أم شهيد تزف ابنها إلى الجنة من منا يمتلك ذلك الإيمان وتلك الشجاعة لنقرأ ما كتبت ولنبكي على أنفسنا

 

الإهداء

إلى كل أم التزمت بدينها وربت أبناءها على مبادئ الإسلام العظيمة ..

إلى كل أم بذلت أي شئ في سبيل الله وجاهدت لتكون كلمة الله هي العليا ...

أهدي هذه الكلمات .

أم نضال

 

نشـأته ومـولده :

 

ولد الشهيد محمد فتحي فرحات بفلسطين الحبيبة بحي الشجاعية بمدينة غزة شارع الشهيد عماد عقل في بيت بسيط لأسرة متوسطة الحال متدينة تعشق الشهادة .

 

وكان ميلاده في اليوم الثالث والعشرين من شهر سبتمبر سنة ألف وتسعمائة واثنتين وثمانين . نشأ ابني محمد بين اخوته وأخواته كباقي الأطفال عاديا لا يتميز بشيء عن باقي أقرانه إلا انه كان جميلا جداً ويحبه كل من يراه . وبعد ولادتي له بأيام قليلة رأيته في المنام مرابطا على أسوار القدس وأخذت تتردد على مسامعي " ولا تخافي ولا تحزني" بين الحلم واليقظة عدة مرات .

 

وسافرنا إلى ليبيا وهو في الشهر الثالث من عمره وكل من ربطتنا علاقة به هناك كان يعجب به كثيراً ويحبه .. مرض وأدخل المستشفى في مدينة مصراته وهو في الثانية من عمره ولم يسمحوا لي بالمبيت عنده واخذ يبكي عليَ بكاءً شديداً وكانت هذه بالنسبة لي محنة كبيرة لقد بكيت عليه بكاءً مراً حتى لا مني الكثير .... إنه ابني ومهجة قلبي .. وبعد أربع سنين رجعنا إلى غزة ثانية وبعدها بثلاثة شهور كانت الانتفاضة الأولى وقلت في نفسي الحمد لله الذي أرجعنا إلى غزة ولو بقينا في ليبيا والجهاد قائم في فلسطين لما استطعنا أن نعيش بعيدين عن الوطن الغالي والمشاركة في شرف الجهاد ضد الصهاينة وأعداء الإسلام .. في هذه الانتفاضة كان أبنائي صغاراً في الحادية عشرة والثانية عشرة وما إلى ذلك ومحمد تقريباً في الخامسة من عمره وكبر محمد وكبرت معه مبادئ الإسلام التي تربى عليها وحمل الحجارة وقذف بها اليهود كباقي أطفال فلسطين الأبطال كلما كبر كانت تكبر معه وفي نفسه الروح الجهادية ولم يكن هذا غريباً في حياته فهو يعيش في جو مفعم بحب الجهاد من الأهل والاخوة والأصدقاء الذين يترددون على البيت . ولم يكمل محمد دراسته فقد ترك الدراسة من المرحلة الإعدادية ، لقد كره المدرسة كرهاً شديداً وكم نهرناه وزجرناه أنا ووالده واخوته ونصحناه بكل الوسائل فلم يُجد ذلك نفعاً .. وأود هنا أن أشير إلى نقطة مهمة وهي تأثير المعلم في حياة الطالب فمعاملة المعلم للطالب هي نصف تدريس المادة وقد تؤدي المعاملة السيئة لبعض المعلمين إلى الجناية على الطالب وحرمانه من نصيبه من العلم فقد أدى كرهه لبعض المدرسين إلى كرهه للمدرسة كلها وبالتالي إلى تركها .. وقد كان صغيراً لا يدرك مصلحة نفسه وقبل استشهاده بحوالي عام أخذ يعض أصابع الندم على هذا الأمر وصمم على أن يواصل التعلم من جديد وقال لابد أن آخذ التوجيهي وذهب عند أحد المدرسين ليأخذ الحصص التي تساعده في ذلك . ولكن عندما أوكل إليه أمر العملية ترك أمر المدرسة .

 

بعد أن ترك محمد المدرسة ذهب إلى أحد مصانع الخياطة وتعلم هذه المهنة كأسرع ما يكون ، لقد كان عنده مهارة وذكاء في تعلم كل شئ ومارس مهنة الخياطة وأي مصنع يذهب للعمل فيه دائماً يكون على رأس المعلمين ودائماً محط شكر أصحاب العمل سواء في المهارة أو في حسن الخلق .. فوالله ما كان في موقع من مواقع عمله وسواء كان أصحاب العمل طيبين أو غير طيبين إلا كان محبوباً أشد الحب حتى أذكر أنه عمل في مصنع وفيه عاملات بنات فكانت صاحبة الحظ التي يكلمها محمد ، ويتسابقن على كلمة أو نظرة منه ولكن رضى الله عليك يا ابني بقدر ما بين السموات والأرض لقد كان التزامه بتعاليم دينه ينهاه عن تلك التفاهات ، كان طاهراً عفيفاً صاحب حياء وخلق كالعذراء في خدرها .. ليس ضعفاً منه ولا خجلاً ولكن خلقاً إسلاميا عفة وطهارة كم كنت أسعد بهذه الخصلة الجميلة فيه وكنت أتباهى بين من هم في سنه واكبر منه ولا يستطيعون الصمود أمام هذه المغريات وأربت على كتفه و أقول والله إنك تعجبني و أرضى عليه من كل قلبي .. لم يكن هذا ناتجاً عن كرهه للحياة البشرية العادية من عواطف ومشاعر إنسانية متنوعة فقد كان يحب الزواج ويحب الصغار بصورة غير عادية حتى أنه قال لي سوف أدخل في جمعية بمبلغ مائة دولار في الشهر حتى أستطيع أن أتزوج لأني بغير ذلك لا يمكنني أبداً أن أدبر مبلغاً كهذا فقلت له على بركة الله يا بني ودفع المائة دولار ولكن عندما أحس أننا محتاجون لها سحبها وقال " الله ما يجعل حد يحوش " فكان يتقطع قلبي من الداخل رضي الله عنك يا محمد  يا أغلى من نفسي كم كنت تؤثرنا على نفسك يأتي بمُرتبه كله ويقول خذي يا أمي ولا يبقي معه سوى القليل القليل الذي لا يكفيه مصروف أيام قليلة في الشهر فأتشاجر معه وألح عليه إلحاحاً شديداً ليأخذ ما يكفيه فيرفض ويقول أنتم أهم مني ويجن جنوني وألقي بالنقود بعيداً ولكن دون جدوى .. ! يعيش أياما طويلة خلال الشهر يأخذ مني على قدر المواصلات والساندويتش ،، أما إذا احتاج الى معدات قتالية كالقنابل وغيرها يستدين ثمنها حتى يرزقه الله برزق من هنا أو هناك غير راتبه حتى يؤمن لنا عيشنا ، فكلما أتذكر منه هذه الأشياء يتفطر قلبي من شدة الألم ولكن أواسي نفسي وأقول الحمد لله أنه مرتاح الآن من هذا كله وعند رب رحيم أرحم مني ومن الناس جميعاً .

 

لقد رزقه الله خصالاً أوجدت له المحبة والقبول في قلوب كثير من الناس وكان أصدقاؤه جميعهم كل منهم يقول له أنت أعز أصدقائي في أي مكان كان يترك له محبين .

 

حيـاته الجهـاديـة :

 

كان منذ الطفولة يقوم بمساعدة شباب الكتائب خاصة الشهيد البطل معلمنا وأستاذنا عماد عقل فقد قام بإيصال الرسائل والأموال بين المجاهدين وهناك مهام كثيرة كان عماد يحملها له كأي شاب من الشباب وكان محل ثقة من الجميع .

بهذا الجو المحيط به من كل جانب تأثر وأثر .. فكل تفكيره في الجهاد والسلاح والذخيرة وما يتصل بتلك الأمور حتى حديثه هو وأصحابه قليلاً ما يتجاوز هذه الأمور .. كم كان يتمنى عندما يسمع عن عملية أن يكون هو منفذها . لقد امتلأ قلبه حقداً على اليهود كغيره من شباب فلسطين من هول وفظاعة ما يفعله هؤلاء المجرمون ، كانت تمر بعض لحظات يفور دمه ويقول لا أستطيع أن أعيش أبداً ، يتحرق شوقاً لأن يأخذ أي سلاح ويذهب به على بعض المواقع .. وكثيراً ما ذهب قبل شراء السلاح ليرجم بالحجارة هو والشهيد البطل محمد حلس الذي كان هو وإياه أكثر من اخوة . لا يُرون إلا مع بعضهما حتى أنه في بعض المرات أصيب محمد حلس ومحمد ابني بجانبه تماماً فتألم عليه جداً وصحبه في المستشفى يبيت عنده حتى خرج وبقيت إصابة محمد حلس تؤلمه حتى لقي ربه شهيداً وكان محمد يذهب ويأخذ معه بعض القنابل ويلقيها على الجيش الإسرائيلي ولكن كثيراً ما أخطأت هذه القنابل أو تأتي بجانب الهدف بالضبط ولم يحقق خسائر .

 

عمل محمد كثيراً مع أخيه الأكبر نضال وكان بالنسبة له الذراع الأيمن يوكل إليه أعمالاً كثيرة ، فوالله لم أر مثله مطيعاً في هذه الأمور ، كان قدوته أخوه نضال فقد أولاه عنايته كان يحس ببطولته التي لم تكن تظهر عليه للغير ويقول لي " أنا محمد "يا مَا" أركن عليه أكثر من الكل ، محمد "يا مَا" راجل عن  صحيح " . . كنت أعرف هذا عن محمد وأعرفه برجاحة العقل وسداد الرأي ولذلك كنت أسمع كلامه وأطيع كلامه في كثير من الآراء التي يبديها لي أو يشاورني فيها إلا إنني كنت أشفق عليه ومرات أزعل من نضال يرسله في مهمات شاقة ثم استرجع نفسي وأقول معلش خليه يتعلم ويصير راجل .

 

حدثني ابني نضال عن محمد وقال : محمد رغم صغره إلا أنه كان يحمل صفات الرجال ، كنت أنظر إليه ، ذلك الشاب الوسيم وأنظر إلى ملامح وجهه التي تميل مرة إلى الطفولة وأخرى إلى الصبا والشباب لكن كنت أعلم أن خلف هذه الشخصية تختفي وراءها شخصية أخرى غير تلك المرسومة على وجهه ، إنها شخصية عظيمة كأولئك الرجال الذين ما انحنوا للباطل وأبوا إلا أن يسيروا كما سار الأبطال وأن يصنعوا من أجسادهم جسراً وطريقاً لغيرهم ، إنه جسَد الحقيقة التي نسمع عنها ، عن أشبال الجيل الأول أمثال أسامة أبن زيد الفتى القائد ، وإنني أتذكر محمد الآن وأتذكر مواقفه الجميلة عندما كنت أراه غيوراً على  دينه صادقاً في طلب الشهادة وكان يقول لي  عندما كنت أقرأ القرآن وأصل الى أية " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون وعداً عليه في التوارة والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم " .يقشعر لها بدني ولا أجد في نفسي أجمل من تلك الآية" ، عاشرته في أيامه الأخيرة حتى أراقبه عن كثب وهو يجهز نفسه للرحيل الى الأعلى حتى أرى مدى صدقه في طلب الشهادة خوفاً من أن يتراجع أو يكون طلبه لها مجرد حمية واندفاع مؤقت حتى لا أظلمه وكنت أتحسسه دائماً وكلما كان الوقت يقترب لا أجد منه إلا مزيداً من العزيمة والإصرار على تنفيذ العملية والانتقام من المحتل وكان يسألني هل حقاً سأدخل المستوطنة وأقتل فيها من الجنود ؟ وأطمئنه بأن يجعل ثقته بالله عالية وأن ينزل السكينة على قلبه ويثبت قدميه . 

 

ومع مرور الأيام كان يزداد التزاماً وتديناً وفي الفترة الأخيرة من حياته عمل في الجامعة الإسلامية كعامل في الكافيتريا وترك له فيها محبين كثيرين فإن حسن الخلق الذي كان يتميز به جعل له أحباباً في كل مكان صغاراً وكباراً .. رحمك الله يا بني كم كنت محبوباً ، ومن بعض صفاته الكرم فأي إنسان يطلب مساعدة لا يستطيع رده أبداً فكم مرة استدان فيها لأجل غيره من الأصدقاء .

 

بحث في كل مكان عن عمليات هنا وهناك فلم يجد ، وكان دائم البحث عن هذا الشيء ولما ظهرت هذه العملية في الأفق أسرع ليكون من منفذيها وألح عليها بشدة مع أنه كان يحب أن يعيش لينفذ عمليات فقد قال " والله يا أمي لا أحب أن أعيش إلا لأجل أن أجاهد فقط وليس لأي شئ آخر " إلا أن هذه العملية أغرته إغراءً شديداً أن ينفذها حتى لو كان ثمنها حياته وعمره الغالي فتوقعه لنجاحها جعله يسترخص عمره من أجل هذا الصيد الثمين ، وأنا أنصح هنا الشباب الذين يجعلون الشهادة هي الهدف الأسمى .. صحيح أن الشهادة مطلب جميل والأجمل منه أن ننفذ العمليات فإذا استطعنا أن نحافظ على حياتنا من أجل أن ننفذ غيرها فهذا أجمل ، أما إذا كانت العملية لا تنفذ إلا عن طريق الاستشهاد  فلا ضير في ذلك .

قبل العملية بشهر تقريباً شغل بها محمد شغلاً كبيراً فقد عاش فيها لحظة بلحظة وترك أمور الدنيا حتى ذهابه للعمل كان ثقيلاً جداً عليه أما في الأسبوع الأخير من حياته فقد عشنا أنا وإياه هذه الأيام بكل المشاعر الإنسانية من ألم الفراق الرهيب الذي كان يخيم علي مشاعري في كل مرة أراه فيها فكلما دخل عليَ الغرفة أحسست بانقباض في صدري وحزن عميق في قلبي وكثيراً ما أضعف وتغلبني دموعي فيهددني ويقول "خلاص بلاش عملية " وذلك حتى يخوفني بعدم القيام بهذا العمل وهو يعرف أني حريصة جداً على تنفيذها وأرد عليه قائلة بالله عليك يا بني ألا تهتم بدموعي دعني أفرغ شحنة من الحنان الذي في قلبي ألست أماً أم أنت رخيص عليَ إلى هذا الحد امض على ما أنت ماض عليه ولا تعير دموعي أي اهتمام ! فيضحك ويقول " طيب ابكي قد ما بدك " وهنا أوجه كلمة لمن يستغرب هذا العمل أن أضحي بابني وهو غالٍِ عليّ كل هذا الغلاء ، أقول لهم هل نحن نعيش في هذه الدنيا تحكمنا العواطف والمشاعر الإنسانية والشهوات أم يحكمنا شرع الله ؟ ! فكم من أمور شرعية لا توافق عواطفنا نقوم بتنفيذها والعمل بها ليل نهار .وأضرب مثلاً بسيطاً بالصيام ألسنا نجوع ونعطش ونتعب ؟ كل واحد فينا مر عليه هذا الموقف بأن رأينا أبناءنا يتعبون ويجوعون ويعطشون ونشفق عليهم جداً ولكن هذا فرض من فروض ديننا الحنيف لا يمكن تركه أبداً كذلك في كل الفروض من صلاة وحج واوجه كثيرة جداً من أوجه العبادات كلها تريد منا مشقة وجهداً وحرماناً من بعض شهواتنا ، والجهاد اليوم فرض عين في بلادنا إذا تركناه نؤثم، أفنتخذ إلهنا هوانا ونعيش تحكمنا العواطف والأهواء ، والإيمان يتطلب منا تضحية في كل شئ فلنضغط على عواطفنا ومشاعرنا التي لا تتفق مع شرع الله ولنفز بمرضاة الله عز وجل بالعمل بما فرض علينا من أمور مهما كانت صعبة فهذا والله أقل الواجب نحو الله حتى وإن كان صعباً على نفوسنا ثم أقول ألا يستحق ربنا منا أن نجود من أجله بأي شئ نملكه ؟ فمن نحن ومن أبناؤنا بجانب الله سبحانه وتعالى وهو أحق بهم منا ، هو الذي خلقنا وإليه مرجعنا هو مالكنا من أحق بنا منه ؟ لا أحد لا أحد ! ثم إن هذا جهاد واستشهاد وله من الكرامات ما لا يوصف فإذا كنا نحب أبناءنا هذا الحب لماذا لا نبحث لهم عن الخير خير الدنيا والآخرة وأي خير مهما بلغ أعظم من الشهادة في سبيل الله يكفي أنه يجار من النار ، تكفي هذه والله وبعد ذلك ألا يجدر بنا أن نسعى لنيل الشهادة لنا ولأبنائنا فهي مرضاة الله عز وجل لنا ولأبنائنا وخير ديننا وخير أنفسنا إن شاء الله ، ثم أرد على الذين اتهمونا بقسوة القلب فلا أستطيع أن أرد أبلغ من  الأخت الشاعرة جليلة الجشي التي ردت على ملكة السويد أبلغ الرد فقد قالت هذه الملكة الجاهلة التي لا تدرك الأمور جيداً إن نساء فلسطين أقل أمومة من الأمهات الأخريات ..فردت الأخت جليلة جزاها الله خيراً .

 

أيتها الملكة البعيدة عن جراحات أمي .

لا تتفوهي بما لا تعرفي عن أمي وعني .

في خبزها دفء يغمر العالم حباً .

وفي ثوبها عطرٌ يملأ الدنيا حناناً .

معذرة .. عليها لا تتجني .

أمي التي تيتمت وأمي التي ترملت .

وأمي التي فوق ملامح وجهها مجازر شعبي ارتسمت .

أمي من حملت على كفيها جمر الصمود .

وأمي من أذاقها زمانها مر القيود .

وأمي من عانقت الموت وحيدة خلف الحدود .

وأمي من فقدت أبي صابرة على كل العهود .

وأمي من بذلت لأطفالها كل الجهود .

فلا تتفوهي بما لا تعرفي عن أمي وعني .

أنت التي في قصرك العاجي تتبخترين .

وأرقى الأزياء وأحدثها تلبسين .

وأشهى المأكولات الأوربية تأكلين .

وعلى الفراء والأغطية الحريرية تنامين .

فمثلك هيهات هيهات أن يعرف أمي .

فأمي من أرضعتني مع حليبها حب الوطن .

ومن خيمتها المنسية أطعمتني عشق الأرض .

فلا تتوهمي واعلمي .. بأني أعيش في شرايين أمي .

وأنفاس أمي ..ودمع أمي .. وحزن وشقاء أمي ..

ولكن يا سيدتي .. حب الوطن وعشق الأرض .

أغلى من روحي ومن دمي .

وخمسين ألف اعتذار اعتذري . وانحني احتراماً لأمي .. !

 

قبـل الشهـادة :

 

لقد عشت أنا وحبيب قلبي وثمرة فؤادي محمد أياماً جميلة جداً قبل استشهاده .. فبرغم الألم الذي كان يعتصر قلبي ، غطت عليه فرحته الشديدة .. لم تفارق الابتسامة وجهه طيلة تلك الأيام بسبب وبدون سبب يضحك من كل قلبه وأنا اعرف سبب ذلك الفرح كله فقد كنا أنا وإياه بنفس الشعور فرحين لأننا مقدمون على تقديم شئ ثمين نوعاً ما لمرضاة الله عز وجل .. فأسعد شئ والله في هذه الدنيا أن تحس بأن ربك راض عليك ،  لا نريد أكثر من ذلك وهل بعد ذلك من خير ، كان يقول لي ويسرح بفكره إلى هناك حيث المغتصبة في غوش قطيف ويقول " هل معقول يا مَا" سأنفذ عملية وأقتل يهوداً واستشهد وأفوز "  ويسرح بفكره وأنا بجانبه أحس أنه يطير في ملكوت السموات بعيداً عني .. وكثيراً ما كنت أضعف فأمضي الليل وأنا أبكي ... وإذا كان في النهار أهرب من غرفة إلى غرفة حتى لا يراني أحد .. وفي اليوم الثالث قبل العملية أتاني وقال لي " والله أنا فرحان ومش فرحان بهذه العملية " فقلت له ولماذا يا بني ؟ قال " لأني سأذهب وحدي وبدون محمد حلس "وكان محمد حلس أعز عليه من إخوته ، كان يريد أن يذهبا معاً عند ربهما ، لم يفترقا في الدنيا وأراد ألا يفترقا في الآخرة ، وأبين هنا لكل من قرأ هذه السيرة كيف يتسابق شباب فلسطين على حب الشهادة فقد رجع محمد حلس يبكي لعدم إتاحة الفرصة له ، فقد كانت ظروف العملية لا تحتمل إلا واحداً ورجع محمد ابني حزيناً أيضاً وقال لي من شدة حبه لأخيه محمد حلس ما رأيك يا أمي أن أمنحه عمليتي وبعدين يرزقني الله بغيرها " ما هذا الإيثار بين هؤلاء الفتية الصغار كل منهم يؤثر الآخر بخير الدنيا والآخرة ليس بمتاع من متاع الدنيا القليل ولكنه الفوز بمرضاة الله وبالجنة حتى إني والله أشفقت على ابني وحبيبي محمد حلس وآثرته بالعملية وقلت لمحمد ابني " يا للا أنت بعدين يا محمد ربنا يرزقك بعملية غيرها " .

 

صليت ركعتين ودعوت لهما أن يختار الله لهما ما هو خير لهما الاثنين وصلى محمد صلاة الاستخارة ونمنا ونام بجانبي تلك الليلة ليودعني وفي الصباح استيقظ محمد على رنة الجوال فإذا بالمسئول يقول له " لقد وقع الاختيار عليك يا محمد أنت ، ومحمد حلس سوف نوفر له عملية في وقت قريب إن شاء الله " ، رد عليه محمد وقال " أتعرف أين كنت لحظة ما تكلمت ؟ قال أين ؟ قال " كنت عند الحور العين ،  ففتحت عيوني بسرعة عند سماع هذه الكلمة وقلت ماذا يا محمد ؟ بشرني "يا مَا" قال لي هو ما سمعت ؟قلت الحمد لله !! والله هذا اختيار رباني وموفق إن شاء الله وجلست أنا وإياه وأقنعت محمد حلس أن يتصبر إلى أن يرزقه الله بعملية أخرى وأزيح الهم عن قلب محمد ورضي بهذا الاختيار الرباني وانشرح صدره مرة أخرى وأخذ يجهز نفسه للغزو في سبيل الله ، لم أشعر أو أحس في نفسه أي ذرة من الخوف أو القلق أو الحزن على شئ أكثر ما كان يحزنه فراق أصدقائه ، هذا الشيء الوحيد الذي أحزنه من فراق الدنيا والشيء الآخر كان ينتابه شعور القلق عليَ أن أجزع وألا أصبر عليه .. هو يعرف أني سأصبر عليه لثقته بي وبإيماني ولكن لشدة خوفه عليَ كان ينتابه هذا الشعور فيوصيني دائماً " بالله عليك يا أمي أن تصبري " .

 

في اليوم الأخير الذي مكثه عندنا كان مشغولاً جداً ولم أره كثيراً فقد خرج ليسجل شريط قراءة الوصية وأخذ بعض الصور ، كان إغلاق الطريق يقلقه أشد القلق وكانت قد بقيت واحدة من أخواته لم يرها ، فقد رآهن جميعاً دون أن يخبرهن بذلك فجهزت له طعام الغداء وانتظرته حتى أتى ، تناول الطعام على عجل ليلحق قبل أن تغلق الطريق في الجنوب وكان وداعه على عجل حتى إني كنت أتمنى أن أقرأ له بعض السور على يديه ، قرأت له بعض آيات النصر والتثبيت وعانقته بكل الحنان الموجود على هذه الأرض ولا أتذكر ما قلته له من شدة رهبة الموقف إلا أنني أتذكر أنني شجعته ببعض كلمات التشجيع ، وانطلق والسرور يملأ قلبه ووجدانه لا خوف ، لا قلق ، لا أي شئ يزعجه ، يسيطر عليه الشعور بالفرحة الكبيرة ، إنه اليوم سيقدم روحه ودمه لله عز وجل طائعاً مختاراً وبعد مغادرته البيت أخذ بقلبي الألم كل مأخذ ، لم أبك كثيراًً ولكني أحسست بجبال من الحزن تجثم على قلبي وصبَرت نفسي بشغله هنا وشغله هناك ، ولكن والله شدة فرحتي بأني أقدم اليوم ابني فداءً لله عز وجل ، غطت  على هذا الألم الشديد وبقيت على انتظار للاتصال بي فما زال يتصل بي بين الحين والآخر وفي كل مرة كنت أحس بأن السعادة تغمره من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه أقول له كيف أنت "يا مَا" ؟ كيف معنوياتك ؟ يقول لي " مكيف " يقولها من كل قلبه وفي آخر اتصال بيننا لم أتمالك نفسي فأجهشت بالبكاء على الجوال وبكى هو الآخر عليَ فقط ليس على أي شئ آخر .. سمع صوت عماد أبن أخيه نضال وهو في السنة الثالثة من عمره فقال أعطيني يا ما عماد لقد كان يحبه حباً شديداً وكان آخر كلامه مع عماد ، وقال الآن سأقفل الجوال وها أنا سأذهب إلى المستوطنة الآن .

 

وبعدها لم يكن أمامي إلا الصلاة والدعاء ، كنت قلقة جداً ألا ينجح في عمليته فما كان يهدئ من نفسي إلا الصلاة والدعاء لقد أسلمت أمري كله لله وأخذت أجأر بالدعاء كأشد ما يكون .

 

وتأخر النبأ وأخذت تمضي الساعات بطيئة متثاقلة تقترب من الثانية عشرة ليلاً فإذا بالفرج يأتي من عند صاحب الفرج ، فتح الشباب على إذاعة إسرائيل فإذا بالمذيع يذيع الخبر والعملية لا زالت دائرة يقول المذيع هناك قتيل واحد ولا نعرف كم عدد المهاجمين ولكننا نعرف أن هذه عملية محمد فانتظرنا قليلاً وأعصابنا مشدودة وعيوننا تنظر إلى التلفاز ونحبس أنفاسنا مع كل جديد فأتى شباب آخرون يستمعون وتنحيت قليلاً وإذا بنضال ابني ( أبو عماد ) يحتضنني ويقول لي مباركة "يا مَا" شهادة محمد لأنهم أذاعوا لقد قتل المسلح ... امتلأ قلبي بالحزن والفرح في آن واحد لقد تألمت على فقدان ابني الحبيب ولكن هذا ما كنت أتمناه وانتظره بفارغ الصبر ، ذهبت بعيداً عنهم وسجدت سجدة شكر لله عز وجل وخجلت والله أن أقول اللهم أجرني في مصيبتي لأنها نعمة والله وليست مصيبة ودعوت له أن يتقبل منه ومني وأن يجمعني به في الفردوس الأعلى إن شاء الله .

 

رحمك الله يا حبيب قلبي وثمرة فؤادي كم كنت بنا باراً كم نفعتنا بعمرك القصير الذي كان كعمر الزهور وسننتفع بك إن شاء الله في اليوم العصيب الذي ينتظرنا في الآخرة .

رحم الله كل شهداء فلسطين وكل شهيد جاهد لأجل أن تكون كلمة الله هي العليا والحمد لله رب العالمين .

 

إلى صفحة السير