الشهيد أبو عماد رفيق الياسين وكافل الأيتام 00 ومؤوي المُجاهدين والمُطاردين

 

 

من"زرنوقة " بدأت الحكاية، حكاية رجل مجاهد، وأب حنون، وفنان عبقري كذلك، و أمام باحة مسجد المجمع الاسلامي بغزة.. اختتمت فصولها الزاهية بألوان العطاء و التضحية و العشق للتراب و الدين.

 انها قصة الشهيد المجاهد "أبو عماد" ..مصطفى منيب صرصور، الذي سخر نفسه خالصة لدينه وأمته، لا يبغى في ذلك سوى رضا ربه عليه، عاملا بالقول المأثور " اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا و اعمل لدينك كأنك تموت غدا ".

هذا المجاهد الذي ارتقى شهيدا برفقة رفيقه، شيخ فلسطين المجاهد الشهيد أحمد ياسين، حينما قصفته قوات الاحتلال بالصواريخ أمام مسجد المجمع بغزة بعد صلاة الفجر، حيث أصيب اصابة بالغة، استشهد متأثرا بها بعد ثلاث أسابيع.

رحمك الله يا أبا عماد، يا من قضيت عمرك بحثا عن الأيتام لكفالتهم، و سعيا لرسم البسمة على شفاه أطفالهم، فاتحا بيتك للمجاهدين فآويتهم رغم ما يحمله هذا من خطر جسيم عليك و على أسرتك، فاعلا للخير بكافة صوره و أشكاله، فلا يعرف الانسان كيف يتحدث عنك، و من أين يبدأ و كيف ينتهى  .

المولد والنشأة

كانت بلدة زرنوقة المحتلة عام 1948 من قبل الاحتلال الصهيوني، على موعد مع ميلاد جديد و بزوغ فجر جديد لها، حيث شهدت ميلاد رجل من رجالات فلسطين، الذين أراد الله له حمل هم الوطن والدعوة، فكان أبو عماد يسير في ذلك على الأشواك بخطى الواثق بنصر ربه، بغير يأس ولا قنوط،. قلما تلد أرحام النساء مثله.

ولد الشهيد مصطفى منيب صرصور بتاريخ 5-10-1942 في بلدة زرنوقة الفلسطينية المحتلة عام نكبة فلسطين 1948 وبعد رحلة الهجرة الأليمة، رحل الشهيد مصطفى مع عائلته الى مدينة غزة، وأثناء ذلك توفي والده.

 وبعد فترة بسيطة من الزمن، تزوجت أمه، و تكفلت في تربيته عمته الحاجة مبروكة، لكن أنى لحنان الأبوين ان يعوض،  ورغم ذلك فلقد كان لهذا الأثر البالغ عليه وعلى نشأته العصامية التي عرفها كثير من الناس.

درس الشهيد المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية في مدارس غزة، وأثناء ذلك كان يعمل في احد المطاعم لبيع الفول حتى يعول نفسه وعمته وبعد فترة تقدم خطة ابنة عمه و التي كانت يتيمة كذلك.

ملتزم منذ نشأته

يشير عماد نجل الشهيد الأكبر إلي أن والده عرف طريق المساجد منذ نعومة أظفاره فالتزم في مسجد السيدة رقية في حي الشجاعية بغزة ومن ثم مسجد الهواشي في نفس الحي وكان شيخه في تلك الفترة الشيخ كامل البلتاجي رحمة الله حيث تتلمذ على يديه وحفظ القرآن الكريم حتى غدى من رواد المساجد المعروفين في الحي ورجل الإصلاح بين الناس .

وتابع عماد يقول : انضم والدي إلى جماعة الإخوان المسلمين برفقة الشيخ احمد ياسين  وعمل معه في حقل الدعوة الى الله وأثناء ذلك عمل في مطعم الجامعة الإسلامية بغزة.

مؤسس المسرح الإسلامي

 لعب الشهيد أبو عماد دورا بارزا في التأسيس للفن الإسلامي في قطاع غزة، حيث ساهم في إنشاء أول فرقة للمسرح الإسلامي، فضلا عن مشاركته في الكثير من المسرحيات، حيث برع في أداء الأدوار الموكلة إليه، و كان أشهرها دوره في مسرحية " سعيد بن جبير "، حيث تميز الشهيد بالموهبة الفنية وخفة الدم التي جعلت منه فنانا مرموقا في الشارع الفلسطيني.

و يشير عماد نجل الشهيد الأكبر، إلي روح الدعابة التي تميز بها والده، موضحا أن والده كان يضفي جوا من المرح و الدفء على الجلسات العائلية.

في سبيل الله

شغف الشهيد أبو عماد بالإنفاق في سبيل الله، حتى لحظاته الأخيرة في الدنيا، حيث تذكر زوجته أنه طلب منها و هو على سرير العلاج في إحدى مستشفيات مصر قبل استشهاده، مبلغا من المال، فسألته " لماذا تريد المال ؟" فأخبرها أنه يريد توزيعه على الممرضين و القائمين على خدمته في المستشفى، وقال لها " هؤلاء غلابة ".

و يذكر عماد أن والده كان يكفل يتيم من خلال الجمعية الإسلامية بغزة، حيث كان يدفع نحو 300 دولار في العام، وقد أوصى أبنائه بالاستمرار في كفالة اليتيم بعد وفاته.

حاضن القسام

أما نجله محمود فيروي أن والده كان زاهدا في الدنيا، عاملا من أجل الاخرة، فكان "لا يحسب للمال أي حساب"، و قال : عرفناه بكرمه وجوده وتضحياته فهو من اوائل الذين آووا مطاري كتائب الشهيد عز الدين القسام في بيوتهم في احلك الظروف واصعبها ".

و قال موضحا : آوى والدي الشهيد القسامي عماد عقل، والشهيد طارق دخان، والشهيد مروان الزايغ، والمطارد بشير حماد".

و أكد ان والده آوى القائد القسامي الكبير "محمد الضيف" قائد كتائب القسام، لمدة خمسة أعوام كاملة، دون تخوف أو تردد ..وانه كان يحب مجاهدي القسام بشدة، ويدعوا لهم ان يوفقهم الله تعالي في عملياتهم التي كانوا يقومون بها كما أنه كان يقدم لهم افضل الطعام و الذي يصنعه بيده .

مواقف لا تنسى

ويذكر ولده عماد مواقف عن أبيه قائلا: كان دائما يدعو الله أن يفرج الله كربته يوم القيامة، فكان حريصا على فك كربات المسلمين ففي يوم جاءه احد الناس يطلب منه مبلغ 500 دولار أمريكي لان عليه دين، والناس يطالبونه ويهددوه بالسجن وكنا وقتها ننتظر حلول عيد الفطر الذي لم يبقى له سوى يومين فما كان من ابي رحمه الله إلا وأن اعطاه ضعف المبلغ، وقال له نصفهم للدين ونصفهم من أجل كسوة أسرتك ".

موقف المرأة العجوز

يقول محمد نجل الشهيد : لما كنا أطفالا قبل حوالي 20 عاما سمع والدي أن هناك امرأة عجوز تسكن في احد الشوارع ولا تجد أحد يخدمها حيث كانت مريضة جدا لا تستطيع ان تعول نفسها مطلقا، فأمر والدي والدتي أن تذهب كل يوم وتخدمها بكل ما تريد ووافقت والدتي على ذلك بكل وحب واحتساب عند الله .

و قال نجله محمد : أصبحت والتي تذهب إلها كل يوم وتحضر معها من الطعام ما لذ وطاب وبعد فتره اقترحت والدتي أن تحضر تلك المرأة الى بيتنا، فاشترط ابي أن تقوم برعايتها على أكمل وجه و أن ذلك سيثقل الامانة على كاهلها وأي تقصير بها ستحاسب عليه أمام الله وفعلا وافقت والدتي على ذلك راضية لانها ستنال أجرا عظيما عند الله ".

و أكمل : جئنا بالمرأة الي بيتنا وقال لنا والدي أن هذه جدتكم فأصبحنا نقول لها (ستي) وكانت والدي تحافظ عليها كأنها امها بل أكثر ومكثت المرأة في بيتنا 3 سنوات وبعدها ماتت ..وفتحنا لها بيت عزاء كواحدة من افراد العائلة رغم أننا لم نكن نعلم عنها سوى أن اسمها "أم علي "فقط".

إطعام عمال المسجد

وكان الشهيد مصطفي يجري وراء الخير، يتتبعه لحظة بلحظة، فلقد كان صاحب المطبخ الشرقي لطهي الطعام، وكان يطعم الفقراء والمساكين وقد أخذ على عاتقه أن إطعام عمال "مسجد قباء"، الذي كان يبنى بجوار المطبخ طوال فترة البناء ..وكان يصنع لهم أشهى الطعام وكان ينوع لهم فيه كل يوم صنف..حتى لا يملوا .

استشهاده

كان تاريخ 23-3-2004 تاريخا مشهودا في تاريخ فلسطين، المسجى بالدم القاني، ففي فجر ذلك اليوم كعادته ذهب الشهيد مصطفى الى صلاة الفجر في مسجد المجمع الإسلامي برفقة الشيخ أحمد ياسين، وأثناء خرجهم من المسجد كانت خفافيش الظلام الاسرائيلية تحوم في الاجواء فما ان خرجوا حتى قصفتهم الطائرات الصهيونية بثلاث صواريخ استشهد على أثرها شيخ فلسطين، احمد ياسين زعيم ومؤسس حركة المقاومة الإسلامية حماس وعشرة آخرين وجرح الشهيد مصطفى بجروح خطيرة نقل على اثرها الى جمهورية مصر العربية وهناك مكث حتى تاريخ 15-4-2004 ليلقى الله شهيدا في ذلك اليوم   .

منقول عن موقع صابرون

إلى صفحة السير