18/11/1428

المقاومة أو النصر: سننتصر

 

المقاومة الشعبية وحدها قوة الإسناد الرديفة

"حق الجار" قيمة

أخلاقية وتنظيمية

 موقع النهى*

 بقلم غياث الدين العزاوي

 

    عندما سعى الاحتلال في أول مجلس حكم إلى تغيير العلم العراقي , مارس الشعب إرادته في هبة جمعية , معلنا قراره بالتمسك بعلمه الوطني وما يرمز إليه , فرفعه فوق البيوت في كل أنحاء العراق , وثبته على طول اسيجة المرافق العامة , وعلقه يرفرف فوق السيارات والدراجات , والمحال التجارية , وتوازعه في كل منطقة وحي , وثبته فوق الصدور , وأصبح رمزا للثبات الوطني حتى هذه اللحظة , يباع في الأسواق داخل العراق وخارجه , في أشكال مختلفة , على شكل ميداليات , وأقلام , وقبعات وقمصان , وعلامات ملصقة بالملابس .

    مارس الشعب إرادته كقوة ضغط باستمرارية لم تنقطع حتى هذا اليوم .

    وعلى مستوى آخر , رضخت الطبقة السياسية التي أنجبها الاحتلال , والحكومات الصنيعة المتتالية , وجعلت العلم العراقي الوطني خلفية " لانتمائها إلى العراق " ودالته من باب التملق للشعب.

    وعلى الرغم من أن بعض تلك الرموز يحاول بين الحين والآخر تمرير احتمال تغيير العلم على قاعدة " دستورهم " , كاشفين عن رغبة مبيتة لمحو كل ما يشير إلى الوطنية والوطن , إلا أن الشعب فوت عليهم ذلك , وأجبرهم على إنزال رؤوسهم تحت سطوة العلم الوطني .

    هذه الهبة كانت بمثابة انتفاضة شعبية عارمة , حددت مهمتها بمهمة خطيرة الشأن , وعبرت عن الضمير الجمعي عندما يستفز في لحظة معينة كيف ينجح و يخلق مناخا متألقا للمقاومة الشعبية , والتي بدورها تجسد أهم رديف وأكثره فعالية في إسناد كل أشكال المقاومة الأخرى وعلى رأسها المقاومة المسلحة .

    في تجربة المقاومة العراقية للاحتلال وزبانيته , تراكمات من خبرات المقاومة الإعلامية والسياسية والاقتصادية والاحتجاجية الضاغطة , وواحدة من أفضل أشكالها تلك التي تجلت أخيرا بإضراب عمال النفط واعتصامهم عند نصب الحرية في بغداد والدعم والتأييد السنيد الذي حصلوا عليه من قبل الفعاليات السياسية الوطنية , والنخب , والمنظمات التي اصطفت في موقفها الرافض "لقانون النفط" الذي اتى بالاحتلال الى العراق .

    ان هذا النمط من المقاومة لا يجوز ادراجه تحت "المقاومة السلمية" كما يحلو للبعض , لغرض عزله عن المقاومة المسلحة ثم لتجيير "المصطلح" لصالح ربط المقاومة المسلحة بالعنف والارهاب , ولن نناقش - هنا – مشروعية المقاومة المسلحة في مواجهة عنف العدوان والاحتلال وكونها ارقى شكل من اشكال المقاومة , لكوننا لسنا بحاجة الى اثبات شرعيتها , كما اننا لسنا بصدد اعادة الحوار فيها , وهي المحور الوطني الرئيسي الذي صاغ مشروعه التحرري منذ اليوم الاول للاحتلال والى لحظة التحرير المنشودة ان شاء الله .

    انها المقاومة الشعبية الرديفة للمقاومة المسلحة , التي قد تنجز احيانا مهامها بشكل امضى واسرع من المقاومة المسلحة في حيز محدد من مساحة النضال الشاسعة , كالمقاطعة الاقتصادية التي هبت في العالم الاسلامي ضد البضائع الدنماركية وجعلت الحكومة الدنماركية تنصاع لارادة الجموع وكذلك الشركات خوفا من سلاح المقاطعة الاقتصادية .

    نعترف بان المقاومة الشعبية وفورات الضمير الشعبي قد ترتبط قوتها وسطوتها بردة فعل ازاء واقعة , بعينها , لهذه الواقعة تاثير مستفز للجموع وقد ينتج عن هبتها انتفاضة عارمة كانتفاضة الارض في فلسطين . رغم ان الانتفاضة الفلسطينية امتدت لسنوات طويلة وعلى مرحلتين لتنتهي الى انتفاضة مسلحة , مازالت تداعياتها تعكس نفسها على الساحة الفلسطينية .

    كما نعترف ان العدو , والانظمة المهيمنة المضادة لشعوبها , عملت على دراسة الهبات الشعبية ,و الانتفاضات , وراكمت خبرا , وابتكرت وسائل لئيمة مختلفة لاجهاضها . وعلى مستوى اكثر عنفا فانها لا تمتنع عن خوض مواجهات عنيفة تصل الى حد الابادة الجماعية . وفي الحالة العراقية فان الاحتلال وعملائه واتباعه المحليين اعتمدوا جميع الوسائل القذرة لقمع الحراك الجمعي , وشق صفوفه , واشعال الفتنة فيه , وتغذية الغرائزية , والاعتماد على المجرمين وفرق الموت لتخويف الشعب , بخلق حالة تهديد امني نفسي واجتماعي , لعزل الشعب عن مشاعره الوطنية بتهجيره وتخوفيه من التفاعل مع الشارع المفخخ , ولعل ابشع ما انتجه هو ما يسمى "بعشائر الصحوة" او "قوى الاسناد" والتي يتركز دورها على إزاحة المقاومة والحلول محلها مقابل شراكة العدو في الإدارات المحلية والحصول على مليارات الدولارات كما صرح ابو ريشة مؤخرا , بان العشائر تحتاج الى مليارات الدولارات لتصطف مع  "الامريكي" .

    ولان الاحتلال بحد ذاته مشروع مضاد للحياة , ولان ادواته من الاتباع حالة معزولةعن حاجات الشعب الوطنية ولانها حالة ارتزاقية مكشوفة , فان الشعب يكشف وسائل العدو مهما حوصر بسياسة التخويف والياتها .

    ولان الشعب حالة تاريخية ترتكز على الثوابت الوطنية التي يصوغ عقد اجتماعي ضميرها الجمعي , فان العوائق التي توضع امامه لضعضعة دوره في ممارسة ارادته الجمعية , ذات تاثير وقتي , ينتهي تاثيرها بعجز القوى المضادة عن إدامتها , ولقدرة الشعب من جانب اخر على تجاوزها بدوافع التحدي العميقة المغروسة في ضميره . والادلة التاريخية المعاصرة كثيرة حولنا وفينا , اذ ان الثورة الفلسطينية ومقاومتها وتداعياتها النضالية ما زالت تخوض حراكها منذ 80 عاما تقريبا ,  ومازال الكيان الصهيوني اليهودي اسير مازقه رغم كل الدعم الذي يناله من معسكر الامبريالية .

    اما افغانستان التي احتلت قبل العراق , فان مناضليها استمدوا من المقاومة العراقية روحا جديدة, وخبرا مضافة , فتصاعدت مقاومتهم الى الدرجة التي اخذت تعيد صياغة كفة المعادلة لصالحهم .

    في الحالة الفلسطينية والحالة العراقية فان المقاومة الشعبية جسدت الدور السنيد الحقيقي والطبيعي للمقاومة المسلحة رغم شراسة الهجوم المضاد للعدو سعيا لاجهاضها .

    قد يتهيا لبعضنا ان المقاومة المسلحة قد خفتت تحت قوة وعسف هجمة العدو في خطة اعادة احتلال العراق بدءا من بغداد نحو المحافظات والمدن والقرى المقاومة باسناد من زمر خيانية تسمى مرة "بعشائر الصحوة" ومرة بقوى الاسناد , والنموذج في الرمادي والعامرية في بغداد. مما انعكست نتائجها على ارادة الحالة الشعبية العراقية , حيث يجد ذلك البعض انها اليوم تعيش حالة ياس  او ملل جعلها تذعن لارادة العدو , والزمر الخائنة .

    اننا ندرك نحن الذين نعيش الحالة العراقية ونتنفس برئتيها , كيف تتعرض البيئة المقاومة للانكماش والتمدد في خضم التحديات التي تواجهها والمؤامرات التي تحاك ضدها , باتكاء العدو على نقاط الضعف فيها ثم التآمر لاختراقها .

    كما نعلم بالملموس ان ثمة منافسة بين فصائل المقاومة على خلفية اتجاهاتها المتعددة للهيمنة على الارض لاسباب لسنا الآن بصدد التعرض لها . مما يسمح عمليا للعدو والفئات والزمر المرتبطة مصالحها به , باختراق نقاط الضعف الناشئة من صراع تنافسي اما غير ناضج وغير مسؤول , واما تنافس واقعي في معترك المخاض الطبيعي والفرز المطلوب لانتاج اطر للمقاومة تتجه بالضرورة نحو مصالحها بالتوحد .

    وهنا فان البيئة الحاضنة أي البيئة الشعبية تجيد بدورها ممارسة الانسحاب والتكور , او الانطلاق والتفاعل مساهمة في انضاج عمليتي التمخض والولادة لصالح حاجاتها , وليس لصالح الحالة الهجينة , والمضادة لمصالحها .

    عمليا ان الضمير الجمعي العراقي يتسم بوعي ثاقب , كما ان بيئة المقاومة واعية لابعاد المعركة وما يترتب عنها من توالي الهجوم المضاد , لا سيما ان هدف المشروع الامريكي وعملائه هو القضاء على مفهوم المقاومة وقيمها في العراق والمنطقة ليتسنى له ممارسة هيمنته دون اية مقاومة وليتحول فعل الهيمنة الى حصة شراكة في صناعة مصير المنطقة , وهذا ما ندركه جميعا , ويعلنه المشروع الامريكي بشكل واضح ودون مواربة .

    لذا استمرت المقاومة تفاجئنا بقدرتها على الكر والفر ملتفة على موازين القوى , محمية بكثبان صحرائها الشاسعة .

    اما الوعي الشعبي , فانه لم يفقد بوصلته , ولم تعمه اضاليل "زمر الصحوة" او غيرها , كما تنتظر البيئة الشعبية للمقاومة فرصة اصطياد لحظاتها الزمنية المتالقة بين هبة وهبة .

    ولان البيئة العشائرية هي البيئة التي حافظت على كيانها كمجتمع اهلي فقد كل عناصر مأسسته في مؤامرة التفتيت , فاننا ندرك جميعا ان هذه البيئة هي التي تنتج للارض مقاومتها , وهي التي تتسلح بدوافع الثار والشرف والكرامة وترفض غزوات الغزاة الطامعين ولا تفرط بمعطيات الارض والوجود , وهي التي حمت العراق من حرب اهلية , تفنن العدو في اشعال فتنها , وعلى الرغم من ان اهل العمائم من مسيسي المذهب والدين الضالعين في مخطط تقسيم العراق عملوا على اشعال الفتنة بالحديد والدم , ذريعة لتقسيم العراق , ومشاركة العدو بحصص من العراق بعد ان دفعوا وثائق بيعة الخيانة .

    وعليه لاعنوان للصحوة التي تقود الى الظلم و الظلامية والخيانة , ذلك ما يتنافى وبنية العشيرة , المتمسكة بقيمها , سلاحها في البقاء لأنها لصيقة بالأرض , فكيف تتناغم قيم الشرف والنخوة والثار مع الخيانة والمتاجرة بالارض والعرض .

    ان البيئة العشائرية ركيزة اساسية في المقاومة الشعبية السنيدة للمقاومة المسلحة . لا سيما في محافظات العراق ومدنه وقراه , والتي تعكس مؤثراتها على المدن والمناطق الحضرية .

    اما اهم ركيزة قيمية يتكئ عليها السلوك العربي الاسلامي في منحاه العشائري ومنحاه الحضري فهي "حق الجار" وليس المقصود هنا بالجار الاقليمي وانما مجموع الوحدات الاجتماعية التي تنطلق من الاسرة وتشكل المنطقة السكنية الاوسع الى حدود الوطن الام .

    وعليه فان "حق الجار" قيمة اخلاقية تطورت الى قيمة وطنية وانتجت بدورها قيمة تنظيمية , وهي القيمة الاهم بالبعدين القيمي والتنظيمي , التي تؤسس آليات المقاومة الشعبية والمقاومة الاقتصادية والمقاومة المسلحة .

    ذلك يستدعي عند الفعاليات السياسية والعسكرية للمقاومة ان تطور أداءها بالتفاعل الواعي مع هذه القيمة تستمد منها الدعم والمساندة في اعادة تاهيل بيئة المقاومة وتنظيفها من اثار فساد الفاسدين .

    في متابعة لاحقة, قد نتحاور بصوت عال حول وسائل وآليات حراك تنطلق من قيمة "حق الجار" لتحفر للمقاومة عمقها الذي لا ينافسها عليه منافس.

إلى صفحة مشاركات الزوار7

إلى الصفحة الرئيسية