15/12/1428

بسم الله الرحمن الرحيم

  

 

 اللاجئون العراقيون يسقطون ضحايا مرة أخرى

    ترجمة: د. عبد الوهاب حميد رشيد

 موقع النهى*

    إنه شاب في العشرينات، تتقد عيناه حيوية، وله وجه مشرق وابتسامة مرحة، ومع ذلك يظهر عليه ملامح تُشير إلى أن في داخله ما يصعب وصفه بكلمات.. لكنه وافق على أن يُحاول.. قابلني "مصطفى" في شقة صديق في إحدى ضواحي دمشق التي تعج بالعراقيين. أثناء تدخينه سيكارة بعد سيكارة بدأ يتحدث عن مأساته القابعة خلف كآبته.

     تبدأ القصة من بغداد عندما كان طالباً يدرس في الجامعة موضوع الأعمال التجارية business. في هذه الأثناء اختطفه جناة لا يعرفهم وعذبوه. أرادوا نقوداً. ولكن لا هو ولا عائلته لديهم أي شيء. أخيراً تركوه يذهب، ولكن ليس قبل أن يجرحوه نفسياً ويتركوا آثار سكاكينهم في جسده.

* مصطفي يهرب من العراق

     قرر مصطفي ترك وطنه حالاً، وشق طريق سفره، مع مئات آلاف العراقيين الآخرين الهاربين من العنف المستمر، نحو سوريا بعد أن ترك خلفه عائلته قبل سنتين. كان في نشوة من نومه دون أن يقلق على سلامته. بل وحتى حصل على عمل بسيط ودبّر أمره ليدخر قليلاً من الدولارات، مع رغبته في العودة لمواصلة دراسته الجامعية والحصول على درجته العلمية. لكن حلمه الأخير كان في الذهاب والاستقرار في الخارج.

     تعرّفَ مصطفى، من خلال أصدقائه، على شخص أدعى أنه قادر على تحويل حلمه إلى حقيقة. مع 20 ألف دولار يمكن أن يُرتب له سمة دخول للاستقرار في كندا. لم يتمكن مصطفى من الرفض، عدا محاولة تخفيض المبلغ. أبدى الشخص "كرمه" بالموافقة على 15 ألف دولار فقط. أعطاه مصطفى كل مدخراته، ثم انتظر.. وبعدها اختفى الدعي. توقعتُ أن تتحقق كل أحلامي في كندا… كنت سأُكمل دراستي، لكن آمالي كلها تبددتْ،" قالها مصطفى. وهذا مثال حي واحد على ظاهرة انتعاش الاحتيال في سوريا ووقوع اللاجئين العراقيين ضحاياها.

     لا توجد إحصاءات موثقة، لكن الرسميين في الأمم المتحدة ولاجئين عراقيين في دمشق يعترفون أن ممارسات الاحتيال أصبحت ظاهرة مستوطِنة وواسعة- خُدع الكثيرون بدفع مئات إلى آلاف الدولارات للحصول على وثائق دولية، سمات دخول، هويات شخصية.. مزيفة- علاوة على تذاكر بأسعار مرتفعة، وكلها تقود إلى لا شيء.

     إنها مسألة عرض وطلب، والجناة يعرفون سوقهم. يعتمدون على/ ويستفيدون من معلومات يعرفونها عن حاجات المشردين الذين يتوقون إليها بيأس.. الحصول على الاستقرار في الخارج. اللاجئون ينشدون الاستقرار إلى حد اليأس.. وهذا ما يجعلهم في حالة ضعف ورخاوة إلى حد يرون مثل هذه العروض جيدة وحقيقية وطريقاً للخلاص..

    "أيّ مهاجر عراقي يُعاني حالياً من الرخاوة الشديدة، وليس مهمّاً منًْ يكون،" حسب اريك دنيسون، الكندي الشاب الذي ساعد مشردين عراقيين بإجهاضه بضع حالات سفر مزيفة الصيف الماضي، وأنضمّ إلى مكتب المفوضية الأممية للاجئين UNHCR في دمشق ووكالة الأمم المتحدة للاجئين. "الكثير من هؤلاء الناس متعلمون جداً، جاؤوا من الطبقة الوسطى، وربما هذا يُفسّر سبب وقوعهم ضحايا، لأنهم يريدون، وعلى نحو قاهر، العودة إلى حياتهم الاعتيادية."

* لا مكان للذهاب إليه

     لكن المشكلة لا تتجذّر في اللاجئين العراقيين مثل مصطفى، ولا حتى بالجناة ممن يخدعونهم، وعلى نحو مناف للعقل. المشكلة تنحصر في غياب الخيارات أمام اللاجئين ممن يرفضون قبول الخيار المتاح والمتعذر.. البقاء في العراق تحت خط النار..

     هؤلاء ممن يتحملون هذا الوضع- ومن لا يتحملونه- بدؤوا أصلاً بترك البلاد إلى الدول المجاورة. وفي حين أنهم في حالة أكثر أمناً في هذه الدول- سوريا، الأردن، مصر، لبنان- فإن لديهم القليل مما يعتمدون عليه في حياتهم- أعمال، تجارة، فُرص، خدمات اجتماعية- وتعتمد أساساً على المدخرات التي جلبوها معهم. وبالنسبة للكثيرين من اللاجئين بدأت هذه المدخرات بالنفاد، وليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه.

     الدول الأجنبية الراغبة بقبول لاجئين عراقيين، عادة ما تقبل أقلّية قليلة منهم سنوياً، والإجراءات تأخذ فترة طويلة. إن الأعداد الفعلية ممن قُبلوا تُشكل نقطة من جرّة/ دلو مقارنة بالأعداد التي تنتظر في أشد الظروف إرهاقاً. وهنا يذكر تقرير المفوضية الأممية للاجئين للعام 2007، أنها أرسلت ملفات حوالي 20472 لأكثر اللاجئين العراقيين رخاوة وضعفاً إلى 16 بلداً لإعادة توطينهم. تم قبول 20% منهم لغاية الأول من ديسمبر. هذا في حين أن عدد العراقيين ممن شُرّدوا من ديارهم- داخل وخارج العراق- يربو على 4.5 مليون!!

* معضلة العودة إلى الديار

    تقارير حديثة أعلنت بصوت صاخب إعادة توطين آلاف العراقيين في وطنهم. ولتعكس نجاح الولايات المتحدة (القوة المحتلة) وحملتها العسكرية. (في حين أن هذه الحملة شرّدت مليون عراقي آخر منذ فبراير الماضي). إنه لصحيح أن العنف  (التفجيرات وقتل الأبرياء من قبل فرق الموت المرتبطة بالاحتلال) قد انخفض في بعض المناطق، لكن المفوضية الأممية للاجئين تُشير إلى مسح ميداني للاجئين العراقيين في سوريا تم تنفيذه من قبل IPSOS يبين أن جزءً فقط من اللاجئين العراقيين (14%) يتركون سوريا للعودة إلى العراق لأنهم اعتقدوا بتحسن الظروف الأمنية. كما أن نسبة كبيرة من هؤلاء ممن قرروا العودة (46%) حسب التقرير هو بسبب "عدم إمكانية توفير ما يعتاشون عليه في سوريا." بينما يترك أكثر من ربع تلك النسبة بسبب "نفاد فترة إقامتهم وهم مجبرون على الرحيل."

     يقول مصطفى أنه لا يستطيع مجرد التفكير بالعودة إلى الوطن، ليس بعد اختطافه وتعذيبه. إنه قلق على عائلته عند العودة إلى بغداد، ولكن ليس هناك ما يستطيع فعله لمساعدتهم.

ممممممممممممممممممممممممـ

Iraqi refugees: Victimized again,Nahlah Ayed), urukinfo.net- Wednesday, December 19, 2007.

 

إلى صفحة مُشاركات الزوار7