عبر برنامج الاتجاه المعاكس قبيل الانتخابات الأولى وهو: على أمريكا أن تكف عن التراقيع، وتعود إلى ميدان المعركة، حيث القرار الحق واللعبة الصدق، وقد أقسم فتيان العراق أن يخرجوها من العراق بالنعوش أو تحمل النعوش.

أما إن كانت بجعبة الأمريكان فذلكة أخرى سيدفعوها إلى الساحة فهذا ما لم يعد له شأن، طالما النتيجة واحدة وهي أنهم قد وصلوا إلى أعلى ما يستطيعون، وليس بعد هذا غير السقوط.

 

 رابعا

قبل أيام، أصدر نوري مالكي خطة أمنية رفدها بمبادرة لما أسماه بالمصالحة. ولم تلبث الخطة ومبادرتها أن ماتتا أو صارتا مبعثا للتندر. وقد وردنا خبر شبه مؤكد من أن المبادرة أعدت من قبل رفسنجاني وضمن اللعبة السارية بين إيران وأمريكا. ولم يكن من دور للمالكي سوى أن ينطقها وحسب.

وليس الخطة ولا المبادرة ما تعنينا هنا، ولا هي بالشيء الذي يستأهل التكرار بالمعالجة، خصوصا بعدما مزق فتيان العراق من المبادرة الجزء الذي يحتوي البسملة، ومسحوا أحذيتهم بما تبقى من أوراقها، بينما الورقة التي تحتوي اسم المالكي وتوقيعه استعملوها للمراحيض.

 

 خامسا

تقول آخر التقارير الواردة من الخزانة الأمريكية، إن كلفة احتلال العراق قد بلغت رقما خياليا وهو 615 مليارد دولار، منها 209 كلفها الغزو، والباقي هو ما تكلفته أمريكا منذ إعلان توقف العمليات وانتهاء المهمة في 21 مايو 2003 إلى هذا اليوم.

وحقيقة فأرقام الصرف الفعلية على الحروب هو واحد من الأسرار العسكرية التي لا يمكن البوح بها سوى بعد فترة بحيث لا يكون لها أي تأثير على المجريات. فحيث حجم المخزن المالي وحجم السيولة المطلوبة للسوق وميزان الوارد والصادر معروف لكل دولة في العالم تقريبا، فسيكون من السهولة الحكم على مدى بقاء قوات احتلال في بلد ما لو انكشف رقم تكاليف الاحتلال الحقيقية. وعلى سبيل المثال، فلو كانت المقاومة العراقية مهتمة بغير سلخ جنود العدو والثأر منه على تدنيسه أرض العراق الطاهرة، لكان من السهل جدا على قادة المقاومة تحديد اليوم الذي ستهرب به أمريكا مهزومة وبدقة معقولة. وعندها لن تنفع الفذلكات ولا مؤتمرات الجوار ولا شروم الشيوخ أو العجائز.

على أننا سنأخذ الرقم المعلن على أنه الصحيح ولا شيء غيره. فإن تمعناه، فهو مهول ويعادل ميزانية الحكومة الأمريكية بكاملها تقريبا. ناهيك عن أن الـ 209 مليارد دولار (تكاليف الغزو) كان البنتاجون قد استدانها بقروض سريعة الأجل - أي بفوائد عالية جدا وصل بعضها إلى 20%. طبعا فعل هذا مفترضا أن سرعانما تصفو الحال في العراق وتستحوذ أمريكا على النفط، ومنه، وخلال الثلاثة شهور الأولى ستوفي القروض، وبعدها يكون ملكها العضوض الذي لن ينتزعه منها أحد. إنما جرت الأمور بما لم تشته السفن. بل أن الأيام الأخيرة تحمل نذر ارتفاع البترول إلى المئة دولار للبرميل. وهو أمر ليس له غير احتمالين، أما أن تنسحب أمريكا مهزومة لتتعرض إلى أزمة أشد من أزمة الثلاثينات من القرن الماضي، أو أن تهرب إلى الأمام لتغزو بلدا آخر فتموت في أرضه.

المهم أن أمريكا على حافة الإنهيار الاقتصادي، وهي في بحثها عن المنقذ من الورطة، استنجدت بالسيد عبد الأمير الركابي لينشر مقالا عن الفارق بين شرعية العمل المقاوم ومشروعيته، ليحبط المقاومين، أو هكذا افترضت أمريكا. وحين تجاوز المقاومون مقالاته دونما قراءة، أعلن عن مبادرة. ثم تتالت الحلول والفذلكات. لكنما هيهات!

أما متى تعود أمريكا لرشدها وتنتبه أنها الخاسر الأول منه، وأن ورطتها في العراق ستكلفها جبروتها كله، فهذا تساؤل يغطيه التساؤل الأهم وهو: هل بعد هذه الخسائر العظيمة لأمريكا في العراق وأفغانستان ويبقى لها عقل يعتمد عليه؟!

 

 مختصرا

 فلو أعدنا شريط الأحداث الجسام التي تقع هذه الأيام، نرى أن أمريكا شغلت كل ما لديها بطاقته القصوى حتى وصل الأمر إلى مخزونها المالي، وأستخدمتها على أعلى ما تستطيع، ولم يعد لديها من مجال للمناورة. وهي قد استنفذت مخزونها من البدع والفذلكات والحلول والقوة العسكرية، على أرض العراق وأفغانستان. ولو تذكرنا ما حكاه الطيار الزميل في المقدمة أعلاه، لما بقي لدينا من شك أن أمريكا مقلعة عن المنطقة مرة وإلى الأبد.

بقي الأمر الأهم. وهو أن المحرك الذي يدير أحداث المنطقة برمتها ويوجهها شطر نهاية الجبروت الأمريكي من المنطقة والعالم، هو فتيان شنعار الأبطال وأنصارهم الطير الأبابيل. على أن هذا يطرح بدوره سؤلا بسيطا في شكله عظيما في معناه، وهو: أحقا بوّأ الله سبحانه فتيان شنعار هذه المكانة الأقدس بين الأمم؟!

 

فالحمد لله الناصر إذن!

والمجد للعراق وفتيانه الميامين!

وابشري أيها الأمة بالحدث القادم الأعظم!

إلى صفحة مقالات وأراء9