بسم الله الرحمن الرحيم

10/03/1429

الخيانة والغدر عند الفرس عبر تاريخهم الطويل

 

( الجزء الثاني )

 بقلم : خالد عزيز الجاف      برلين

   موقع النهى*

(قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر)

آل عمران : 118

 

 نبدأ بإذن الله الجزء الثاني من البحث ، في فضح ممارسات  الفرس المجوس وأتباعهم  الصفويين ، وهم  أساس النكبات والمصائب في العالم العربي والإسلامي  وحتى المسيحي منذ القدم وحتى وقتنا الحاضر  .

 

يمكن تقسيم هذه الفترة الطويلة الممتدة خلال (11) قرن، إلى حقبتين:

 

  ( الحقبة الأولى المظلمة ) ، وتمتد من القرن السادس قبل الميلاد حيث سقطت (بابل) عاصمة آخر دولة عراقية، على يد الفرس، حتى القرن الأول الميلادي. وقد ظل العراقيون خلالها في سبات حضاري بسبب شدة الانتكاسات التي توالت عليهم وفشل ثوارتهم المتوالية ضد الفرس والإغريق. رغم أن السلالة السلوقية الإغريقية قد اتخذت (سلوقيا ـ قرب بغداد) عاصمة لإمبراطوريتهم الشرقية، خلال حوالي قرنين، إلا أن هذا لم يشفع للعراقيين ولم يرجع لهم عافيتهم وروحهم الإبداعية المعتادة. يمكن تشبيه هذه الحقبة بالقرون الأولى التي أعقبت سقوط بغداد العباسية. هنالك شحة كبيرة بالمصادر التي تتحدث عن نشاطات العراقيين في هذه الفترة، وعندما توفي الإسكندر المقدوني ودفن في بابل ، فأن موته السريع افشل مشروعه بإعادة أمجاد النهرين .

 

 ( حقبة الثانية  الصحوة والنهوض ) ،   وتبدأ بالقرن الأول الميلادي حتى الفتح العربي الإسلامي في القرن السابع، وفيها بدأ العراقيون بصورة بطيئة جدا يشفون من جراحهم ويصحون من كبوتهم ويستعيدون بالتدريج قواهم الإنسانية والحضارية، وقد اتخذوا من المسيحية وسيلة روحية لهذه الصحوة. واستمرت هذه الصحوة الحضارية بالتنامي، رغم ما تخللتها من نكسات وخسائر كثيرة، حتى بلغت ذروتها مع ظهور الإسلام وصعود العراقيون مرة أخرى إلى قيادة النهضة الحضارية العالمية وإعادة إحياء (بابل) تحت اسم(بغداد). وقد ظهرت للوجود معالم عديدة خلال الحقبة الثانية التي يطلق عليها حقبة الصحوة ومن أهمها :

 

1 ـ ظهور دويلة (إمارة  الحضر العراقية) ، غرب الموصل، ودامت حوالي قرنين، وهي شبه مستقلة بدرجات مختلفة من التبعية للدولة الفارسية الحاكمة عموما وأحيانا للرومان في الشام. إن حضارة  هذه الدولة كانت ناطقة بالآرامية وتؤمن بديانة الكواكب العراقية، مع تأثر واضح بحضارة الإغريق والرومان.  ويبدو أن المرأة الحضرية كان لها دورا متميزا وعلنيا من النواحي السياسية والدينية.

 

 2 ـ انتشار المسيحية وتركزها ضمن المذهب النسطوري الذي تحول إلى مذهب عراقي خالص، بالإضافة إلى أقلية من طائفة السريان اليعاقبة الشامية. وقد قدمت المسيحية الكثير من الاعلام الدينية والأدبية ولعبت دورا حاسما في منح العراقيين بعض الثقة بأنفسهم وبخالقهم وشجعت روح الألفة والتضامن فيما بينهم. وكانت الخطوة الحضارية الكبرى للمسيحية العراقية، أنها أسست المدارس في جميع الكنائس المنتشرة في القرى والبلدات العراقية، لتعليم القراءة والكتابة والدين والمعارف المختلفة.  وقد قدم المسيحيون العراقيون (كذلك المانويون) مئات الآلاف من الشهداء  والشهيدات قتلوا على يد السلطات الإيرانية خلال حقب متقطعة عديدة.  وظلت اللغة الآرامية لغة جميع الكنائس العراقية، كذلك لغة باقي العراقيين من مانوية وصابئة ويهود.

  

3 ـ ظهور الديانة المانوية(القرن الرابع م)  كديانة عراقية انتشرت عالميا وقد أصبحت (كنيسة بابل) المقر العالمي لهذه الديانة. ورغم الدور الثقافي المتميز  والإبداع الأدبي والفني الكبير للنبي (ماني البابلي) .

 

4 ـ ظهور دويلة(امارة) المناذرة في الحيرة . كذلك  من دلائل تنامي دور العراقيين بروز أهمية (امارة المناذرة) في الحيرة وزعيمها المعروف ( الملك النعمان بن المنذر)( بالحقيقة إن تسمية ملك، لا تنعني أبدا انه كان ملكا، بل هي بالآرامي تعني أمير)، وقد قتل هذا الأمير أيضا على يد كسرى.  

 

 وبمجرد أن انتهت دولة الحضر القريبة من الموصل  في القرن الرابع حتى  ظهرت مدينة الحيرة العربية وتعني بالارامي  المدينة  القريبة من (النجف) وبابل  والتي تقع على نهر الفرات،  وكانت تابعة للإمبراطورية الساسانية الايرانية .  ولغتها طبعا آرامية وديانتها مسيحية نسطورية، ولعبت دورا سياسيا ودينيا وثقافيا متميزا، حيث تحولت إلى مركز جذب للكثير من الشعراء وكذلك رجال الدين المسيحيين .  وقصة هند.. الأميرة الراهبة مشهورة في الحيرة  . ويبدو أنها أخذت تقوم بنفس الدور السياسي العسكري لـ (دولة الحضر)   والمتمثل بحماية الحدود العراقية التابعة للإمبراطورية من الغزوات البدوية القادمة من الجنوب والغرب ، فإنها  . فسكان (الحيرة) هم من العراقيين الأوائل الذين كانوا قد اعتنقوا المسيحية النسطورية، لهذا كان يطلق عليهم لقب (عباد)، وتعني بالآرامي(المؤمنين)، وكانت لغتهم السائدة هي الآرامية

 

 أما بالنسبة لوجود العرب في المدينة فهو يتمثل أساسا بقبيلة (اللخميين) الحاكمة، ومنهم (المناذرة) الذين شكلوا سلالة أمراء الحيرة. علما بأنه حتى عرب الحيرة كانت الآرامية هي لغتهم. وكان يسود مجتمع (الحيرة) مثل جميع المدن العراقية، نوع من التسامح الديني، بحيث انه كان هناك الكثير من الطوائف الدينية، بجانب الغالبية المسيحية النسطورية. فهناك بقايا الديانة العراقية القديمة بأوثانهم التي تمثل آلهة الكواكب، وبالذات أتباع مذهب(عبادة القمر). وهناك أيضا أتباع لـ(المانوية العراقية)، بالإضافة إلى أتباع المذهب المسيحي (اليعقوبي ـ المنفوزي)، كذلك اليهود والصابئة.  أن معظم الملوك تأرجحوا بين الوثنية والمسيحية، فبسهولة كان (يعود بعض منهم إلى الوثنية من جديد، وهكذا تأرجح الدين المسيحي في البلاط الحيري، في حين أن معظم السكان انضموا إلى المسيحيين مع كثيرين من أهل البلاط والأشراف،   وفي مطلع القرن الخامس، تظهر الديانة المسيحية منظمة تحت رئاسة أسقف).  كانت الحيرة من المراكز المهمة في حركة التبشير بالنصرانية بين العرب. ومن (الحيرة) ذهب قسم من المبشرين العراقيين إلى اليمن والبحرين وعمان  والأجزاء الأخرى من جزيرة العرب لنشر النسطورية العراقية.  وفيها أيضا أنعقد مجمع (داد) يشوع في سنة 424(ميلادية) لتنظيم شؤون كنيسة النهرين النسطورية . ولمنـزلتها المسيحية أيضاً صارت الحيرة داراً لرفات عدد من الجثالقة( الجثليق، هو المرجع الاكبر للكنيسة النسطورية في العراق والعالم)، منذ القرن الخامس الميلادي وحتى بعد دخول العرب المسلمين إلى العراق بفترة طويلة  وأصبحت(الحيرة) ملجأً للجاثليق الذي كان مركزه المدائن غالباً، ففي الأزمات الطارئة بين المسيحية والملوك الساسانيين،  وكان الملك   النعمان بن المنذر العربي ، وهو أبو قابوس، وكان المنذر قد تنصر حديثاً سنة 593، وصار يعد نفسه من حماة المذهب النسطوري، وأصبحت الحيرة، حاضرة ملكه، من معاقل هذا المذهب .

 

  وان المنذر الثالث، رغم وثنيته، سمح للراهب يوحنا الدلمي بالتبشير العلني، وبناء الأديرة والكنائس، وأن صاحبه الحجاج بن قيس الحيري (زود يوحنا بكتاب توصية إلى ولاة البلاد بمساعدته، وإسعاف طلبه، ولم يعارضه أحد   ..  ولدت هند بنت النعمان    وتكنى أيضا بـ ( هند الصغرى) تميزا عن (هند بنت الحارث). هي أميرة فصيحة من بيت إمارة، ولدت ونشأت في بيت ووالدها ملك الحيرة العربية  ، ولما غضب (كسرى) على أبيها (النعمان) وحبسه ومات في حبسه، ترهبت هند بنت النعمان    ،  ولبست المسوح وأقامت في دير بنته بين ( الحيرة) و(الكوفة) عرف بـ (دير هند الصغرى). وهو من أعظم ديارات (الحيرة)، التي غاب أثرها، وقيل أن هند، عاشت حتى زمن الحجاج بن يوسف الثقفي (95 هـ )، وقيل زارها سعد بن أبى وقاص عند دخوله الكوفة.  وقال أبو فرج الأصفهاني : إن هند ترهبت ((لما حبس (كسرى) (النعمان الأصغر) أباها، ومات في حبسه، ترهبت ولبست المسوح، وأقامت في ديرها مترهبة، حتى ماتت ودفنت فيه)).

ومن الحيرة امتدت الصلات بين قريش والعراقيين، فانعكس ذلك فيما بعد على ما بين الإسلام والمسيحية، عبر الصلات التجارية .  ومن (الحيرة) تعلم العرب (الكتابة) وتم اشتقاق الخط العربي من الخط السرياني  . وفي عهد المقتدر تعرضت مدينة الحيرة كغيرها من بلاد السواد لغارات البدو، وظلت مدينة الحيرة   قليلة السكان إلى النصف الثاني من القرن السادس الهجري - الثاني عشر الميلادي، ثم اضمحلت، زالت ملك اللخميين بظهور الإسلام  ،  حيث انتقل العمران والناس إلى الكوفة، ثم بعدها إلى النجف.. هكذا إذن تداول التاريخ جذور (بابل) إلى (الحيرة) ثم  إلى (الكوفة) ثم إلى ( النجف )

 

5- بدأت تنتشر اللغة الآرامية التي تعتبر مزيجا من الكنعانية الشامية والاكدية العراقية  والتي تمكنت من أن تحل محل الاكدية السابقة بسبب اعتمادها على الكتابة الحروفية السهلة . ظلت الآرامية تستخدم في بلاد الرافدين طيلة قرون حيث اتخذت تسمية السريانية بعد انتشار المسيحية في العراق والشام . وبعد انتشار الإسلام  ظلت الارامية السريانية تلعب دورا أساسيا في بناء الحياة الثقافية في العراق والشام من خلال رفدها للعربية بالعبارات والمصطلحات والمفردات الجديدة ، ثم تدريجيا ذابت هذه اللغة الآرامية في اللغة العربية ، إلا انه مازال هناك في اللهجة العراقية بقايا من اللغات العراقية القديمة ( السومرية والاكدية والارامية )  

 

6- بالنسبة للعراق عندما دخلت الجيوش الإسلامية وجدت امامها حوالي سبعة ملاييين من السكان العراقيين باغلبيتهم الساحقة من المسيحيين(النساطرة) مع أقليات من الصابئة واليهود والمانوية، بالإضافة إلى بعض المجوس من الاداريين والعسكريين الأيرانيين(الدهاقنة). وكانت لغة هؤلاء جميعهم هي اللغة السريانية(الآرامية) العراقية، التي سبق لها وإن سادت في الامبراطورية الفارسية وأصبحت لغة الثقافة الأولى جاعلة من اللغة الفارسية البهلوية محصورة في البلاط ورجال الدين المجوس(الموابد). لقد دخل الإسلام العراق على انه منقذ للناس من السيطرة الايرانية والاضطهاد الذين مارسه رجال الدين المجوس ضد  الكنيسة العراقية والذي راح ضحيته مئات الآلاف من المسيحيين العراقيين طيلة عدة قرون. إن قوة الإسلام وسر انتشاره السريع بين شعوب البلدان المفتوحة، انه منح الفرصة لهذه الشعوب بالتخلص من حالة التبعية والخضوع للقوى الأجنبية والمتجبرة، وتوفير الفرصة لهم للاشتراك بالحكم والمشاركة الفعلية في الدولة الإسلامية، وذلك من خلال تبني الإسلام والتطوع في الجيوش الفاتحة وإدارات الدولة الجديدة والتمتع بالمغانم والمزايا العديدة. إن ترك السلطة العربية الإسلامية الباب مفتوحا لجميع أبناء البلدان المفتوحة للدخول في الإسلام والمشاركة بالحكم، جعل الأغلبية الساحقة من هذه الشعوب تدخل إلى الإسلام لتشارك في إدارة الدولة الجديدة، بل حتى الاستحواذ عليها، حيث تمكنت جميع الشعوب الأصلية بعد تبني الإسلام من السيطرة على فروع الدولة الإسلامية في أوطانها. بعد اقل من قرن من الفتح وما إن سقطت الدولة الأموية في دمشق  حتى فقد العنصر القبائلي العربي الفاتح  تمايزه العنصري والسياسي بعد ذوبان الأغلبية الساحقة من هؤلاء الفاتحين في أبناء الشعوب الأصلية من خلال التزاوج والاستقرار.

 

العراقيون والسوريون كانوا أكثر الشعوب التي تبنت العربية واستعربت أسرع من غيرها بسبب  التجاور الجغرافي مع عرب الجزيرة العربية والاتصالات السكانية والحضارية المتواصلة منذ فجر التاريخ  وانتماء  الجميع إلى عائلة اللغة السامية، والتقارب الكبير بين اللغتين السريانية لغة العراقيين والشاميين مع  اللغة العربية الفاتحة. ان سهولة الاستعراب لدى العراقيين سمحت لهم منذ بداية الفتح أن يشاركوا بصورة فعالة في صنع الحضارة العربية الإسلامية، بل ان العراقيين هم  من منح اللغة العربية نحوها وبلاغتها وتنقيطها وحركاتها من خلال ميراث لغتهم السريانية، وبرزت في هذا المجال مدرستي الكوفة والبصرة.

 

7- تحرير العراق من ظلم  الفرس

قبل البدء في تحرير العراق في زمن الخليفة عمر بن الخطاب  ، كان عبد الله بن حذافه سفير الرسول للملك الفارسي. وعلى خلاف هرقل ملك الروم والنجاشي ملك الحبشة، والمقوقس وكيل قيصر روما في مصر، الذين أكرموا وفادة سفراء الرسول(ص)، مزق خطاب الرسول(ص) ورماه بوجه سفيره، وأهان كسرى سفير الرسول ووضعه في السجن، وأمر عامله في اليمن (وكانت تحت الاحتلال الفارسي) أن يتقدم ويقاتل المسلمين. ولكن وفاة كسرى المفاجئة ألغت هذه الإجراءات، فعاد السفير، وألغيت الأوامر لحاكم اليمن الفارسي بمقاتلة المسلمين.

وعندما تقدم سعد بن أبي وقاص قائداً لجيش المسلمين لفتح وتحرير العراق، وكان عرب العراق قد انتفضوا مؤيدين ومناصرين لجيش الإسلام ومقاتلين في صفوفه. وسعد قريشي، أبن خالة رسول الله وصحابي وخامس السابقين للإسلام، وقاتل إلى جانب الرسول في غير موقعة، رامياً ماهراً، وملتزماً بأوامر الرسول، فيكتب إلى رستم يعرض عليه الإسلام أو الصلح. بقوله: إسلامكم أحب إلينا من غنائمكم وقتالكم أحب إلينا من صلحكم".

فيجيب رستم على هذا الخطاب المهذب: أنتم كالذباب إذا نظر إلى العسل يقول من يوصلني إليه بدرهمين، فإذا نشب فيه قال: من يخرجني منه بأربعة. وأنت طامع وطمع سيردك ".

 

فيرد عليه سعد بأسلوب لم يبتعد فيه عن الأدب: أنتم قوم تحادون الله وتعاندون أنفسكم، لأنكم قد علمتم أن الله يريد أن يحول الملك عنكم لغيركم. وقد أخبركم بذلك وحكمائكم وعلمائكم . وأنت تدفعون دائماً القضاء بنحوركم وتتلقون عقابه بصدوركم، وهذه جرأة منكم وجهل فيكم، ولو نظرتم لأبصرتم، ولو أبصرتم لسلمتم، فإن الله غالب على أمره. ولما كان الله معكم كانت علينا ريحكم، والآن لما صار الله معنا صارت ريحنا عليكم، فانجوا بأنفسكم واغتنموا أرواحكم، وإلا فاصبروا لحر السلاح وألم الجراح وخزي الافتضاح والسلام". ثم جرت الأمور كما هو معروف ومؤرخ في وقائع القادسية ونهاوند.

 

 كان حكام الفرس ظالمين لشعبهم، فاندلعت ما يشبه أحداث حرب أهلية، قتل خلالها الملك يزدجر، وتهاوت الدولة، فيما وجد فقراء الفرس الفرصة للتحرر والانضواء تحت خيمة الرحمة والعطف الإسلامي. هكذا بدت بلاد فارس أمام مستقبل جديد. ولكن الأمر لم يستغرق طويلاً حتى ابتدأت غيوم سوداء تتجمع فوق سماء بلاد فارس، فإذا هم وراء كل دعوة سوء، أو تدعو للانشقاق، تحت أي عنوان أو مسمى، طالما تنطوي على إضعاف للعرب والإسلام. أنظر وتأمل هل هناك ابلغ من هاذين البيتين من الشعر يصف فيهما نصر بن سيار حاكم الأمويين الفرس:

 

قوم يدينون ديناً ما سمعت به        عن الرسول ولا جاءت به الكتب

 وإن  يكن سائلي  عن اصـل           دينهم :  هو أن   تقتل  العـرب

 

ونصر بن سيار   كتب تلك الأبيات  للخليفة الأموي الأخير مروان بن محمد، الموقف السياسي الخطير في بلاد فارس  ينبهه، ولكن ساعة الأمويين كانت قد أزفت  فكتب نصر مرة أخرى إلى الخليفة محذراً وواصفاً:

 

أرى خلل الرماد وميض نار        يوشك أن يكون لها ضرام

 فالنار   بالعودين   تذكى          و الحرب    أولها    كلام

 

8- ظهور العهد العباسي . 

ومنذ القرن الثامن، وبعد ثورات وتمردات لا تحصى تمكن العراقيون بقيادة (التحالف العلوي العباسي) من اسقاط الدولة الامويية . قبل   سقوط الدولة الامويية  كان التعسف ضد العراقيين أساسه عنصري   يحمل في طياتها الكثير من الاحتقار القبائلي العربي ضد العراقيين الاصليين الذين أطلقوا عليهم تعابير احتقارية مثل (العلوج) و(الموالي) و(النبط). هذه الفترة الأموية  كانت نسبيا قصيرة  حيث دامت حوالي 80 عام . وبعد السقوط  تكونت  الدولة العباسية وجعل عاصمتها  (بغداد) وسط العراق  .

 وبعد هذا السقوط المريع والمؤلم والمذابح التي اقترفت ضد الامويين العرب من قبل إخوانهم العباسيين  وبمشاركة الموالي  الفرس  والشعوبيين ،  أطل الفرس وكأنهم يطالبون العباسيين بدفع نفقات التحالف الذي قام بينهم(الموالي  والعباسيين)، والعباسيون كانوا قد أدركوا سر ومواطن الخلل في الإمبراطورية الاموية السابقة   وكان التوسع هو مقتل الإمبراطورية التي كان الفارس يقطعها على جواده من أقصاها إلى أقصاها في عام كامل. فكانوا على استعداد أن يمنحوا الموالي ما يشاءون من حريات ثقافية وسياسية وإبداء مزيد من التسامح للعادات والتقاليد الفارسية. ولكن الفرس كانوا يريدون دوراً أكبر. ولم يكن بوسعهم أن ينسوا آثار وتقاليد الديانة المجوسية(بل أنهم لم ينسوها حتى اليوم إذ ما تزال معابد النار المجوسية تلتهب في حمى الجمهورية الإسلامية)   والمزدكية و التقاليد الثقافية للزرادشتية الحافلة بالشرك.

 

 في العهد العباسي أكرم هرون الرشيد البرامكة العجم  إكراماً يفوق الوصف، حتى أن أحد حكماء البرامكة، (يحي البرمكي) شاهد مرة هارون الرشيد يدع جعفر البرمكي يصعد على ظهره ليتناول تفاحة من شجرة لم تطالها يده، فأوجس خفية ، لأنه كان يعلم الطموح الذي لا حدود له عند البرامكة، وهو واحد منهم، فطلب من هرون الذي لم يكن يرد له طلباً، أن يستثنيه من البرامكة خيرهم وشرهم، فدهش هرون لهذا الطلب فأجابه إياه وكان يناديه يا عماه. وبالفعل يوم حلت نهاية البرامكة لم يتوارى يحي البرمكي عن الأنظار، فلما حضر جند العباسيون، أظهر لهم عهد الأمان الذي كان قد حصل عليه من الخليفة. فيحي البرمكي أدرك أن هذا الطموح وهذه الثقة العباسية سيعقبها غضب شديد إن بان وظهر غدر وطمع البرامكة وهكذا كان ! والفرس من جهتهم حاولوا الإساءة بكل الوسائل لهارون الرشيد، فابتدعوا قصة أخته العباسة وزواجها المزعوم من جعفر البرمكي، وأشاعوا عنه قصص المجون وهو الذي كان يصلي مئة ركعة نوافل، ويغو عاماً ويحج عاماً. وعلى يديه وفي عصره بلغت الدولة العربية الإسلامية أوج مجدها.

وإذا ضربنا صفحاً عن أفاعيل البويهيين، لكن خيانة ابن العلقمي لا تنسى، وهو المؤتمن، حافظ العهد، الوزير المشارك في المسؤولية، يخاطب المغول سراً على طريقة أكثر الجواسيس انحطاطا، فيجلب أحد عبيده ويحلق له شعر رأسه ويكتب رسالة لهولاكو، يم يدع الشعر ينمو فيرسل الغلام في تلك المهمة، ويقتل هولاكو الغلام. هكذا تبادل ابن العلقمي الرسائل وهكذا سلم عاصمة الخلافة والإسلام.

 

ولكن خيانة الطوسي كانت أكثر مرارة،   فالرجل يدعي العلم ويجاهر دون ورع بخيانته الإسلام، ومع من ؟  مع وثنيين غزوا عاصمة الخلافة وحاضرة المسلمين، ترى هل كان ذلك ليشفي غليل الطوسي ؟ 

التاريخ يدلنا أن بئر الحقد هذا لا قرار له، والفرس يفقدون البصر والبصير إن تعلق الأمر بمعاداة العرب والإسلام، وسنرى في أعمال الصفويين ونادر شاه ما هو أغرب من الخيال.

 في (بغداد) قاد العراقيون اكبر وأطول نهضة حضارية عالمية في التاريخ، مازجين كعادتهم ما ورثوه من أسلافهم  العراقيون الاوائل في سومر وبابل ونينوى، مع ميراثات الشعوب الأخرى من إغريقية وفارسية وهندية وشامية ومصرية وغيرها، حتى اصبحت (بغداد)، مثل سالفتها (بابل)، عاصمة الارض التي تتفاعل فيها اللغات والأديان والأفكار وتتزاوج بها جميع الأجناس .  في العصر  العباسي وبعد اتخاذ (بغداد) عاصمة للخلافة، اخذ العراقيون يشعرون حقا وحقيقة أنهم بدأوا أخيرا باستعادة أمجادهم القديمة المنسية، وقد آن أوانهم أن  يلعبوا من جديد دورهم التاريخي الحضاري المنتظر الذي حرموا منه منذ أكثر من ألف عام بعد سقوط بابل في القرن السادس قبل الميلاد. ولكن حقد الحاقدين  من باقي الشعوب على العرب لم يتوقف ،  فمؤامرات الفرس استمرت  تحاك  حتى ضد الدولة العباسية القوية .

 

9- لو نرجع لدراسة تاريخ العراق سنجد انه مليىْ بالمأسى والويلات والكوارث والحصار المستمر من خلال العهود المظلمة ، عهود الاحتلال الاجنبى للعراق والتى استمرت 663 عاما . لقد شهد العراق الاحتلال الفارسى متمثلا بالدولة الصفوية ثلاث مرات ولمدد مجموعها 36 عاما ، وقد عانى الشعب العراقى الكثير من الويلات والظلم والفقر والمرض والجهل فى العهد الصفوى وقسوة حكامهم وعملائهم ، كما يحدث الآن ، ويضاف إلى ذلك خلق الفتن والفرقة بين ابناء الشعب مما ادى إلى قتال وحروب اهلية فى العهود الصفوية الثلاثة ، كما يحدث حاليا فى العهد الصفوى الرابع    . العهود الصفوية تمت عام 1508 و1522و1532و1629 ، وقد راح ضحية هذه الفتن الكثير من المواطنين الابرياء ، والكثير من الممتلكات .

كيف بدأ العهد الصفوي ومن هو المؤسس الحقيقي الأول لهذه العائلة الصفوية ؟ انه  إسماعيل الصفوي وهذا الرجل الذي تمكن أن يبني دولة إيرانية جديدة طالما حلم الكثير من قادة الشعوبيين قبله في بنائها؟. 

 

 إنه إسماعيل بن حيدر بن صفي الدين الاردبيلي الذي ولد من أب ذو أصول تركية أذرية وأم ارمنية. ظهر في مطلع القرن العاشر الهجري، ونجح لاول مرة سنة (907هـ = 1502م) في إقامة دولة شيعية اثني عشرية في تبريز عاصمة أذربيجان.كان جده صفي دين الاردبيلي سني على مذهب الإمام الشافعي وكان معروفا بتصوفه على الطريقة البكتاشية وكان عضوفي المجلس السني - الشيعي المشترك الذي أسسه السلطان خدا بندة التركماني حاكم ايران والذي ضم في عضويته فقيه الشيعة في العراق آنذاك العلامة الحلي.( تاريخ ايران ـ المجلد السادس ـ ص 616).  ويعتبر اول من اسس حلقات  السلسلة  الصفوية الشيخ صفي الدين الاردبيلي المتوفي في النصف الأول من القرن التاسع الهجري وهو  احد اقطاب الصوفية  في مدينة اردبيل شمال غرب ايران  في محافظة اذربيجان واستولى أبناءه على مدينة اردبيل بعد أن هزموا ملوك المغول السنة وانحازوا إلى الشيعة ثم بسطوا نفوذهم على جميع اذربيجان واتخذوا من مدينة قزوين بالقرب من طهران عاصمة لهم ومنها مدوا حكمهم إلى مدينة اصفهان بعد معارك عديدة مع الحكومات المحلية السنية واتخذوا بشكل نهائي من مدينة اصفهان عاصمة لهم اوائل القرن الحادي عشر الهجري واول ملوك هذه السلسلة هو الشاه طهماسب ومن بعده الشاه اسماعيل الأول ثم الشاه عباس وقد حكم الصفويون اكثر من قرنين حتى انهزم آخر ملوكهم أمام هجوم الأفغان على إيران والذين استولوا على عاصمة الصفويين أصفهان وبعد ذلك هزم نادر شاه افشار جيش الأفغان واستولى على جميع أنحاء إيران .

 

صنع الطائفيون والشعوبيون الإيرانيون للشاه إسماعيل الصفوي هالة مقدسة فاقت هالة الملك كورش الإخميني في التلمود اليهودي. حيث جعلوه بمنزلة نائب الإمام "المعصوم" والحاكم باسمه على الرغم من انه لم يكن من ألفقهاء وليس حتى من الحكام العدول. وهذه المنزلة التي أعطت لإسماعيل الصفوي آنذاك هي ذات المنزلة التي تطورت فيما بعد إلى نظرية الولي {الفقيه العادل: نائب الإمام المهدي} المتعارف عليها اليوم في إيران والمسماة بولاية الفقيه. 

أما وكيف ظهرت هذه الدولة الفارسية الصفوية إلى الوجود ، فقبل  خمسمائة عاما تقريبا وعندما كانت إيران تخضع لسلطة الايليخانيين التركمان شهدت المناطق الاذرية في غرب إيران ظهور قوة جديدة اغتنمت فرصة عدم وجود سلطة عثمانية في تلك المناطق وضعف قوة الايلخانيين لتقوم بحركة تمرد تهدف إلى إقامة دولة مستقلة تحمل مذهبا مغايرا للمذهب السني السائد في بلاد فارس آنذاك. وقد عمد قائد تلك الحركة "إسماعيل الصفوي" إلى المزج بين شطحات الصوفية وخرافة المذهب الجديد ليصنع لنفسه نسبا آخرا يصله بالنبي محمد (صلعم) وهو نسب "السيدية" بديلا عن القزلباشية الذي كان يعرف به. {وهذا التغيير المفاجئ في النسب والمذهب حسب رأي الكاتب والباحث الإيراني إسماعيل نوري لم يجد المؤرخون الإيرانيون والمستشرقون لحد الآن جوابا له وهو كيف ولماذا قرر الصفويون تغيير لقبهم من الشيخ إلى السيد واختاروا لدولتهم مذهب التشيع الأثني عشري رغم أنهم كانوا على مذهب أهل سنة}.

 

وفي احد ليالي الجمعة من ربيع عام 908- 1501م والتي كان من المقرر أن يعلن في صبيحتها تتويجه ملكا والمذهب الشيعي بديلا للمذهب السني السائد في تلك المناطق, حضر عدد من أمراء القزلباش (أصحاب القبعات الحمر من قبائل التركمان الذين شكلوا جيش التمرد الصفوي) حضروا لدى إسماعيل الصفوي وابلغوه عن توجسهم من إمكانية حدوث ردود أفعال من قبل أهالي تبريز الذين كان عددهم يزيد على الثلاثمائة ألف جميعهم من أهل السنة إذا ما سمعوا بالخطبة الشيعية الجديدة التي تقرر أن تتضمن الأذان "بـ اشهد أن علياً ولی الله و" حی علی خير العمل" ويرفضوا أن يكون الملك شيعيا.  فرد عليهم قائلا " إني لا أخشى أحدا وإذا ما حدث واعترضت الرعية فاني سوف اجرد سيفي من غمده وبإذن الله لن ادع احد منهم حيا. (كتاب عالم آراء الصفوية ص – 64 ص).وفي صباح الجمعة توجه إسماعيل الصفوي إلى الجامع وقد انتشر جنود القزلباش بين صفوف المصلين ثم اعتلى المنبر وجرد سيفه من غمده وأشار إلى شيخ يدعى "مولانا احمد الاردبيلي" وكان ملما بالعقائد والفقه الشيعي, وكان قد جيء به من خارج تبريز حيث لم يكن في تبريز آنذاك عالم شيعي واحد, أشار إليه أن يصعد المنبر ويلقي الخطبة وكان هو يقف إلى جانبه. وما إن بدأ الشيخ خطبته حتى تعإلى الهمس بين المصلين فقسم منهم حين رأوا الجنود فوق رؤوسهم قالوا لله درك من خطيب! أما القسم الأخر فشان عليهم الأمر فقاموا ليخرجوا من الجامع غير أن إسماعيل الصفوي أشار إلى جنود القزلباش ان يطلبوا منهم إعلان التبرؤ والمولاة (التبرؤ من الخلفاء الراشدين الثلاث وإعلان المولاة لعلي بن أبي طالب) فمن فعل نجى ومن امتنع تدحرج رأسه بين قدميه.

 

وعلى الرغم من أن أهالي تبريز لم يبدو مقاومة تذكر في مواجهة الجيش الصفوي إلا أن جنود القزلباش قاموا بمذبحة شنيعة في المدينة لم تسلم منها النساء والأطفال. كما أنهم عمدوا إلى نبش قبر السلطان يعقوب آق قوی ونلو التركماني وقبور سائر الأمراء في المدينة وحرقوا بقايا جثثهم. (سفرنامه ونيزيان در ايران: ترجمة منوچهر أميري ـ ص 408).  وعلى هذه المنوال واصل إسماعيل الصفوي توسيع دائرة سلطانه ونشر مذهبه الجديد بين الأقاليم الإيرانية التي أخذت تتساقط الواحدة تلو الأخرى تحت شدة بطشه. ويشير صاحب كتاب «أحسن التواريخ» إلى مذابح السنة في مدينة «شکی» في غرب ايران ومذبحة الشيروانيين وإحراق جثت شيخهم, فرخ يسار, وبناء منارة من جماجم القتلى في المدينة. ويذكر أيضا هجوم القزلباش على قلعة باكو والقيام بمذبحة فجيعة بين أهالي القلعة وإحراق جثث الموتى وأبادت ثمانية عشر ألفا من جيش الأمير عثمان آق قويونلو بعد استسلامهم. كما هاجم إسماعيل الصفوي بغداد عام 913هـ وارتكاب أفضع المجازر وأباح مقام الإمام ابوحنيفة النعمان ونبش قبره. وفي عام 914هـ هاجم الأحواز وأطاح بدولة المشعشعيين بعد مذبحة دامية لا تقل بشاعة عن مذابحه السابقة في تبريز وبغداد وغيرها.

 

وينقل الباحث الإيراني "الدكتور إسماعيل نوري" عن صاحب كتاب "تاريخ الأدبيات الإيرانية" أن الشاه إسماعيل كان شديد الحساسية بنسبة للعلماء والفنانين وسائر المفكرين. وكان من سيرته انه كان يطلب منهم القول "بـ أشهدُ أن عليا ولي الله" فمن يلفظها يطلق سراحه ومن يرفض يقطع رأسه أو يلقى به في النار. ويضرب مثالا على ذلك قصة قتل اثنين من أهل العلم والفضيلة من علماء السنة في شيراز وأصفهان وهما العلامة القاضي مير حسين مبيدي والعلامة الأمير غياث الدين محمد الأصفهاني اللذين قتلى شر قتلة نتيجة رفضهم سب الخلفاء الثلاثة. ولعل هذه المجازر التي حدثت في بغداد ومدن العراق  وغيرها  من المدن الإسلامية هي من كانت وراء تحرك الدولة العثمانية بقيادة السلطان سليم الأول لمهاجمة الدولة الصفوية وإنقاذ أهل السنة من الإبادة الكاملة.

 

 وعودة إلى ما فعله الشاه إسماعيل في بغداد، فأهل بغداد لم يقاوموا الشاه ؛  لاضطراب الأوضاع في  ذلك العهد  ، وكان أهل بغداد   يتأملوا بظهور حاكم جديد ينقذهم مما هم فيه، ولكن الشاه إسماعيل أمر قائده حسين لاله بتهديم مدينة بغداد وقتل أهل السُنة والصلحاء، وتوجه إلى مقابر أهل السُنة ونبش قبور الموتى وأحرق عظامهم. وبدأ يعذب أهل السُنة سوء العذاب ثم يقتلهم محاولا أن يغيرهم للتشيع، وهدم مسجد أبي حنيفة النعمان في مدينة الأعظمية ,ونكل بقبر أبي حنيفة ونبش قبره وهدم المدارس العلمية للحنفية وهدموا كثيرا من المساجد   وقتل كل من ينتسب لذرية خالد بن الوليد رضي الله عنه في بغداد لمجرد أنهم من نسبه, وقتلهم قِتلة قاسية  . وقد أرخ الشيعة في ذلك الزمان لهذه الحادثة حتى قال مؤرخهم ابن شدقم "الشيعي" في كتابه "تحفة الأزهار وزلال الأنهار": "فتح بغداد وفعل بأهلها النواصب ذوي العناد ما لم يسمع بمثله قط في سائر الدهور بأشد أنواع العذاب حتى نبش موتاهم من القبور". وقد فرّ كثير من سُنة بغداد، وممن هرب الأسرة الكيلانية بعد أن خرّب الشاه إسماعيل قبر عبد القادر، فرّ هؤلاء إلى الشام ومصر وأخبرو العالم الإسلامي ما فعل الصفويون الشيعة ببغداد وأهلها  .

 

وصلت أخبار المذبحة العظيمة لأهل السُنة إلى بلاد الدولة العثمانية في تركيا، إضافة إلى أخباره السابقة عن تشييع أهل السُنة بإيران وقَتل الآلاف المؤلفة، أضف إلى ذلك جسارة الشاه إسماعيل إلى إرسال دعوته إلى داخل الدولة العثمانية؛ لذا اجتمع السلطان العثماني سليم الأول في عام (920هـ/1514م)، برجال الدولة وقضاتها وعلماءها ورجال السياسة، وقرروا أن الدولة الصفوية تمثل خطراً على العالم الإسلامي بالعموم ؛وعلى الدولة العثمانية بالخصوص، و قرر السلطان إعلان الجهاد المقدس ضد هذه الدولة, واستبقها بأعمال نلخصها بما يلي: أرسل السلطان العثماني سليم مراسلات للشاه إسماعيل الصفوي،بلهجة حادة. ولما لم يستجب الشاه إسماعيل لدعوة السلطان سليم الأول بالتسليم قرر السلطان السيـر بالجيش بقيادتـه مستعيناً ببقايـا أسرة "آق قونيلـو"، وأراد الشاه إسماعيل بحيلة لتأخير الحرب لفصل الشتاء ؛كي يهلك الجيش العثماني جوعاً وبرداً.أحسّ إسماعيل بالخطر فطلب الهدنة ولكن السلطان استمر في زحفه إلى صحراء جالديران شمال تبريز حتى وصلها سنة (920هـ/1514م)، وسحق الجيش الصفوي الشيعي على أرضه، وفرّ الشاه إسماعيل تاركاً كل أمواله، وأسّرت زوجته، وقتل الخائن "محمد كمونه" السابق ذكره, والذي ذهب مع الشاه إلى تبريز ,هكذا هزم الشاه إسماعيل ولكن بقيت بغداد تحت احتلال الصفويين . شَعَر الشاه إسماعيل بالضعف وشرع بالبحث عن صديق ليتعاون معه ضد العثمانيين، وكان للبرتغاليين الصولة العظمى في بلاد العرب ,وخاصة طموحهم بواسطة اسطولهم في بحر العرب والخليج العربي واستيلاء قائدهم "البو كريك" على مضيق هرمز.كلّ هذه الأمور أغرت الشاه إسماعيل لإجراء اتفاقيات وأحلاف مع البرتغاليين، وقد كان لأمه"مارتا" وجدته لأمه "تيودورا" اليونانية تأثيراً واضحاً في ذلك الحلف  . وجاء في رسالة مرسلة من  "البوكيرك" إلى الشاه إسماعيل الصفوي جاء فيها: "إني أقدّر لك احترامك للمسيحيين في بلادك[31]، وأعرض عليك الأسطول والجند والأسلحة لاستخدامها ضد قلاع الترك في الهند، وإذا أردت أن تنقض على بلاد العرب أو تهاجم مكة فستجدني بجانبك في البحر الأحمر، أمام جدة أو في عدن أو في البحرين أو القطيف أو البصرة، وسيجدني الشاه بجانبه على امتداد الساحل الفارسي وسأنفذ له كل ما يريد" .

 

 وفعلاً تم التحالف مع النصارى البرتغاليين وأقرَّهم الشاه إسماعيل باستيلائهم على هرمز مقابل مساعدة الشاه على احتلال البحرين والقطيف. كما اتفق على مشروع لتقسيم المشرق العربي بأن يحتل الصفويون مصر والبرتغاليون فلسطين . وقد اكتشفت الدولة العثمانية هذه المراسلات  بين الدولة الصفوية والمماليك للتآمر لاحتلال مصر، فسارعت باحتلال مصر وقضت على المماليك رغم أن هذا الفتح لمصر هو أحد أسباب تأخير السلطان سليم عن القضاء على الشاه إسماعيل ودولته ، كما أن البرتغاليين سيطروا على البحر العربي والخليج العربي توجه السلطان سليمان بعد ذلك إلى بغداد، وانهزم واليها التابع لطهماسب ودخل سليمان القانوني بغداد فاتحاً وفتح العراق وتبع للدولة العثمانية، وأعاد قبر أبي حنيفة ورفاته وبناه من جديد، وقيل إنهم وجدوا رفاة أبو حنيفة كاملاً في كفنه، وأعيد إلى قبره وبنى عليه قبة، ولكن السلطان زار قبر موسى الكاظم، وزار كربلاء والنجف وأنقذ مدينة كربلاء من الفيضان وبنى سدوداً. ثم رجع وخلُص جميع العراق له بل حتى البحرين والقطيف . كل ذلك كان سنة (941هـ/1534م) وهكذا تخلص العراق من كابوس الصفويين بعد أن جثم عليهم   كل هذه السنين ، وسيطر نهائياً على تبريز سنة (944هـ) ونقلت عاصمة الصفويين إلى قزوين.

 

أما المراجع الطائفية والشعوبية الايرانية  فقد أطرت  ملكهم اسماعيل الصفوي  واطلقت عليه كل  أنواع الاسماء  القدسية  بينما  يصفه ابنه طهماسب بأنه جزار وشارب خمر وزير نساء. وقد جاء ذلك في رسالة بعث بها الشاه طهماسب الأول بن إسماعيل الصفوي إلى السلطان سليمان القانوني بن سليم الأول يقول له فيها, أن أبي حين دخل مع أبوك الحرب في معركة جالديران كان سكرانا في ذلك اليوم ولم يكن لوحده في حالة سكر بل إن قائده "دورميش خان وسائر أمراء الجيش بل إن اغلب الجيش كان في حالة سكر. وقد تحدثت الكثيرمن المصادر التي اختصت بدراسة أحوال ملوك  الصفوية أن الشاه إسماعيل كان شارب للخمر وكان حليق اللحية ويحب مجالس اللهو والرقص وبعد أن فتح هرات طلب أن تلبس نسوتها الزينة وتخرج راقصة لاستقباله.ولكن على الرغم من كل هذه الرذيلة بقي الطائفيون والشعوبيون يمجدونه وبقي في أعينه الحاكم بنيابة عن الإمام الغائب

 

أما ومتى ظهرت  طموحات الفرس لاحتلال العراق ؟  فكتب التاريخ  تؤرخ  لنا انه  بعد احتلال  العراق  من قبل التتر  ومقتل الخليفة العباسي بالتعاون مع ابن العلقمي بدأ العراق في التدهور  حضاريا وثقافيا وعم الجهل بين صفوف الشعب ، وراحت الأطماع الفارسية  تسيطر على طموحات   ملوك الفرس في إخضاع العراق لحكمهم مرة أخرى  .  بدأ احتلال الدولة الصفوية للعراق عام 1508 عندما دخل شاه اسماعيل الصفوى بغداد على رأس جيش كبير من دون اية مقاومة ، وعين خادم بيك واليا عليها وأطلق عليه لقب (خليفة الخلفاء) وبالرغم من أن الشاه دخل بغداد سلما فأنه أمر بمذبحة راح حينها عدد كبير من السكان من دون مسوغ . ويقول المؤرخون انه (فعل بأهل بغداد مالم يسمع بمثله قط فى سائر الدهور وبأشد أنواع العذاب) واتبع الشاه اسماعيل سياسة تفريق صفوف الشعب واضعاف مقاومته متسترا بالدين ،  . دامت الفترة الأولى للاحتلال الصفوى 16 عاما انتهت بوفاة الشاه اسماعيل الذي خلفه ابنه طهماسب الصفوى عام 1523 لكن هذا لم يحكم بغداد الا فى عام 1529 ، اذ ان اميرا كرديا ثائرا هو الامير ذو الفقار هاجم بغداد وطرد حكامها الصفويين ، واستولى عليها وعلى معظم مدن العراق ، وأعلن استقلاله واستمر هذا الحكم نحو 6 سنوات ، غير أن العثمانيين في عهد السلطان سليمان القانونى أرسلوا جيشا احتل بغداد وانتهت فترة حكم الصفويين الأولى والثانية .

أما إسماعيل الثاني 1576 ـ 1578، ثالث ملوك الصفويين(كان الملك  طهماسب الأول ثاني الملوك الصفويين)، فقد كان والده قد وضعه في السجن لمدة عشرين عاماً لما لمسه فيه من فضاضة وخشونة وقسوة تبلغ حد الوحشية. ثم أرتبط أسم هذا الحاكم بارتكاب المجازر الدموية، فقد فتك هذا الطاغية بأخوته وعائلته وكل من كان يشك به من رجال دولته. كما كان مدمناً على الخمر، فاسقاً وتروى عنه قصص خيالية.

بيد أن هذا الطاغية لقى مصرعه اغتيالاً، عقاباً إلهياً على جرائمه، ولم يكن من أشقائه يصلح للحكم سوى أخ ضرير كان قد سلم من القتل، فنصب محمد خدابندة ملكاُ رغم أنه فاقد الأهلية الشرعية.

  

  يتبع في الجزء الثالث بإذن الله

 

 

إلى صفحة مُشاركات الزوار9