بسم الله الرحمن الرحيم

01/02/1429

 

بكل بساطة متى تفيق أمة العرب!!

   بقلم : د. فؤاد الحاج

 موقع النهى*

منذ أكثر من عقد من الزمن كتبت متسائلاً ما أهمية الكتابة في زمن العهر السياسي الصهيو-أمريكي والرسمي العربي؟ كما تساءلت مرات عديدة لمنْ نكتبْ ومَنْ يقرأ؟! وكنت أجيب نفسي، بأنه لا بد أن يكون هناك قارئ واحد في مكان ما من هذا العالم الذي أصبح قرية في عصر الانترنيت يطالع ما نكتبه ويؤيده ويعمل على نشره فيزداد عدد القراء ومن ثم تبدأ حملة توعية تبدأ من الصفر لتعم أبناء الأمة، لعله بذلك تبدأ ثورة تغيير شاملة، وفي الوقت نفسه كنا في المحرر دائماً وأبداً المعبّر عن ضمير الأمة وصوت مَنْ لا صوت لهم، إضافة إلى أننا كنا ولا زلنا صوت القوى الحية الوطنية والقومية الأصيلة وصلة الوصل بين المواطن المقيم والمغترب ولا زلنا أيضاً من المؤمنين بأن فلسطين لن تحررها الحكومات بل الكفاح الشعبي بكافة أشكاله، وأن هذا هو واجبنا ولا منّة فيه أبداً إلى أن بدأنا نتعرض لضغوط إرهابية نفسية من خلال زوار الفجر في محاولة من أعداء الإنسانية لثنينا عن نشر الكثير من المواضيع والكلمات والجُمل التي يعتبرون أنها "معاداة للسامية" والمقصود منها بالطبع تكميم الأفواه كما فعل وزراء إعلام عرب الذل والهوان في وثيقتهم الصفراء مؤخراً، لذلك ابتعدت عن الكتابة شخصياً منذ عدة أشهر عن نشر ما أؤمن به، ولكنني كنت خلالها وبشكل يومي تقريباً أتابع مجريات الأوضاع في بلاد العرب والعالم إلى أن ضاقت بي الدنيا وأنا أشاهد المجازر الوحشية التي يرتكبها أعداء الإنسانية في فلسطين المحتلة كما يفعلون في عراق التاريخ والحضارات باسم "الحرية" و"نشر الديمقراطية" بدعم وقح وعلني من إدارة الشر الصهيو-أمريكية بحجة "الدفاع عن النفس" و"اقتلاع الإرهاب"!، فقررت أن أعود للكتابة ليس ضد حكام وسلطات الذل والهوان العربية التابعة لقوى الشر العالمية الذين ينفذون أوامر أسيادهم في المحافل الدولية المعروفة، ولا لأكتب ضد الكيان الصهيوني ولا ضد إدارة الشر الأمريكية لأنهم في واقع الأمر إنما يعملون على تحقيق مصالحهم ومآربهم وتنفيذ مخططاتهم المعروفة لكل كاتب ومفكر وسياسي حر وشريف في أي مكان من العالم، ولأن الأنظمة العربية كما هو واضح للعيان هي ليست سوى أداة ولعبة بأيدي قوى الشر العالمية، كما أن الكثير من الكتبة والسياسيين الناطقين بلغة الضاد هم في واقع الأمر إنما يخدمون مخططات أعداء الإنسانية عن قصد أو دون قصد، وهم بالأساس الذين أبرزتهم فضائيات "الرأي والرأي الآخر" و"المستقبل" و"العربية" و"الحرة" و"ال بي سي" و"العالم" وغيرهم، وهم الذين لا يعرف أحد ما هي الأطروحة التي قدّمها ونال عليها لقب دكتور، ولا نعرف الأهمية العلمية لتلك الأطروحة التي خولته الحصول على ذلك اللقب ليتبوأ من خلالها المناصب في مكاتب صغيرة لا يوجد فيها سوى جهاز كومبيوتر وطابعة وهاتف ومكتب وكرسي، يسمونها مركز، ولا نعرف حقيقة ماذا قدمت هذه المراكز أو المعاهد وما هي أهميتها وتأثيرها على تقدم المجتمع والبشرية، والكثير يمكن أن يقال في هذا الصدد، والشواهد كثيرة على آراء وطروحات أولئك وآرائهم لكل متابع لتلك الفضائيات المتعددة الجنسيات والأهداف والألوان، المهم هنا أن كل أولئك وهؤلاء الذين حصل كل منهم على لقب دكتور ورئيس مركز كذا في باريس ومدير مركز كذا في لندن أو في واشنطن، أو مدير معهد كذا في جامعة كذا في واشنطن وباريس ولندن وغيرهم من عواصم الغرب، حيث يتم التركيز عليهم في تلك الفضائيات من خلال إجراء المقابلات معهم ونشر كل ما يكتبونه ويقولونه في عدد من وسائل الإعلام العربية المتعددة الألوان والأهداف أيضاً من المحيط إلى الخليج، كما أسبغت عليهم ألقاب وصفات ومواصفات أقل ما يقال فيها أنها تدعو للعجب مثل "خبير استراتيجي" و"محلل استراتيجي"، وغير ذلك الكثير، وهم بالأساس الذين نشروا البلبلة الفكرية والفوضى الصهيو-أمريكية التي يسمونها "الخلاقة"، وشتتوا الجماهير العربية قبل وخلال وبعد غزو العراق واحتلال، وأتمنى أن يخبرني أي مواطن وكاتب ومحلل ماذا قدّم هؤلاء للأمة والإنسانية بشكل عام، وأي دور لقوم به معظم القيادات التي نسميها عربية وجماهيرية ووطنية وقومية وإسلامية التي ثبت أنها غير مؤهلة للقيادة، وأنها أضعف من تلك البعوضة أو البرغشة التي دخلت في أنف النمرود، لأنها لم تتصدى ولم تقاوم لكل أطروحات تحالف قوى الشر الرسمي العربي والصهيو-أمريكي-الإيراني، وتدعي أنها تعمل ضمن "سياسة الممكن" أو "سياسة أمر الواقع" وبذلك تكون قد خرجت عن دورها في تحقيق تطلعات الجماهير وعقيدة ومبدأ الحزب أو التنظيم الذي تنتمي له، منذ أن قبلت باستبدال كلمة الصراع العربي-الصهيوني من قاموسها السياسي، وعندما قبلت باستعمال كلمة "اسرائيل" حتى في وسائل الإعلام ودون قوسين أو هلالين، وعندما قبلت أيضاً بقوانين تغيير اسم الحزب أو التنظيم ووضع اسم البلد التي هي فيه على قاعدة "الأردن أولاً" و"مصر أولاً" وهكذا باقي الأقطار العربية كي يتم استبعاد دورها القومي دون أن يفكر أي من قادتها أو مفكريها ومنظريها بأبعاد ومخاطر ذلك على الصعيد القومي وكي يتم تكريس التجزأة والقطرية، إضافة إلى قبولها بتقديم تقارير سنوية عن عدد وأسماء أعضاء الأحزاب والمنظمات إلى الحكومات التي من المفترض أن تشكل ضغطاً عليها كي تحقق مطالب الجماهير التي انبثقت عنها كما يقولون وتنطق باسمها، كل ذلك تحت مسمى "الديمقراطية" و"المعارضة المشروعة" حتى أصبح أي تنظيم لا يقدر على القيام بتظاهرة إلا بموافقة ذلك النظام، والأدهى هو أن ذلك النظام بات يتحكم حتى في الشؤون الداخلية لذلك الحزب أو التنظيم أو الجمعية ويفرض عليهم تعديل وإلغاء الكثير من أهداف ومبادىء ودستور ونظام تلك الأحزاب والتنظيمات والجمعيات السياسية والدينية، مع العلم أننا نعتقد أن كل تلك القوى مخترقة ومزروع فيها عناصر استخبارية أو أن هناك عناصر ربما في مراكز قيادية تنقل للسلطات كل التحركات والقرارات التي يتم بحثها وطرحها داخل اجتماعاتهم المغلقة، ووفي هذا الصدد أيضاً هناك الكثير مما يمكن أن يقال، وهنا لا نستثني وسائل الإعلام وكتّابها وتوجهاتهم وتوجيهاتهم اليومية التي تصلهم من الجهات العليا للتركيز على موضوع ما أو قضية ما لغرض إما تخفيف الضغط والحنق الجماهيري المتعاظم، تماماً كما يحدث إثر كل مجزرة يقوم بها الكيان الصهيوني، أو تحالف الشر في العراق والقول بأن جلالة الملك أو الرئيس أو الأمير (حماه الله وسدد خطاه) أنه يتابع باهتمام ولا يقبل بما يقوم به الكيان الصهيوني في فلسطين أو قوى الاحتلال في العراق، أو... أو... وصولاً للقول أنه يجب العمل على تحقيق ما يسمونه "السلام القائم على العدل" وكأن الجماهير والأمة لا تريد السلام ولا تريد العدل!! وإما لغرض سحب البساط من تحت التنظيمات والأحزاب والجمعيات وهنا تكمن المصيبة الكبرى في تلك القيادات التي لا تعرف كيف تتحرك ولا كيف تضغط على الأقل من أجل تحقيق مطالب الجماهير وربطها بما قاله هذا الملك أو الأمير أو الرئيس!!، وكذلك المجال مفتوح في هذا الصدد كي نقول ويقال الكثير.

فكلما حاولت أن أكتب ما يجيش في خاطري حول مجريات الوضع في بلاد العرب من المحيط إلى الخليج تتسارع إلى بريدي مئات الكتابات حول مجازر غزة التي يتساقط فيها الأبرياء من الأطفال والنساء والشباب والشيوخ، ليس لذنب سوى أنهم فلسطينيون، يريد أعداء الإنسانية اقتلاعهم من أرضهم التي عايشت الويلات منذ بدايات القرن الماضي مروراً بالنكبات المتعاقبة، وصولاً إلى يومنا هذا، وكأن قدر هذا الشعب الصمود والشهادة، من أجل أن تفيق هذه الأمة من غفوتها لتنصر ذاتها أولاً من خلال نصرة فلسطين العروبة والتاريخ والمقدسات، حتى أنني لم أعد أستطع صبراً وضقت حنقاً ليس على ما يرتكبه به عتاة الأشرار في العالم فقط ضد الشعب الفلسطيني البطل الصامد والمتشبث في أرضه كما ذكرت، بل أن حنقي هو على كتّاب البيانات من داخل البلاد العربية ودون استثناء، وما أكثر البيانات عند المصائب، وما أكثر المصائب في بلاد العرب من المحيط إلى الخليج.

ولا بد من التنويه هنا إلى أنني لست ضد إصدار البيانات، لأنني أؤمن بأنها تساعد على التعبئة الجماهيرية وتوضح مواقف أبناء الأمة بمختلف انتماءاتهم وميولهم السياسية والاجتماعية، ولكن ليس بالبيانات وحدها تعود فلسطين حرة عربية وتعود قضية العرب المركزية، وكذلك قضية العراق المحتل وباقي قضايا الأمة وما أكثرها، ولو أن تلك البيانات ترافقت مع عمل شعبي وتحرّك سياسي وحزبي منظّم كان أجدى وأفعل على أرض الواقع، ألم يقل السيد المسيح عليه السلام (ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان)، وكي لا أطيل أنقل بعض كلمات وجمل بعض ما وصلني ومما أوردته وكالات الأنباء ووسائل الإعلام على مختلف اتجاهاتها وميولها وذلك باختصار شديد، (عشرات الآلاف يتظاهرون احتجاجاً على المذابح التي يرتكبها الصهاينة في غزة يرفعون شعارات ولافتات ويرددون هتاف "من غزة لبيروت شعب واحد لا يموت")!! (مجالس النواب والأمة والنواب يدينون ويستنكرون المجازر الوحشية في غزة)!! (الأحزاب بمختلف عقائدها وتوجهاتها القطرية والقومية تدين المجازر وتشجب التواطؤ العربي الرسمي والدولي)!! (الغليان في شوارع مصر والأردن وموريتانيا واليمن وباقي الأقطار العربية وتزايد دعوات إنهاء التطبيع مع الكيان الصهيوني)!! (المؤسسات والتنظيمات المدنية وجمعيات حقوق الإنسان ومختلف النقابات المهنية والعمالية والكتّاب والإعلاميين والأدباء والشعراء والصحافيين والفنانين ورجال الدين وكل أصناف المنظمات والجمعيات على مختلف مسمياتها وأطيافها وألوانها كلها تدين وتشجب وتستنكر وتطالب وتدعو المجتمع الدولي للتدخل لوقف المحرقة الوحشية في غزة)!! (نداءات بالجملة موجهة من رؤساء وزارات سابقين ونواب حاليين وسابقين وكتّاب وأدباء وما إلى هنالك من صفات وألقاب، إلى الأنظمة العربية وإلى جامعتهم الميتة، وإلى هيئة الأمم المتحدة، والاتحادات والمنظمات الدولية والإقليمية والعربية تطالبها بالتدخل لوقف المجازر والمحرقة ضد في غزة)!! والأنكى هنا هو استعمال جملة "التي ترتقي إلى مصاف الإبادة الجماعية" وكأن كل ما جرى ويجري ضد شعب فلسطين ليس بالفعل هو إبادة جماعية!! وكذلك "الضغط على كافة أطراف النزاع في المنطقة على احترام القانون الدولي الإنساني في عدم استهداف المدنيين"، وكأن الفلسطينيون هم الذين يرتكبون الجرائم ضد المحتلين!! وأيضاً استعمال جملة تلك "الإجراءات التي ترتقي لمصاف العقاب الجماعي ضد المدنيين وانتهاكاً سافراً للقانون الدولي الإنساني"، وكأن الكيان الغاصب لفلسطين العربية وبحماية من إدارات الشر الأمريكية المتعاقبة من "جمهوريين" و"ديمقراطيين" إضافة إلى أتباعهم في بريطانيا وفرنسا وباقي الدول الأوروبية يراعون تحقيق ما يسمونه "اتفاقية جنيف الرابعة" أو ما يسمونه "الشرعية الدولية"!!

أكتفي بهذا الإيجاز المختصر مما وصلني من رسائل وبيانات وما تناولته وكالات الأنباء ووسائل الإعلام كي أقول كلمة بسيطة تعبّر عن رأي مواطن ما في مكان ما في قرية نائية ما لا يصلها الكهرباء ولا الماء ولا الهاتف ولا أي من وسائل التكنولوجيا الحديثة في بلاد العرب من المحيط إلى الخليج، وهي أننا لو أحصينا عدد البيانات وعدد الموقعين عليها، إضافة لعدد عناصر الهيئات التنفيذية في النقابات والمنظمات المهنية وأصحاب المهن الحرة، وأعضاء اتحاد الكتّاب والأدباء، وعناصر نقابات المحامين والأطباء، وعدد النواب والوزراء والأحزاب السياسية والدينية، والجمعيات الخيرية، وأعضاء منظمات حقوق الإنسان، إضافة إلى الإعلاميين والشعراء والفنانين، وكذلك بعض رجال الدين الذين يتبوأون المناصب في لبنان وفي مصر وغيرهم من الأقطار العربية وبمختلف مذاهبهم ودياناتهم والذين هم في واقع الأمر سبب البلاء الأكبر في تفتيت هذه الأمة، وغيرهم الكثير وما أكثر الدجالين في بلاد العرب، ربما يصل العدد إلى عشرات الآلاف إن لم يكن مئات الآلاف، أقول لو أن هؤلاء فعلاً يريدون الخير والتقدم لهذه الأمة ولتحقيق الازدهار والمستقبل المشرق والأفضل كانوا على الأقل اتفقوا على تنظيم مسيرة موحدة كلٌ في قطره ومدينته وعاصمة بلده، ولو أنهم فعلاً يريدون مساندة شغب فلسطين وتحرير القدس من الغاصبين كانوا على الأقل تشابكوا يداً بيد وهبّوا متوجهين إلى قصور الرؤساء، وإلى قصور الملوك والأمراء، وإلى مجالس رؤساء الوزارات في يوم محدد وهددوهم بالقول والفعل بأنه يجب فوراً ودون إبطاء أو أي تأخير وقف كل مجالات التطبيع وبمختلف أشكالها وألوانها مع الكيان الصهيوني ومع أمريكا أولاً، ومن ثم فتح الحدود وكسر الحواجز بين الأقطار العربية، وتسيير دفعات من عربات نقل المساعدات الغذائية والطبية وغيرها مما يعزز صمود أبناء فلسطين، وإرسال كافة مستلزمات إدامة صمود هذا الشعب في وجه الاحتلال، وإذا لم يفعل الرؤساء والملوك والأمراء ذلك وفوراً، يتم تشكيل لجان مساندة ودعم على مختلف الصعد، سياسية وغيرها، للتوجه إلى فلسطين كما فعل أبناء الأمة الأحرار والشرفاء منهم في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي حيث شكلوا لجان نصرة فلسطين حتى لو أدى ذلك إلى الاشتباك المباشر مع عناصر وأزلام أنظمة السوء والهوان المتحكمة في بلاد العرب من المحيط إلى الخليج، لأنه في حال سقوط جريح أو شهيد واحد من أبناء الأمة فأن ذلك سيؤدي إلى ثورة شاملة تعيد صياغة الواقع العربي برمته، لأنه وباعتقادي إذا لم تتحرك الجماهير والقيادات الشريفة الوطنية والقومية في هذه المرحلة من أجل وضع برنامج عمل مشترك نابع من صميم إرادة الجماهير المؤمنة بحقها في الحياة فأنه يمكن القول بأنه على الأمة والإنسانية السلام لمدة خمسين سنة قادمة على الأقل، وأنه إذا لم يتم تحرّك جماهيري منظم وواسع من أجل إعادة روح النضال والمواطنة إلى المواطن المحبط والمقهور فأنه لا يمكن أن تعود للأمة كرامتها وللمواطن عزته ووطنيته، لأن هذا المواطن المغلوب على أمره ضاق بهكذا أنظمة وهكذا قيادات ونواب وأحزاب وتنظيمات لا تبيع سوى الكلام والأوهام.

قد يقول قائل بأن هذا كلام أوهام وليس أكثر من حبر على ورق، وهو نابع من شخص بعيد عن واقع الأمة لأن (أكل العصي ليس كمن يعدّها) في زمن الفساد الرسمي المنظم، وأن الجالس وراء مكتبه ليس كمن يعيش واقع الأمة الممزق بسبب رجال الدين والسياسيين والقيادات الحزبية المختلفة الذين يعملون على تنفيذ مصالحهم والبقاء على عروشهم متنعمين بالكهرباء والماء والدواء والعلاج في أفضل مشافي العالم بينما المواطن يموت على أبواب مشافي الوطن دون أي يجد ثمن حبة لوقف الصداع، بينما أزلام الأمراء والملوك والرؤساء والمصفقين لهذا النائب أو ذاك القيادي يحصلون على أكياس الطحين وتنك الزيت وغير ذلك من مواد غذائية، إضافة إلى كل ما يتمنونه من وسائل التكنولوجيا الحديثة، في الوقت الذي يموت فيه ابن، أو زوجة، أو أم، أو أب، أو أخ، أو أخت المواطن المغلوب على أمره دون أن يجد من يسعفه بلقمة خبز أو حبة دواء في زمن العهر السياسي.

أقول أنه كل ذلك صحيح وقد يقول البعض ويزيد على هذا الكلام، وهو محق في ذلك، وأنه من الصحيح أنه (مّنْ يأكل العصي ليس مثل الذي يعدّها) ولكن المثل الشعبي العربي المعروف يقول (ما حك جلدك مثل ظفرك)، وأن كل ما يمكن أن أقوله في هذا الصدد أنه يجب على المواطن في بلاد العرب من المحيط إلى الخليج أن يخرج من حالة التبعية لهذا النائب، أو ذاك القيادي، وعلى الشرفاء والأحرار من أبناء الأمة الذين ينتمون إلى هذا التنظيم أو ذلك الحزب أو تلك الجمعية أن يقدموا مطلبهم الواضح والصريح من خلال كتاب رسمي يعبّرون فيه عن آمالهم وآمال الجماهير والعمل على تحرّك فوري من أجل التغيير وإزالة الحدود المفروضة وبذلك يبدأ التغيير نحو الأفضل كما أعتقد، وإلا يعلنوا انسحابهم الجماعي من ذلك الحزب أو التنظيم أو النقابة أو الجمعية أولاً.

أو من خلال تشكيل مجموعة جديدة من الأحرار والشرفاء، المؤمنين الوطنيين والقوميين، والمعروفين بتاريخهم النضالي الوطني والقومي ربما يطلقون عليها اسم (النواة) ومن ثم توجيه دعوة فورية إلى كافة القوى الحية في باقي الأحزاب والتنظيمات والجمعيات والنقابات لتشكيل نواة عمل مشترك تنطلق من واقع جديد من أجل يوم جديد ومستقبل أفضل، وكذلك الاتصال بالأغلبية من أبناء الأمة غير التابعة أو المرتبطة بطريقة أو بأخرى بهذا التنظيم أو ذلك الحزب أو تلك الجمعية من أجل البدء بالتحرك الفوري من أجل فرض الواقع الجديد على هؤلاء جميعاً، وبناء عليه يتم تشكيل نواة جماهيرية واسعة تحقق تطلعات الجماهير وآمالها من أجل مستقبل حر ومزدهر لهم ولأولادهم وللأجيال القادمة، وفي حال تمكنت القوى الحية من أبناء الأمة العربية من تحقيق ذلك فأنهم سيفرضون واقعاً جديداً على الأرض كما سيفرضون على كل الفصائل الفلسطينية العودة إلى وحدة النضال والكف عن المهاترات والصراع، ومع أن تحقيق ذلك فيه من الصعوبات الكثير بسبب الأنظمة والاختراقات للقوى الحية وارتباط بعضها بإيران وأمريكا وغيرهم، ولكن لا بد من التحرّك للخروج من حالة الذل والمهادنة التي يموت فيها كل حر وعربي يومياً مرات ومرات في الوقت الذي يستشهد فيه أبناء فلسطين من أجل إبادتهم واستيلاء قوى الشر على كامل فلسطين وكل بلاد العرب من أجل تحقيق السيطرة الاقتصادية والسياسية.

من هنا أقول أن كل الأحرار والشرفاء المهاجرين والمهجّرين من أبناء العروبة في أماكن تواجدهم على أرصفة الاغتراب يمكن أن يساهموا في إسناد أي تحرك جماهيري وطني وقومي، من خلال الإعلام أولاً، ومن خلال المسيرات والاعتصامات ثانياً، وأن كل المهاجرين الأحرار والشرفاء ومن منطلق معرفتهم بساحاتهم وقوانين البلاد التائهين فيها، ومن خلال أصدقائهم غير العرب الذين يؤيدون ويؤازرون الحق العربي وحقوق الإنسان في كل مكان وهؤلاء كثر والحمد لله يمكن أن يساندوا ويدعموا بشكل أو بآخر كل الأحرار والشرفاء في بلاد العرب من المحيط إلى الخليج.

وأخيراً كي لا نكرر قول (لقد أسمعت لو ناديت حيا، ولكن لا حياة لمن تنادي) أقول أنه إذا لم يتحرك كل الأحرار والشرفاء من أبناء الأمة، وبمساندة من كل الخيرين من أبناء تلك الأمة التي أعطت للعالم أجمع العلم والمعرفة وأضاءت دروب البشرية بالخير، فأن قوى الشر والحقد من فرس وصهاينة وأتباعهم من أنظمة الهوان سيتحكمون بمقادير بلاد العرب من المحيط إلى الخليج إلى أن يرسل الله لهذه الأمة قائداً وطنياً وقومياً جديداً يعيد لها عزتها وكرامتها، مردداً بائية الشاعر ابراهيم اليازجي:

تنبَّهُـوا وَاسْتَفِيقُـوا أيُّهَا العَـرَبُ

فقد طَمَى الخَطْبُ حَتَّى غَاصَتِ الرُّكَبُ

فِيمَ التَّعَلُّـلُ بِالآمَـال تَخْدَعُـكُم

وَأَنْتُـمُ بَيْنَ رَاحَاتِ القََنَـا سُلـبُ

اللهُ أَكْبَـرُ مَا هَـذَا المَنَـامُ

فَقَـدْ شَكَاكُمُ المَهْدُ واشتاقتـكُمُ التُّـرَبُ

كَمْ تُظْلَمُونَ ولَسْتُمْ تَشْتَكُونَ

وَكَمْ تُسْتَغْضَبُونَ فَلا يَبْدُو لَكُمْ غَضَـبُ

أَلِفْتُمُ الْهَوْنَ حَتَّى صَارَ عِنْدَكُمُ طَبْعَاً

وَبَعْـضُ طِبَـاعِ الْمَرْءِ مُكْتَسَـبُ

وفَارقَتْكُمْ لِطُولِ الذُّلِّ نَخْوَتُـكُمْ

فَلَيْسَ يُؤْلِمُكُمْ خَسْفٌ وَلا عَطَـبُ

لِلّهِ صَبْـرُكُمُ لَـوْ أَنَّ صَبْرَكُـمُ

فِي مُلْتَقَى الْخَيْلِ حينَ الْخَيْلُ تَضْطَرِبُ

كَمْ بَيْنَ صَبْرٍ غَدَا لِلـذُّلِّ مُجْتَلِبَـاً

وبَيْنَ صَبْـرٍ غَدَا لِلعِـزِّ يَجْتَلِـبُ

فَشَمِّـرُوا وانْهَضُوا لِلأَمْـرِ وَابْتَدِرُوا

مِنْ دَهْرِكُمْ فُرْصَةً ضَنَّتْ بِهَا الحِقَـبُ

 

 المحرر

إلى صفحة مُشاركات الزوار9