بسم الله الرحمن الرحيم

10/03/1429

 الخيانة والغدر عند الفرس عبر تاريخهم الطويل

( الجزء الأول )

 بقلم : خالد عزيز الجاف - برلين

  موقع النهى* 

( قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ)
آل عمران : 118    

 

   سبحان الله التاريخ يعيد نفسه  ، ويسطر في صفحاته دروس وعبر للأجيال القادمة  ، ويكشف  خيانات  الفرس  عبر تاريخهم الأسود من جرائم  بحق جيرانهم من الشعوب الأخرى .  فكلما سنحت لهم الفرص تتكرر هذه الجرائم . (فالبغضاء في  أفواههم  ضد العرب والإسلام شديدا وواسعا  وكبيرا، و ما تخفي صدورهم اكبر . )

    نحن امة عراقية شهدت أكثر الحوادث تنوعا في تاريخ البشرية من مآسي  ودمار واحتلال   وحصار  لكنها لا تملك ثمرة التجربة. فهذا الكم المعرفي التاريخي خال من الخلاصة . جميع الشعوب حولنا يعرفون أنفسهم ويفتخرون بقوميتهم وأصولهم إلا نحن تعوزنا معرفة الذات  عبر النظر في مرآة التاريخ  ابعد تواريخنا الاحتلال الفارسي وإسقاط الدولة البابلية   .  واقرب تواريخنا الاحتلال المغولي  وإسقاط الدولة العباسية العربية  في بغداد وتدمير الحضارة العربية ، ثم جاء بعده  الصراع الفارسي التركي من اجل السيطرة على بغداد والعراق كله  . قبل الإسلام كان الخطاب السياسي في العراق  عنوانه عجما وعربا ، وفي عصر ظهور الإسلام وفتح العراق كان العنوان دينيا شعاره مسلمون وكفار،  في العصر الحالي انتقل العنوان سياسيا قوميا عنوانه الصراع العربي الفارسي . القضية إذن  ليست لها علاقة   بالدين الإسلامي والعقائد والفقه والشريعة ،  فالعراق بلد غير محظوظ  مع جيرانه  حتى مع شعبه .

  العراقيون شعب يميل إلى الفردية والحرية الشخصية والجدل انه لا يصلح لبناء الدول والإمبراطوريات. العراقيون لم ينجحوا طيلة تاريخهم بعد سقوط دولهم الوطنية ( آكد وسومر وبابل وأشور ) أن يغزو غيرهم أو يوسعوا حدود بلدهم ، فقد كانت هناك رغبة  إقليمية ودولية عبر التاريخ الطويل للتعرض للعراق واحتلاله .  لقد أصبحوا عرضة لهجمات متلاحقة. فإذا ظهر زعيم وطني في العراق كما حدث في عهد عبد الكريم  قاسم  وصدام حسين  تتحرك القوى الكبرى لتفرض عليه إرادتها وخططها الاستعمارية لإركاع العراق . لقد كان العراق ومازال حالة فريدة في التاريخ ، لا يمكن أن يدع لحاله ليعيش كباقي الشعوب المسالمة .  عاش الشعب العراقي ثائرا على مدى تاريخه الطويل ، جاء الأمريكان واحتلوا العراق لكنهم يشكون الآن  من تمرد شعبه.

   لو رجعنا دراسة  تاريخ العراق القديم سنجد أن أول احتلال للعراق كان احتلال  الدولة الفارسية له .

   التاريخ مليء بالعبر والأحداث المؤلمة والمخزية  التي سطرها الفرس  عبر  تاريخهم الطويل المخزي منذ الدولة البابلية ولحد الآن  ضد الشعب العراقي  . من يقرأ تاريخ الفرس ويتصفح أحداثه لا يجد غير الغدر والخيانة ونقض العهود، وإشعال نيران الحروب ضد جيرانهم من الشعوب المسالمة الأخرى. وكل مؤرخ او مطالع لهذا التاريخ لا يجد أبدا صفحة نقية بيضاء بين طياته. إن هذا التاريخ الذي سطره الفرس عبر تاريخهم الطويل قائما في حب السيطرة على أراضى الغير، وشعوب المنطقة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا وبقوة، هل أصبح الفرس الآن بعد دخولهم الإسلام أكثر تقوى أم تقية؟؟. فالفرق واسعا بين التقوى والتقية، وسأقدم هنا للقاري الكريم لمحات عن  تاريخ الغدر  لهؤلاء الفرس الذين ابتلى بهم العرب والمسلمين على مر التاريخ. إنهم مشهورين بالخيانة والغدر حتى لأقرب أصدقائهم وحلفائهم المقربين والمرتبطين معهم بمواثيق وعهود .   انبثقت  الحضارة السومرية في الجنوب في الالف الرابع قبل الميلاد ، واتخذت هذه الحضارة شكلها السياسي والثقافي المتكامل مع  قيام الملك  ( سرجون الاكدي ) الذي مثل بداية سيادة اللغة السامية الاكدية وتوحيد الدويلات العراقية وتكوين أول دولة موحدة (2350ق.م) على ارض الرافدين.

    الاكديون هم من الأقوام التي هاجرت من جزيرة العرب ما قبل الإسلام والتي استوطنت في أواسط وجنوب العراق منذ مطلع الألف الثالث ق.م على اقل تقدير ، وعاشوا مع السومريين جنباً إلى جنب وكانت هذه الأقوام تتكلم الاكدية التي هي من عائلة اللغات الجزرية   (اللغة العربية الأم لهذه اللغات). وفي حدود (2350) ق.م أسست دولتها التي عرفت بالإمبراطورية الاكدية وعاصمتها (أكد) التي لا يعرف موقعها الأصلي في الوقت الحاضر .ولذلك وجدت في اللغة العربية كلمات مستعارة من اللغة السومرية أصلها أكدي وذات جذور عميقة في تربة هذا الوطن وهما أقدم لغتين في بلاد مابين النهرين.

    مدينة بابل في وسط  العراق لعبت دورا أساسيا كعاصمة حضارية كبرى لفترة ألفي عام تعاقبت عليها الكثير من السلالات والدول . . لقد اتخذت  لغة العراقيين القدماء  تكوينها الثقافي والكتابي من خلال  استيعابها اللغة السومرية بما فيها من ثقافة ومعتقدات دينية والخط المسماري السومري. أصبحت الاكدية (بلهجتيها البابلية والآشورية ) لغة العراقيين الرسمية لما يزيد على الألفي عام، وخلفت لنا الآلاف المؤلفة من النصوص والوثائق الطينية التي سمحت لنا من معرفة كل شيء عن حياة العراقيين.  .

   تشير المصادر التاريخية على أن الآشوريين اتخذوا سنة1080ق.م نينوى عاصمة لهم  . فالدولة الآشورية ، بالإضافة إلى دورها المتميز في تطوير الحضارة العراقية بالتكامل مع الدولة البابلية، فأنها ايضا قد تميزت بالروح العسكرية والميل إلى التوسع والفتوحات التي جعلت العراقيين يسيطرون على كل كل بلاد الشام وحتى مصر. إن سكان شمال العراق ما كانوا  يختلفون عن باقي العراقيين ، لا من حيث اللغة ولا من حيث الدين، نفس اللغة الاكدية ( بلهجتها الآشورية)  . لكن قد طغت عليهم تسمية(آشوريون) نسبة إلى اله الثور، الذي كان مقدسا لديهم أكثر من باقي العراقيين . واللغة   السومرية التي ظلت لغة مقدسة لدى جميع السلالات العراقية بجانب لغتهم الاكدية خلال أكثر من ألفي عام حتى نهاية بابل في القرن السادس قبل الميلاد .

   صحيح انه من الناحية السياسية فإن نينوى قد لعبت دورا منافسا لبابل ، وهذا الانقسام بين قطبين في داخل الوطن الواحد،  مسألة طبيعية قد وجدت في معظم حضارات التاريخ مثل مصر وغيرها  إلا أن الوحدة اللغوية والدينية للعراقيين ظلت سائدة طيلة هذه القرون العديدة . لقد سادت اللغة الأكدية وهي من أول وأقدم اللغات السامية المعروفة .

   على مر التاريخ لم ينج العراق من شر حكام إيران   ، بسبب الجغرافيا ، ففي عام ( 539ق.م ) إجتاحت قوات قورش الإخميني  مدينة بابل ،واستمر الاحتلال حتى سقوط الدولة الإخمينية على يد الإسكندر المقدوني ( 322ق.م) ، وفي عام (200ق.م) احتلت السلالة الفارسية ( الفرثيون) البلاد ، واستمروا حتى قضى عليهم الساسانيون في عام (224م) ، فاستمر الاحتلال الساساني حتى الفتح الإسلامي عام (640م) ثم قتل آخر ملوكهم في مخبئه عام (651م). ، والصفويون ( 1499م _1722م) ،   ثم  نادر شاه (1736م _1747م)  وقد أكمل الصفويون هذه الأطماع عندما قاموا باحتلال العراق أكثر من مرة ثم نشر أفكارهم بين أبناء العراق والذي لا يزال يعاني منها الشعب العراقي. 

   إن سقوط بابل يعتبر سقوط آخر دولة عراقية وطنية ، وأصبح النهرين ساحة صراع القوى  العظمى: الإيرانيون والإغريق والرومان ، حتى تمكن أخيرا الفرس الساسانيون من فرض سيطرتهم  ابتداءً من القرن الثالث حتى القرن السابع ، حيث الفتح العربي الإسلامي . طيلة أكثر من ( 11 ) قرن ظل العراق محكوما من دول تختلف عنه دينيا ولغويا ، ورغم محاولات الإيرانيون خلال قرون السيطرة من فرض لغتهم الفارسية وديانتهم الزرادشتية إلا أن العراقيين ظلوا على ديانتهم البابلية ولغتهم الآرامية . منذ قبل الميلاد تمكنت اللغة الآرامية أن تصبح لغة العراقيين السائدة وكذلك لغة سوريا ، والآرامية هذه بالحقيقة هي لغة سامية تكونت من التقاء اللغتين الاكدية العراقية والكنعانية السورية  الفلسطينية  ، فإن هذه المرحلة تميزت أيضا بالدين الموحد السائد في الشمال والجنوب طيلة عشرات القرون. وهذا الدين العراقي قائم على أساس ( عبادة الكواكب ) وما تتضمنه من معتقدات وأساطير والهة متعددة ممثلة للكواكب ومسئولة عن حياة الإنسان والطبيعة . وهذا الدين العراقي شكل أساس(نظام الابراج وعلم التنجيم ) الذي ساد العالم كله ولا زال حتى الآن يتبع نظام الأشهر العراقية حيث البرج الأول هو (الحمل) في(21 آذار) أول يوم في السنة العراقية حيث انبثاق الربيع والخصوبة والميلاد. من المعلوم ان العراقيين القدماء بكل مسمياتهم (سومريون وبابليون وآشوريون)، كان يعتنقون نفس الدين، والذي يقوم على أساس (تقديس عملية الإخصاب في الطبيعة) والمرتبطة بعبادة الآلهة الممثلة للكواكب السبعة المعروفة وقتذاك: ( الشمس والقمر والزهرة وزحل وعطارد والمشتري والمريخ). والعراقيون هم أول من أبدع ما يسمى بـ (علم الابراج) أي الأبراج الاثنى عشر المقسمة على اشهر السنة، ابتداءا من شهر نيسان وبرجه الحمل، وهو برج اله الخصب والذكورة(تموز) ويعتبر أول شهر من السنة العراقية، وفيه يخرج تموز من موته(الشتوي) في أعماق الظلمات في أول الربيع لتخصيب الأرض. وقد صنع العراقيون الأوثان التي تمثل هذه الإله النجمية، حيث كل اله يمثل طاقة معينة، مثل تموز طاقة الذكورة، وعشتار طاقة الانوثة، وايل طاقة الخلق العظمى حيث هو زعيم الالهة. إن هذه الديمومة (الحضارية ـ اللغوية ـ الدينية) لدى العراقيين متأتية من طبيعة ارض النهرين وقدرتها على هضم الاقوام الجديدة واستيعاب ثقافتها المختلفة وصهرها في روح ومياه النهرين الخالدين وحضارتهما الأصيلة.

    لم تنقطع أطماع الفرس بوادي الرافدين يوما،هدفها  للتمدد وبسط النفوذ في الدولة المجاورة لها وإذا ما تم استقراء التاريخ فأنه يرينا العجب العجاب ، وقد عانت  أور المدينة السومرية التي انطلقت منها أولى اللبنات لحضارة عظيمة فيما بعد عانت من تلك الأطماع كثيرا ، ومازال حدث اجتياحها من قبل العيلاميين في أواخر حكم (أبى - سين) مسجلا حتى يومنا هذا في مرثية قل نظيرها . وفى أواخر العهد البابلى أيام (نبوخذنصر) دخل كورش الفارسي غازيا فخرب مدينة بابل ، وكانت أور من ضمن المدن التي أمر هذا  الملك بتدميرها ، لإنهاء دورها الحضاري الريادي . وعندما هاجم الفرس بابل كان بنشاصر وصيا عن والده نبونيد الذي كان مقيما في مدينة  تيماء ، وقاد قطاعات الجيش في الميدان ، ولكن  الجيش الفارسي دحره وقتله (بالتواطؤ مع يهود السبي في بابل) ويقال أنهم اخذوا نبونيد أسيرا عند سقوط بابل ، واستولى كورش على ممتلكاته . ويبدوا أن كورش  عبد الطريق إلى هجومه بحملة من الدعاية  البذيئة ضد الملك نبونيد لتشويه شخصه وأخلاقه  وبعد الاحتلال استمتع كورش بطمس معالم نصب نبونيد التذكارية. فالحالة الرهيبة من الدمار في أور التي  أصابت مباني نبونيد تعزى بكل وضوح إلى أعمال  الفرس البربرية التخريبية المتعمدة (كما فعلوا بالعراق الحالي عند اجتياح  قوات الغدر الأمريكية للأراضي العراقية)

    وعندما  سقطت بابل  تحت أقدام الجيوش الفارسية كان كهنة الإله البابلي  (مردوك) يسجلون بأوامر كورش إن الإله مردوك رب بابل قد استدعى قورش لفتحها , وذلك في المرسوم القائل على لسان مردوك انه  ( بعد إن نظر  في كل البلدان ومحصها بحثا عن ملك تقي يكون  من قلبه فليأخذ بيده نادى الملك قورش باسمه , وناشده السيطرة على الكون وأمره بالسير إلى مدينته هو (مدينة مردوك )  بابل , ودون معركة أو قتال سمح له بدخول بابل )  والملك قورش فتح بابل بناء على طلب  كبير أربابها , كذلك فعل مع بقية آلهة الدول  المفتوحة , كذلك فعل مع يهوه , ويقول فى مرسوم أخر  ( حين دخلت بابل أخذت برعاية شئون بابل الداخلية  ومقدساتها . ففرح مردوك المليك العظيم لأعمالي المباركة , وباركني أنا كورش الملك الذي يجله )  وتمكن قورش من اجتذاب كهنة ديانات البلاد المفتوحة إلى جانبه وخاصة بنى إسرائيل , وهم من جانبهم ضمنوا له ولاء  رعاياهم بما لديهم من أوامر إلهية يوحى بها . وقد سمح لبنى اسرائيل بالعودة إلى أورشليم لأنه تلقى  أوامر يهوه بذلك . فالضربة القاصمة التي وقعت لأور في أثناء الاحتلال الفارسى دمرت كل شيء  في ارض الرافدين، فأصبحت المدينة المنكوبة بابل حتى منتصف القرن الخامس قبل الميلاد مدينة خراب ، وكومة أنقاض وتماثيل  محطمة بعد ان كانت مدينة مزدهرة كثيفة السكان  .

  أما اليهود  قد برروا وصفهم لكورش الإخميني بأنه نبي مرسل وذلك بسبب إنقاذه دهاقنتهم من الأسر البابلي, على الرغم من علمهم ان كورش هذا كان قد قتل زوج خالته وتزوج بها لكي يصبح وريثا للعرش بعد موت جده لامه  و  توقفت حضارة وادي الرافدين   منذ سقوط بابل في (539) قبل الميلاد على يد الفرس الأخمينيين  حتى القرن السابع حيث الفتح العربي الإسلامي، أي ما يقرب (11) قرناً. يمكن تشبيها بالفترة المظلمة التي أعقبت سقوط الدولة العراقية العباسية. ليس فقط من ناحية الانحطاط الحضاري الشامل الذي سادها، ولكن لأن العراق قد خضع أيضا لنفس القوى الاقليمية التي تنافست على احتلاله بعد سقوط الدولة العباسية، وهي ايران (بمختلف سلالاتها البارثية والاخمينية والساسانية)والاناضول وأوربا( بمختلف سلالته الاغريقية والرومانية والبيزنطية).. لكن في هذه الحقبة، كانت الغلبة للسيطرة الإيرانية، التي دامت أكثر من تسعة قرون: الاخمينيون (قرنان)، البارثيون (ثلاثة قرون)، الساسانيون (اربعة قرون)، وقد قطعت السيطرة الإيرانية بسيطرة اغريقية دامت قرنين، بين القرن الرابع والثاني ق.م.

    منذ أن أسس كورش دولته الفارسية عام 559 قبل  الميلاد بعد أن تمكن من جمع القبائل الإيرانية المشتتة من حوله وكان ينحت صوره على الحجر ويضعها في مواقع مهمة من المدن التابعة لحكمه ، ومنها تلك الصورة العظيمة التي نحتها في مسقط رأسه (بازار غاد) بالقرب من شيراز ، وكان الفرس يركعون أمام هذه الصور حين يمرون بها وربما سجدوا لها ورفعوا إليها مظالمهم من وكلاء الملك أو من الإقطاعيين أو من عصابات اللصوص التي كانت تستولي بالقوة على محاصيلهم  ، والمجتمع الفارسي آنذاك مجتمع زراعي اغلبه من الفلاحين وقلة قليلة  من الإقطاعيين والمتنفذين في الدولة هم الذين يملكون الأرض . وقد عين كورش مراقبا عند كل منحوتة من منحوتاته ينقل إليه سلوك الناس ومخاطباتهم لصوره ، ويعمل قدر الإمكان على الاستجابة لبعضها ، وكأنه تلقى ادعيتهم وهو في سمائه العليا واستجاب لها لتزداد قدسيته في نفوس الناس البسطاء . وفي زمن كورش قاد ذلك إلى التفاف الفرس بقوة حول ملكهم واندفعوا خلفه يخوضون غمار الحروب وتمكن كورش من عقد حلف مع نبونيد نصر ملك بابل القوي ليتفرغ لمهام أخرى ومواجهة قوى أخرى بينما سعى نبونيد نصر بهذا الخلف الى تكوين قاعدة له ضد مملكة ( ماد ) وقد كفاه  حليفه كورش شر الميديين فقد هاجمهم واستولى على عاصمتهم ( اكباتان ) وتعني مدينة الملوك وهي مدينة همدان حاليا .  وأسر آخر ملوكهم ( ايشتو ويغي) وضم جنود  وضباط الجيش  الميديين إلى جيشه . ويمكن وصف هذا العهد بأنه عهد ظهور وتأسيس الدولة الفارسية . وفيه صار ينظر إلى كورش كإله لا يقهر ، ولكنه وبسبب الغنائم واتساع مملكته وتوزيع اقطاعياته على الحاشية والضباط انقسم المجتمع الفارسي إلى طبقات متمايزة أغنياء وفقراء .

   وفي زمن كورش أصبح الجيش الفارسي الاخميني أكثر تنظيما وأقوى عدة وتم تقسيمه إلى قوات راكبة وقوات راجلة  ، لم يكن احد يقدر على مواجهتها ، وبذلك اصبح  الجيش الفارسي لا يعرف الهزيمة ، ولم ينفع بابل تحالفها مع كورش فقد اعد العدة لها بذكاء ودهاء وحذر ذلك أنها كانت تمثل الحصن المنيع في وجهه  وفي وجه طموحاته في السيطرة على الشرق الأوسط ومصر وسواحل البحر الأبيض . وفعلا هاجم كورش بابل العظيمة واستولى عليها ، وأطلق سراح السبي البابلي من اليهود وأعادهم إلى فلسطين . إلا أن كورش قتل في معركة ضد البربر في شمالي افريقا قبل ان يلحق جيشه هزيمة نهائية بالبربر  . وأعيدت جثته ليدفن في  مملكته فارس . وقد حيكت حوله الأساطير كملك الهي.

   أما عن الملك البابلي  نبونيد فأنه يعتبر من قبل المؤرخون المعاصرون  آخر ملوك  بابل الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد  أول   باحث ومنقب أثار في التاريخ ، لأنه قام بحملة في أنحاء العراق والشام التي كانت تحت الحكم البابلي من اجل البحث عن كتابات الأسلاف وإعادة الحياة إلى الآثار المندثرة منذ آلاف السنين. وكان يميل إلى الاعتزال  بعيدا عن الحكم والتفكير بأسرار الخليقة وطرح الأسئلة المصيرية العصية عن الفهم عن معنى الحياة وسر الموت .. وكان يحب التجوال في البراري والاختلاط بقبائلها . وقد اكتشف أن انحطاط  ديانة المشرق إلى طقوس شكلية يتعيش عليها الكهنة بماديات الحياة  هو فقدان الإيمان عند المواطنين  بأي قوى عليا وتلاشى أي مبرر للدفاع عن الوطن والكفاح من اجل المستقبل . كانت والدة  نبونيد تقية جدا ومتعلقة بإله القمر (سين) وتقدسه أكثر من مردوخ ملك الآلهة. وكانت مملكة بابل والشام ومصر تعيش آنذاك أكثر حقبها انحطاطا كأي حضارة مريضة هرمة تتهيأ للسقوط أمام القبائل الرعوية الآرية الآسيوية الفتية التي اجتاحت غرب آسيا وبدأت تنشأ الممالك القوية في إيران والأناضول .  وبعد تفكير طويل وحوارات مع  الحكماء والفقهاء في الشام اقتنع نبونيد أن لا خلاص للناس من هذه الكارثة إلا بخلاص النفوس من الآثام التي تنخرها نخرا وتفسدها . وكانت مشكلة ديانة أهل الشام دهرية لا تؤمن بالحياة الأخرى بل تعتقد بأن الجنة والنار هنا في الحياة الدنيا ، بينما ديانة مصر  التي كان أفضل ما فيها هي فكرة (البعث والحساب) وخلود المؤمن في الجنة الموعودة .

   شرع نبونيد في الإعلان عن هذه الديانة الجديدة في بابل عاصمة مملكته إلا انه اصطدم بردود فعل عنيفة من قبل الكهنة الذين شعروا بأن هذا المعتقد الجديد يهدد سلطانهم الديني ، وراحوا يتأمرون مع الدولة الفارسية التي كانت تهدد باجتياح البلاد ، وبعد أن فقد الأمل في نشر معتقده الجديد قرر اللجوء والاعتزال فى ألاماكن النائية ونشر مبادئه في  البوادي والصحارى   ونشر دعوته بين الناس على أن (ايل) الله هو اله جميع البشر في كل مكان وزمان ، بل هو اله الكون بأجمعه . وكلف ابنه (بيلشاصر) نائبا عنه في إدارة شؤون مملكته بابل ، وابتنى له عاصمة دينية في جنوب بادية الشام (التيماء) وجمع حوله الزهاد والمريدين  ، ويقضي أكثر أوقاته في الصلاة ل (ايل) كي يبعث رسوله (البعل المخلص) ليهدي شعبه وينقذهم من الخراب والانحطاط ومع مرور الزمن تحولت التيماء إلى قبلة للقبائل البدوية التي راحت تنتشر بينها هذه الديانة الجديدة حتى وصلت الجزيرة العربية كلها  واليمن وسيناء  . إلا أن جيوش الاخمينيين اجتاحوا مدينة بابل بعد خيانة  رجال الكهنوت وتعاونهم مع الغازي .  اما بالنسبة للملك نبونيد فلا احد يعرف مصيره بعد سقوط بابل هناك من يعتقدبأنه انه هرب واعتزل في البادية هو وأتباعه البابليين وامتزجوا مع قبائل البادية وتزوجوا وانحدروا الى الجنوب في اعماق الحجاز على سواحل البحر الأحمر ، وهم الذين أسسوا مدن يثرب ومكة .

   وقد أصبح الملك نبونيد مقدسا عند أتباعه ومريديه الكثير منهم يعتقدون بأنه المهدي المنتظر صاحب الزمان الذي سيظهر ذات يوم لينقذ الناس من الظلم والجبروت والفساد ويمكن اعتبار أن نبؤة نبونيد انه من هذه السلالة البابلية التي سكنت  ارض الجزيرة العربية سيظهر نبي المستقبل من قبيلة قريش التي  تنحدر من سلالة  اسماعيل عليه السلام وأمه الذين قطنوا الصحراء ومنهم انحدر أجداد العرب المستعربة . وقد لعبت قبيلة قريش دورا قياديا في توحيد قبائل الجزيرة العربية ،  حتى انبثق الإسلام ليحقق أحفاد بابل نبؤات الملك الصالح نبونيد .

   طيلة التاريخ ظلت منطقة نينوى شمال العراق  حلقة الوصل التي تربط العراق بمنطقة الشام وعموم البحر المتوسط. فمن خلال نينوى ومنذ القرن الأول الميلادي  بدأت المسيحية السورية الفلسطينية تنتشر في شمال النهرين وباقي العراق حتى أصبحت في القرن الثالث الميلادي ديانة الأغلبية الساحقة من السكان، تذكر المصادر الرومانية والآرامية أن (القديس توما) ثم بعده (مار عدي) من  تلامذة السيد المسيح، مع تلميذه (مار ماري) هم الذين  بشروا بالمسيحية في العراق، أولا في شماله ثم في وسطه وجنوبه. وقد شيد (مار ماري) ( ت 82 م) أول كنيسة في بلدة (كوخي) قرب المدائن، وقد وسعها مار عبد المسيح الحيري. وفيها تكونت (بطريكية) أو قيادة (مرجعية) الكنيسية العراقية ومقرها في (المدائن ـ جنوب بغداد) وتسمى رسميا بكنيسة (بابل) ويطلق عليها  المؤرخون  أحيانا (كنيسة فارس) بسبب خضوع العراق لفارس. وتتفرع الكنيسة العراقية الى فروع كنسية في كل أنحاء النهرين ويطلق على كل فرع تسمية(ابريشية)،  وانتشرت الكنائس والاديرة النسطورية  حتى الاحواز والبحرين وقطرايا ( امارة قطر الحالية ) . إن أهم إنجاز حضاري قامت به المسيحية العراقية أنها افتتحت مدرسة في كل كنيسة وفي كل قرية ومدينة، فصار تعليم القراءة والكتابة والعلوم جزءا من النشاط الديني والإيماني. وكانت هذه الخطوة بداية خروج العراقيين من قمقمهم الظلامي نحو أفق النور والتحرر.

   كانت السلطات الإيرانية، بين فترة وأخرى، تشن حملات قمع واغتصاب وقتل ضد المسيحيين. كانت الحملات متقطعة، سرعان ما تهدأ وتتخلها فترات سلم وتعاون وتقرب من قبل الملوك. وحسب المصادر المسيحية فان هذه الحملات المتقطعة خلال عدة قرون، كلفت مئات الآلاف من الشهداء. وقد ذكر المؤرخ المسيحي العراقي(ماري بن سليمان)، إن الملك (شاهبور) خلال ما أطلق عليه (الاضطهاد الأربعيني) الذي دام أربعين عاما في القرن الرابع م،  قتل حوالي مئة وستين ألف في بلدات شمال العراق، وأكثر من ثلاثين ألف في بلدات الفرات. وقد أكد المؤرخ العراقي المسلم المسعودي هذا الرقم(التنبيه والإشراف ص149). وحتى (القديس شمعون) وهو جاثليق (المرجع الأعلى) الكنيسة العراقية، الذي أعدمه الملك الفارسي مع أختيه لم يسلم من أيديهم ..

   عموما هنالك سببان للاضطهاد، أولهما شعور الملوك والموابدة(رجال الدين المجوس) بأن المسيحية العراقية بدأت تشكل خطرا كبيرا على المجوسية وبدأت تكتسحها في داخل معاقلها بحيث أن هنالك الكثير من أقارب الملك والحاشية بدأوا يدخلون المسيحية، وان كنيسة المدائن العراقية تحولت إلى زعيمة ومقر، ليس فقط للكنائس العراقية، بل لما يحصى من الكنائس المنتشرة في جميع أنحاء الإمبراطورية الفارسية حتى حدود الصين، بل ان المبشرين العراقيين نشروا المسيحية حتى في الهند وفي أنحاء الجزيرة العربية.  وهذا يعني أن العراقيين بدأوا يعوضون عن خضوعهم السياسي بهيمنة روحية دينية سوف تشكل أساس مستقبلي لانطلاقتهم الحضارية والسياسية والتي حصلت في الفترة العباسية.

   بدأ السلطات الإيرانية تدرك بأن هذا النشاط المسيحي العراقي ما هو إلا بداية استعادة أهل العراق لدورهم القيادي، دينيا على الأقل. يضاف إلى ذلك سبب ثاني، يتمثل بخوف الملوك الفرس من تعاون المسيحيين العراقيين مع الرومان ثم البيزنط الذين كانوا على نفس الدين. رغم أن العراقيين تحولوا بغالبيتهم الساحقة في القرن الخامس الميلادي، إلى مذهب (النسطورية) المخالفة لمذهب البيزنط. يلاحظ عموما أن الكثير من فترات الاضطهاد كانت مرتبطة بطبيعة العلاقة مع الإمبراطورية البيزنطية الحاكمة في سوريا.  فعندما تتوتر العلاقة بين الدوليتين، يبدأ الفرس يعاملون المسيحيين العراقيين كـ (طابور خامس) تابع للدولة البيزنطية. فيشرعون بعمليات انتقام وحشي سريع ضدهم والتركيز على إعدام الشخصيات الدينية النشطة، وسلب أملاكهم.

   تميزت المسيحية العراقية  منذ البداية بانشقاقها عن الكنيسة البيزنطية وتبني مذهب ( نسطور ) الذي أصبح مذهب الكنيسة العراقية التي سميت رسيما بـ (  كنيسة بابل )  . مع هذه الاغلبية المسيحية النسطورية التي تضاهي حوالي 90 % من السكان مع أقليات من المذهب اليعقوبي السوري واليهود والصابئة والمذهب المانوي البابلي. أما نينوى فقد كثر فيها أيضا أتباع المذهب المسيحي الشامي (اليعقوبي) بحكم علاقتها الخاصة مع الشام.

   خلال أكثر من 11 قرن غابت تماما أية دولة عراقية، وتحول فيها الوطن إلى ساحة للحروب  وللمنافسة  وثورات وتمردات فاشلة قام بها العراقيون. رغم السيطرة الإيرانية الغالبة، إلا أن الرومان والبيزنط عندما كانوا ينجحون أحيانا باجتياح العراق كانوا ينتقمون من العراقيين قتلا وحرقا لمدنهم. فالإمبراطور الروماني (تريانوس) بعدما فتح (المدائن) سنة(115م) أضرم لهيب الاضطهاد في العراقيين واهلك منهم الكثيرين.

   لكن رغم الضعف السياسي العسكري للعراقيين ، فإن أهل النهرين  قد تمكنوا من الحفاظ على هويتهم السكانية والثقافية والدينية المتميزة عن الإيرانيين والإغريق. وقد تعرضت الثقافة العراقية إلى تغيير جذري من الناحيتين، اللغوية والدينية.  واكبر دليل على عمق الهوية العراقية وتجذرها، إن هذا التغيير اللغوي والديني لم يأتي بـتأثير القوى الإيرانية والإغريقية المهيمنة، بل هو تطور داخلي طبيعي. من الناحية اللغوية، فقد حلت اللغة الآرامية (العراقية الشامية) محل اللغة الاكدية، وهاتين اللغتين قريبتين لبعض فهن من نفس الأصل. وقد فرضت الآرامية نفسها من خلال الكتابة الأبجدية(الحروفية) التي اخترعها الشاميون  وحلت محل الكتابة العراقية المسمارية(الرمزية) التي لم تعد تواكب العصر. اما من الناحية الدينية فقد صمد العراقيون بوجه التأثير الإيراني المجوسي والديانة الاغريقية، وظلوا محافظين على ديانة اسلافهم (عبادة الكواكب) حتى القرن الأول الميلادي، حيث بدأت تحل بالتدريج الديانة المسيحية الشامية. لقد بلغت قوة العراقيين الحضارية انهم فرضوا الكثير من ميراثاتهم الثقافية على المحتلين انفسهم. إذ تحولت اللغة الآرامية (السريانية) لغة الثقافة الأولى في الامبراطورية الإيرانية نفسها، وانحصرت اللغة الفارسية (البهلوية) في البلاط الحاكم ورجال الدين المجوس. بل إن الإيرانيين اقتبسوا الابجدية السريانية لكتابة لغتهم البهلوية،  بعد تخليهم عن الكتابة المسمارية العراقية أيضا!

   ومع انبثاق المسيحية في بلاد الشام في القرن الأول الميلادي، بدأت بالتدريج تتسرب إلى العراق من القسم الشمالي (الرها ونصيبين) ثم نينوى وكرخاسلوخ (الاسم السرياني لكركوك) حتى ولاية بابل ومنها إلى ولاية ميسان والبصرة والأهواز  في الجنوب  .  ولم يمضي القرن الرابع الميلادي حتى أصبح المسيحية ديانة الغالبية الساحقة من العراقيين وتكونت الكنائس في جميع القرى والمدن العراقية. وكانت هذه المسيحية مصحوبة بتيارات عرفانية(صوفية)، قادمة من الشام ومصر، مع بعض التأثيرات الإغريقية. كان هناك أيضا تواجد مهم لطوائف يهودية نشطة في أنحاء النهرين، بالإضافة إلى الصابئة الذي يعتبر أول دين(عرفاني ـ غنوصي) ممهد للديانة المسيحية.  كذلك تعتبر (المانوية) لمؤسسها (النبي ماني البابلي)أهم الطوائف العراقية التي نجحت في منافسة المسيحية، وتمكنت أن تصبح ديانة عالمية مقرها في بابل.

 

 

 يتبع  في الجزء الثاني بإذن الله

 

إلى صفحة مُشاركات الزوار9